التيار السياسى الاسلامى فى تركيا

ورشة الهوية والاندماج : محور الهوية والاندماج القومي
30 أغسطس، 2016
المنهجية الفكرية للحركات الإسلامية
30 أغسطس، 2016

طارق محمد نور
المقدمة:
عند الحديث عن الحركات الإسلامية التركية لا بد من الإشارة إلى أن التيارات الإسلامية التركية كلها لا تتعاطى مع السياسة لاعتبارات مختلفة مما دفعنا هنا للإشارة فقط للتيار السياسي منها.
شهد العالم بعد فترة الحرب العالمية الثانية نوعاً من الانفراج السياسي وكان العلم إذ ذاك يقوم على التنافس بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي جاعلاً من طلائع غزوه نشر الديمقراطية والنظام الاشتراكي الماركسي جاعلاً من طلائع غزوه نشر الشيوعية والاشتراكية ولم يسلم العالم الإسلامي من أن يكون ميداناً من أهم ميادين هذا الصراع. وتركيا بموقعها المتميز في الربط بين الشرق والغرب، وقربها الجغرافي من مركز هذا الصراع الذي سمي بالحرب الباردة جعلها الأكثر تأثراً لا سيما وأن القوى المتصارعة تعلم يقيناً أن هذا البلد فيه خطرًا( ) أشد فتكاً عليها من حربهما الباردة فكان الصراع فى تركيا ليس بين الرأسمالية والشيوعية كما هو فى ظاهر الأمر ولكن كان صراعاً لهاتين القوتين باتفاق للقضاء على الاسلام وأن استخدم ظاهراً اسم الإسلام كأداة للوقوف أما المد الشيوعي القادم من روسيا والمعسكر الشرقى. فالأمر لا يعدو أن يكون الإسلام في تركيا قد استفاد من مناخ الانفتاح الذى وفره ذلك الجو كى يخرج من القيد الذى أحكم عليه إبان فرض الدولة اللادينية التركية. فالإسلام خطراً على كلا النظامين. بل أن الهدف الأساس للحرب الأولى كان لإقصاء الإسلام و الهيمنة على شعوبه واستغلال ثرواتها. فلا يمكن لذلك الأمر أن يمحى من الذاكرة الأوربية إشتراكية كانت أم رأسمالية. وبذلك فقد شهدت الأمة الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين نهضة روحية فكرية كانت لتركيا الحالية نصيب وافر منها. و من نافلة القول التذكير بأن تركيا قبل أن تخرج للوجود باسمها ورسمها الجغرافى الجديد شكلت قلباً مهماً للإسلام في آسيا وأوربا منذ القرن الثالث عشر الميلادي. بل ويمتد إلى ما قبل ذلك التاريخ إن أضفنا إسهامات الأتراك السلاجقة الذين أسسوا حكمهم في منطقة الأناضول و اتخذوا من قونية عاصمة لهم في تركيا الحالية التي شهدت مجداً منذ القرن الحادي عشر الميلادي.
فان أردنا الإشارة إلى العنصر فالأتراك أصحاب هذا الميراث الطويل في الإسلام والمرتبط بعقيدة ودولة وحضارة وشهد لمدارسهم ومدنهم انتشار تيارات التصوف والمذاهب الإسلامية التي تخاطب حتى غير المسلمين كل ذلك والإسلام لم يغب عن سدة الحكم فأصبح ذلك ما يميز ذلك الميراث العظيم بحضور الدولة و مقام السلطنة والخلافة بحيث لا يستطيع المسلم أن يتصور الإسلام بلا دولة و خليفة وإن غابت في انتخاب هؤلاء الخلفاء الشورى وهذا الاتهام لا ينطبق عليهم فقط فبعد الدولة الراشدة لم يتسنى للمسلمين جو معافى يمكن من بسط الشورى في اختيار الحاكم فصارت ملكاً عضوضاً و جدت فيه الأمم التي تعلي من شأن الزعامة وكبير العشيرة كالأتراك إضفاءًا على شرعية الأسر الحاكمة من أبناء سلجوق أو عثمان بن أرتوغرل. أما الأمر الأهم فهو التأكيد على وجود الإسلام في حاكمية الدولة تشريعاً و قضاءاً ومنهجاً للعلم والعمل. فطيلة هذه القرون الطويلة منذ أن دخل الأتراك إلى الإسلام لم يعيشوا في غير دولة إسلامية الأمر الذي جعل أمرها مركوزاً في عقيدتهم و فكرهم. و من ذلك كان لا بد لأعدائهم من اتخاذ خطوة أكثر قوة وصرامة من داخل الدولة لزعزعة هذه العقيدة واستبعادها واجتثاثها من أصل الحياة في تركيا الحديثة ليصبح الأمر سجالاً من بعد ذلك بعد أن وضعت الأطر اللادينية للدولة وجاءت سنوات الانفتاح وأريد أن يكون هنالك بعض من الديمقراطية التي تعطي الشعب حق الاقتراع للسلطة دون المساس بعقيدة الدولة اللادينية بعد أن حسب أن التغيرات الاجتماعية التي ولدتها المناهج اللادينية في المدارس والتشريع والنيابة العامة ومؤسسات الدولة المختلفة قد آتت أكلها. فأصبح الأمر سجالاً بين المؤسسات الحزبية القائمة على أساس الدستور العلماني التي تحميه سطوة الجيش والمجموعات المتنفذة في النيابة العامة والجيش والتعليم والقضاء وبين المواطن صاحب التاريخ الطويل في الإسلام دولة وعقيدة، وقد عمل هذا المواطن جاهداً طيلة سنوات فرض اللادينية في مظاهر الحياة العامة على المحافظة عليها بكل ما أوتي من قوة وفكر وحيلة ودهاء وفطنة، فظل معين العقيدة والدين متقداً تحت ستار لا تصل إليه رماح الدولة الادينية. فإن كان هذا المواطن في مظهره حليق اللحية والشارب يرتدي البنطال والقميص ويدرس، إلا أن في المؤسسات العلمانية فقد ظلت أشواق قلبه تتجه نحو الله عقيدة وفكراً و سلوكًا خاصاً في أسرته الصغيرة أو جماعته الخفية. في هذا الجو الذي يقل فيه الطامعون ويتواثق فيه أولو العزم كيف استطاعت الحركات الإسلامية الاعتصام بحبل الله المتين في تركيا و كيف تسنى لها أن تشق طريقها و تتطلع إلى قيادة الشعب في المنابر العامة وصولاً إلى قيادة الحياة السياسية من أعلى منابرها وتلك المنابر التي ظلت حصناً متيناً لقادة اللادينية السياسية؟
الإرث التاريخي للإسلام في تركيا:
لعل أبرز ما يميز تجربة الحركات الإسلامية في تركيا رغم كل شيء هو كثافة الموروث التاريخي والقدم الراسخة في إقامة مؤسسات الدولة والحكم، الذي وجدته لدى دولة دامت فترة حكمها قرون عديدة، وحكمت كل الرقعة الإسلامية في قارات آسيا وأوربا وأفريقيا وما صحب ذلك من انتقال الخلافة الاسلامية إليها من العباسيين وانتشار المدارس الإسلامية والعقيدة على أساس المذهب السني الذي ظل مذهباً للسلطان. كما تميزت بقربها الجغرافي، ووجودها في أنحاء كبيرة من أوروبا وهي قد وقفت بجيوشها على أسوار وسط أوربا على أبواب فينا، مما جعل موضوع الهوية الإسلامية حاضر في أذهان الأتراك أكثر من أي شعب آخر من شعوب الأمة الإسلامية.
في هذه الرقعة الجغرافية الواسعة عاشت الشعوب الإسلامية بمختلف مذاهبها و أمزجتها الفكرية تحت كنف الخلافة فتعددت المشارب من التصوف إلى التيارات السنية الأخرى التي كانت تشكل في مجملها قوة للنسيج الإسلامي الواسع. هذا الإرث التاريخي جعل قيام وسرعة انتشارالحركات الإسلامية أكثر قابلية من أي مكان آخر. فعودة الدين إلى الحياة العامة لم تكن مشكلاً فلسفياً لدى الأتراك بل ساعد الموروث التاريخي وبقاء آثاره على الأرض مساجد مدارس وقصور ومتاحف تقف شاهداً على عظمة حضارة غابت بعد هزيمة ونصر، ثم استخدام معاول السلطان في القضاء عليها. فكانت هذه المعاول لا تهدم إلا ما كان من الشأن العام وفي مراكز قرارها لتبقى الجذوة متقدة في النفوس تبحث عن ميدان لها في التعبير وإن كان بمخالفة الحزب الحاكم الذي يأخذ على عاتقه تغييب الإسلام من مظاهر الحياة العامة.
تيارات التغرب في الدولة العثمانية:
لابد أيضاً من الإشارة هنا إلى أن تيار اللادينية الذي استطاع السيطرة على الأوضاع في تركيا وإعلان سيطرته التامة بقوة الجيش والقانون لم يكن وليد لحظة بل كان نتيجة للصراع الطويل داخل الدولة العثمانية بين تيارات التغريب والتيارات الإسلامية يمكن الرجوع به إلى أواخر القرن السابع عشر حينما بدأ بالأخذ بالأنماط الغربية في الفنون والتي تقف بعض التحف المعمارية شاهدةً عليه ثم تطور ذلك في التأثير في الحركات الفكرية داخل الدولة العثمانية التي وجدت في التطور والتفوق الغربي محاولة للخروج من التوقف الذي أصاب عجلة الإبداع في الدولة العثمانية ففضلت أن تنشئ أنظمة شبيهة بالنظم الغربية قلباً وقالباً.
وبعد أن حلت بالدولة العثمانية مشاكل سياسية داخلية كادت أن تعصف بها وجد التدخل الأجنبي في حنيات ذلك مواطيء أقدام للتدخل وفرض بعض الشروط التي أدت إلى اختلال نظام الدولة والتقدم الكبير للتيارات اللادينية للوصول إلى التأثير في القرار السياسى .
ومع التقدم الكبير للغرب وخططه الرامية للقضاء على الدولة الإسلامية وصلت التطورات بالدولة العثمانية أن تجبر أقوى السلاطين المدافعين عن إسلامية السلطنة السلطان عبد الحميد الثاني للتخلي عن الحكم لتتمكن جمعية الاتحاد والترقي ذات المشرب الغربي للتمكن من مقاليد السلطة في تركيا و تدخل الدولة العثمانية الحرب بجانب الألمان وتكون في الصف المهزوم.
جعلت هذه الهزيمة في الحرب العالمية الأولى الدولة العثمانية عرضة للتقسيم الذي فرضته اتفاقات الصلح بين الدول المنتصرة. إلا أن ذلك قاد للنصر حينما أحس المسلمون الأتراك بالمصير الذي يتهدد وجودهم الجغرافي فاستجمعوا قواهم وهبوا لصد الجيوش المنتصرة الراغبة في النيل من دولة الخلافة فتوحدوا تحت جبهة المقاومة القومية للوقوف أمام الشروط الجائرة لاتفاقية ثور . وكتب الله لهم النصر وقد خذلتهم قيادات المسلمين الأخرى التي رضيت بالتحالف مع الإنجليز والفرنسيين. كان النصر العثماني التاريخي على الإنجليز في مضيق القلعة السلطانية عند “جنق قلة” فاتحة لانتصارات على الجبهات الروسية والفرنسية واليونانية فأجبروا بذلك العدو على تعديل شروط الصلح لتخرج تركيا بحدودها الحالية إلى الوجود.
وقد كان لقيادات الأمة الإسلامية الروحية آنذاك قصب السبق في إذكاء روح الجهاد وإثارة حماس المواطنين في منابر المساجد وفي قراهم المختلفة . هذا الأمر يشير إلى أن الإسلام الذي تعبر عنه الدولة باعتبارها أنها القائد للمسلمين كانت أصوله مركوزة في جبلة شعبها المسلم الذي لم توقفه دواعي الفساد في الدولة أو اتجاهات التغريب من إجابة داعي الجهاد بل كانت قيادات الاتحاديين التي ناهضت أفكار الوحدة الإسلامية عند السلطان عبد الحميد الثاني تقود فرق الجيش في الميدان.
هذا الإرث وهذه الجذوة الإسلامية التي لم تخبو كانت المعين الذي تستزيد منه الحركات الإسلامية وعندما قامت الجمهورية وأعلنت عن مبادئها اللادينية. وجدت تلك التيارات الإسلامية والتي كانت تعيش في كنف خلافة إسلامية وجدت منها مطاردة من سلطة أقصت الإسلام من مظاهر الحياة فكان شغلها الأول الوقوف في وجه هذا التيار اللاديني والذي يرمي لإنهاء وجودها.
هذه الحركات والتيارات الإسلامية في تركيا لم تكن في ذلك العهد وحتى اليوم غريبة الوجه واليد واللسان، فإن ذلك التراكم التاريخي الذي تكونت من خلاله ليس عاملاً على وجودها فحسب، بل كان أيضاً العامل المؤثر والرابط القوي حتى للتكتلات العرقية التركية، بل والمكون الأساسي لبطاقة كل من أراد الفخر بانتمائه للعرق التركي أو للقومية والشعوبية التركية. فالرابط الأساسي لهذه الشعوب ذات الأصل التركي التي تمتد من التركستان الروسي وتركمانستان الشرقية على أطراف الصين إلى البلقان في أوربا هو الدين الإسلامي الذي قدموا أكبر تضحيات من أجله و كان استهدافهم على مر التاريخ بسببه بل وكان المكون الأساسي لحضاراتهم عبر التاريخ.
هذا الإرث التاريخي شكل رصيداً ومنهلاً يغذي أشواق التيارات والحركات الإسلامية في تركيا وكان جسراً للتواصل مع كافة قطاعات الشعب التي ظل الدين الإسلامي من أعز موروثاتها والذي تحرص أن تبقيه حياً في حنايا أسرها المحافظة. بل أن لهذا الأمر أيضاً علاقة بالإرث التاريخي لدى الدولة العثمانية التي حافظت على نسق من التعليم الأهلي الذي ترعاه الأوقاف و الجهات الاهلية وأعطت مساحة واسعة لأشكال التدين الشعبي والصوفي والذي يتم عبر مدارس ومذاهب التصوف المختلفة و قد أثر ذلك حتى في رجال الدولة و الجيش. بدلاً من الوقوف ضده.
جمهورية تركيا الحديثة و التطور الديمقراطى 1923-1946:

كما أشرنا من قبل فإن التيارات الفكرية الغربية لا سيما اللادينية منها كانت صاحبة اليد الطولى في النظام الذي قام على أنقاض الدولة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك ( 1923 – 1938 ) منشيء جمهورية تركيا الحديثة وخليفته عصمت أنونو( 1938- 1950 ) وكانت أهم مبادئ ذلك النظام اللادينية “Laiklik “وقد عمل ذلك النظام على فرضها بكل ما أوتي من القوة والفكر والحيلة لتصبح السمة الغالبة والمهمة في مكونات الدولة. ومن أجل ذلك كانت صيغة الحكم هي نظام الحزب الواحد حزب الشعب الجمهوري Cumhuriyet Halk Partisi وبالتالي شهدت تلك الفترة تضييق الخناق على العديد من التيارات خاصة الإسلامية منها. ولم تسمح الدولة الناشئة بتعدد الأحزاب السياسية فيها خوفاً من عودة ما عرف عندها بالرجعية التي كانت تساند الدولة العثمانية أو بصيغة أخرى خوفاً من ظهور أي تيارات معاصرة تعصف بالفكر اللاديني الذي تعلي الدولة من شأنه. ظل الأمر كذلك حتى قيام الحرب العالمية الثانية وما تلاها من حرب باردة وما شهده العالم من نزوع للديمقراطية التي تبشر بها أمريكا فدفع ذلك الأمر إلى أن يسمح النظام التركي بإنشاء أحزاب جديدة بجانب حزب الدولة في الفترة ما بين 1945 و1948 وكان القاسم المشترك بين هذه الأحزاب هو معارضتها غير المعلنة لأيديولوجية الحزب الحاكم والدعوة إلى الديمقراطية.
ونتيجة للسماح بإنشاء الأحزاب أعلن عن قيام حزب التنمية الوطني في 18 يوليو 1945 وأعقبه تأسيس الحزب الديمقراطي في 7 يناير 1946، والحزب الاشتراكي التركي في 14 مايو 6194 . وبالطبع كان قيام هذه الأحزاب السياسية على قرار الدستور العلماني ولم يكن الشعب يثق كثيراً في مصداقية تلك الديمقراطية وانعكس ذلك على أول انتخابات بعد السماح بالتعددية الحزبية في 21 يوليو 1946 إذ كانت النتيجة كالآتي:
حزب الشعب الجمهوري 395 مقعداً
الحزب الديمقراطي 64 مقعداً
المستقلين 6 مقاعد
ومن الواضح في هذه الانتخابات أن الحزب الحاكم كان يسعى لإقامة ديمقراطية تمكنه من المحافظة على السيطرة على زمام الأمور في الداخل وتتماشى مع التطور الديمقراطي العالمي.
الفترة ما بين 1946 و حتى 1950:
شهدت الفترة بعد عام 1946 قيام أحزاب أخرى كالحزب القومي وحزب التنمية القومية والتي سعت لاستقطاب الشخصيات الدينية وشيوخ الطرق الصوفية بهدف كسب التأييد من أنصار هذه الجماعات، والتقرب بأحسن الطرق لقطاعات الشعب التركي المختلفة وقد شجع قيام انتخابات 1946 الأحزاب والشعب التركي على إمكانية معارضة الحزب الحاكم السعي والتداول السلمي للسلطة وقد استطاع الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس والذي أبرز معارضته للنهج الكمالي أن ينجح في استقطاب طلاّب رسائل النور بالإضافة إلى عدد من شيوخ الطرق الصوفية وخاصة النقشبندية، و كذلك استطاع حزب الملّة الذي أسسه عثمان بولوك باشي أن يجد له أنصاراً من بعض مشائخ الطرق الصوفية, أما بقية الأحزاب فلم تحظى بثقة الجماعات الدينية بسبب إغراق بعضها في القومية التركية أو ارتباطها بالقيادة العسكرية الكمالية بشكل مباشر أو غير مباشر آنذاك. ونتيجة لدعم التيارات الإسلامية والقوى المحافظة كانت نتيجة انتخابات عام 1950 فوزاً كاسحاً للحزب الديمقراطي الذي حاز على 53% من أصوات الشعب التركي ليقصى لأول مرة حزب أتاتورك عن الحكم والذي لم يحصل إلا على 39% من الأصوات .
ومن الواضح أن التيارات الإسلامية حتى هذا التاريخ فضلت البقاء خارج حلبة التناقس السياسي فلم تشكل لنفسها أحزاباً خاصة بها وفضلت دعم الأحزاب السياسية التي يمكن أن تعبر عن مصالحها. وقد يعود ذلك للطبيعة اللادينية للدولة وعدم رغبة هذه الجماعات في صراع مع اللادينية في وقت تدرك فيه عظمة تلك المخاطر التي يمكن أن تصل إلى اجتثاث الإسلام من جذوره كما هو الحال في أول أيام قيام الجمهورية التركية.
وبالنظر إلى طلاب رسائل النور بفصائلها المختلفة مثلاً وبرغم أنها تعتبر من أقدم الجماعات الاسلامية الإصلاحية في تاريخ تركيا الحديث إلاّ أنها ترفض حتّى اليوم تأسيس حزب سياسي وتكتفي بمساندة الأحزاب السياسية القائمة وتلك التي تحقّق لها بعض مصالحها، كما هو الحال ايضا عند الطرق الصوفية وخاصة النقشبندية الواسعة الانتشار في تركيا وهي تعتبر رقما انتخابيا كبيرا تحرص جميع الأحزاب على إرضائه والتفاوض سرّا أو علناً مع زعمائها وظلت تقدم أصواتها وفق تعهدات محددة من الأطراف السياسية. ويمكن القول أنه باستثناء الطريقة القادرية في تركيا التي أسست حزباً سياسياً تحت اسم حزب تركيا الحرة بزعامة شيخ الطريقة البروفيسور حيدر باش، فإن بقية الطرق الصوفية المنتشرة في تركيا كالنقشبندية والرفاعية والمولوية والجراحية والخلوتية والزينية، بالإضافة إلى الجماعات المتأثرة بالصوفية لكنها تصنف جماعات إصلاحية كالسليمانية مؤسسها سليمان حلمي تونهان 1988-1959 واتحاد الجماعات الإسلامية مؤسسها جمال الدين كبلان وجماعات صغرى أخرى فهذه جميعها لا تزال تحافظ على كياناتها كجماعات دينية غير مرتبطة بحزب سياسي معيّن.
ولم تكن نظرة الجماعات الإسلامية التركية قصيرة المدى فأركان النظام اللاديني لم تلبث أن تململت من رؤية الحزب الديمقراطي يواصل دورات الحكم عبر الانتخابات فقامت عبر انقلاب عسكري في 27 مايو عام 1960 عندما أعلن قائد الجيش التركي البارسلان تركش استيلاء الجيش على السلطة واضعاً حداً لنظام التعددية الحزبية . بل واعدم رئيس الوزراء المعزول عدنان مندريس .
الحركة الإسلامية السياسية في تركيا و مسيرتها السياسية:
1950-1960
كما ذكرنا من قبل فإن الحركات الإسلامية التي مثلتها جماعات طلاب رسائل النور والجماعات الصوفية المختلفة قد اكتفت بموقف المساند للأحزاب التي تتبنى سياسات تخدم الإسلام والمسلمين في تركيا في الفترة من 1950 حتى 1960 وهي فترة حكم الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس وكان لمساندة الحركة الإسلامية التركية للحزب الديمقراطي في انتخابات عام 1950 نتائج بارزة أهمّها اتخاذ عدنان مندريس قراراً في 14 حزيران 1950 بعودة الآذان إلى اللغة العربية، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لطلاب (رسائل النور) الدخول إلى البرلمان التركي في صفوف الحزب الديمقراطي والحصول على مناصب مختلفة في أجهزة الدولة، وعودة النشاط للتعليم الديني، وزاد عدد معاهد الأئمة والخطباء عام 1951 من 6 معاهد فقط إلى 71 معهداً عام 1969، كما زاد عدد الجمعيات التابعة للجماعات الدينية حتى بلغت 5104 جمعية عام 1960.
وصاحب ذلك حالة من الإنفراج العام بل وبدأ حزب الشعب الجمهوري يقدم تنازلات للجماعات الدينية ولم يعارض مشروعات قرارات عديدة في البرلمان آنذاك لإعادة الاعتبار للتعليم الديني والتكايا الصوفية، بل سعى أيضاً لفتح أبوابه أمام عدد من شيوخ الطرق الصوفية خاصة النقشبندية لكسب مساندة أنصارها.
كما سعت هذه الأحزاب اللادينية اللبرالية في تلك الفترة إلى استثمار قوة التيارات الدينية للوقوف أمام المدّ الشيوعي الذي بدأ يطرق أبواب تركيا آنذاك. الأمر الذي أتاح للجماعات الدينية فرصاً واسعة للنشاط تحت غطاءات رسمية في غالب الأحيان وهو ما ساهم في تهيئة أرضية متينة لواقع الحركة الإسلامية التركية اليوم. ويمكن القول أن مولد الحركة السياسية الإسلامية التركية الحديثة بعد عام 1965 واستمرارها حتى اليوم يدين بالوجود إلى تلك الفترة.
الفترة الأولى لظهور التيار الإسلامي السياسي 1965-1980
ارتبط ظهور التيار الإسلامي السياسي في تركيا ونطلق عليه هنا الحركة الإسلامية التركية بشخص المهندس نجم الدين أربكان من مواليد منطقة البحر الأسود عام 1926 الذي تخرج من الجامعة التقنية باستانبول عام 1948 وعمل معيداً بها وكان له نشاطاً علمياً مقدراً. فقد نال درجة الدكتوراة من جامعة أخن بألمانيا عام 1953 وبلغ درجة الأستاذية في الجامعة عام 1965.
دخل أربكان إلى عالم السياسة عبر ترشيح نفسه نائباً مستقلاً عن دائرة مدينة كونيا عاصمة السلاجقة وبوتقة الإسلام ليحرز نصراً كاسحاً أبهر الأحزاب الحاكمة انذاك. ومن ثم بدأ التيار الإسلامي يتبلور ليطرح صراحة شعارات إسلامية في البرامج الانتخابية لتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ السياسي التركي ولتشهد البداية الحقيقية للمشاركة السياسية للحركة الإسلامية التركية، حيث ظهرت لأول مرة أحزاب ترفع شعارات إسلامية عندما قرر أربكان في يوم ونخبة من الإسلاميين في 26 يناير 1970 تأسيس حزب النظام الوطني وضم هذا الحزب مزيجاً من الطرق الصوفية وطلاب رسائل النور وتياراً من الإصلاحيين المتأثرين بجماعة الأخوان المسلمين.
استطاع هذا الحزب الوليد أن يجمع أعداداً كبيرة من قطاعات الشعب التركي تحت لوائه ففي أقل من العام تمكن من فتح 60 مركزاً و200 شعبة في أنحاء تركيا. وفي مجال الشباب استطاع الحزب أن يستقطب الغالبية العظمى من طلاب المعاهد الدينية والاتحاد الوطني للطلبة الأتراك وهو أول اتحاد لطلاب الجامعات التركية .
والبروفيسور أربكان ذو التربية الصوفية النقشبندية الذي كان مرشحاً لزعامة إحدى الجماعات الصوفية نجح في استقطاب أنصار العديد من الجماعات النقشبندية إلى حركته التي أطلق عليها اسم ملّي قوروش أو حركة الاتجاه الوطني أو النظرة الوطنية وهي التي شكلت حزب النظام الوطني عام 1970 إلى حين حظر نشاطه ليرثه حزب السلامة الوطني في 11 اكتوبر عام 1972 والذي كان فاعلاً في الحياة السياسية آنذاك حيث شارك هذا الحزب في ثلاث حكومات ائتلافية مع كل من حزب العدالة امتداداً للحزب الديمقراطي بزعامة سليمان ديميرال، وحزب الشعب الجمهوري امتداداً للنهج الكمالي لكنه تحول إلى مزيج بين الكمالية واليسار اللبرالي بزعامة بولند أجاويد حتى انقلاب 12 ايلول 1980.
برهنت الحركة الإسلامية التركية في هذه المرحلة على أنها تيار وطني وأن الشعور القومي التركي لديها لا يقل عن بقية التيارات السياسية التركية وتجلّى ذلك بوضوح عام 1974 في تعامل نجم الدين أربكان مع ملفّ قبرص كان أربكان آنذاك نائباً لرئيس الوزراء، حيث وقع أربكان قراراً بصفته نائب لرئيس الوزراء آنذاك بولند أجويد أمر فيه الجيش التركي بالقيام بعمليات إنزال جوية فورية في قبرص لنصرة القبارصة الأتراك من الاضطهاد وحملات الإبادة التي كانت تمارس ضدهم من قبل القبارصة الروم الأرثوذكس.
وبذلك يمكن القول أن الحركة الإسلامية السياسية في تركيا وعلى مدى قصير استطاعت أن تصل إلى إقامة أحزاب سياسية وأن تاخد موقعها المهم في البرلمان بل وتشارك في الحكم عبر الائتلاف وتصل إلى منصب نائب رئيس الوزراء لتوطد نجاحاتها السياسية في أقصر وقت على الرغم من أن الدستور اللادينى والأحزاب السياسية مجتمعة تكيد لها، لما سحبته من بساط من تحت أرجلها في الدوائر المحافظة، بل وحتى في المدن الكبرى والتي كان يحسب أنها قلاع للمنهج اللادينى السياسي.
وبرغم حالة الانسجام النسبي التي شهدتها تلك المرحلة بين الحركة الإسلامية والتيارات العلمانية والمؤسسة العسكرية خاصة، لكنّ تعاظم نشاط التيار اليساري في تلك الفترة وتحوّله إلى قوة سياسية منافسة في الساحة التركية جعله يختار التيارات الاسلامية هدفاً مباشراً، وبدأ حملة تشويه منظمة ضد الحركة الإسلامية والتشكيك في وطنيتها والترويج لارتباط بعض تياراتها وخاصة حركة أربكان بجهات أجنبية، ونشرت وسائل الإعلام في ذلك الوقت تقارير كانت من نسج الخيال تحدثت عن قيام شركة أرامكو السعودية بضخ أموال بملايين الدولارات عبر رابطة العالم الإسلامي إلى بعض التيارات الإسلامية منها حركة أربكان وفصيل يني آسيا من جماعة النور، بل وصل الحد بالكاتب اليساري التركي المعروف أوغور مومجو أن كتب كتاباً من الحجم الكبير تحت عنوان ” رابطة ” سعى فيه لإثبات علاقة الحركة الإسلامية بتنظيمات ودول أجنبية تحديداً إيران والسعودية.(المصدر).
ونتيجة لتجاهل الحركة الإسلامية للاتهامات اليسارية وعدم التعامل معها بجدية نجحت التيارات اليسارية في تحويل تلك الاتهامات إلى سلاح لمحاربة هذا الخصم القوي الحركة الإسلامية، وفي الوقت نفسه نجحت في استعداء العديد من الأطراف العلمانية والعسكرية الكمالية خاصة ضد هذا التيار ونجحت فيما بعد في تحقيق التحالف مع العسكريين الكماليين الأمر الذي اعتبر سبباً مباشراً في تنفيذ الانقلاب العسكري في 12 أيلول 1980.
الفترة 1983 – 1993:
وهي فترة حكم حزب الوطن الأم بزعامة تورغوت أوزال: لقد صبغ الزعيم تورغوت أوزال هذه المرحلة بلون خاص حيث حوّل تركيا إلى النهج اللبرالي في مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسياسات التعليم والإعلام وغيرها، وتورغوت أوزال يصنّف إسلامياً لبراليا حيث نشأ في عائلة كردية ذات تربية صوفية نقشبندية الأمر الذي ساعده في استقطاب العديد من هذه الجماعات حيث أسس حزب الوطن الأم في مايو 1983 ليحصل على الأغلبية المطلقة في انتخابات نوفمبر من العام نفسه، ويتسلّم السلطة من الجنرالات الانقلابيين. ونجح في تحقيق توازن بين حكومته ومراكز النفوذ في الدولة من القيادات العسكرية أو المؤسسات الكمالية نتيجة خبرته الطويلة في وظائف الدولة والبنك الدولي.
فنشط في عهده التعليم الديني وتنظمت معاهد الأئمة والخطباء والكليات الشرعية وسمح لطلاب المعاهد الدينية لأول مرة بالالتحاق بكليات الشرطة والأكاديميات العسكرية، وتوسعت الحركة الإسلامية التركية في تأسيس الأحزاب السياسية والأوقاف والجمعيات في مختلف المناشط، وبرزت الحركة الإسلامية التركية كقوة سياسية واقتصادية أو في ما اصطلح عليه بمثلث الجماعة / السياسة / والتجارة حيث تنبّهت الحركة الإسلامية التركية إلى أهمية اكتساب القوة الاقتصادية واستفادت من عهد تورغوت أوزال الذي فتح الباب أمام المصارف الإسلامية. وظهرت مجموعات اقتصادية تابعة لجماعات دينية مختلفة استثمرت في مجالات التجارة والصناعة والصحة والإعلام و التعليم..
وبرغم ما حقّقته مرحلة حكم تورغوت أوزال من فضاءات واسعة للحركة الاسلامية التركية وما اتاحت لها من فرص النشاط في مجالات كانت غائبة عنها، الاّ ان حركة أربكان كانت تعارض بشدة سياسيات تورغوت أوزال وتتهمه دوماً بالولاء المطلق للإدارة الأمريكية وانبهاره بالنموذج الغربي، ويحمّلونه مسؤولية تفاقم الديون الخارجية لتركيا وأنه فتح الباب على مصراعيه أمام الاستدانة من الخارج.
الفترة من 1996 – 1997 :
وهي مرحلة الحكومة الإئتلافية بين حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان وحزب الطريق القويم بزعامة تانسو شيلر، هذه الحكومة التي تزعمها نجم الدين أربكان واستمرت 11 شهراً شهدت أزمات متتالية حتى قبيل تشكيلها حيث رفضت معظم الأحزاب اللادينية والقومية و لتحالف مع حزب الرفاه بالرغم من أنه كان الحزب الأول في الانتخابات وأنه حصل على ما يزيد عن 18 بالمائة من أصوات الناخبين لكنها لا تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده، مما اضطرّه لتقديم تنازلات لتانسو شيلّر التي حصل حزبها مقابل التحالف مع حزب الرفاه على العديد من الوزارات السيادية ” مقابل التحالف معه في الحكومة، وبالتالي كانت حكومة أربكان غير متجانسة منذ التأسيس، بالإضافة إلى أن النجاحات التي حققها حزب الرفاه في إدارة البلديات بعد فوزه الكاسح في انتخابات 27 مارس 1994 يعني قبل عامين من تشكيل حكومة الرفاه والتي حصل فيها على 23 بالمائة من أصوات الناخبين مما رشحه لإدارة 6 بلديات كبرى منها أسطنبول وأنقرة، هذا النّجاح في إدارة البلديات أثار حفيظة مختلف التيارات اللادينية والعسكريين الكماليين الأمر الذي دفعهم لعرقلة حكومة أربكان على خلفية أن نجاح هذه الحكومة ستجعل من قوة التيار الإسلامي قوة تتعاظم وقد يفتح ذلك الباب أمام تغيير هيكلة النظام العلماني في تركيا ويفتح ملف إعادة صياغة الدستور الذي صاغه الجنرالات في انقلاب 1980.
وبرغم قصر عمر حكومة الرفاه وتلك الأجواء المضطربة التي عاشتها إلاّ أنها حقّقت مكاسب وطنية كبيرة لعلّ أبرزها توقيع أربكان بصفته رئيساً للوزراء على اتفاقية الغاز الطبيعي مع إيران رغم المعارضة الشديدة للإدارة الأمريكية لهذه الإتفاقية، بالإضافة إلى أن نسبة الدخل القومي ارتفعت إلى 7 بالمائة الأمر الذي انعكس ايجابياً على رواتب القطاع الحكومي.
وكان تأسيس أربكان لمجموعة الدول الإسلامية الثمانية D 8 خطوة عملية نحو مشروع السوق الإسلامية المشتركة الذي يتبنّاه حزبه، لكن و برغم هذه النجاحات يرى بعض المراقبين أن السياسة الخارجية التي انتهجها نجم الدين أربكان والتي قام من خلالها بزياراته الرسمية لكل من إيران وليبيا ونيجيريا وأندونيسيا وباكستان قد أزعجت مراكز النفوذ داخل تركيا الجيش وعدد من العواصم الغربية على رأسها واشنطن، بالإضافة إلى أن ثقته أربكان فى الممارسة الديمقراطية ودولة القانون كانت أكبر من واقع تركيا حيث كان يطمئن نفسه بأنّ سنده الحقيقي هو الشعب الذي انتخبه في حين أن آليات اتخاذ القرار في تركيا مختلفة تماما وذات خصوصية فريدة من نوعها في العالم وهو ما يعني أن القرار لا يمكن أن يكون بيد أية حكومة ذات أغلبية في أنقرة. لذلك لم ينجح أربكان في تحقيق توازن بين حكومته وبقية مراكز النفوذ في الدولة بل كان هناك أزمة ثقة حقيقية بين الطرفين الأمر الذي أتاح لمراكز النفوذ العلمانية أن تستثمر وجود حكومة أربكان لتشن حملة واسعة النطاق على التيار الإسلامي ومكتسباته في الفترة التي تلت حكومة أربكان منها التضييق على التعليم الديني مما أدى إلى تناقص عدد طلابه وتمثل ذلك في التضييق على دخولهم إلى الجامعات وتقليص دورهم في الخدمة المدنية، وشملت حملات التضييق العديد من المؤسسات الأخرى والبلديات ووسائل الإعلام وأشير هنا إلى أنه تم في تلك الفترة إغلاق 14 محطة إذاعية من مجموع 150 محطة و19 محطة تلفزيونية من مجموع 51 محطة تلفزيونية بالإضافة إلى التضييق على مظهر الحجاب في الجامعات وحتى التعليم الديني.
الفترة من 2002 – 2007 :
وهي مرحلة حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، فقادة هذا الحزب يعرّفون أنفسهم بأنهم حزب محافظ ديمقراطي أو المحافظين الديمقراطيين، وهو حزب مشكل من ثلاثة تيارات رئيسية، التيار الأقوى من بينها وصاحب المبادرة هو التيار الاسلامي المنشق عن حركة أربكان.
والتيار الثاني هو التيار القومي المنشق عن حزب الحركة القومية، والتيار الثالث وهو التيار اللبرالي المنشق عن احزاب لبرالية مختلفة، وما يجمع هذه التيارات الثلاثة هو الرفض غير المعلن لقدسية الأيديولوجية اللادينية السياسية وهيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، ويتضح هذا من خلال تركيز هذا الحزب على عملية الإصلاح السياسي والعمل على تجذير الديمقراطية وتحويلها إلى ثقافة شعبية، وتفعيل مفهوم دولة المؤسسات وعدم التراجع عن مشروع تركيا للإنضمام للاتحاد الأوربي الذي يعتبره حزب العدالة والتنمية الحاكم اليوم صمّام الأمان لاصلاحاته السياسية الهادفة أيضاً لتقليص هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي.
ويعتبر هذا الحزب مدرسة جديدة في التوالي السياسي والتفكير والممارسة المتفردة لدى بعض الإسلاميين الأتراك، والذين شاهدوا بأعينهم قوة المؤسسات العلمانية في تركيا وأن الدعم لها يتم حتى في المحافل الدولية التي ترعى الديمقراطية على أن لا تكون هذه الديمقراطية في مصلحة الإسلام والمسلمين فرأوا في العمل من خلال قوانين اللعبة السياسية السائدة والاستفادة من المناخ العام في تحقيق بعض المكاسب التي صعب الحصول عليها حتى من خلال المطالبة بحقوق الإنسان. هذه المدرسة نجحت في الاستفادة من تاريخ الحركة الإسلامية في الحكم والخدمة العامة وطهارة اليد والإنجاز لتكسب الرأي العام وأخذت بقوانين اللعبة العلمانية في الصراع فلا يؤخذ عليها شيء ولا تستعدي جماعة أياً كانت وتسعى إلى مطالبها بما يكفله الدستور العلماني فأدارت دفة الدولة في أحرج الأوقات في السياسة الداخلية وفي ظروف دولية وإقليمية صعبة وتمكنت من استعادة ثقة الشعب فيها بتمثيل آخر.
وعندما دخلت أول امتحان وتحدي مع المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة لجأت للشعب واستخرجت الإذن من جديد لتعبر من البرلمان ورئاسة الوزراء إلى مؤسسة الرئاسة نفسها بتفويض جديد لخمس سنوات أخرى.
و لم تكتف بذلك وعندما دخلت معركة الدستور الآن مدت به إلى الشعب ليتم عبر الاستفتاء العام ويمكن من خلال ذلك الإشارة إلى النجاح الكبير في هذا التوجه الذي يقوده رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء وعبد الله غول أول رئيس إسلامي لجمهورية تركيا العلمانية وقد استطاعا بذلك تطوير ثقافة التحالف تحت مظلة حزبية واحدة، والتي سبق أن قام بها الإسلاميون منذ عهد أربكان لتكوين أول حزب ذي أصول إسلامية للوصول إلى قلعة الرئاسة ولكن يظل الطريق طويلاً من أجل الإصلاحات الدستورية وحقوق الأفراد ومؤسسات الجيش والنيابة العامة والتعليم العالي والإعلام في عالم لا تناصر فيه الفضيلة.
حزب العدالة والتنمية وبرغم أنه أسس قبل وقت وجيز جداً من انتخابات 3 نوفمبر 2002 إلاّ أنه ونتيجة للنجاحات التي حققها رجب طيب أردوغان في إدارته لبلدية أسطنبول في سنوات سابقة، ولرفض الناخب التركي لأداء الأحزاب التقليدية خيّر أن يعطي الفرصة لجيل جديد من السياسيين الأتراك، فحصل حزب العدالة والتنمية على نسبة 34 بالمائة من أصوات الناخبين ليحقق الأغلبية المطلقة في البرلمان بحصوله على 365 مقعداً، بالإضافة إلى حصوله على نسبة 42 بالمائة في الانتخابات البلدية ليتولى إدارة 12 بلدية كبرى من مجموع 16 بلدية.
وخلال ثلاث سنوات من عمر حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا نجح في الرفع من حجم التجارة الخارجية عام 2005 إلى ما يقارب عن 200 مليار دولار، وحجم الصادرات التركية إلى 70 مليار دولار، واستطاعت أن ترفع احتياطي البنك المركزي التركي إلى 58 مليار دولار في حين أنه كان لا يتجاوز 26 مليار دولار قبل تسلم أردوغان السلطة.
وعلى المستوى السياسي نجح أردوغان في تحقيق حدّ أدنى من التوازن بين حكومته ومراكز النفوذ العلمانية وخاصة المؤسسة العسكرية، واستطاع لأول مرّة أن يعدّل توجهات السياسة الخارجية لتركيا ليوازن بين مشروعها الأوروبي وبين مصالحها مع بقية الأطراف الدولية.
أما خصوم حكومة العدالة والتنمية فيعيبون عليها الإعلان عن نفسها كشريك استراتيجي في مشروع الشرق الأوسط الكبير ويستغربون حماس حكومة أردوغان لتمرير مشروع القرار لفتح القواعد التركية أمام القوات الأمريكية إبان التدخل العسكري الأمريكي في العراق، والذي رفضه البرلمان التركي برغم إصرار حكومة أردوغان الظاهري آنذاك، فقد قام أردغان بمناورة سياسية رفعت عنه الحرج بين الصديق الأمريكي والرؤية الإسلامية والوطنية. ويعتبرونها أيضاً قد فشلت رغم الأغلبية التي تحظى بها في التوصل إلى حلّ لقضية الحجاب التي لا تزال مطروحة إلا أن الحزب يرى في المقام الأول تثبيت أقدامه في السلطة وحل تلك القضية من خلال قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة، وتراجعت حكومته أيضاً عن سنّ قانون يجرّم الزنا حينما أحست بعدم تقبل ذلك لدى المؤسسات التي قد تهدد الديمقراطية.
الخاتمة:
نخلص إلى أن تجربة الحركات الإسلامية للوصول إلى الحكم وبناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى يعود إلى نصف قرن من الزمان حافظت فيه على تميزها في الطرح السياسي والفكري وخاضت تجارب عدة في الحقل السياسي والانتخابي تميزت فيها الفترات الأولى منها بتمثيل أفرادها لدى أحزاب الوسط والأحزاب المحافظة ثم تطورت لإقامة أحزاب تحت مسميات مختلفة تمكنت من خلالها المشاركة في الحكم واتخاذ القرارات السياسية في الدولة والتي مكنت بعض الشيء لحركة الإسلام العامة إلا أن تلك التجارب والتي ضربت فيها الحركة الإسلامية التركية أمثلة للتجرد وعفة اليد وطهارة الممارسة إلا أن المؤسسات العلمانية والقوة الخفية التي تدير تركيا كانت لها بالمرصاد فسرعان ما كانت تأتي الانقلابات العسكرية والضغوط من أجل إقصاء الإسلاميين ومنهجهم المصادم عن سدة الحكم بل وكانت تلك الضربات المو جعة يتعدى مداها الحزب السياسي والإسلاميين المشاركين فيه إلى حركات وجمعيات إسلامية أخرى لم تخض غمار العمل السياسي والأمر الأخطر تعدى ذلك إلى مؤسسات المجتمع الدينية التعليمية والشعائرية والوجود المتدين داخل الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة وحركة الشارع العام والمجتمعات مما جعل كثيراً من الحركات الإسلامية غير الناشطة في مجال السياسة تعتبر أن دخول بعض الحركات الإسلامية في السياسة يعد خطراً على الإسلام نفسه وليس عليها فحسب. و ربما كان ذلك هو السبب الأساسي في الطرح الجديد لمجوعة التجديد في الحركة الإسلامية من الشباب الذين خاضوا تجربة حزب العدالة والتنمية والذي رفع شعاره لتكوين الحزب كل شيء من أجل تركيا وأنهم قد خرجوا لذلك الطريق بالحب والمودة. فوسعوا من صفوفهم لتسع الإسلاميين والحريصين على مصلحة تركيا وغيرهم من أحزاب الوسط في حزب حديث ديمقراطي يعمل على تثبيت الحرية وحقوق الإنسان وانتشال تركيا من وهدة التردي الاقتصاد ويحقق الرفاهية للشعب التركي ويعمل بما يقتضيه الدستور والقانون ويستغل نفس المؤسسات في عملية التغيير غير السريع والمرتجل. ومكنته السيرة الذاتية لمؤسسه رجب طيب أردغان وما قاموا به من اتصالات وحوارات مباشرة مع المواطن وصلت لدخول المنازل واحداً واحداً واستناداً على فاعلية الاتصال الفردي نجحوا عبر صناديق الاقتراع وبالحنكة السياسية التغلب على ما وضع أمامهم من المطبات السياسية فلا تصل المجابهة مع الجيش حد التصادم بجانب العمل على المحاور المختلفة كل على وقته فحققوا الأغلبية في البرلمان ووصلوا إلى سدة الرئاسة وحققوا تعديلات دستورية وإصلاحية واستفادوا من دعوة الدخول إلى أوروبا لتحقيق العديد من الاصلاحات في ما يخص المواطن و رفاهيته. هذا فضلاً عن الاستفادة من التوترات السياسية في المنطقة لصالح أوراقهم في إطار العلاقات الخارجية فظلت علاقاتهم الخارجية بأمريكا وحلفائها جيدة بجانب تحسين علاقاتهم السياسية مع إيران وسوريا والعديد من الدول الإسلامية والإفريقية.
ويمكن من ذلك القول بأن التجربة التركية خرجت من مرحلة النشؤ والتطور والنجاح الانتخابي إلى مرحلة النضوج في الممارسة السياسية في دولة تقوم أصلاً على العلمانية المحاربة للدين أصلاً ومنهجاً. و قد استطاعت أن تدير معركتها بذكاء فائق ولكن لا يمكن أن نعتبر أن الأمر سيسير على ذلك المنوال أن صدر منهم أقل خطأ تستطيع المؤسسة العلمانية الراسخة من استغلاله بقلب المائدة بمن عليها وهي لا تزال تمتلك من القوة والنفوذ والأدوات التي لا يعلمها غيرها (و يمكرون و يمكر الله…)
المصادر والمراجع:
– هذا الخطر صرح به حتى قادة اللادينية السياسية على لسان خليفة أتاتورك عصمت ايننو في أواخر عام 1959، انظر: مصطفى محمد، الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا، الطبعة الأولى، بون 1984، ص 17.
2- مصطفى حلمي، نظام الخلافة في الفكر الإسلامي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت 2004، ص 438-439.
3- المصدر نفسه، ص439.
4- أنظر صورة المرسوم السلطاني الذي أصدره السلطان العثماني عبد المجيد 1823-1861 في قاعة الورد عام 1839:
Yavuz Abadan, “Tanzimat Fermanının Tahlili”, Tanzimat I,Milli Eğitim Basımevi, İstanbul 1999,
بعد ص 58.
5- A. L. Macfie, Osmanlinin Son Yillari 1908-1923, Cevirenler: Damla Acar, Funda Soysal, Kitap Yayinevi, Istanbul 2003, s. 199-200.
6- بديع الزمان سعيد النورسي، “سيرة ذاتية”، كليات رسائل النور ج 9, إعداد و ترجمة: إحسان قاسم الصلحي، شركة سوزلر للنشر، الطبعة الرابعة، القاهرة 2004، ص124-137.
7- Mustafa Bilge, İlk Osmanlı Medreseleri, İstanbul 1984,
ص. 5-8.
8- Nazif Öztürk, Menşe’i ve Tarihi Gelişimi Açısından Vakıflar, Ankara 1983,
ص. 58-59.
Nuri Köstürklü, “Cumhuriyetin Temel İlkleri Atatürk İlkleri”, Türkiye -9 Cumhuriyeti Tarihi II, Atatürk Araştırma Merkezi, Ankara 2002, P291- 299.
10 Şerafettin Turan, Türk Devrim Tarihi, Bilgi Yayınevi, Ankara 1999, P. 2216-225.
11- المصدر السابق, ص 278.
12- Cezmi Eraslan, “Atatürk’ten Sonra Türkiye’nin İç Politikası”, Türkiye Cumhuriyeti Tarihi II, Atatürk Araştırma Merkezi, Ankara 2002, P576
13- المصدر السابق, ص 580.
14- مصطفى محمد, المرجع السابق, ص 167.
15- السابق, ص178.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.