المنهجية الفكرية للحركات الإسلامية

التيار السياسى الاسلامى فى تركيا
30 أغسطس، 2016
دخول الإسلام السودان
30 أغسطس، 2016

د.حمد عمر حاوي
مقدمة:
يعتبر التحدي الفكري، أو المنهجية الفكرية التي تعتمدها الحركات الإسلامية المعاصرة لتحقيق أهدافها وتنزيل برامجها إلى أرض الواقع من أهم التحديات التي تواجهها في عالم اليوم.
فاذا كانت الحركات الإسلامية قد ظهرت كتيار فكري رافض للتقليد والركون للفقه القديم ورافض للخضوع للحضارات الشرقية أو الغربية، فإنه يتعين عليها تقديم بديل فكري يغطي كافة أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ويستجيب لتطلعات الإنسان المعاصر. لكن الحركات الإسلامية اليوم متهمة بأنها تستند فقط إلى الحماس العاطفي لجماهيرها الرافضة للهيمنة والمطالبة بالعودة إلى الدين، دون أن يصاحب هذه الحماسة تخطيط ورؤى فكرية واضحة، فالكثير من الحركات الإسلامية لا زالت تتمسك بالعموميات والمثاليات دون العمل الفكري الواقعي والمتأني
وهي تتحدث عن بديل إسلامي جاهز دون وصف علمي واضح لهذا البديل، لهذا فإن الكثير من تجاربها التي وصلت فيها إلى السلطة قد انتهت إلى الفشل في أفغانستان والصومال والسودان وغيرها. فهي تنادي بالبديل الإسلامي وفي ذهنها صورة الصدر الأول للإسلام دون اعتبار لواقع اليوم وما استجد به من مشكلات، لهذا فهي تشهد تآكلاً وتراجعاً منذ التسعينات وحتى الآن. فكثرة المؤيدين أو الاتباع مع غياب الخطة والمنهجية الواضحة والتنظيم الواعي بالواقع المحلي والدولي قد لا يكون دليلا صحياً.
يرى فؤاد زكريا أن ظاهرة الصحوة الإسلامية في التسعينات ما هي إلا نتاج لإحباط المجتمعات المسلمة من أوضاعها السياسية والثقافية والاقتصادية مع عدم القدرة على تحديد البديل، وإن تمسكت بالإسلام كشعار. ومهما كانت المبالغة في وصف فؤاد زكريا، إلا أنه لا سبيل لنكران تلك الأزمة الفكرية التي تواجهها الحركات الإسلامية وإن اختلف الناس في وصفها.
صحيح أن المسلمين تنبهوا إلى سوء أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وتبعيتهم للآخر أو الإذلال الذي يتعرضون له، ولكن منهجية الخروج من هذا الواقع غير واضحة بعد، كما أن الهدف النهائي الذي يسعون إليه لا يزال ملتبساً في أذهانهم، فإلى أي ذات يعودون، وأي إسلام؟ فلا تزال العلاقة بالتراث ملتبسة، والعلاقة مع الآخر الحضاري غير واضحة.
وبتقييم هشام شرابي ( أنه لا يوجد توجه عام طاغٍ على عمل الحركات الإسلامية أو مسار موحد أو حتى أساسيات للعمل مجمع عليها، أو خطة عمل يعتمدها الجميع، فالحركات الإسلامية اكتسبت زخمها ليست من خلال تقديمها للبديل العملي والبرامج التفصيلية التي تعالج قضايا المسلمين بل من مجرد تحديها لواقع اجتماعي وسياسي متردٍ).
تهدف هذه الورقة لمناقشة التحدي الفكري: تحدي الخطط وبرامج العمل والإجابات على الأسئلة الملحة التي تجابه الحركات الإسلامية المعاصرة وهي تسعى للوصول إلى السلطة هل تمتلك الحركات الإسلامية مثل هذا البرنامج الذي يؤهلها للنجاح حال وصولها إلى السلطة؟ ما هي مسببات الضعف الفكري الظاهر الذي يعتري مسيرة الحركات الإسلامية؟ وما هو المنهج البديل الذي يؤهلها لبناء منظومة فكرية متكاملة تستجيب للثوابت والمتغيرات الدينية والدنيوية.
مسببات التدهور الفكري لدى الحركات الإسلامية:
إن الفكر الإسلامي عموماً، وبعد فترة ازدهار واضحة حتى منتصف العصر العباسي بدأ مسيره الاضمحلال التي رافقها الجدل والخلافات الفقهية وما عرف (بقفل باب الاجتهاد) وسيادة الإستبداد السياسي، استمر هذا الإتجاه حتى سيطر الاستعمار الحديث على بلاد المسلمين.
تستمد الحركات الإسلامية الحديثة ضعفها الفكري من هذه الخلفية وتحديداً من ثلاثة عوامل هي: الإنقطاع الطويل للإسلام عن الواقع وغيابه الطويل عن توجيه حياة الفرد والمجتمع، هيمنة القديم وسيادة روح التقليد والإنكفاء عليه مع رفض التحديد، بالإضافة إلى الغزو الفكري أو الفكر الوافد.
1/ إنكباب المفكرين المسلمين على القديم (التقليد)
أن من أهم العوامل التي ساهمت في التدهور الفكري نجد إنكباب المفكرين الإسلاميين على الفقه القديم عازلين أنفسهم عن التفكير في حاضرهم ومستقبلهم ولم يخرجوا عن صفحات الكتب إلى الطبيعة لمشاهدة التغيرات التي تحدث، فكانت كل كتبهم هي ( عبارة عن نقل مروي واجترار لآثار كان الزمن يسير رويداً رويداً في اتجاه تجاوزها حتى أصبحت خارج الزمن) . فجل البحوث والكتابات الإسلامية كانت تتجه إلى مسائل فقهية خلافية وجدلية لا حل لها، كما أنها ليست ذات أهمية للوضع الراهن، ويرجع الصادق المهدي ذلك لسببين هما: أن الفقهاء خلطوا بين فرع العقائد والعبادات الذي يعتمد على النصوص المنقولة، وفرع المعاملات الذي يفتح مجال المصالح المرسلة واستصحاب النافع والاستحسان وغيرهما. والسبب الثاني: هو أن النظم الاستبدادية التي حكمت المسلمين ضيقت الاجتهاد في مجال الأمور التي تؤثر على شرعية الحكم، ويدلل على ذلك بالعنت الذي لقيه الإمام مالك عندما أفتى بأن (ليس على مكره يمين) لأن هذه الفتوى كانت تبطل بيعة قائمة أصلا على (الإكراه).
فمشكلة الانكباب على القديم ذات بعدين خطيرين: فبالإضافة إلى الانكباب على كتب القديم وإغفال كل المستجدات، هناك تركيز على جانب فقه العبادة مع ضمور فقه المعاملات الذي هو كل شؤون الحياة مما أدى إلى توسيع الهوة بين الإسلام وواقع الحياة المعاش، وهو المأزق الذي فوجئت به الحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة في إيران وباكستان وأفغانستان والسودان وأخيراً حماس، لأن المعيار في الفقه الموجود ليس هو العقل بل السابقة، وما كان عليه الرسول (ص) والسلف والتابعين، علماً بأن المشكلات الحادثة لا يمكن أن نجد لها حلاً عند السلف، كما أن مشكلات السلف لا يمكن مناقشتها ولا أهمية لها في عالم اليوم كقضية أحقية الخلافة بين معاوية وعلي وما ترتب عليها من فرق.
2/ الاستبداد السياسي
رغم أن الإسلام يكفل الحرية ويحض على إشراك الناس في الأمر، إلا أن الذي حدث في التاريخ الإسلامي هو سيادة سلطان القوة وقيام حكومات تقهر شعوبها وعلمائها باسم الدين، شهد على ذلك العصر الأموي والعباسي والعصور اللاحقة حتى الآن مع بعض الاستثناءات. احتكار الدين لدى السلطة السياسية وتسخيره في خدمتها وإخضاع العلماء والمفكرين بالترغيب أو الترهيب أدى إلى حصر الدين في المسائل الفقهية أو فقه العبادات فقط، بينما بقي فقه المعاملات وكأنه خارج إطار الدين، فلم يحدث فيه تجديد أو تطوير، حتى إذا ظهرت الحركات الإسلامية في العصر الحديث ودعت إلى العودة إلى الدين، لم تجد أمامها من زاد فكري مواكب سوى فقه البيعة والحسبة والخراج وغيرها.
3/ فصل الدين عن الدولة:
العلمانية المعاصرة التي أعقبت الاستقلال والتي مارست إبعاداً قهرياً للدين عن حياة الناس ساهمت هي الأخرى في تدهور الفكر الإسلامي عموماً وتأخره عن مواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حتى غدا فكراً تجريدياً خارج الواقع.
ساهمت الحضارة الغربية في استمرار التدهور الفكري أيضاً برد الفعل، إذ أن النزعة العقلية الإنسانية المتحررة والدنيوية حملت الكثير من المفكرين الإسلاميين على إعلاء النزعة الدينية في جانبها الغيبي الأخروي الفقهي الملتزم على حساب الجانب العلمي الواقعي البشري. إلى جانب تيار آخر بهرته الحضارة الغربية بعلميتها وعمليتها وانجازاتها فآمن بمنطقها حول عدم جدوى الأديان والتي هي أحد أسباب التخلف البشري. والتياران متطرفان ومَرَضيان.
لا يمكن تحقيق نهضة أو بعث حقيقي في الفكر الإسلامي إلا إذا اتجه نحو الواقع المعاش ـ دون إهمال الماضي ـ وأن يواجه المفكرون قضايا عصرهم بطرح عملي واقعي، وأن يكون طرح الإسلام للآخرين من خلال مشكلاتهم الحياتية القائمة وليس كوعظ أخلاقي مجرد، ويتم ذلك من خلال إجتهاد فقهي معاصر يعالج قضايا العصر آخذاً بالنظر الإجمالي للمقاصد والتصور الكلي لنظم الحياة مع الابتعاد عن الأحكام الجاهزة أو الفرعية التقليدية.
مشكلة التراث والمعاصرة في الفكر الإسلامي:
يعرف عماد الدين خليل التراث بأنه (جذور الأمة ومكونات شخصيتها و مسارها الحيوي عبر الزمان والمكان) وهو أيضاً اللغة والأفكار والعادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية والرؤى الذهنية للكون والعالم والحياة، بالتالي فالتمسك بالتراث يمكن أن يعصم صاحبه من خطر الذوبان في الحضارات الأخرى ويميزه عن غيره ويعطيه الشعور بالعزة والدافعية، ولكن يمكن أن يكون أيضا اندماجاً في الماضي وهروباً من تحديات الحاضر واستكانةً على أمجاد الماضي ورفض الإنتماء للعصر، وهذا هو الموقف الذي اتخذه المفكرون الإسلاميون مع التراث.
المدرسة التراثية :
أنصار التراث أو السلفيون هم الذين وصفوا أنفسهم بهذا الوصف، وقد ظهرت هذه المدرسة في القرن الرابع الهجري، ومثّلها بصورة واضحة الأمام أحمد بن حنبل. وقد ظهرت هذه المدرسة كرد فعل على ظهور المدرسة العقلية التي انتهجت العقل والمنطق اليوناني وطرق الفلسفة في الجدل والمناظرة للدفاع عن الإسلام ضد الملحدين. السلفيون على خلاف هذه المدرسة نادوا بضرورة عدم الأخذ إلا من الكتاب والسنة. وإذا كان المتكلمون يقدمون النظر العقلي على النص أو يتأولون النص لصالح العقل، فأن السلفيون يلتزمون بالنص ولا يؤمنون بالعقل بحجة أنه يضل وينبغي أن يسير وراء النقل.
أبو بكر الباقلاني غالى في الدعوة السلفية بدعوته إلى أنه لا يجوز الأخذ بغير ما أشار إليه الأشعري (أحد كبار أئمة السلف) من مقدمات لإثبات ما توصل إليه من نتائج، في الوقت الذي كانت فيه هذه المقدمات هي طرق ووسائل مفتوحة، الباقلاني يريد أن يلزمنا بمنهج أشخاص محددين. التيار السلفي واصل دوره في تحجيم التفكير العقلي من خلال ابن تيمية، وحتى محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية.
تضيق السلفية مساحة الاجتهاد واستخدام العقل، وتحاول إلزامه بمناهج السلف وكأنها تلغي مفهوم الزمان والمكان وعوامل التغيير والتطور، وتسعى لتثبيت الإسلام عند نموذج الصحابة والسلف الصالح . هذا الفهم ينبني على أن الحاضر والمستقبل والتطور يكمن في بعث الماضي من جديد ويهوِّن كثيرا من شأن العلم ومكتشفات العصر والتجارب الإنسانية الأخرى، كما يهوِّن من شأن الدنيا ويرى أنه على الإنسان أن لا يفتتن بها بل أن يركز على عباداته وحياته الآخروية .
تناقش هذه المدرسة التاريخ الإسلامي والمبادئ والنصوص الإسلامية ولا تعير اهتماماً كبيراً للواقع، كما أنها لا تجدد خطابها وفق متغيرات العصر، فهي تمجد الجهاد ضد الظلم والقهر، ولكنها لا تهتم بقضايا حقوق الإنسان، وتتحدث عن الزكاة ولا تهتم بقضايا العدالة والتفاوت الاجتماعي، تتحدث عن الحاكم الذي يخدم رعيته في عصر الخلافة ولا تكتب عن دولة الرفاهية في العصر الحديث، بحيث يظهر أصحابها وكأنهم يفكرون في عالم آخر خلاف الواقع المعاصر، هذا إلى جانب تيار كبير لا يزال يؤمن بالتواكلية وأن كل شيء مكتوب أو محتوم ولا يهتم بالإرادة البشرية وتحريرها. لهذا فهي جزء من الأزمة الفكرية التي تعاني منها بعض الحركات الإسلامية المعاصرة، وهي مدرسة متغلغلة في أغلب التيارات والحركات الإسلامية المعاصرة حتى التجديدية منها
يرى فؤاد زكريا أن عدداً غير قليل من الجماعات الدينية المعاصرة في العالم العربي تتلخص فلسفتها الإصلاحية في عبارة واحدة هي: لقد كان المسلمون الأوائل منتصرين في جميع الميادين عندما كانون يتبعون تعاليم دينهم، ثم تدهورت أمورهم لما انصرفوا عن الدين، إذن فلنعد إلى حظيرة الدين كيما نصبح مرة أخرى أعظم أمم العالم. ويرى أن هذه العقلية تسقط كل المتغيرات التي طرأت على العالم في الفترة الواقعة بين الحقبتين، وأن أقصى حكم تتمناه هذه الدعوة الفكرية للمستقبل هو أن يتخذ شكل الماضي البعيد وأن التجاوز مستحيل هذا هو سبب أن المجتمع الإسلامي ينزل منزلة هامشية من مسألة المعاصرة، ومشاركته ضعيفة في صنع المستقبل، مستقبله الخاص فضلاً عن مستقبل الإنسانية، مما يُعمِّق مشاعر الإستنقاص ونزعات الفرار من الذات لدي الفرد المسلم، ويصبح الإسلام وكأنه علة التخلف في تعاليمه ذاتها.
الشواهد السابقة تدلل على ابتعاد المسلمين عن التفكير المستقبلي وتوجيه تفكيرهم إلى الماضي لإيجاد حلول عملية منه لمشكلات عصرهم. سرد زكي نجيب محمود جوانب كثيرة من تراثنا ليبرهن على أنها لم تعد موجودة في عصرنا هذا، وأننا لا يمكن أن نهتدي منها لشيء لأنها لا تفيد في حل قضايا العصر المستجدة، الأمر الذي يستدعي ضرورة البحث عن نمط تفكيري جديد. فمثلاً من بعض المشكلات التي كانت مطروحة عند أسلافنا ـ والتي تمثل الآن جزءاً كبيراً من تراثنا الفكري ـ نجد مشكلة الخلاف بين على بن أبي طالب ـ آخر الخلفاء الراشدين ـ والأمويين، المشكلة التي تدور في العراق الآن ويروح ضحاياها مئات من المسلمين يومياً ذات صلة بهذا الخلاف الذي لا معنى له الآن، فبدلاً من أن يفكر المسلمون في تحديد آلية للتعامل مع القوات الأجنبية، يتقاتلون فيما بينهم حول الخلاف السني الشيعي.
هذه المسائل لا وجود لها الآن، وهاجسنا اليوم هو كيفية تحقيق التنمية في ظل تخلف تقني وبشري وفي ظل وضع دولي تهيمن عليه علاقات التبعية والاحتكار، وكيفية بناء نظام اجتماعي سياسي يهضم علاقات الصراع بين المسلمين فيما بينهم، وبينهم وبين الملل الأخرى. وكيف يمكننا بناء عقلية إسلامية تمكننا من مجابهة الحضارة الغربية التي تتحدانا بكل ما يغري ويفتن دون أن نفرط في أساسيات ديننا والتي هي رسالتنا التي خُلقنا من أجلها في الأرض. وكيف يتسنى لنا مواجهة الكوارث الطبيعية من جفاف وتصحر وتلوث بيئي وغير ذلك من تحديات العصر التي تواجهنا.
المدرسة الحداثية:
عندما تنبهت البلاد الإسلامية إلى انحطاطها الثقافي، وجدت أن هناك حضارة غربية مهيمنة، فإذا كان الفرار إلى الماضي التليد والتشبث بالتراث هو أحد مناحي الفكر الإسلامي إزاء هذه الحضارة، فإننا نجد أن هناك منحى آخر هو الانخراط فيها وتقبلها كنمط وحيد للتقدم، واستلزم ذلك التخلص من التراث بصفة نهائية، وقد ظهر هذا التيار في كتابات طه حسين وما أخذت به تركيا في عصر كمال أتاتورك وغيرها. هذا التيار واتته الفرصة بعد تحقيق الاستقلال فسعى لاستجلاب النماذج الفكرية الغربية وتطبيقها حرفياً في ظل واقع اجتماعي يختلف عن الواقع الذي نشأت فيه تلك النظريات، مثل الفكرة القومية والشيوعية والليبرالية وغيرها. وبعد فترة كافية من التطبيق اتضح فشل هذه النماذج في البيئات العربية والإسلامية، يقول محمد نور فرحات: “الحقيقة التاريخية عن التجارب الديمقراطية بمختلف مضامينها والتي طبقت على التاريخ العربي المعاصر، إن هذه التجارب كانت جميعها استلهام للتراث الإنساني العالمي في الغرب أو في الشرق ولم تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الواقع الاجتماعي العربي، مما أدى في نهاية الأمر وفي المحصلة الأخيرة إلى تعثرُّ هذه التجارب بقدر أو آخر”
ويرى محمد نور فرحات، أن النموذج الغربي للديمقراطية الذي يعتمد على مفهوم الصوت الواحد للفرد الواحد واجهته الكثير من العوائق، إذ تحولت مؤسسات التعددية السياسية الرسمية التي أُقيمت على النمط الغربي إلى هياكل تأخذ من الديمقراطية الليبرالية الشكل في حين أن ديناميات عملها ظلت من حيث المضمون تقوم على النهج الأبوي التقليدي القديم، ولم تكن الأحزاب والبرلمانات وكافة مؤسسات التعددية السياسية سوى واجهات تتفاعل وتؤثر في داخلها اعتبارات الانتماء القبلي والعرقي، والديني والمذهبي. وقد ساعد في إسقاط هذه الواجهات الشكلية عجزها عن تفهم المضامين الاجتماعية للحرية وعن تلبية طموحات الفقراء في الخبز والتعليم والصحة والتنمية.
3/ طريق التنوير (تكامل التراث مع العصر):
إن التحرر لن يكون إلا عن طريق الجهد الذي تقوم به الذات على ذاتها من أجل أن تنبثق من داخل ذاتها ذات أخرى أكثر شباباً وقدرة على مواجهة التحديات، أما السعي لنقل الحداثة حرفياً ودون اعتبار للواقع الثقافي السائد فيرى أحمد الجباعي، أن ذلك لم يؤدي فقط إلى فشل هذا النقل بل وإلى تركيز الثقافة التقليدية المتأخرة، ويقول: “إن التيارات التوفيقية التي حاولت أن تهُرِّب الحداثة تهريباً من وراء ظهر الثقافة السائدة دون خوض معركة التحديث الفكري والسياسي على مداها بعزم وثبات وَتحمُّل تبعاتها، عجزت عن تأسيس الحداثة في البيئة العربية وساعدت من حيث لا تريد على تركيز الثقافة التقليدية المتأخرة التي تعاود هجومها اليوم داعية إلى التقوقع الثقافي والديني والحضاري في عالم يزداد انفتاحاً وتواصلاً ويحكم بالهامشية على كل الدعوات الضيقة المنغلقة ويهزأ بها.
لقد رأينا أنه هناك ما يمكن تسميتهم بأنصار التراث، وهم القائلون بضرورة العودة إلى التراث والتمسك به بحذافيره، فهو وحده القادر على حل كل معضلة تواجهنا، هذا إلى جانب فريق آخر بهرته الحضارة الغربية وأفقدته الثقة في تراثه فما عاد يرى في تراثه خيراً، فهو يدعو إلى بتر التراث كليةً والتنكر له والسير في ركب الحضارة المهيمنة. إلا أنه هناك فريق ثالث، يرى أن التخلي عن التراث يفقدنا هويتنا ومعالمنا الحضارية ويخضعنا للهيمنة الفكرية الوافدة، وبالتالي يرمي بنا في التبعية والذيلية. كما أن التمسك الكلي بالتراث إمساك الأعمى بعصاه سيقودنا إلى التخلف لأنه وكما يقول زكي نجيب محمود: أنه هناك جوانب لاعقلانية ولا عاقلة في حياة ذلك السلف، هذه الجوانب قد تتعلق بأشياء لم تعد ذات شأن في حياتنا، وبالتالي فإنها لم تعد تستحق منا أن نسكب عليها هوس العاطفة دفاعاً عنها وحفاظاً عليها.. لكنه مع ذلك يرى أنه لا يمكن تحقيق النهضة المطلوبة إلا استناداً إلى الماضي إذ يقول: “إيماني لا يحد بضرورة أن ينسكب ماضينا في حاضرنا انسكاباً لا يعرقل سيرنا، بل يجيء قوة محركة دافعة تزيد من عجلة السير، وذلك لأن من تراث الماضي ما يعرقل، ومنه ما يحرك ويدفع، وأغبى الغباء هو أن نغمض العين عن هذه الحقيقة الصارخة، ليس للحاضر الحي غنيً عن ماضٍ يمده بغذاء الحياة كما تمد الأم جنينها، وليس أدعى إلى تشتت وحيرة وضياع من حاضر يهدم الجسور الواصلة بينه وبين ما كان.”
ويتساءل عن كيفية الصلة بين الحاضر والماضي بحيث تتحقق للإنسان حياة موصولة التيار معلومة الأهداف مكينة الأصول؟ ويقول: بالطبع لا نستطيع أن نجعل الماضي مقياساً للحاضر، لأن النظر للماضي هو نظر إلى الوراء ولكنه وارد من باب أخذ المفيد واستلهام العبر والمبادئ. كما يمكن أن نأخذ من هذا التراث الجوانب التي يمكن أن تشكل عامل دفع في سبيل ما هو أفضل بغرض البناء عليها، يقول د. حسن الترابي “المسلم المتجدد الإسلام إنما يقبل التراث ناقداً لا ناقلاً ليبني عليه لا ليعيد بناءه.”
ويقول زكي نجيب “إننا إذ نريد تحديد موقفنا من التراث، تحديداً يجعل الخلف موصلاً بالسلف، دون أن تفوت هذه الصلة على الخلف أن يعيش في عصره ولعصره، فلست أرى مندوحة لنا من وقفه من ذلك التراث تميزّ بين ما نحييه ليحيا وما نطمسه ليموت، صنع الوارث العاقل الذي لا يخزن إرثه في الخزائن ثم يطوف بتلك الخزائن المغلقة عابداً، بل تراه يستخدم الإرث بما يعود عليه بالثمرة والنماء، فليس إرثه في حد ذاته حياة، وإنما هو وسيله حياة، فأما صلح وسيلة وأداه وأما نحيناه عن طريق غير آسفين.”
وفي سبيل بناء عقلية عربية إسلامية عصرية ينبغي علينا الانفكاك من هذا الأسر الشديد للماضي إلى الدرجة التي جعلتنا ندور فيما قالوا وما أعادوا مرات ومرات. كما أنه علينا التحلي بروح العمل وأن نؤمن بأن الإنسان يستطيع تطويع الطبيعة كيفما شاء، وعلينا التخلي عن السلبية والقدرية فالمعجزات لن تتولى عنا شيئاً. وهناك فهم بأن حياة الإنسان كلها مُقدَّرة ومكتوبة وما هو إلا منفذ لإرادة الله، والحقيقة هي أن للإنسان إرادة وهو وحده القادر والمسؤول عن عمران الأرض، وما يلحق بالإنسان من خير أو شر هو نتاج لما كسبت يداه والتوكل على الله لا يجرد الإنسان من العمل والجهد بل يستعين به الإنسان لقضاء حاجته، لهذا فليس كل تراثنا مقدساً، بل أغلبه اجتهاد بشري قابل للمراجعة.
الترابي يدعو إلى خلال التجديد الفقهي الذي يقوم على غربلة التراث الفقهي السابق واستيعاب وهضم مستجدات العصر، ويرى أن “البلى والتجديد أو الجمود والنشاط دورة ملازمة لحركة التدين عبر التاريخ، وأقدار تطورها التي يقبلها الله، فهي إذن حركة دائبة تلاحق الحياة، ولا يسكن نشاط التدين إلا تجاوزته الحياة وظهرت ثغرة بين مستوى كسب المتدينين ومقتضى تكاليف الدين الحق، وتبلغ به ما يوافي التكاليف المتطورة ويستجيب لتحديات الابتلاء التي تطرحها الحياة الحادثة.”
يقول القرضاوي: “أنه تبين لنا أن لا تعارض بين الأصالة الحقة والمعاصرة الحقة. إذا فهمت كلتاهما على حقيقتها، فنستطيع أن نكون معاصرين إلى أعلى مستوى، وأن نبقى أصلاء حتى النخاع ـ ويجب أن نتفق على رفض اتجاهين متطرفين: الاتجاه الأول الذي ينتهي بالأصالة إلى الجمود والتحجر ورفض كل جديد ومقاومة التجديد في الدين والاجتهاد في الفقه والإبداع في الأدب وإبقاء كل قديم على قدمه. والاتجاه الثاني: اتجاه الذين ينحون بالمعاصرة نحو الفناء في الغرب وإتباع سننه شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. فكلا الاتجاهين مرفوض، فأولهما يمثل الإفراط والآخر يمثل التفريط.
إن التجديد لا بد أن يكون من داخل التراث وليس من خارجه، من داخل الدين وليس من خارجه، وهو مسعى يفتح له الإسلام الباب واسعاً، يرى هاشم صالح أنه من حق المسلم أن يقرأ القرآن ويشرحه دون الخضوع لعشرات التفاسير السنية والشيعية المكرَّسة عبر العصور. بالطبع من المفيد له أن يستشيرها ويتمعن فيها ولكنه ليس مجبراً على التقيد بها لأن أهميتها تاريخية وليس مقدسة، فهي لم تعط المعني الأول والأخير للقرآن، وإنما أعطت المعنى المناسب مع إمكانياتها وحاجيات زمانها، وبالتالي يحق للمسلم المعاصر، بل ينبغي عليه ألا يعترف بقدسية أي نص في الإسلام إلا القرآن وما صح من الحديث النبوي الشريف، وإن ما عداها على الرغم من أهميته وتقديرنا له، لا يستحق صفه المعصومية والقدسية. وذلك لأن الفقه والتفسير وعلم الكلام على الرغم من عظمتها فهي من صنع البشر حتى ولو كان هؤلاء البشر هم الصحابة أو الأئمة أو الفقهاء أو رؤساء المذاهب الكبار، وذلك لأن كلام الله فوق كلامهم، فهو وحده المعصوم.
ما نحن بحاجه إليه هو حداثة من داخل التراث وليس من خارجه تقدم حلاً لكل معضلات العصر. ويرى د. هاشم صالح أننا إذا طبقنا ذلك على الثقافة العربية نجد بالطبع بعض المحاولات الجادة هنا أو هناك من أجل الخروج من المأزق ولكننا نجد أن الجهود في معظمها موجهة نحو الخارج، أما من أجل الدفاع عن الذات (ضد الغزو الفكري) وأما من أجل الاستعارة الجاهزة والسهلة (ليبرالية، اشتراكية، وجودية، ماركسية، بنيوية…الخ) ولكن لم تحصل حتى الآن أي محاولة فعلية للتغيير من خلال الصراع الداخلي مع الذات، من خلال التفاعل الداخلي والخلاق للذات مع الذات، من خلال الصراع المباشر والمكشوف مع الذات.
أسس المنهجية الفكرية الجديدة:

1/ منهجية التعامل مع القرآن
يقسمّ الشاطبي تكاليف الإسلام إلى قسمين، قسم يتصل بالعبادات وهو تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، والأصل في هذا القسم التعبد، والنصوص فيه غير معللة في جملتها ولا يلتفت الشخص في العبادات إلى البواعث التي من أجلها كانت وتبني عليها أشباهها. وقسم آخر يتصل بمعاملة بني الإنسان بعضهم مع بعض، والأصل في هذا القسم هو الالتفات إلى الماضي والبواعث التي شرعت من أجلها الأحكام. ونهج الصحابة أنهم التزموا الثبات في العقائد والعبادات، والمرونة في أحكام المعاملات. أحكام المعاملات هذه تساوي تسعة أعشار الدين برأي الإمام مالك، أما العبادات الثابتة فهي قليلة أو أنها ترد في شكل مبادئ وعموميات وهداية عامة.
إذن هناك مصادر خاطئة في التراث ينبغي التخلص منها، مثل الفهم بأن القرآن قد حوى كل شئ وأنه لا فائدة من النظر في التجارب الإنسانية الأخرى. فالقرآن فصَّل في جوانب قليلة من حياة الإنسان، أما ما عداها فهي موجهات ومبادئ عامة تصاغ على ضوئها الخطط الواقعية للحياة، وأنه في التجارب الإنسانية الأخرى قيم إنسانية عامة يمكن الاستفادة منها.
2/ منهجية التعامل مع السنة:
أما السنة النبوية فمنها مالا يعتبر تشريعاً ولا يُلزم المسلمين، وهو ما كان سلوكاً شخصياً للرسول (صلى الله عليه وسلم) أو ما صدر عنه باعتباره بشراً لا بمقتضى الرسالة، مثل القيام والأكل والشرب وغيرها. أيضاً هناك أفعال قام بها الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهي خاصة بصفته كرسول، مثل زواجه من أكثر من أربع نساء. هذا بالإضافة إلى ما صدر عنه حسب خبرته الشخصية وهو قابل للمراجعة كما حدث لدعواه بعدم تأبير (تلقيح) البلح.
ويرى الشيخ محمود شلتوت أنه وحتى السنة التي تعتبر تشريعاً لها درجات منها:
1/ ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره مبلغاً ورسولاً، كأن يبين مجملاً في القرآن أو يخصص عاماً أو يبين شأناً في العبادات، وهذا يعد تشريعاً ثابتاً وملزماً.
2/ ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه إماماً لجماعة المسلمين مثل توليه القضاة وعقد المعاهدات، وذلك لا يعد تشريعاً عاماً، ولا يجوز لأحد فعله من تلقاء نفسه بحجة أن النبي فعله.
3/ ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا بوصفه مبلغاً ولا بوصفه إماماً ولكن صدر عنه باعتباره قاضياً يفصل في الدعاوى بين المسلمين وذلك لا يعد تشريعاً عاماً.
ويرى محمود شلتوت أن هذا التحقيق للأحاديث النبوية لم يلق الاهتمام الكافي من الفقهاء الذين كان أكثر تركيزهم ـ كما في القرآن ـ على ضبط الأحاديث وتحقيقها من الناحية اللغوية ومن ناحية الورود، وتلك مهمة جليلة أداها علم الحديث ورجاله، غير أن تقييم الأحاديث لا بحسب قوتها، ولكن بمناسبات صدورها وأسبابها، لم تتوفر له الدراسة الكافية. وهذا الجانب من الدراسة يمكّن بغير شك من أداء القراءة الصحيحة للسنة لأن ذلك سوف يسمح بتحديد الالتزام بكل حديث، وسيرفع حرجاً عن المسلمين يعانون منه نتيجة اللبس القائم في هذا المجال، واختلافات الفقهاء في شأن الأحاديث ـ من هذا الزاوية لا يستهان بها.
أيضاً يرى الكثير من الفقهاء أن السنة تنقسم بحسب روايتها إلى:
1/ سنة متواترة: وهي ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع يمتنع أن يتواطأ أفراده على الكذب لكثرتهم وأمانتهم، ثم رواه عن الجمع جمع مثله، وهكذا حتى وصلت إلينا.. ومنها الصلاة.
2/ السنة المشهورة: وهي ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابي أو أكثر دون أن يبلغ الرواة حد التواتر، ثم نقلها عن الراوي جمع من جموع التواتر وتناقلها عن هذا الجمع جموع حتى وصلت إلينا.
3/ سنة الآحاد: وهي ما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم آحاد وتناقلها عنهم آحاد أو جموع صغيرة حتى وصلت إلينا.
السنة المتواترة قطعية الورود عن النبي صلى الله عليه وسلم لآن تواتر النقل يفيد الحزم بصدق الرواية، السنة المشهورة قطعية الورود عن الصحابي الذي نقلها ولكنها ليست قطعية الورود عن النبي، وسنة الآحاد ظنية الورود عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعظم السنة القولية أحاديث آحاد.
ورغم هذا نجد أن الفقه الحالي يعتمد السنة بجميع مراتبها باعتبارها جزء من الدين القطعي حتى وأن بدا بعضها متناقضاً أو أدى إلى التخلف عن مقتضيات العصر. العلة ليست في السنة ولكن في طريقة أهلها في فهمها.
الصادق المهدي يرى أن النظرة التقليدية لأحاديث الرسول صلى الله عليه والتي لا تعني إلا بوصف رواتها هي نظرة لا تجدينا، والصحيح في أمرها الآتي:ـ
1/ علينا أن نأخذ بالسنة المطابقة للقرآن كالموجبة للصلاة والصيام.
2/ السنة المبيِّنة للقرآن. والتي تفصِّل مجملة أو تقيِّد مطلقة أو تخصِّص عامة أو تفرِّع من أصوله، فيما عدا تلك الأمور فإن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من المجالات لم تكن وحياً، وكانت معرضة للمراجعة في حينها ناهيك عن مراجعتها بعد ألف ونيف عام ـ فأفعاله كقائد عسكري روجعت عندما اتخذ موقفاً آخر في واقعة بدر لكي يمنع القرشيين من مورد الماء. وصحح القرآن بعض اجتهاداته مثل قبوله فداء أسرى بدر، وأعماله كخبير زراعي قال عنها عندما لم يثمر النخل “أنتم أعلم بشؤون ديناكم” وأعماله كقاضي لم تكن وحياً، وقد قال ناصحاً: (أنتم تحتكمون إلىّ ولعل بعضكم ألحن بحجته، فإذا قضيت له بغير الحق، فلا يأخذها)، وأقوال وأفعال الرسول راجعها الصحابة في كثير من المجالات، مثلاً في مجال الخلافة عندما عين أبا بكر عمراً خليفةً بعده ولم يترك الأمر كما فعل الرسول عند وفاته.
3/ منهجية التعامل مع الفقه
حتى في الفقه، فهناك مؤثرات منهجية في التفكير لدي الفقهاء، فمنهم من بنى فقهه على أساس قانوني بحت، ومنهم من بناه على أساس أخلاقي بحت وهكذا. بالإضافة للمؤثرات المنهجية هناك تأثير البيئة على الفقهاء، مثلاً تأثير الكوفة على الأمام أبي حنيفة وتأثير المدينة على الإمام مالك. فمع أن الكتاب والسنة واحد فقد تختلف الاجتهادات، ويختلف تفسير النص باختلاف البيئات وأبلغ أثر للبيئة على الأحكام هو ذاك الذي حدث داخل المذهب الحنفي نفسه: قال أبوحنيفه “حيث للدولة سلطان والإغاثة قريبة فلا حرابة مهما حدث من مغالبة، ولذلك لا تكون الحرابة في المصر (المدينة) ولا في القرية، بل تكون في الخلاء والفيافي” وقال تلميذه أبو يوسف “يمكن أن تكون الحرابة في المصر (المدينة) وفي القرية. وقطاع الطرق يمكن أن يخيفوا الناس في هذه المناطق، فما داموا يخيفون الناس فهي الحرابة .
الاختلاف بين الإمام وتلميذه اختلاف زمان لا اختلاف رأي، ففي أيام أبي حنيفة كان سلطان الدولة قوياً يرهب العصاة ويخيف المفسدين، لذا قرر أبو حنيفة أن قطع الطريق غير متصور في المدن والقرى. بينما عاصر أبو يوسف ضعف السلطان فقرر أن قطع الطريق متصور في القرى والمدن.
التزام هذه الاجتهادات الفقهية بحرفية تامة، وإضفاء نوع من القدسية عليها يمنع مخالفتها أو تأويلها وإن اتضح تقصيرها، وإظهارها بمظهر الإسلام الحق، يوقع المسلمين في الحرج. الفقه متجدد، والإسلام مرن لكل زمان ومكان وليس أحكام جامدة. ولا يصح لأي جهة احتكار الدين والاجتهاد ووصم غيرها أو مخالفيها بالإلحاد. فقه مذهب قد لا يصلح لمذهب آخر، وفقه زمان قد لا يصلح لزمان آخر، ونحن الآن بحاجة إلى فقه جديد.
يرى د. يوسف القرضاوي أننا بحاجة إلى فقه جديد، ولكنه يستدرك قائلاً: ليس مرادنا بالفقه العلم المعروف الذي اصطلح على تسميته فقهاً، والذي يعني معرفة الأحكام الشرعية الجزئية من أدلتها التفصيلية، من مثل أحكام الطهارة والنجاسة والعبادات والعاملات وأحكام الزواج والطلاق والرضاع..الخ، فهذا العلم ـ على أهميته ـ ليس هو مرادنا بالفقه. فكلمة فقه والتي وردت في القرآن قبل أن تفرض الفرائض تحدد وتفصل الأحكام في سورة الأنعام قال تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفسٍ واحدة، فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} مقصود بها المعرفة البصيرة بسنن الله في الأنفس والآفاق وسنن الله في خلقه. عليه يكون مقصود الكلام هو أننا بحاجة إلى نظرة معرفية جديدة والفكر هو أساس كل شئ لأنك إن غيرت أفكار الإنسان غيرت سلوكه.
خلاصة: المنهجية المعرفية الجديدة المتكاملة (التنويرية)
نص القرآن وحده هو المعصوم ولكن طرق فهمه متطورة ومتجددة، أما السنة فالمقدس منها هو فقط ما كان قطعياً في الورود والدلالة، أما ما عدا ذلك فلا بد أن يكون مفتوحاً للاجتهاد. أما الفقه فكله غير مقدس، بل هو اجتهاد رجال في عصر معين ويمكن قراءته لمجرد الاستنارة والاستزادة. وكل العطاء العالمي الخارجي والذي لا يناقض القرآن أو المعصوم من السنة فهو مفتوح للمسلمين وعليهم الأخذ منه والاستفادة منه دون إنكار لمكانته ودوره في حياة الإنسان، فقد حققت الحضارة الغربية أسساً راقية للحكم والقانون هي الأولى في تحقيق العدالة وحفظ كرامة الإنسان، فلا ينبغي أن نحرم أنفسنا فضل الاستفادة منها لمجرد أنها أوروبية المنشأ. على أن يتم الأخذ من الحضارة الغربية دون تقليد أو تبعية، فتراثنا هو ذاتنا وهو عاصمنا من الذوبان، وليس كله عديم الفائدة، بل أن أكثره عبارة عن قيم إيجابية وحضارية هي قوة الدفع لنا وهي أساس انتمائنا.
هذه القيم هي مقياسنا لما ينبغي أن نأخذه من الغرب وما ينبغي أن ندعه، فالحضارة ـ الشرقية أو الغربية ـ بها جوانب كثيرة للقصور أهمها إبعادها للجانب الروحي والديني والخلقي من حياة الإنسان، ولكن مع ذلك فهي تحتوى على جوانب مضيئة كحقائق كلية تضافر في الوصول إليها الوحي عندنا، والإلهام عند آخرين، والعقل عندهم، والتجربة عند الآخرين. هذه الحقائق ينبغي تحديدها للاستفادة منها، ومن هذه الحقائق نجد كفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، الأمر الذي يؤهله للإبداع والعطاء، المنهجية الواضحة لتداول السلطة بطرق سلمية وقانونية وتطوير العلوم والتكنولوجيا وتحقيق أعلى درجة بلغها الإنسان في استثمار الموارد الطبيعية وتحقيق الوفرة في كل المجالات مما ييسر على الإنسان سبل الحياة. هذا الأخذ من الحضارات الأخرى ينبغي أن يكون بوعي كامل، وذلك لأن الحضارة الغربية، والتي تسعى للتسلط على الآخرين وتقدم نفسها كطريق وحيد للتقدم قد تسعى للإيقاع بهم وجرهم إلى مزالق التبعية.
الحركات الإسلامية وتحدي الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الراشد:
-إذا كان الفكر السياسي الإسلامي قد ركن للملك العضوض المسنود بالقوة منذ عهد معاوية، وأن الشورى قد اندثرت واختفت معالمها فما هو تصوّر الحركات الإسلامية لنظام الحكم الأمثل الذي ينظِّم الاجتهاد في إطار الإسلام ويتيح الفرصة للآراء الأخرى من خارج دائرة الإسلام لتشارك في صياغة القرارات الهامة؟
-وإذا كان الفكر الإنساني قد طوّر نفسه من خلال آليات سياسية معروفة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الراشد فما هو موقف الحركات الإسلامية من هذه القضايا؟
-هل يمكن إخضاع ممارسة الشورى لمؤسسات دستورية (ديمقراطية) تجعل الشورى ملزمة للحاكم وفق آليات محددة وليست متروكة لوازعه الداخلي؟
-هل تستطيع الحركات الإسلامية مراجعة النظريات السنية التي تبرر (سلطة الأمر الواقع) وتوجب الطاعة له؟
-هل تستطيع الحركات الإسلامية الاعتراف بالرأي الآخر وتطوير آليات للنقد الذاتي والمحاسبة والتقويم؟
هل يقتصر موقف الحركات الإسلامية من قضية حقوق الإنسان على مجرد القول بأن الإسلام ينص على هذه الحقوق وإن بقيت قيمة الإنسان المسلم في الواقع والممارسة أدنى بكثير من هذا المثال؟ وما هي الآليات والضمانات؟ انتهاكات حقوق الإنسان تحدث من حكّام يؤكد كل منهم أنه لا يخرج عن الإسلام بل ربما يعلن بعضهم أنه إنما يطبّق الإسلام نفسه، فالنصوص الدينية لا تحكم بذاتها إنما يطبقها بشر لهم مصالحهم وأهوائهم وهنا يقع الانحراف.
الإسلام لم يضع نظاماً محدداً للحكم، وإنما وضع مباديء وموجهات عامة ويبقى أمر تنـزيلها إلى أرض الواقع هو التحدي الذي يواجه الحركات الإسلامية المعاصرة.
ما تراه هذه الورقة هو أن المصطلحات الحديثة مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الراشد هي تجارب إنسانية بشرية مفيدة وسامية، وأن الإسلام وضع فقط موجهات وأباح الاستفادة من الفكر الإنساني الآخر، وما دام أن العصر الحالي به الكثير من التداخل والتفاعل، فلا يمكن أن يعيش المسلمون خارج هذا العصر. إن رفض تبنّي وإقامة مثل هذه المبادئ بحجة أنها غريبة أو غربية هو هروب من الواقع ومحاولة لتغطية عجز أو تقصير وتمييع ضار لموقف الإسـلام.
إن الديمقراطية هي مجرد منهج لإقرار الحقوق وليست عقيدة، والمسلمون مسؤولون عن ابتكار الوسائل التي تحقق مقاصد الدين، وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية ترفض هذه الوسيلة فعليها تقديم الوسيلة الأنجع التي لا تنتقص مما وفّرته الوسيلة الديمقراطية من حقوق وضمانات بل تسمو عليها.
تبنّي الحركات الإسلامية لشعار الديمقراطية يحقق لها المكاسب العظيمة فهي وحدها البيئة التي تستطيع أن تُسمع فيها رأيها وتنافس فيها، أما الآليات الأخرى مثل العنف والانقلاب وغيرها فستكون هي أولى ضحاياها.
المشروع الحضاري الإسلامي الديمقراطي: يقوم على أن الشورى هي القيم الضامنة لديمقراطية خيِّرة، وأن الديمقراطية هي الهياكل الدستورية التي يمكن أن تؤطِّر وتضمن القيم الإسلامية، فكل منها بحاجة إلى الآخر.
الحركات الإسلامية وتحدي الوضع الدولي الراهن:
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الهيمنة الأمريكية على العالم، وبعد موجة العداء الواضح والتحالفات التي تقودها الولايات المتحدة ضد كل الدول التي تتبنّى مواقف استقلالية وخصوصاً الدول والحركات الإسلامية، بعد أحداث 11 سبتمبر، كيف تستطيع الحركات الإسلامية التعامل مع هذا الواقع وما هي خياراتها؟ هل العنف والجهاد أم التنازل أم المدافعة. كيف تستطيع الحركات الإسلامية أن تحافظ على وجودها بل وأن تطرح نفسها كبديل لأنظمة الحكم القائمة؟
ما تراه هذه الورقة هو أن النظام العالمي المعاصر ليس كله شر، وأن به تيارات مستنيرة يمكن التحالف معها للوقوف في وجه التيارات المستعلية إن أنجع وسيلة للتعامل مع الوضع الدولي الراهن هي: تقوية الموقف الداخلي، بين الحكومة وشعبها، وبين التيارات المختلفة داخل الدولة الواحدة، وتصالح الدولة مع شعبها والفئات الاجتماعية داخلها وخلق علاقات جيدة مع جيرانها يمكن أن تجنبها الاستقطاب الدولي. وإلا فإن النظام الدولي الظالم سيجد المبرر والنصير من خلال ممارسات أو مواقف تتبنّاها الحركات الإسلامية أو الدول الإسلامية.
بعض الحركات الإسلامية لا زالت ترى أنه على الأقليات غير المسلمة داخل الدولة الإسلامية أن تدفع الجزية عن يد وهي صاغرة، وأن لا حقوق لها، وأن العلاقات الخارجية تقوم على مفهوم دار الحرب ودار الإسلام.
الدولة في العصر الحديث تقوم على حقوق المواطنة المتساوية، فيمكن للمسلمين طمأنة الآخرين على حقوقهم، وأن العلاقات الدولية يمكن أن تقوم على أن بينهم وبين المسلمين مواثيق واجبة الأداء في سبيل سلام عالمي وتعاون وانفتاح على كل ما هو إنساني.
تخلص الورقة إلى أن الخطر على الحركات الإسلامية آت من داخلها ومن فهمها بقدر ما هو آت من خارجها، وأن نجاح هذه التيارات رهين بنجاح التيارات المستنيرة داخلها. أن التجارب الإنسانية الأخرى مفيدة وينبغي على الحركات الإسلامية الاستفادة منها خصوصاً قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وهي الطريق إلى بوابة العصر الذي لا بد لمن يريد النجاح أن يلج من خلاله.
كما أن النظام الدولي المعاصر به الكثير من المنافع وأن بالغرب تيارات ينبغي مخاطبتها والتحالف معها مهما كانت ضعيفة.
المصادر والمراجع:
– راشد الغنوشي: مجلة الإنسان: ديسمبر 1992: ص8
2- د.فؤاد ذكريا :الصحوة الإسلامية في ميزان العقل :دار التنوير للطباعة والنشر 1985م ص 370
3 – د. يوسف القرضاوي: مجلة العالم: عدد 492 بتاريخ 17/7/1993م : ص 36
4- د. هشام شرابي :النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع: مركز دراسات الوحدة العربية 1992م ص 39
5- د. زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي:دار الشروق 1980: ص 120
6- الصادق المهدي: مفهوم الدولة في الإسلام: مقال غير منشور 1993
7- راجع: د. حسن عبد الله الترابي: تجديد الفكر الإسلامي: الدار السعودية للنشر والتوزيع 1987: ص 193
8- د. عماد الدين خليل: مجلة المسلم المعاصر: عدد 9: يناير، فبراير، مارس 1977
9- محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية: دار الفكر العربي: بدون تاريخ: ص 178
10- د. مصطفى الفيلالي: الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي:ص 357
11- د.فؤاد زكريا: الصحوة الإسلامية في ميزان العقل: مصدر سابق: ص40
12- د. فؤاد ذكريا: مرجع سابق: ص ص 71،72
13- محمد نور فرحات: مجلة الوحدة: عدد 91: أبريل 1992 : ص 12
14- أحمد الجباعي:الوحدة : العدد 100 يناير 1993: ص135
15- د. ذكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر: دار الشروق 1982م: ط3 : ص150
16- د. حسن الترابي: تجديد الفكر الإسلامي: مرجع سابق: ص 152
17- د. ذكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي: مرجع سابق: ص 28
18- د. حسن الترابي: الحركة الإسلامية والتحديث: مرجع سابق: ص 540
19- المصدر السابق.
20- هشام صالح: مرجع سابق: ص 18
21- هاشم صالح: مرجع سابق: ص 22
22- راجع أفكار المدرسة التراثية في: محمد أوزهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية. وابن حنيل: مرجع سابق. راجع أيضاً: معالم في الطريق: دار الشروق 1992م: ط15:ص 39
23- محمود شلتون في: فهمي هويدي: القرآن السلطان: دار الشروق 1982م: ط 2: ص 57،58
24- ابن حزم: المحلي: إدارة الطباعة المنيرية (مصر) 1352هـ : جـ 11: ص 3ـ3
25- سورة الأنعام : الآية 98
26- د. يوسف القرضاوي: مجلة العالم: عدد 492 بتاريخ 17/7/1993م : ص 37

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.