مفهوم الحرية بين الفكر الاسلامي والفلسفة الغربية

معوقات ومهددات الديمقراطية فى البلدان النامية
30 أغسطس، 2016
معوقات ومهددات الديمقراطية فى البلدان النامية
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
مركز التنوير المعرفي
ورشة: مفاهيم الحريــة
د. صبري محمد خليل
مقدمة
هذه الدراسة تتناول مفهوم الحرية في الفلسفة الغربية والفكر الإسلامي، وذلك من خلال تناول القضايـا التالية:
– بعض مفاهيم الحرية في الفلسفة الغربية.
– مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي ( علم الكلام).
– المفاهيم القرآنية الكلية والحرية.
– الحرية ومفهومي القضاء والقدر .
– الإسلام وأنواع الحريـات.
– المفهوم الإسلامي للحرية وواقع المجتمعات المسلمة.
بعض مفاهيم الحرية في الفلسفة الغربية
المفهوم الليبرالي للحرية:
الليبرالية كمنهج تستند إلى فكرة القانون الطبيعي، وهى ككل الأفكار الأوربية ذات جذور في الفلسفة اليونانية ( السوفسطائية، الرواقية…) مضمونها (أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق حتماً من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة) وهذه الفكرة هي الأساس الفكري للمفهوم الغربي المعاصر للحرية.
علَّم المفهوم الليبرالي للحرية الأوربيين أن الواقع قابل للتغيير، وإن ما يحول دون تغييره هي القيود المفروضة على فاعلية القانون الطبيعي، وأن عليهم أن يحطموا تلك القيود حتى يتغير الواقع، وأن ( التحرر) لازم للتغيير، وهذا أدى إلى تمرد الأوربيين على سادتهم، وأن يسقطوا وصايا الكنيسة وامتيازات الملوك والنبلاء وأمراء الإقطاع ويمزقوا العلاقات الإقطاعية. أدى تحطيم هذه القيود إلى قهر الطبيعة بالعلم والثورة الصناعية وإرساء قواعد حضارة الرخاء المادي ( الحضارة الأوربية المعاصرة).
فرغم أن المفهوم الليبرالي علّمهم كيف يتحررون، إلا أنه لم يعلّمهم ماذا يفعلون بالحرية اتكالاً على أن النشاط الفردي ينتهي إلى تحقيق مصلحة الجميع. وهذا ما أدى أن تصبح ثمار التقدّم ملكية خاصة لأصحابه, بل كان بالنسبة إلى غيرهم من المجتمعات الأوربية ( الطبقات الأخرى) أو المجتمعات الأخرى (المجتمعات الشرقية في ظل الاستعمار الأوربي) فقراً على فقر وعبودية كعبودية القرون الوسطى وبقيت المجتمعات الأوربية والمجتمعات الأخرى محرومة من ثمار التقدم إلى ما قبل قرن.
وقد تصدى عددٌ من الفلاسفة الأوربيين للمفهوم الليبرالي للحرية ذاته بالنقد من زوايا مختلفة منهم كارل ماركس وهيجل وفردريك نيتشه وفوكو وغيرهم.
غير أنه يجب ملاحظة الخلل الكامن في الأساس الفكري للحرية، أي الليبرالية كمنهج والقائل بأن مصلحة المجتمع ككل ستتحقق حتماً من خلال محاولة كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة، أي دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع. وهذا ما أثبت واقع المجتمعات الأوربية خطأه, إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر، كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمة في كل المجتمعات الأوربية، وإن اختلفت في مدى هذا التدخل، مع ملاحظة أنه بعد المتغيرات الدولية الأخيرة المتمثلة في انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادي القطب ممثلاً في الولايات المتحدة ظهرت بعض الدعوات التي تشكك في ضرورة تدخل الدولة.
المفهوم البرجسوني للحرية:
قرر برجسون أن الإنسان يخلق نفسه كل لحظة، كما انتبه لمفهوم الزمان الذي لا يمكن فهم الحرية بدونه، واختار الماضي وركّز عليه كدافع للحركة إلى المستقبل، فحرر الإنسان من جبرية الجمود وحركه إلى المستقبل, وعرّف الحرية بأنها هذه الحركة. فالحرية عند برجسون تقدم تلقائي تسقط من النفس سقوط الثمرة من الشجرة.
وهكذا استطاع برجسون أن يدرك فكرة الزمان الذي لا يمكن فهم الحرية من دونه، ولكنه لم يفسر الحرية في الزمان الذي اكتشفه، كما أنه لم يزد على أن جعل حركة الإنسان كقذيفة تدفعها إلى الأمام طاقة انفجار البارود في الخلف دون أن تدري أي هدف تصيب.
المفهوم الوجودي للحرية (سارتر):
تبدأ الحرية عند سارتر بالانفصال عن الماضي بإعدامه، والإعدام عنده أن يفرز الوعي العدم، فيصبح الموجود غير موجود، فالعدم والوجود عنده هو عدم ووجود بالنسبة إلى كل إنسان على حدا.
أما بالنسبة للمستقبل فإن الحرية هي شروع، وتعريف الشروع عند سارتر اتجاه النية إلى الفعل دون محاولة الفعل لذاته، فالسجين يحقق حريته بمجرد أن يريد الهروب، أما تحطيم القيود فغير لازم لتحقيق الحريـة.
وهكذا فهم سارتر الحرية على أنها تقوقع في الوعي منفصل عن الماضي والظروف, وسلبي تجاه المستقبل. ونلاحظ أن سارتر قد عدّل هذا المفهوم للحرية في مرحلة تالية من مراحل تطوّره الفكري.
المفهوم الهيجلي للحرية:
ربط هيجل بين الضرورة والحرية، فعرف الحرية بأنها إتباع للضرورة، لكنه كان يفهم الضرورة على أنها تطور الفكر المطلق فقد كانت الحرية في مذهبه متحققة في عالم الروح فقط. فهو يرى أن حرية الإرادة تبدأ بأن تحقق نفسها في الواقع حتى لا تظل مجردة طبقاً لقوانين الجدل طبقاً لمراحل (الإرادة الفردية، العائلة، الدولة). فالدولة تصبح أرقى تحقيق للحرية الفرديـة.
إذن نظرية هيجل تتصور الحرية في الفكر أو الروح فقط, وبالتالي تتجاهل الظروف المادية لحياة الإنسان كما أنها تنتهي إلى جعل المستقبل كله من صنع الفكر المطلق كما يتجسد في أرقى صوره في الدولة.
المفهوم الماركسي للحرية:
ترى الماركسية أن حرية الناس ليست في الانفصال عن قوانين الطبيعة والمجتمع، بل في معرفة هذه القوانين والعمل على أساسها، فيصبح دور الناس لا أن يغيروا مجرى تاريخهم لكن أن يأخذوا أماكنهم في مجرى الحركة التاريخية التي تتحرك من خلال الصراع الطبقي الذي يحدد قواه وغاياته أسلوب الإنتاج المادي والتناقض الكامل داخله بين علاقات الإنتاج وأدوات الإنتاج.
وبهذا أسقطت الماركسية الإنسان الفرد من حسابها كما أنها انتهت إلى نوع من أنواع الجبرية المادية يقتصر دور الإنسان فيها أن يأخذ مكانه في حركة التطور الذي تقوده المادة.(د. عصمت سيف الدولة، الأسس، دار المسيرة، بيروت).
مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي (علم الكلام)
تم تناول مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي (علم الكلام) تحت عنوان الجبر والاختيار، وهنا سنتناول بعض التصورات التي وضعتها بعض الفرق الكلامية للمفهوم .
القدرية :
القدرية نسبة إلى قدرة الإنسان على الفعل والاختيار، أي الذين أسندوا الفعل والإرادة إلى الإنسان, وقال البعض نسبة إلى القدر لأنهم نفوا القدر عن الله تعالى وأثبتوه للإنسان. ويرى بعض الباحثين أن هذا الوصف ذكرهم به مخالفوهم لينطبق عليهم الحديث “القدرية مجوس هذه الأمة”.
والراجح أن القدرية بالمعنى الأول تشمل المعتزلة والجهمية, والقدرية بالمعنى الثاني تقتصر على الجهمية.
أهم قادة الجهمية معبد الجهمي, وقد تولى الدعوة إلى مذهبه في العراق, وقتله الحجاج في ثورة عبد الرحمن بن الأشعث. وغيلان الدمشقي الذي ناقشه عمر بن عبد العزيز وقتله هشام بن عبد الملك.
وقد تطرّفوا في إسناد الفعل والإرادة إلى الإنسان فقالوا (كل فعل للإنسان هو بإرادته المستقلة عن إرادة الله تعالى) ونفوا عن الله تعالى القدر بمعنى العلم والتقدير السابق على حدوث الفعل الإنساني، يروى أن معبد الجهمي: (لا قدر الأمر أنف) يقول د. محمد يوسف (… ذهبت القدرية على أن الإنسان هو الذي يقدّر أعمال نفسه بعلمه ويتوجّه إليها بإرادته ثم يوحدها بقدرته وأن الله لا يقدّر هذه الأعمال أزلاً ولا دخل لإرادته أو قدره في وجودها ولا يعلمها إلا بعد وقوعها) (د. محمد يوسف، القرآن والفلسفة، ص116).
فمذهب القدرية يترتب عليه إسناد صفة الخلق إلى غير الله تعالى وهي صفة ربوبية أي أن إسنادها لغير الله يترتب عليه الشرك. كما جعلوا علمه وقدرته تعالى محدودين بدلاً من أن يكونا مطلقين كما يتضح في قولهم العلم أنف.
الجبرية :
أسميت بالجبرية نسبة إلى أن مقولتهم الأساسية أي نفي قدرة الإنسان على الفعل والاختيار والجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان مؤسس الفرقة.
ورتبوا على كون الله تعالى خالق أفعال الإنسان، وأنه ذو قدرة مطلقة إلغاء قدرة الإنسان على الفعل وإحالته إلى آلة لا إرادة لها، يقول جهم بن صفوان (إن الإنسان ليس يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة إنما هو مجبور في أفعاله ولا إرادة ولا اختيار وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وينسب إليه الأفعال مجازاً كما ينسب إلى الجمادات) (الشهرستاني، الملل والنحل، مصر المطبعة الأدبية، ص110-111) وفي فترة لاحقة تسرب القول بالجبر إلى بعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة بفرقهم المختلفة.
غير أن القول بالجبر وافد على الإسلام، لأن التصوّر التنـزيهي لله تعالى يرى أن لا تعارض بين الفعل الإلهي المطلق والفعل الإنساني المحدود, فالأول يحد الثاني تكوينياً (بظهوره في عالم الشهادة من خلال السنن الإلهية التي يكون التزامها شرط نجاح الفعل الإنساني) وتكليفياً (كما يظهر من خلال القواعد الآمرة الناهية “الحدود” والتي ينبغي على الإنسان أن يلتزمها في فعله).
كما الجبرية تفهم التوحيد على أنه أفراد الفعل لله وبالتالي فإن إسناد الفعل لسواه هو شرك في الربوبية بينما التوحيد يقوم على إسناد الفعل المطلق لله تعالى أي إسناد الفعل المحدود لسواه لا يترتب عليه شرك بالربوبيّة.
المعتزلة:
ذهب المعتزلة إلى أن العدل الإلهي يقتضي أن يُثاب المحسن ويُعاقب المسيء، وهو ما يقتضي أيضاً أن يكون للإنسان القدرة على الفعل والاختيار بين الخير والشر، إذ لو كان الإنسان مجبوراً على فعله لكانت محاسبته عليه ظلماً والله تعالى منـزّه عن نسبة الظلم إليه، لكنهم تطرفوا في فهم حرية الإنسان فرتبوا على ذلك إن الإنسان خالق لأفعاله.
الأشاعرة:
قال الأشعري أن الفعل الإنساني هو محصلة لخلق الله تعالى وكسب الإنسان، لكنه عرف الكسب بأنه مقارنة قدرة الإنسان للفعل الإلهي. ويمكن توضيح هذا بمثال حركة اليد والخاتم فحركة الخاتم مقارنة لحركة اليد.
وهكذا فإن الأشعري بدأ بداية صحيحة في مسألة أفعال العباد بتقريره أن الفعل الإنساني محصلة خلق الله وكسب الإنسان ولكنه بتعريفه للكسب بأنه مجرد اقتران بالفعل يؤدي إلى إلغاء الكسب أي إلى الجبرية. يقول الجويني (أما نفي القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والوحي وما إثبات قدرة لا أثر لها على أي وجه فهو كنفي القدرة أصلاً) (الشهرستاني، الملل والنحل، ص128 ).
الماتريدية:
تتفق فرقة الماتريدية مع الأشعري في القول بأن الفعل الإنساني هو محصلة خلق الله تعالى وكسب الإنسان .إلا أنها خلافاً للأشعري لم تجعل الكسب مجرد اقتران بالفعل بل قدرة حقيقية.
الحرية والمفاهيم القرآنية الكلية
يستند مفهوم الحرية في الإسلام إلى ثلاثة مفاهيم قرآنية كلية هي التوحيد والتسخير والاستخلاف:
التوحيد والحرية:
التوحيد هو إفراد الوجود المطلق لله تعالى، والوجود المطلق هو الوجود القائم بذاته وكل وجود سواه قائم به، وبتعبير الغزالي ( فهو القيوم لأن قوامه بذاته، وقوام كل شيء به، وليس ذلك إلا الله تعالى) ( الغزالي المقصد الأسني في شرح أسماء الله الحسنى، ص 8).
يترتب على هذا أن الإسلام يفرد الحرية المطلقة لله تعالى” فعال لما يريد” “لا يسأل عما يفعل وهم يسألون” ” إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون”. وبالتالي يخالف الفلسفات التي تسند الحرية المطلقة إلى الإنسان كالوجودية، فالإنسان حر لكن حريته محدودة ( مقيّدة) تكوينياً وتكليفياً، وهذا التحديد هو ضمان موضوعي مطلق لتحقيقها كما سنوضح لاحقاً.
توحيد الألوهية:
مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة لكل وجود سواه، كما ينفرد بكونه مصدر المثل العليا-القيم- المطلقة ( أو المستوى المطلق لها) لا مصدر كل المثل العليا- القيم- ( أو كل مستوياتها).
وتوحيد الألوهية هو ضمان موضوعي مطلق لتحقيق الوجه السلبي للحرية (على المستوى الذاتي) والمتمثل في تحرير الذات من الغايات المطلقة الزائفة وهو ما عبّر عنه القرآن باجتناب الطاغوت. فاتخاذ الطاغوت هو عملية تقوم الذات بموجبها بتحويل غاية محدودة (فعلاً) إلى غاية مطلقة (لأن التصور لم يتصل بالمستقبل الذي يتخطاها). والطاغوت بما هو كذلك قد يمد الذات بإمكانيات محدودة للتطور، لكن لابد أن يأتي وقت يستنفذ فيه هذه الإمكانيات ويصبح بعدها معوقاً للتطور، لأنه في واقع الأمر غاية محدودة بالزمان والمكان وبالتالي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمـان.
توحيد الربوبية:
مضمونه إفراد الفعل المطلق لله تعالى، وإفراد صفات الربوبية ( باعتبارها ما دلَّ على هذا الفعل المطلق) لله تعالى. يقول ابن تيمية في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقة الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ( أن هذا المسلك مبني على امتناع دوام كون الرب فاعلاً وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) ( ابن تيمية، درء التعارض،1/98).
وتوحيد الربوبية هو ضمان موضوعي مطلق لتحقيق الوجه السلبي للحرية (على المستوى الموضوعي) والمتمثل في تحرير الفعل الإنساني من أي فعل مطلق زائف وهو ما عبّر عنه القرآن بالاستكبار، فالاستكبار هو أن إسناد الفعل المطلق لسواه تعالى وهو ما يؤدي إلى إلغاء فعل الآخرين، وبالتالي إلغاء المساواة بين الناس ونشوء علاقة ذات طرفين: المستكبر والمستضعف.
التسخير والحرية:
أما المفهوم القرآني الثاني فهو: التسخير، وطبقاً له فإن عالم الشهادة هو درجة من درجات الوجود قائمة على ظهور صفات الله تعالى. يقول ابن القيِّم: ( ومصدر الأمر والخلق عن أسمائه الحسنى) ( ابن القيم، بدائع الفوائد ج1، ص184. ولهذا الظهور شكلان:
تكويني: يتمثل في الكون المسخر و الإنسان المستخلف من حيث أن كلاهما وجود محدود بالوجود المطلق لله تعالى فهو بمثابة آيات دالة على وجوده تعالى.
تكليفي: يتمثل في الوحي وهو مقصور على درجة الاستخلاف. يقول ابن القيم ( القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته) ( ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، ص399 )
فالتسخير بناءً على هذا هو درجة من درجات الظهور الصفاتي التكويني أي أن حكمته تعالى من خلق الكون إظهار صفاته والصفة هي ما دلَّ على وجوده المطلق لذا فالكون هو آيات دالة على وجوده. يقول ابن القيِّم ( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدلة وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها) (ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، 198) ويقول ابن تيمية (المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الآية والقياس أن الآية تدل على عين المطلوب الذي هو آية وعلامة عليه) (مجموع الفتاوى،1/48)
غير أن الأشياء والظواهر والكائنات التي في درجة التسخير إنما تظهر صفات الله تعالى على وجه الإجبار فهي دائماً آيات دالة على وجوده تعالى” وجعلنا الليل والنهار آيتين”. وبالتالي لا مجال للحديث عن الحرية على مستوى الطبيعة.
ويترتب على مفهوم التسخير قاعدتان مرتبطتان بمفهوم الحرية هما:الموضوعية والسببية.
الموضوعية: وتنقسم إلى قسمين.
الموضوعية التكوينية: إن الكون ذو وجود مستقل عن وعي الإنسان غير متوقف عليه وسابق على معرفته:(لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
الموضوعية التكليفية: ممثلة في الوحي ذي المصدر الإلهي غير المتوقف على وعي الإنسان.
وقسما الموضوعية يترتب عليهما أن حرية الإنسان لا تتحقق بانفصاله عن العالم الطبيعي وقوانينه أو الوحي وقواعده .
السببية: فالفعل المطلق لله تعالى (مضمون الربوبية) إنما يظهر من خلال السببية ويأخذ شكل سنن إلهية لا تتبدل، وبالتالي فإن الكون قائم على قاعدة السببية وحركته منضبطة بسنن إلهية لا تتبدَّل.
ويترتب على قاعدة السببية أن التصور الإسلامي يرى أن الضرورة ( ممثلة في انضباط حركة الوجود الشهادي بسنن إلهية لا تتبدل) هي شرط للحرية، أي أن الإنسان لن ينجح في تحقيق حريته إلا بمعرفة والتزام حتمية هذه السنن الإلهية.
الاستخلاف والحرية:
أما المفهوم القرآني الثالث فهو الاستخلاف ” وإذ قال ربك الملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ” والاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26،ص199) وإذا كان للوكالة نوعان: عامة وخاصة فإن المقصود بالاستخلاف النوع الأخير ( الوكالة الخاصة التي سنوضح مضمونها عند الحديث عن الاستخلاف اصطلاحاً) كما أن الاستخلاف في القرآن ورد بالمعنى المجازى لا الحقيقي تكريماً للإنسان كما يقول الراغب الأصفهاني” الخلافة النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه، وإما لتشريف المستخلف”( المفردات في غريب القرآن، ص156).
إما الاستخلاف اصطلاحاً فهو إظهار الإنسان لصفات الله تعالى المطلقة في الأرض قدر طاقته المحدودة على وجه الاختيار. يقول الماتريدى: (وجائز أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله ودينه) ( تأويلات أهل السنة، ج1) ويقول الألوسي: ( فلا بد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجلياً لي ومرآة لأسمائي وصفاتي) (روح المعاني، ص223) وهو ما يختلف طبقاً للتمييز بين صفات الألوهية وصفات الربوبية.
العبادة:
للعبادة معنى خاص ومعنى عام، ومضمون الأخير اتخاذ الله تعالى غاية مطلقة واتخاذ صفات ألوهيته مثل عليا -قيم- مطلقة يسعى الإنسان لتحقيقها في الأرض ( أي في واقعه المحدود زماناً ومكاناً) دون أن تتوافر له إمكانية التحقيق النهائي لها، ولا يكون ذلك بإلغاء تصوّر الإنسان للمثل العليا (القيم) المحدودة زماناً ومكاناً بل تحديدها باتخاذ مقتضى صفات الألوهية ضوابط موضوعية مطلقة لها. يقول ابن تيمية ( إن من أسماء الله تعالى وصفاته ما يحمد الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة).
والعبادة على هذا الوجه ضمان موضوعي مطلق لتحقيق الوجه الايجابي للحرية (على المستوى الذاتي) والمتمثل في أن اتخاذ الله تعالى غاية مطلقة يمد الذات بإمكانيات غير محدودة للتطور لأنه لا تتوافر للذات الإنسانية إمكانية التحقيق النهائي فضلاً عن تجاوزهـا.
العبودية:
ولا تعني إلغاء الفعل الإنساني بل تحديده وذلك باتخاذ مقتضى صفات الربوبية ضوابط موضوعية مطلقة للفعل الإنساني. والعبودية على هذا الوجه ضمان موضوعي مطلق لتحقيق الوجه الإيجابي للحرية (على المستوى الموضوعي) والمتمثل في أن إسناد الفعل المطلق لله تعالى يثمر إطلاق الفعل الإنساني أي يمده بإمكانيات غير محدودة للتطور كما أنه ضمان موضوعي مطلق للمساواة بين الناس.
بناءاً على ما سبق فإن الأمر بتحديد أو تقييد حركة الإنسان تكوينياً وتكليفياً على الوجه السابق بيانه لا يقصد به إلغاء حرية الإنسان، بل وضع ضوابط موضوعية مطلقة لها لضمان تحقيقها، فضلاً عن أنه بهذا التحديد تصبح حركة الإنسان عبارة عن نزوع أو سعي مستمر اتجاه الحرية المطلقة، دون أن تتوافر للإنسان إمكانية تحقيقها، لأنها من اختصاص الله تعالى وحده بمقتضى توحيد الألوهية.”يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه”
البعد الاقتصادي للاستخلاف والحرية الاقتصادية:
يتضمن البعد الاقتصادي للاستخلاف (كأساس للتصور الإسلامي للاقتصاد) مجموعة من المفاهيم التي هي بمثابة ضوابط موضوعية مطلقة للحرية في المجال الاقتصادي وسنتناول بإيجاز بعض هذه المفاهيم وعلاقتها بمفهوم الحريـة.
إسناد ملكية المال لله تعالى وحده: أول ما يقابلنا في التصور الإسلامي هو تقرير أن الملكية صفة من صفات ربوبية الله تعالى:﴿ ولله ملك السموات والأرض وما بينهما﴾ (المائدة: 17).﴿ آتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ (النور: 33) وعلى هذا فإن التصور الإسلامي قائم على إسناد ملكية كل شيء لله تعالى وحده. وإسناد الملكية إلى غيره هو شرك في الربوبية يقول تعالى﴿ ولم يكن له شريك في الملك﴾ (الإسراء: 111).
ويشكِّل إسناد ملكية المال لله تعالى وحده أول ضابط موضوعي مطلق للحرية في المجال الاقتصادي، إذ أن إسناد ملكية المال لغيره تعالى يؤدي إلى أن يصبح حق التصرف المطلق للمال لفرد أو فئة دون الجماعة، وهذا الأمر نلحظه عند المقارنة مع المذاهب الاقتصادية الأخرى، فالرأسمالية إذ أسندت الملكية لغير الله ( الشعب أو الأفراد) انتفى الضمان الموضوعي المطلق لحرية انتفاع الناس بالمال على وجه المساواة وانتهت في الواقع إلى إسناد الملكية إلى فئة المترفين ( الطبقة البرجوازية بالمصطلح الماركسي ) وبالتالي انفرادها بالانتفاع بالمال وهي الطبقية التي تلغي المساواة بين الناس فأصبح القانون يعبر عن مصالح طبقة.
أما الماركسية فعندما ألغت الملكية الخاصة لم تسندها إلى الله تعالى ( المالك الأصلي) إذا كانت في جوهرها مادية لا تؤمن بالله فلم تستطع أيضاً أن توفر الضمان الموضوعي لتحقيق المساواة التي هي شرط موضوعي للحرية، ففهمت المساواة على أنها إنكار تفاوت في المقدرات الذاتية وبالتالي الجزاء وهو ظلم .
استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال: إذا كانت ملكية المال لله وحده كما بينا فإنه تعالى منـزّه عن الانتفاع به ومن هنا كانت حكمة استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال على الوجه الذي يحدده مالك المال، يقول تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7).

في تفسير النسفي: “يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها وإنما مولكم إياها للاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها فليست هي بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنـزلة الوكلاء والنواب فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى وليكن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه –أو جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم”
ويشكِّل استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال ثاني ضابط موضوعي مطلق للحرية في المجال الاقتصادي، إذ طبقاً له لابد من الرجوع للجماعة (المستخلفة عن الله) لتحديد ما تريده في إطار الضوابط التي وضعها المستخلف (الله تعالى).
البعد السياسي للاستخلاف والحرية السياسية:
كما يتضمن البعد السياسي للاستخلاف مجموعة من المفاهيم التي هي بمثابة ضوابط موضوعية مطلقة للحرية في مجال السياسة سنتناول هنا بعض هذه المفاهيم بإيجاز مع تناول علاقتها بالحريـة.
إسناد الحاكمية لله وحده:
يقرر القرآن أن الحاكمية صفة من صفات الربوبية  إن الحكم إلا لله يقضي الحق هو خير الفاصلين  ( الأنعام:57) إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه (يوسف:54).  إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه ( يوسف: 40)  ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين  (الأنعام:62)  ألا له الخلق والأمر ( الأعراف:54).
وعلى هذه فإن الحاكمية (السيادة) لله تعالى وحده وإسنادها إلى غير سواء كان فرد أو فئة أو حتى الشعب هو شرك في الربوبية ” لم يكن له شريك في الملك ” ( الفرقان:2).
ويشكِّل إسناد الحاكمية (السيادة) لله تعالى أول ضابط موضوعي مطلق للحرية السياسية للجماعة لأنه ضمان لأن لا ينفرد فرد أو فئة بالسيادة دون الجماعة.
استخلاف الجماعة في إظهار حاكمتيه:
ولما كان لله تعالى الوجود المطلق المنـزه عن الوجود في المكان والحركة خلال الزمان كانت حكمته تعالى في استخلاف الإنسان إظهاراً لصفاته في الأرض (أي عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان). وبهذا فإن الله تعالى بعد أن أسند الحاكمية لذاته استخلف الجماعة في إظهار حاكميته في الأرض. ولما كانت السلطة (الأمر) هي ممارسة السيادة (الحاكمية) في الزمان والمكان، فإن السلطة هي إظهار للسيادة. فاستخلاف الجماعة في إظهار حاكمية الله إذ تعني إسناد السلطة (الأمر) لها، أما أدلة أن المستخلف في السلطة (الأمر) الجماعة لأفراد أو فئة، تقرير القرآن أن الأمر شورى بين المسلمين. ومصطلح الأمر كما أوضحنا يقابل مصطلح السلطة وأمرهم شورى بينهم وكذلك عموم الاستخلاف في القرآن ويجعلكم خلفاء الأرض ( فاطر: 39).
فاستخلاف الجماعة في إظهار حاكمية الله تعالى في الأرض إذن يشكِّل ثاني ضابط موضوعي مطلق للحرية السياسية للجماعة لأن مضمونه إسناد السلطة لهـا.
ما سبق من حديث يدور عن الوجود الشهادي ( الحياة الدنيا)، غير أن التصور الإسلامي للحرية لا يقتصر على هذا الوجود بل يتحدث أيضاً عن وجود غيبي (الحياة الآخرة) وفيه يصور القرآن الجنة على أنها مستوى من مستويات الحرية المطلقة، لأنها متضمنة لظهور ذاته تعالى “رؤية المؤمنين لربهم”، حيث يتحرر الإنسان حتى من قيود المادة، و حيث الإشباع النهائي لكل حاجات الإنسـان.
تعريف إسلامي للحرية:
الحرية إذن في التصوّر الإسلامي ليست المقدرة على الفوضى، بل المقدرة على التطور المادي والروحي، أي المقدرة على إشباع الحاجات المادية والروحية أو تحقيق الغايات والمثل العليا المحدودة والمطلقة أو المقدرة على حل المشاكل المادية والمعنوية والروحية المتجددة زماناً ومكاناً.
الحرية ومفهومي القضاء والقدر
على ضوء التصوّر الإسلامي السابق لمفهوم الحرية يمكننا تناول مفهومي القضاء والقدر.
فالقضاء والقدر يتعلقان بظهور فعل الله تعالى المطلق (الربوبية ) في عالم الشهادة من جهة الإيجاد، أي ظهور صفة الخلق فيه.
فالقضاء يدل على فعله المطلق من جهة الإلزام (الحتمية) أي وجوب نفاذ فعله المطلق. يقول تعالى  قال ربك : هو عليّ هين ولنجعله أية للناس ورحمة منا وكان أمر مقضيا   وكان على ربك حتما مقضيا .
في (النهاية) لابن الأثير: (القضاء: الفعل والحكم وقد تكرر في الحديث ذكر القضاء وأصله القطع والفصل). وفى (القاموس المحيط): )القضاء الصنع والحتم والبيان(. وفى (مفردات الراغب): (القضاء : فصل الأمر قولاً كان ذلك أم فعلاً). وكل واحد منها على وجهتين : إلهي وبشري. فمن القول الإلهي قوله تعالى وقضى ربك  أي أمر بذلك.. ومن الفعل الإلهي  والله يقضي بالحق  وقوله تعالى فقضاهن سبع سموات إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه. أما القدر فيدل على فعل الله المطلق من جهة التحقق .
ولما كان ظهور فعله المطلق تعالى في عالم الشهادة يتم من خلاله السببية، أي تحققه بتحقق السبب وتخلفه بتخلف السبب كما سبق بيانه، فإن الله تعالى لا يجعل فعله المطلق يتحقق إلا عندما يوفر أسباب ( شروط) تحققه وهو معنى القدر في الاستعمال القرآني  إنا كل شيء خلقناه بقدر  (القمر:49)ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء (الشورى 27).
على هذا فإن كون فعله المطلق تعالى لازم النفاذ (القضاء)، أو تحققه في عالم الشهادة.
(القدر): لا يترتب على أن الإنسان مجبور على فعله .
صفتي العلم والإرادة والفعل الإنساني :-
وقال بعض العلماء أن القضاء والقدر هما العلم والإرادة ونرى أنهما مرتبطان بهما لذا وجب تناولهما.
أولاً: الإرادة الإلهية والفعل الإنساني :-
وهى على نوعين الأولى الإرادة التكوينية والثانية التكليفية وإلى هذا التقسيم أشار كل من ابن القيم والشوكاني يقول الأخير ( وكما وقع الاشتباه بين هذين القسمين وقوع الاشتباه بين شيئين آخرين وإن كانا خارجين عما نحن بصدده وهو الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الدينية وبين الأمر الكوني والأمر الديني وبين الإذن الكوني والإذن الديني وبين القضاء الكوني والقضاء الديني … ومن الأمر الكوني  إنما قوله لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ومن الأمر الديني إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ).
الإرادة التكليفية :-
وتتجلى في القواعد الآمرة والناهية التي أوجب الله تعالى على الإنسان التزامها في شرعه وهى بالتالي لا يلزم منها الجبر.
الإرادة التكوينية :-
وتتجلى في السنن الإلهية التي تحكم حركة الوجود بما فيه الفعل الإنساني، وهى أيضاً لا يترتب عليها إجبار الإنسان على فعله، إنما يتوقف نجاح الفعل أو فشله على احترام حتميتها.
التميز بين الإرادة والرضا:
وتأكيداً لأن الإرادة الإلهية لا يلزم عنها إجبار الإنسان على فعله، كان التمييز بين الإرادة والرضا، فالله تعالى أودع في الإنسان القدرة على التزام إرادة الله التكوينية والتكليفية، فينال بذلك رضا الله “رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه “.
كما أودع فيه القدرة على مخالفة إرادته فيوجب ذلك غضب الله ” الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم “.
يقول ابن تيمية: ( وجمهور أهل السنة مع جميع الطوائف وكثيرون من أصحاب الأشعري يفرقون بين الإرادة والمحبة والرضا. فيقولون إنه وإن كان يريد المعاصي لا يحبها ولا يرضاها ).
ويقول الشوكاني: ( فما خلقه الله سبحانه وقدره وقضاه فهو يريده وإن كان لا يأمر به ولا يحبه ولا يرضاه ولا يثيب أصحابه ولا يجعلهم من أوليائه. وما أمر به وشرعه وأحبه ورضيه وأحب فاعله وأثابهم لكرمهم عليه فهو الذي يحبه ويرضاه ويثيب فاعله عليه). يترتب على ما سبق إن المعاصي تتم بإرادة الله لأن كل شيء إنما يتم بإرادته، ولكن لا يعني هذا أن الله أجبر الناس عليها لهذا فهي لا تتم برضـاه.
لا يجوز نسبة المعاصي لله تعالى:
وعلى هذا لا يجوز نسبة المعاصي إلى الله تعالى لأن هذا يعني أنه أجبر الإنسان على فعلها  ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك  ( النساء: 79) وقال:  أوَ كلما إصابتكم مصيبة قد أصبتم مثلها قلتم أنى لنا هذا قل هو من عند أنفسكم ( آل عمران: 165) .
ويقول ابن تيمية: (من المستقر في فطر الناس من فعل العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب فإن لم يكن العبد فاعلاً لكذبه وظلمه بل الله فاعل لزم أن يكون الله ظالماً).
العلم الإلهي والفعل الإنساني :-
ومن صفاته تعالى العلم، وعلمه تعالى مطلق كسائر صفاته: ” ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ” وعلى هذا فإن كل فعل يقوم به الإنسان في علم الله المطلق، غير أن علم الله المطلق بالفعل الإنساني لا يعني إجبار الإنسان عليه، إذ أن الله تعالى يعلم أن الإنسان سيقوم بالفعل المعيّن بما أودع فيه من حرية الإرادة وعلى مقتضى الأسباب التي وضعها تعالى لحدوث الفعل. يقول الشوكاني : (وأحمل أحاديث الفراغ من الفضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير الشر وليس في خلق ذلك لما وقع في الأزل ولا مخالفة لما تقدم العلم به بل هو من تقييد المسببات بأسبابها كما قدر الشبع بالأكل والري بالشرب وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر. فهل يقول قائل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها تقتضي خلاف العلم السابق أو ينافيه بوجه من الوجوه؟ فلو قال قائل: أنا لا آكل ولا أشرب بل انتظر القضاء فإن قدر الله لي ذلك كان وإن لم يقدره لم يكن، أو قال أنا لا أزرع ولا أجامع زوجتي فإن قدر الله لي الزرع والولد حصلا وإن لم يقدرهما لم يحصلا. أليس هذا قائل قد خالف ما في كتب الله سبحانه وتعالى وما جاءت به رسله وما كان عليه رسول الله “ص” وأصحابه ).
وهنا نرى أن الحكمة من انفراد الله تعالى بالعلم بالمستقبل إرادته تعالى الاحتفاظ للإنسان بحرية الإرادة. قال تعالى “وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت “.
كما أن علمه تعالى بالحدث المعيَّن ليس سابق ولا لاحق، لأن السابق واللاحق هو علم كيف محدود بالزمان والمكان، بينما علمه تعالى هو علم بالماهية، أي بعين الحدث بدون أن يكون مقيداً بالزمان والمكان .
التوفيق والخذلان:
وهكذا فإن الله تعالى هو خالق فعل الإنسان من جهة السنن التي يتعلق نجاح الفعل أو فشله عليها هي ظهور لصفة الخلق، والإنسان كاسب فعله من جهة أن معرفته حتمية هذه السنن ثم التزامها هما شرطان لكي ينجح في تحقيق ما يريد على مقتضى هذه السنة. غير أن الإنسان ذو علم وإرادة محدودين كسائر صفاته وما أوتيتم من العلم إلا قليلا  (الإسراء: 85) ويوضح القرآن أمثلة لتلك المحدودية بأن الإنسان قد يكره شيئاً وهو خير له في التحليل النهائي والعكس  وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (البقرة15:) بينما أن الله تعالى ذو علم وإرادة مطلقتين كسائر صفاته، وعلى هذا فإنه تعالى بعلمه وإرادته المطلقتين إنما هو الذي يوفق الإنسان ذو العلم والإرادة المحدودتين إلى معرفة والتزام السنن الإلهية فينجح في تحقيق فعله أو يخذله عن معرفتها والتزامها فيفشل فعله. يقول محمد وفاء درويش: ( إن التوفيق عناية خاصة يتولى بها رب العباد بعض عباده فضلاً منه فيجعل أعمال هذا العبد موافقة لأسباب ظافرة بالحيز الذي يجهل طرقه، أما الخذلان فهو أن يترك الله العبد لاجتهاده وما منحه من المواهب العامة فلا يمنحه شيئاً من العناية الخاصة التي منها من كتب له التوفيق).
فالتوفيق والخذلان هما التصور الإسلامي البديل للصدفة والحظ وهو تصور لا يتضمن إلغاء العلم والإرادة الإنسانيتين بل تحديد لهما ثم إطلاق لهما لأنهما استمداد من العلم والإرادة الإلهيتين المطلقتين كقوله تعالى:  ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب  يقول الإمام أبي حنيفة ( خلق الله تعالى الخلق سليماً من الكفر والإيمان ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق، وبخذلان الله تعالى إياه. ومن أمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى إياه ونصر له ).
الإسلام وأنواع الحريات
لما كانت حركة الإنسان تتم خلال ثلاثة خطوات: معرفة المشاكل التي يطرحها الواقع المعيّن والتعبير عن الرأي بما هو حل لهذه المشاكل والعمل الجماعي لتنفيذ الحل الذي رآه الجمهور في الواقع. ولما كانت حياة الإنسان ( فرداً أو جماعة) سابقة على حركته، فإن الحريات الأصلية التي قررها الإسلام للإنسان تنقسم إلى أربعة حريات هي:
أولاً: حرية الوجود.
أول الحريات التي قررها الإسلام للإنسان حرية الوجود التي تتمثل في حق الحياة والحفاظ عليها ولهذا عد القرآن القتل جريمة ليس ضد الفرد فقط بل ضد الإنسانية كلها.  ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً (المائدة : 32). وشرع القصاص تأكيداً لهذه الحرية وحماية لها:  ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب بل قرر الإسلام هذا الحق للإنسان قبل أن يولد، فحرَّم الإجهاض. يقول الغزالي: ” الإجهاض جناية على وجود حاصل، فأول مراتب الوجود النطفة في الرحم فتختلط بماء الرجل فإفسادها جناية”.
ويتصل بحق الحياة توفير الدولة الإسلامية الحاجات الضرورية للناس من ملبس ومأكل ومسكن وحق تكوين الأسرة وقد فصلنا القول فيها فيما سبق ويكفينا هنا قول الإمام ابن حزم الظاهري: ” وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين لهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف وبمثل ذلك بمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة).
ويتصل بحق الحياة تحريم الإسلام تعذيب الإنسان لقول الرسول (ص) “أن الله يعذب الذين يعذبون الناس” ( رواه مسلم) كما حرَّم الضرب بغير الحق أي بغير العقوبة المقدرة شرعاً: ” ظهر المسلم حمى إلا بحقه” ( الطبراني). كما حرّم التخويف ” لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً” ( أبو داود).
ثانياً: حرية المعرفة:-
ثاني الحريات التي قررها الإسلام للإنسان هي حرية المعرفة لذا قرر الإسلام إلزامية التعليم الأساسي التي نستدل عليها بقول الرسول (ص): “طلب العلم فريضة على كل مسلم” وكذلك مجانية التعليم الأساسي والتي نستدل عليها بقوله تعالى على لسان صاحب الشرع (ص): ” قال لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله”. يقول الغزالي: ” على المعلم أن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب على إفادته العلم أجراً ولا يقصد به جزاءً ولا شكراً “.
كما روى داود عن أبي شيبة قال لرسول الله (ص) : يا رسول الله رجل أهدى لي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليس بمال عليها في سبيل الله فقال: إن كنت تحب أن تكون طوقاً من النار فأقبلها.
ثالثاً: حرية الرأي والعقيدة:
وثالث الحريات التي أقرها الإسلام للإنسان هو حرية التعبير عن الرأي وحرية العقيدة.
الحرية الدينية في الإسلام:
قرر الإسلام الحرية الدينية استناداً إلى مفاهيم1-الجمع بين الوحدة والتعدد،2-المساواة.
الجمع بين الوحدة التعددية: التصور الإسلامي( استناداً إلي مفهوم الوسطية) يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد، فهو يؤكد على وحدة المجتمع ( بتقريره المساواة) وكما يؤكد على التعددية وحرية الأفراد المكونين له ( بتقريره الحرية) وقد تناول كلاهما على المستويين التكليفي والتكويني.
أولاً:الوحدة
المستوى التكويني:
يتمثل في تقرير الإسلام وحدة الكون ووحدة البشر، بمعنى وحدة الأصل البشري والمساواة بين أفراده، بخضوع كل الناس لذات السنن الإلهية الكلية والنوعية التي هي تجلى لإرادة الله  وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم .
المستوى التكليفي:
يتمثّل في تقرير مفهوم وحدة الدين بمعنى وحدة مصدر كل الأديان السماوية (الله تعالى)، وأن الإسلام هو جوهر كل الأديان السماوية، وأنه ليس نفي أو إلغاء لهذه الأديان، بل إكمال وتوحيد لها. فهو أكثر اكتمالاً باعتباره آخر وأرقى مراحل الوحي. فالعلاقة بين الإسلام والأديان السماوية السابقة عليه هي علاقة الكل بالجزء يحدده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه،  مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه  ( المائدة:48) بخلاف نظرية وحدة الأديان التي رفضها علماء أهل السنة والتي ترى أن كل الأديان صحيحة بالتساوي وبالتالي فإن علاقة الإسلام بالأديان السماوية علاقة تطابق مما يؤدى إلى انتفاء الموضوعية.
ثانياً: التعددية
المستوى التكويني:
يتمثل في تقرير القران التعدد كسنه إلهيه”” ولو شاء الله لجعلكم أمه واحده (المائدة:48) ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم(الروم:22).
المستوى التكليفي: ويتمثل في تقرير تعدد الشرائع.
بناءً على ما سبق أقر الإسلام تعدد الانتماء الديني في الأمة الواحدة دون أن يمس هذا التعدد وحدة الأمة لذا نجد في القرآن عشرات الآيات التي تنظِّم العلاقة بين المنتمين إلى أديان متعددة في أمة واحدة، فهو يدعو أهل الكتاب إلى ما هو مشترك في الأديان السماوية لا التخلي عن دينهم والانتماء إليه فهو يدعوهم معه لا يدعوهم إليه ” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا”، وفى هذه الحياة المشتركة يكون الحوار حول أيهم أصح عقيدة دون أن يمس أو يهدد الحوار هذه الحياة المشتركة “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”.
وهنا نتناول جملة من الحريات التي قررها الإسلام للمنتمين إلى الأديان الأخـرى:
إسناد الأعمال لغير المسلم:
إذا كان هناك من يرى المنع المطلق كأغلب المالكية والإمام أحمد فإن هناك من يرى الجواز المطلق كأبي حنيفة وبعض المالكية، أو الجواز أحياناً والمنع أحياناً وهو رأي أغلب العلماء حيث يرى ابن العربي: إن كانت في ذلك فائدة محققة فلا بأس به (ابن العربي، 16،268) كما جوز الماوردي وأبو يعلى للرئيس أن يتولى وزارة التنفيذ دون ولاية التفويض وتاريخياً استعان بهم الخلفـاء.
والذي نراه وجوب التمييز بين غير المسلم المواطن وغير المسلم الأجنبي، فالأول يحق له إسناد الأعمال له مادام شرط الكفاءة متوفر له، لأنه جزء من حق المواطنة أما الثاني فيتوقف على مصلحة الدولة.
الشورى:
كما يحق له الأخذ برأيه في الشورى لأن مجال الشورى هو الفروع لا الأصول يقول ابن كثير في تفسير الآية “اسألوا أهل الذكر” ( إِسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف)(3/215).
حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر:
قرر الإسلام الكثير من الحريات الدينية ممثلة في حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر والأحوال الشخصية” بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي” لا إكراه في الدين”.
مفهوم أهل الذمة:
الذمة لغة العهد والكفالة والضمان والأمان ( الفيروز أبادي، القاموس المحيط، 4/115) أما اصطلاحاً فهو: ( التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والذب عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم) (أبو زهره، المجتمع الإنساني، ص194).
هو تقرير حقوق المواطنة لغير المسلم في الدولة الإسلامية (اليهود أمة مع المؤمنين) مع احتفاظه بحريته الدينية على المستوى الدستوري ( في ذمة الله ورسوله) ضماناً لعدم إهدارها بواسطة الأغلبية المسلمة مادام قائماً بواجباتهـا.
التمييز:
أما التمييز بين الذميين والمسلمين فلم يقل به أحد من المتقدمين وقال به بن تيمية وابن القيم في مرحلة تاريخية لاحقة لوقوف بعض الذميين مع التتار ضد المسلمين من باب الاحتراس فهو ليس قاعدة بل حكم تاريخي مربوط بظروف معينة ( د. عبد العزيز كامل، معاملة غير المسلمين ج1، ص199).
مفهوم الجزية:
أما الجزية فهي حكم من أحكام الحرب كبدل للإعفاء من الجندية ورد في الصلح مع نصارى نجران: ( ليس على أهل الذمة مباشرة قتال وإنما أعطوا الذمة على أن لا يكلفوا ذلك) لذا لا تؤخذ في حالة أداء الخدمة العسكرية كما في الدولة الحديثة إلى هذا ذهب رشيد رضا ووهبة الزحيلي وعبد الكريم زيدان ( أثار الحرب، ص698) (الفرد والدولة، ص98) وهناك سوابق تاريخية تؤيد ذلك ففي صلح حبيب بن مسلم للجراحجه (أنهم طلبوا الأمان والصلح فصالحوه على أن يكونوا أعواناً للمسلمين وأن لا يؤخذوا بالجزية) ( البلاذردى، فتوح البلدان،ج1/ ص217) ومع أهل أرمينيه ( أن ينفروا لكل غاره… على أن توضع الجزية عمن أجاب إلى ذلك) (الطبري، تاريخ الأمم، ج 5،ص 257)
رابعاً: حرية العمل
وآخر الحريات هو حرية العمل لذا حث القرآن على العمل.
…… فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ( الملك : 15) وجعل العمل أساساً للجزاء ” وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى “. وعظّمت السنة العمل: “ما أكل ابن آدم طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وأن نبي الله داؤد كان يأكل من عمل يده” (رواه البخاري).
ولحماية هذه الحرية سن الإسلام حق الحصول على الأجر المناسب للعمل المناسب لقوله تعالى في الحديث القدسي: ” ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ….. رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يعطه حقه (رواه البخاري).
كما قرر الإسلام وجوب اختيار الشخص المؤهل للقيام بالعمل المعيّن وعدم جواز تنحيته وتوليه غيره لهوى أو رشوة أو قرابة . قال الرسول (ص) من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله. وقال (ص): من وُلِّي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم”.
وهذه هي الحريات الأصلية التي قررها الإسلام أما الحريات الفرعية التي تجدد زماناً ومكاناً فقد ترك الإسلام للمسلمين الاجتهاد فيها وأباح لهم الأخذ بإسهامات غيرهم من الأمم بشرط أن لا تناقض أصلاً في الشرع.
المفهوم الإسلامي للحرية وواقع المجتمعات المسلمة
ظهر الإسلام في منطقة تعيش في العبودية بكل أشكالها السياسية (السيطرة الفارسية والرومانية وسيطرة القبائل القوية على القبائل الضعيفة..) والاقتصادية (الربا والاستغلال،..) والاجتماعية (الرق وعبودية المرأة للرجل …) والفكرية (سيطرة أنماط التفكير الخرافي والأسطوري على العقل) فقام بتحريرها من هذه الأشكال المختلفة للعبودية، فتقدمت حضارياً.
غير أنه نسبة لظروف خارجية وداخلية بدأت المجتمعات المسلمة تفقد حريتها الفكرية: (التقليد وقفل باب الاجتهاد وشيوع بعض أنماط التفكير الأسطوري والخرافي) والسياسية: (الاستبداد والملك العضوض) والاقتصادية: ( الاستغلال…) وعندها توقفت هذه المجتمعات عن التقدم.
ثم اصطدمت هذه المجتمعات بشعوب أوروبا التي حررتها الليبرالية فانهزمت وهنا خضعت للاستعمار بشكليه القديم والجديد. وهنا طرح واقع المجتمعات المسلمة مشكلة الحرية بأبعادها المختلفة.
البعد الفكري:
البعد الفكري لمشكلة الحرية يتمثل في شيوع بعض أنماط التفكير الخرافي والأسطوري التي تعوق العقل عن التفكير.
البعد السياسي:
البعد السياسي لمشكلة الحرية يتمثل في التخلف الديمقراطي: انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية، وكانت حصيلة هذا فشل تطبيق الديمقراطية.
البعد الاقتصادي:
البعد الاقتصادي لمشكلة الحرية يتمثل في التخلف الاقتصادي المتمثل في العجز عن الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية المتاحة للمجتمع لإشباع حاجاته المادية والمعنوية المتجددة.وساهم في استمرار هذا التخلف الاقتصادي للمجتمعات المسلمة تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي في مرحلة الاستعمار. وبعد المتغيرات الدولية الأخيرة تمت محاولات للعودة إلى تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي تحت شعار العولمة وأداتها الخصخصة.
من العبودية إلى الحرية:
طبقاً لمنهج التغيير الإسلامي فإن نقل المجتمعات المسلمة من العبودية إلى الحرية يتم من خلال مرحلتي: التغيير الفكري وهى مرحلة نشر المفهوم الإسلامي للحرية وتطويره، واستيعاب ما لا يناقضه من قيم وأساليب وحلول من مجتمعات أخرى، ومقاومة الأفكار التي تحاول إلغاء هذا المفهوم الإسلامي. ثم مرحلة التغيير السياسي وهى مرحلة تطبيق النظم التي تجسد المفهوم الإسلامي للحرية وتطويره بالاحتكام إلى الجماهير المسلمة ذاتهـا.
المراجـع:
(1) الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القاهرة.
(2) ابن القيم، مفتاح السعادة, دار العهد الجديد, مصر .
3) الشهرستاني، الملل والنحل، مصر المطبعة الأدبية. )
(4) الفيروز أبادي، القاموس المحيط.
(5) البلاذري، فتوح البلدان،ج1.
(6) الطبري، تاريخ الأمم، ج 5.
(7) د. عبد العزيز كامل، معامله غير المسلمين ج1.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.