معوقات ومهددات الديمقراطية فى البلدان النامية

مفهوم الحرية بين الفكر الاسلامي والفلسفة الغربية
30 أغسطس، 2016
ورشة الهوية والاندماج :مسالة الهوية في السودان: الظاهرة والمنظور
30 أغسطس، 2016

الديمقراطية : التحديات والفرص – السودان نموذجاً
د. مضوي الترابي
النزعة العالمية للديمقراطية :
سيكون للنزعة العالمية الجديدة للديمقراطية أثرها الإيجابى على النظام العالمى وبالذات تعزيز الأمن والسلام العالميين. فقد ثبت ان النظم الديمقراطية أقل نزوعاً إلى إشعال الحروبات كوسيلة لحسم الصراع. ويقول بذلك تحديداً (إمانويل كانت) فالتجربة أوضحت أن الدول الديمقراطية خلال ال150 عاماً الماضية كانت أكثر نزوعاً للسلم من الدول الديكتاتورية. أما إذا تراجعت النزعة العالمية الحالية للديمقراطية كخيار للتدوال السلمي للسلطة، فإن تيار الأنظمة الأتوقراطية والديكتاتورية والإستبدادية سيتحرك لملء الفراغ، الأمر الذي يقرع نواقيس صدام محتوم بين خصوم الديمقراطية الألداء على نطاق العالم ، وبين القوى العالمية الأخرى من أنصار الديمقراطية.
بالتالى من الواجب تجنب هذا الصراع الذي لا يمكن تجنبه بدون تحديد برنامج فاعل لتعزيز الديمقراطية فى( الجنوب – جنوب الكرة الأرضية الفقير) حتى لا يتم إجلاء هذا التيار لصالح الحركة المناوئة للديمقراطية. و الديمقراطية لم تعد تنتقد باعتبارها ترفاً يمكن أن يقدمها السودان أو إفريقيا بصورة سيئة فى عصر الحقوق المدنية في جيلها الرابع و الخامس في عصر التحرر الثانى.
الديمقراطيين فى (الجنوب) ٍ ضللتهم الدوائر المعنية اللامبالية فى الغرب) الشمال الغنى ) لأن سقوط الكثير من النظم الديمقراطية فى وقت ٍ واحد أثناء الحرب الباردة كان مدعاة للأسف. لقد حجب القضية إتقاد التنافس المحموم بين متنافسيْن إثنين جباريين. و لكننا الآن وببزوغ عهد ما بعد الحرب الباردة أوما بعد العهود الحديثة, يصبح خطأ مشابه لجريمة موجهة ضد الإنسانية أن تتخاذل الدول الكبرى عن القوى الديمقراطية فى الجنوب وتجبرها على أكل حلوى رديئة.لمصالح نتنة تغلفها غلالة مقاصد رفيعة شفافة. إن النزعة الظافرة للديمقراطية فى عهد ما بعد الحرب الباردة ليست أمراُ يسير دون عقبات قوية, فعوامل عديدة يمكن أن ترتد لتحبط نزعة الديمقراطية وما إتخذته لنفسها من مسار منها على سبيل المثال:-.
1.الأصولية والتطرف
2. التدخلات العسكرية فى السياسة
3. النسبية الثقافية الضيقة بالتناقض مع الثقافية المتعددة
4. الفقر والآثارالمرتدة للديون
5. المشروطية الإجتماعية- الإقتصادية
6.الجهوية العرقية وحلزون عنفها الداخلى
7.الإرهاب والعنف السياسى
8. العالمية المناوئة للديمقراطية
هذه العوامل التى لم نذكر منها إلا القليل، يمكن أن يكون لها أثر عكسى على النظام العالمى, كما أن استشراءها الطبيعى يمكن أن يحد بلاشك من إنتشار الديمقراطية العالمية. وبوضع هذه العوامل العدائية فى البال, فإن الخطوة المحورية لحماية النزعة العالمية للديمقراطية من التعرض لهجوم خصومها التقليديين هو تاسيس منبر نسميه مثلاً التحالف الدولى للديمقراطية. ويتكون هذا التحالف المعنى من السياسيين, الأحزاب الديمقراطية, مؤسسات البحوث, التنظيمات الطوعية, القانونيين الدوليين, المستثمرين من القوميات المتعددة, المرأة, مفاوضى وناشطى حقوق الإنسان داخل المجتمع المدنى العريض. لذا علينا أن نبدأ بوجوب أن يصبح التحالف منبراً دولياً حتى نضمن أن النزعة العالمية الحالية للديمقراطية يمكن ألا تتوقف مطلقاً، حتى نعزز القيم الديمقراطية ونعبىء أنصار الديمقراطية على نطاق العالم لدعم نظرائهم فى الجنوب متى ما خططت القوى المعادية للديمقراطية للإطاحة بالأنظمة الديمقراطية أو للقضاء عليها أو سحقها. ففى أى وقت تعمل الهجمة الأصولية على إسقاط نظام ديمقراطى أو تثير الإجراءات المعادية للديمقراطية والتطرف والإرهاب نرى أن على التحالف الدولى للديمقراطية أن يواجه و بصورة جماعية هذه الإتجاهات المدمرة ويخلق توازناً مضاداً حقيقياً ليجعل النزعة العالمية للديمقراطية قائمة ويكسر دائرة السيطرة الأصولية عليها من اليمين المسيحي الجديد أو الحركات التكفيرية في بعض مدارس الفكر الإسلامي ، أو الغلواء اليهودي و خلافه.
تصنيف الديمقراطية السودانية :
هناك علاقة ديناميكية معقدة ومتضاربة بين الدولة والمجتمع فى السودان. بين اللاعبين المختلفين فى المجتمع والأحزاب السياسية والنقابات العمالية …الخ,وعوامل التنوع : الدين والعرقية التى تحدد مجتمعاً ديمقراطياً مستقراً من جهة والدولة من جهة أخرى. لقد أصبح المجتمع هدفاً سياسياً قائما بذاته. هناك نوع من علاقة السلطة بين الدولة والمجتمع. فالمجتمع السودانى كما هو الحال فى البلدان الإفريقية الأخرى يقوم على التعددية والجماعية. فالولاءات القديمة والبنى الإجتماعية ستظل قوية وعوامل رئيسة خلال الأعوام القادمة. إذ أن المجتمع يمثل الأساس الثقافى للديمقراطية الذى ينعكس فى المجتمع المدنى, ممثلاً في مؤسسات الأحزاب السياسية, النقابات ووالإتحادات العمالية, الروابط المهنية… الخ, حيث يشير دينق : ” أن المجتمع السودانى فى كل مناطق السودان – الشمال أو الجنوب- تسيطر عليه العلاقات الأسرية أوصلة القرابة سيطرة كبيرة ونظام إنتساب موجه يصنف الناس وفقاً للسلالة والسن والجندرة. فالزعماء يأتون من الأسر المهيمنة سياسياً ودينياً, والرجال قوّامون على النساء, والشباب يجب أن يبدى ولاءً بنوياً لأبائهم وأكابرهم “. ويقول بتشولد : ” إن السودانيين بحكم الثقافة السياسية يحتلون حيزاً بين أكثر الشعوب ديمقراطية فى العالم العربى وإفريقيا, فهم لديهم شعور قوى بالمساواة وتقليد في إنتخاب الأعيان القبليين والمحليين “.
لكن هناك إتجاه غالب فى ثقافة العلوم السياسية يستخدم للإشارة، إلى أن المجتمعات المدنية الإفريقية تعتبر ضعيفة. ولكن هذا الإتجاه غير صحيح لأن هذا الوصف يستخدم أساساً بالمقارنة مع المجتمعات الغربية. فليس هناك مجال للمقارنة فى هذه الحالة نسبة للإختلافات الأساس فى طبيعة التركيبة السوسيولوجية لأي مجتمع, فقد حان الوقت لتوسيع وتعميق مجال مفهوم المجتمع المدنى بهدف إستيعاب الملامح المميزة لهذه المجتمعات. ولن يمهد هذا الطريق لنظرة جديدة للتجارب الماضية لأسس الديمقراطية فى إفريقيا فحسب، ولكنه يساعد أيضاً على خلق تصور جديد للتجارب الديمقراطية المتوقعة فى المستقبل وربما على أشكال جديدة تؤسس على طبيعة هذه المجتمعات. ويصح ذات الشىء عندما ننظر إلى الأحزاب السياسية والمؤسسات الديمقراطية فى السودان. فنظرياً الأحزاب السياسية عبارة عن منظمات معقدة يفترض أن تقيم الإنتخاب وتختار القادة السياسيين وتعبىء الجمهور وتصوغ السياسة العامة والمصلحة العامة. والسؤال هو إلى أى مدى تؤكد الأحزاب السياسية على هذه الأنشطة وليس فقط أدواتٍ لحشد الأصوات. فلا تزال الأحزاب السياسية هى الآلية التى يبين بها الناس مصالحهم ويحصلون بها عليها, ففى الواقع تعتبر القناة المتاحة الأكثر فاعلية. وتقوم أهمية الأحزاب السياسية على مساهمتها فى عملية إقرار الديمقراطية, فممارستها السياسية تعتبر عاملاً حاسماً فى استمرار واستدامة الديمقراطية. وفوق كل ذلك, فإن الأحزاب السياسية هى واجهات لكل أوجه النقاش حول إمكانات وعوائق الديمقراطية فى إفريقيا. وفى السودان يرتبط بروز وتطور الأحزاب السياسية باعتبارها جزءاً من المجتمع إرتباطاً عميقاً بالولاءات الدينية وبالعرقية أو الإنتساب القبلى. وهذه الحقيقة تظل تؤثر على البنية الإجتماعية- الإقتصادية والسياسية للبلاد.
إن الظروف الإجتماعية والإقتصادية التى تدعم الأحزاب السياسية وتضمن إستقرارها فى الغرب تبدو غائبة فى السودان. فهل للأحزاب السياسية القدرة على إحداث تغييرات جوهرية فى هذه المجتمعات بما يتماشى مع مبادىء الديمقراطية أم أنها تعمل على الإبقاء على الوضع الراهن الذى يضمن نجاحها المستمر أم أنها تساعد على زيادة حدة الإنقسامات القائمة لذات الهدف ؟ وتعتبر هذه الأسئلة مهمة جداً باعتبار أنها تمهد الطريق لنوع الديمقراطية التى تسعى هذه الأحزاب السياسية لتنفيذها. إن الأسس التى تشكل عايها الأحزاب تحدد نوع الديمقراطية التى تريد أن تتبناها كما تحدد شروط نجاحها وشروط إستدامتها. ففى فترة ما قبل الإستقلال عمل الإستعمار والقومية على تعزيز التنوعات العرقية والقبلية والدينية. ودائماً ما يقال إن سياسات المستعمرين هى المحرك الأول للتنوعات العرقية والدينية. وعلى أية حال, فإن الوطنيين الذين كانت تمثلهم الثورة المهدية مثلاٍ لعبوا أيضاً دوراً كبيراً فى تعزيز التنوعات العرقية. ففى أول مرة فى تاريخ السودان شهدت الدولة صراع سلطةٍ قائماً على العرقية. وبعد الإستقلال شهدت التنوعات العرقية والدينية مضارباتٍ و مزايدات أكثر, الأمر الذى ساهم فى إضعاف قدرة الدولة على معالجة مشاكل البلاد. فمن الصعوبة للدول الديمقراطية فى ما بعد عهد الإستعمار أن تتخلص من موروثها الإستعمارى, فسياساتها لمعالجة مشاكل البلاد المزمنة جعلت الوضع فى معظم الحالات يسوء أكثر من ذى قبل. فالوسائل الخاطئة لتوزيع الموارد تشكل عقبة كبيرة فى طريق تحقيق الديمقراطية, لأنها تعكس صراع السلطة فى البلاد. و فهمت بعض النخب السياسية خطاٌ او صوابا أن التنمية غير المتكافئة هي واحدة من آليات الإقصاء و التهميش السياسي الأمر الذي أدى إلى بروز قوى الدين والعرقية فى المجتمع و تعاظم دورها معارضة بعضها بعضاً ومهددة لإستقرار الدولة. الوطنية حديثة التكوين.
التجربة الديمقراطية فى السودان :
حدثت أول تجربة للسودان مع الديمقراطية باعتبارها نظاماً للحكم قبل أن تنال البلاد الإستقلال فى 1 يناير 1956 . فقد أشار محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء السودانى في العهد الديمقراطي الثاني فيما بعد الإستقلال للنظام الجمهورى كما تم تبنيه بعد الإستقلال من الحكم الثنائى حيث يشمل الحريات الأساس التى ينظر إليها كحقوقاً مقدسة. وكان من الواضح فى منتصف الأربعينيات أن البلاد قادمة حتماً نحو الإستقلال. لذا أعطت نزعة الحركة الوطنية الأولى الموالية لمصر والأحداث المرتبطة بها فى مصر والسودان بريطانيا ذريعة إقصاء مصر من إدارة البلاد منذ عام 1924 وحتى الإستقلال لتحكم بريطانيا السودان وكأنه كان مستعمرةً بريطانيةً خالصةً الأمر الذي جعل إتفاقية الحكم الإنجليزى- المصرى الثنائية لعام 1898 غير نافذة. و لم ترد مصر مقاومة إتجاه البلاد نحو الحكم الذاتى إذ كان الحلم النهائي لمصر هو توحيد السودان مع مصر تحت التاج المصرى. ولكن الحكومة البريطانية تحت ضغط إدارييها فى السودان كانت تريد للسودان أن يتحرك تدريجياً نحو الإستقلال.
كان المشهد السياسى المحلى يسيطر عليه حزبان, حزب الأمة الذى يتخذ من طائفة الأنصار قاعدة له والحزب الوطنى الإتحادى الذى تؤيده الحركة الأخرى(الختمية) والطوائف الصوفية الأخرى التى تعتبر مدرسة الفكر الجهادى التى أدخلها المهدى والتى تبناها أتباعها وخلفاؤها هى التحدى الكبير لنفوذها فى السياسة الإجتماعية. إن الحركات الإتحادية تختلف مع البريطانيين فيما يتعلق بمدى التقدم فى الحركة نحو الإستقلال, فقد كانت تؤيد حتى عشية الإستقلال الإنسحاب الفورى للبريطانيين والإتحاد الكامل مع مصر. ولم تظهر إرهاصات أي إتفاقية بين الحكومتين البريطانية والمصرية في شأن مستقبل السودان، فقررت الحكومة البريطانية فى يوليو 1947 أن تمضى قدماً باقتراحاتٍ تربط السودانيين ربطاً وثيقاً بعملية إتخاذ قرارات الحكم. ونصت المقترحات على تأسيس جمعية تشريعية تتكون من أغلبية الأعضاء المنتخبين إنتخاباً مباشراً وغير مباشر وأقلية من الأعضاء المعينين ومجلس تنفيذى يتكون من السودانيين ومعظم كبار الإداريين البريطانيين يرأسه الحاكم العام. أما الدفاع والعلاقات الخارجية والقضايا المرتبطة بالدستور الأساس فتقع خارج سلطة كلا الجهازين. الإنتخابات التى أجريت عام 1948 قاطعها الحزب الوطنى الإتحادى, لذا فالجمعية الوليدة طغا عليها حزب الأمة. و وجد الجنوبيون الذين تم إستبعادهم عن المجلس الإستشارى لشمال السودان من قبل الآن تمثيلاً فى الجمعية, بيد أنهم لم ينتظموا بعد مثل الأحزاب المكتملة التنظيم في كيانات سيسية خاصة بهم. وبالنسبة لأعضاء الجمعية الريفيين الذين يمثلون أكثر من نصف العضوية فإن مادة قانون المجلس التنفيذى والجمعية التشريعية والأوامر القائمة التى تعتبر نسخة مبسطة وموجزة من الإجراءات البرلمانية البريطانية كانت لغة جديدة عليهم كى يتعودوا عليها. لكن الصف الأعلى للتكوين الدستورى الجديد كان مشكلاً من كبار رجال الخدمة المدنية الذين انهمكوا ــ برغم نقص الخبرة البرلمانية ــ فى الجدل, و التأثير على أعضاء الهيئة التشريعية, والمناورة, وتسيير الحملات الإنتخابية للمناصب الخاصة بمؤتمر الخريجين الذى كتب رئيسه الأول إسماعيل الأزهرى كتاباً حول إجراءات الإجتماعات بعنوان ” الطريق إلى البرلمان “. و قد وصف المحجوب تلك المرحلة بالحكم الذاتى أو المرحلة الإنتقالية التى بدأت بعدها الإنطلاقة نحو الحكم الذاتى الكامل.
الحكم الذاتى :
فى ذات الأثناء تم التوصل إلى إتفاقية فى القاهرة يوم 10 يناير 1953 بين الحكومة المصرية ووفدمن كل الأحزاب السودانية حول مشروع للحكم الذاتى مشابه فى جوهره لقانون الحكم الذاتى. وبتعبير البروفسير محمد إبراهيم خليل الذى اعتمد على تحليله صديقى الباحث المتميز( الحارث إدريس) فى هذا الجزء، فقد تم دمج ذاك المشروع لاحقاً فى الإتفاقية المصرية- الإنجليزية فى 12 فبراير 1953 . وعندما تم تعديل قانون الحكم الذاتى لوضع تلك الإتفاقية موضع التنفيذ لم يعد هناك أى سبب يجعل الإتحاديين لا يشاركون فى تجربة الحكم الذاتى. وقد نصّ القانون على إنشاء مجلس نواب و مجلس شيوخ منتخب إنتخاباً كاملاً بحيث تنتخب أغلبية أعضائه إنتخاباً مباشراٌ مع تعيين خمس أعضائه. وتمارس السلطة التنفيذية بواسطة مجلس وزراء يرأسه رئيس وزراء يعينه الحاكم العام بناءً على ترشيح مجلس النواب. وبهذا يتمتع السودانيون بكل السلطات التشريعية والتنفيذية ماعدا المسائل المرتبطة بالشئون الخارجية والدستور الأساس، اللتين تم الإحتفاظ بهما للحاكم العام الذى تعاونه لجنة خماسية نيابة عن القوتين الثنائيتين الحاكمتين. و قد أريد لهذه الفترة وهذا النظام اللإستمرار لمدة ثلاثة سنوات يمارس السودانيون فى نهايتها حق تقرير المصير. و يمكن القول إن قانون الحكم الذاتى الذى حوى الملامح الأساس للدستور الذي صيغ على غرار اسس الحكم في وستمنستر شكّل الأساس لكل الدساتير المستقبلية للسودان المستقل.
كان المشاركون الرئيسون فى الإنتخابات التى أجريت فى نهاية عام 1953 هم حزب الأمة، الحزب الوطنى الإتحادى وهو تحالف جمع بين طائفة الختمية والأشقاء، حزب أزهرى اللاطائفى والحزب الجنوبى. وقد حقق الحزب الوطنى الإتحادى أغلبية كاسحة وأصبح أزهرى رئيساً للوزراء فى يناير 1954 . وما إن إستولى على مقاليد السلطة حتى بدا واضحاً أنه كان يريد أن يمضى بأسرع مما كان يتصوره قانون الحكم الذاتى، لا لأنه قام بسودنة الإدارة سودنة كاملة قبل نهاية عامه الثانى فى المنصب، بل لأنه وبتأييد من قرار برلمانى تمت إجازته فى أغسطس 1955 قام بإجلاء كل القوات البريطانية والمصرية قبل نهاية العام. ولكن أعقبت ذلك مباشرة إنجازات مثيرة أكثر : فقد شرع إعتماداً على ندائه للإتحاد مع مصر فى المشاورات مع الأحزاب الأخرى للإستغناء عن إجراء إستفتاء لتحديد الوضع المستقبلى للبلاد وإعلان الإستقلال من داخل البرلمان بدلاً من ذلك. والمجموعة الوحيدة التى كانت لديها شكوك حيال إستقلال متعجل هم الجنوبيون الذين هدئت مخاوفهم بوعدٍ ( وهو وعدٌ لم يلتزم به ) للحكم الفيدرالى للإقليم الجنوبى. وأجاز مجلس النواب قراراً بذلك فى 19 ديسمبر وأيده مجلس الشيوخ فى 22 ديسمبر 1955 ، ليصبح السودان قطراً مستقلاً فى أول يناير 1956 .
تجربة ما بعد الإستقلال :
كوّن حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطى حكومة إئتلاف ليصبح الحزب الوطنى الإتحادى فى المعارضة ويصبح الحزب الجنوبى مرة مع هذه المجموعة ومرة مع المجموعة الأخرى. وبقراءة الماضى يصعب معرفة السبب الذى جعل الحزبين الطائفيين يعتقدان أن بإمكانهما إدارة شئون البلاد فى حكومة واحدة. فقد كانا دائماً يحملان آراءً متناقضة تماماً حول كل القضايا تقريباً التى تشمل الوضع المستقبلى للسودان. ويؤكد بروفسور خليل أن الختمية ربما أرادوا إفتراضاً سوداناً متحداً مع مصر لكن كان على هذا الإتجاه أن يساير موقف أزهرى الجديد حتى ولو بلغ مرحلة إقرار بأن حزب الأمة كان صائباً منذ البداية. وكان عليهما بعد تخلصهما من أزهرى أن يواجها قضايا الحكم. كان عبد الله خليل الموالى للغرب النوبي الأصل و المولد والذى له ذكريات سالبة و عالقة إزاء رد فعل مصر الفاتر تجاه سحق ثورة 1924 يقف بصلابة ضد إقامة علاقات قريبة مع مصر، فى حين أن شيخ على عبد الرحمن زعيم حزب الشعب الديمقراطى كان موالياً لمصر وموالياً لمدرسة فكر القومية العربية. ولكن كان خلف الواجهة الرسمية مستودعا السلطة زعيما الطائفتين المتنافسان دوماً على الإرث. وعلى أية حال، فقد تم حلّ البرلمان فى 1958 وأجريت الإنتخابات فى فبراير. وتعاون حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطى تعاوناً فعالاً فى الحملة الإنتخابية التى خرج منها حزب الأمة بعدد كبير من الدوائر يليه الحزب الوطنى الإتحادى، الحزب الليبرالى الجنوبى ثم حزب الشعب الديمقراطى على التوالى. واستمر التحالف ولكن الأشهر الثمانية التالية أستنفدت فى المشادات المفتوحة والمكائد من خلف المشهد والتآمر بين حزب الأمة والحزب الوطنى الإتحادى من جهة ضد حزب الشعب الديمقراطى وبين حزب الشعب الديمقراطى والحزب الوطنى الإتحادى من جهة ضد حزب الأمة. وفى 17 نوفمبر نفذ الجيش أول إنقلاب، حيث تقول مصادر غير مؤكدة إن عبد الله خليل السكرتير العام لحزب الأمة رئيس الوزراء (و كان نفسه عميداً متقاعداً ) قد سلّم السلطة للجيش بدافع اليأس المحض. وبهذا انتهت أول تجربة للديمقراطية لما بعد الإستقلال. وعلى حد تعبير بروفسير هولت ” إن هذا الإنقلاب الذى لم يهرق فيه دم لم يثر شعوراً بالنشوة ولا بالأسف على الحكومة البرلمانية الماضية “.
النظام الديمقراطى الثانى :
نجحت ثورة مدنية شعبية عام 1964 فى الإطاحة بنظام الفريق عبود و إقرار الديمقراطية، فقد أرغم العسكر على تسليم السلطة لحكومة إنتقالية تمثل كلتا القوى التقليدية والحديثة. ولكن القوى الحديثة تراجعت تدريجياً من المسرح السياسى الذى سرعان ما سيطرت عليه الأحزاب التقليدية، فعندما كانت الإستعدادات للإنتخابات جارية فى أبريل 1965 كان المشهد تقريباً صورة طبق الأصل للمشهد الذى سبق الإنتخابات العامة فى 1958. كان حزب الأمة والحزب الوطنى الإتحادى هما المنافسان الرئيسان مع الشيوعيين، جبهة الميثاق الإسلامى، والمجموعات الإقليمية التي ظهرت للسطح لأول مرة والمستقليين المتنافسين للمناصب الصغيرة. لقد قاد الوضع الأمنى المتدهور الذى سبّبه الإقتتال الناشب بين الفينة والفينة بين القوات الحكومية ومتمردي الأنيانيا حزب الشعب الديمقراطى والجبهة الجنوبية لأن يتبنيا وجهة نظر فحواها أن إجراء الإنتخابات فى الإقليم الجنوبى فى مثل هذه الظروف قد يؤدي لمهزلة ديمقراطية، فى حين أن إجراء الإنتخابات فى الإقليم الشمالى وحده لن يتمخض عن هيئة تشريعية نيابية حقيقية.
لقد قاد قرار التسوية الذى اتخذه المجلس الأعلى – ولم يقبله حزب الشعب الديمقراطى والجبهة الجنوبية – بإجراء الإنتخابات حيثما مكن لعدد التجار الشماليون الذين لم تضعهم فى الإعتبار أية معايير سياسية ليمثلوا مصالح المجتمع الجنوبى بالفوز في الدوائر التى كسبوها بدون معارضة أو دون منافسة. ومع ذلك فإن المحكمة العليا التى تبنت موقفاً قانونياً بحتاً أجرت الإنتخابات لتصبح قانونية. وقد أعطت نتيجة الإنتخابات الكلية حزب الأمة أكثرية لكن لم تعطعه أغلبية المقاعد البرلمانية، وتبعاً لذلك فقد كان الخيار الوحيد المتاح هو حكومة إئتلافية مع الحزب الوطنى الإتحادى. وأراد حزب الأمة لكبير سياسييه ووزير خارجيته السابق محمد أحمد محجوب أن يرأس الحكومة ولكن حزب الوطنى الإتحادى سيوافق على ذلك فقط بشرط إذا أصبح زعيمه إسماعيل الأزهرى رئيسا دائماً لمجلس رأس الدولة أو مجلس السيادة كما كان يطلق عليه حينها. وقد نصّ الدستور الإنتقالى لعام 1964 على مجلس خماسي تكون رئاسته دورية بين أعضائه شهرياً. وقد تم التغلب على العقبة القانونية بتعديل الدستور لينص على رئيس وأربعة أعضاء تنتخبهم جميعاً الجمعية التأسيسية. ولذا أصبح أزهرى رئيساً لمجلس رأس الدولة ( السيادة ) فى مايو 1965 وأصبح محجوب رئيساً للوزراء. وكان حزب الأمة ينظر لرئاسة الدولة على أنها منصب تشريفى بحت مثل المنصب الدستورى للعاهل أو منصب رئيس الجمهورية البرلمانية، بيد أن أزهرى الذى اعتاد على التعاطى مع السلطة السياسية والحزبية من حين لآخر منذ تأسيس مؤتمر الخريجين فى نهاية الثلاثينيات كان ينظر للأمر بطريقة مختلفة. وكان هذا سبب الإختلاف بين الحزبين وبين أزهرى ومحجوب.
إن الإنتخابات التى أجريت فى الجنوب فى مارس 1968 إنتخبت خمسة أعضاء وطنى إتحادى، عشرة أعضاء حزب سانو، وخمسة عشر عضواً حزب أمة إنحاز معظمهم إلى جانب الصادق. وكان منصب الصادق لا يزال مقلقلاً رغم أن أعضاء حزب الأمة فى جانبه كانوا أكثر من أعضاء الحزب التابعين للإمام. لذا عندما غيّر الإتحاديون الألوان مرة ثانية، هزم الصادق فى مايو 1967 بطرح الثقة فى حكومته ليعود المحجوب رئيساً لوزراء حكومة إئتلافية تتكون من عشرة وزراء من الحزب الوطنى الإتحادى، خمسة وزراء من حزب الأمة، وزيرين من الجبهة الجنوبية. ولكن الصادق أصبح زعيماً لمعارضة قوية يحسب لها حساب. بعدها قام أزهرى وزعامة الختمية بتسوية خلافاتهما ووحّدا الحزب الوطنى الإتحادى وحزب الشعب الديمقراطى فى 21 نوفمبر 1967 تحت مسمى الحزب الإتحادى الديمقراطى. وعندما أجريت الإنتخابات فى أبريل 1968 كانت النتيجة 101 مقعداً للحزب الإتحادى الديمقراطى، 36 مقعداً لحزب الأمة ( جناح الصادق)، 30 مقعداً لحزب الأمة ( جناح الإمام )، 15 مقعداً لحزب سانو، 10 مقاعد للجبهة الجنوبية ومقعداً للشيوعيين. وفى ذات الوقت كان الوضع الإقتصادى يزداد سوءاً فسوءاً وكان الوضع فى الجنوب يتردى بسرعة. وكانت الحالة العامة حالة سخط واشمئزاز، لذا نفذت مجموعة من ضباط الجيش بقيادة نميرى إنقلاباً فى 25 مايو 1969 ، وأطاحت بالنظام الديمقراطي في حقبته الثانية.
سقوط الديمقراطية الثالثة :

بنهاية الفترة الإنتقالية العسكرية فى 1985 أربك القائد العام للقوات المسلحة النظام الديمقراطى بالتأكيد على تحرير كفالة 4 مليون جنيه للمدير السابق للمؤسسة التعاونية العسكرية- الإقتصادية الذى وجهت ضده الإتهامات. وأثارت هذه المحاولة نوعاً من الشك حيال القائد العام للقوات المسلحة برغم الدوافع التى جعلته يفعل ذلك. فقانون القوات المسلحة الذى استنّ أثناء الفترة الإنتقالية العسكرية خوّل للقائد العام للقوات المسلحة مسؤولية الجيش, إذ وسّع القانون من سلطة القائد العام للقوات المسلحة بأقسام القيادة. وكان رئيس الوزراء يلتقى بالقائد الأعلى للقوات المسلحة لدى الإجتماعات النظامية لمجلس الدفاع فقط. ففك الإرتباط بين الجهاز التنفيذى الأعلى وقيادة الجيش عملت على توسيع الفجوة بين الأجهزة العليا. وانعكس هذا فى أداء الجيش فى الجنوب المفتقر للإدارة. كان الجيش ممزقاً ومفتقراً للثقة والقيادة الميدانية و السياسية الماهرة ورفع المعنويات. وانسحبت قيادات الجيش العليا من مواقعها فى الجنوب وقد فشلت فى تحمل الأداء الحازم للحركة الشعبية لتفضح بذلك رئيس الوزراء بمذكرتها التى كانت بمثابة إنذار فى 20 فبراير 1989
إنقسام ضباط الجيش إلى ثلاثة تيارات:
في ذلك الوقت وضح أن القوات المسلحة لم تكن موحدة الرأي تماما ، و وضح من إستطلاعات الرأي العام لجهاز الإستخبارات السوداني أن بالقوات المسلحة ثلاثة مجموعات .
1.مجموعة وزير الدفاع ” آنذاك ” خليل الذى كان يصبو لإعادة بناء نظام سياسى بطريقة جدلية مع الدور المتراجع للجبهة الإسلامية القومية.
2. قيادة الجيش ممثلة في الفريق أول الراحل فتحي و نوابه إذ كانت كانت تسعى لكبش فداء أو شماعة لتعلق عليها الأداء المتواضع للجيش فى الجنوب, فهى لم تترك حجراً إلا وقلبته لإنكار مسؤوليتها المباشرة .
3. اللانظاميون ومتعهدو الإنقلابات الذين ينتهزون الفرصة لانتقاد الأداء السياسى والمدنى ويمهدون الطريق لإنقلاب قادم.
ورغم ذلك لم تفكر القيادة العامة العليا للجيش ولا الفريق أول فتحى أحمد على فى الإستيلاء على السلطة فى أية لحظة. وهذا الموقف يدل على أن كبار ضباط الجيش لم يكونوا ساعين لأية تدخلات عسكرية أكثر فى السياسة. وفى الواقع فإن قيادة الجيش رفضت بشدة أن تكون جزءاً من أية حكومة فى إثر المعركة السياسية الفاصلة فى مارس 1989. لكن الجبهة الإسلامية القومية لن تترك الفرصة الذهبية إلا لتحصد ثمار الشجرة الملعونة التى عملت على غرسها فى نهاية السبعينيات وفى جوّ كان فيه الجيش والحكومة يسيران نائميْن, ومن هنا أبتعدت عن السلطة. فمغامرات الجبهة الإسلامية القومية فى الجيش عملت فقط على تقمص دور قارع ناقوس يؤذن بقدوم الأوليغاركية الدينية الإزدرائية الثالثة التى عرفها السودان فى الفترة ما بين 1989 و1998. وعلى أية حال فقد أيدت إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية مجموعات إسلامية عالمية متطرفة كثيرة سعياً لتأسيس دولة إسلامية نموذجية تحلّ محلّ حكومة الصادق المهدى المنتخبة ديمقراطياً والتى جابهتها تحديات لم تعد نفسها لمواجهتها.
و قد تبلور تطور الرأى السياسى السودانى فى المتطلبات الآتية من أجل سودانٍ موحد وذلك وفقاً لإجماع مشترك ظهر فى ثقافة معظم الأحزاب السياسية فى الشمال والجنوب وفى جناحي اليمين أو اليسارمعا ممثلا في :0
الحقوق والواجبات الدستورية المبنية على المواطنة لضمان العدل والمساواة للجميع.
الإعتراف بالتعدد الدينى والثقافى وضمان التسامح المتبادل والتعايش السلمى. *
 تأسيس نظام حكم سياسى ديمقراطى وقبوله أداة وحيدة للتحول السلمى للسلطة.
 لامركزية الحكم والإدارة المنظمة دستورياً.
 فترة إنتقالية لإنجاز هذه الإلتزامات إذا اتفق على أنها الفترة التى حددتها إتفاقية السلام الشامل ليعقبها تقرير المصير.
 إذا تم إنجاز هذه الإلتزامات عن رضاً فإن الحنوب قد يؤيد التصويت للوحدة.
يعتبر برنامج العملية الديمقراطية أولوية ثانية لعملية السلام من النواحي السياسية, ولكن يجب ربطهما تاريخياً لسببين رئيسين :
(أ‌)لأن الديمقراطية تؤدى لإلغاء النظرة الحزبية الضيقة للآيديولوجية الدينيةً, قوميةً كانت أو عالميةً فإذا ظلت هذه النظرة قوية ستكون سبباً مستمراً للإثارة ورد الفعل.
لأن عملية السلام إذا تركت لحكومة ديكتاتورية ــ بتهميش الآخرين – و مستمرة فى السلطة لوحدها فإنها ستلغى إتفاقية السلام إلغاءً تعسفياً كما حدث عام 1983 عندما إنقلب الجنرال نميرى ـ مدفوعاً بنزوة طاغية – على إتفاقية أديس أبابا لينهى بذلك 11 عاماً من التعايش السياسى والسلام النسبى مع شركائه الجنوبيين. فهو يعتقد أن عملية الديمقراطية المنفصلة عن السلام إما أن تسقط من العمل على إستدامتها او تقضى على هذا العمل فى مهده. وبالمثل فإن إتفاقية السلام والعملية الديمقراطية لن تكون مستديمة. وزاد على ذلك بأن قوى السلام والحداثة والديمقراطية فى السودان قد أيدت ثقافة الإجماع القومى ووحدت بذلك قوى النقابات السياسية والعسكرية والعمالية حول الأجندة التالية :
توطيد الديمقراطية
 رعاية حقوق الإنسان والحريات الأساس
 تحقيق شكل الدولة السودانية الحديثة
 تحقيق التنمية الإقتصادية
 المشاركة العادلة فى الثروة والخدمات
 الحفاظ على نظام الإنعاش الإقتصدي متناغماً مع إقتصاد السوق الحر.
 صياغة سياسة خارجية موجهة نحو تحقيق التعاون التنموى والأمنى الأمثل مع العالم و المحيط الأقرب.
المنظور الإفريقى :
هناك قاعدة واحدة مهمة تعتبر ضرورية لبقاء الديمقراطية, أى المقدرة على الحكم بدون عائق وخاصة فى إفريقيا. فالتهديدات العسكرية والتنكرللنقابات العمالية و المهنية باعتبارهما أحزاباً تحت الأرض, وخطباء المجتمع المدنى المعلنون عن أنفسهم فى بعض البلدان، كلها عوامل باتت تعمل على جعل الأنظمة الديمقراطية أكثر هشاشة بتضييق مساحة التفاعل السياسي . ففى هذه الحالة يجب أن تتعاون الأجهزة والمؤسسات غير المنتخبة مع الحكومة المنتخبة لأنها تمثل كلا الجهازين السياسى والعسكرى. وبهذا يجب أن تأخذ الحكومات الديمقراطية قوتها ( قانونياً وسياسياً لتمارس واجباتها الدستورية غير المنفصلة عن الحقوق المصاحبة لها). وبهذا يجب أن تمنح الحكومات الديمقراطية التى انتخبت إنتخاباً قانونياً الصلاحية فى ألا تعوقها أجهزة المجتمع المدنى الأخرى والجيش من ممارسة الحكم كما ينبغى, أى وجوب أن تحدد حدود المجال بين المنتخبين وغير المنتخبين لتشكل التعدد الداخلى الذى سيبدو كبيراً فى حالة أن تمت إدارة الحكومة من قبل المنظمات ونقابات العمال. ولكن ربما لم تعرف الديمقراطية فى المناظير الجنوبية لنصف الكرة ، معرفة جيدة فيما يتعلق بهذا المفهوم المعيارى الجديد بيد أنها مثل الفيل فقد لا تعرف الفيل ولكنك إذا رأيت فيلاً ستعرفه من شكله دون شك. ونحن نزعم أن واجبات الدولة قد أوضحها القانون الدولى, بم يعني أن الحق فى التعاون سيصبح لمصلحة الحكومة المنتخبة ديمقراطياً, أى الحق فى أن تكون متعاوناً مع الحكومات المنتخبة. هذا الحق يصبح إمتيازاً لأن عدد المشاكل التى تواجه الحكومات الديمقراطية فى إفريقيا يحتم علينا أن نمنحها الصلاحية بمستوىً أعلى من مستوى الثقافة الديمقراطية المألوفة, لأن تلك الشروط إذا اتفق عليها قد تصبح بنود مرجعية للقانونيين الدستوريين، فإذا ما اعتبرت معايير أساس ذات إيحاءات قانونية, فقد تؤخذ حقوقاً للحكومة المنتخبة قانونياً و” واجبات للمحكومين “.
و من الواجب أيضا دفع عجلة الديمقراطية فى إفريقيا لأنها تمثل حافزاً كبيراً كيما يعاد ضبط المتخاصمين من أصحاب النزعات العرقية ليصبح ولاءهم للدولة ولكى تقل الصدامات والأحقاد و النزاعات القبلية. إن تحويل الولاءات القبلية والعرقية المحلية لصالح الدولة بعد أن حملت مختلف دعاوى التهميش ستعمل خلافاً لذلك على تعزيز السلام وتقليل حدة الصراعات. علاوة على ذلك, فإن الجو المساعد على الإستثمار والتنمية سيعمل على تقوية الديمقراطية وسيقطع الطريق على قانون قوات حفظ السلام الأممية.
إن الديمقراطيات هى النظم الأفضل لدعم الثقافة التعددية خلافاً للمواقف الإستبدادية, فالديمقراطيات تهيىء أجواءً ثقافية أثيرة لاحترام المتضجرين سأماً واحتواء تيار الغبن الناتج عن التهميش السياسى والثقافى. فالأجيال الجديدة فى إفريقيا حساسة تجاه الديمقراطية ولهم صحوة ضمير تجاه حقوق الإنسان والتعددية السياسية والرفاه الإقتصادى وبالأخص عدالة السلطة وقسمة الثروة. فقد شهد أغلب هذا الجيل هجمة الديكتاتورية وتقديم الضحايا نتيجة غلوّها وإساءتها للسلطة. ولجأ معظمهم لمحاربة ظلم الدولة المركزية الذى طال أمده. لذا إذا أصبح أفراد هذا الجيل مشاركين فاعلين فى عملية سياسية ديمقراطية فإنهم سيحددون هوية أنفسهم بطرق تختلف عن نماذج التعريف المتشددة بل الدفع بهم في أتون المواجهة مع الدولة. سيكونون بلا أدنى شك أنصاراً وطنيين أقوياء لعملية الديمقراطية الأصيلة فى إفريقيا وسيشاركون فى البنى الديمقراطية أكثر فأكثر بالتشرب بالثقافة الديمقراطية وقيم المشاركة و التعايش.
هذا الوضع سيحتوى مجال الهجرة خارج أوطانهم رغم أن الهجرة أصبحت إحدى أوجه عالم ما بعد الحداثة حيث قننت الثقافة العالمية الثقافة التعددية. ويجب مراجعة تركيبة الجيوش على ضوء التطورات الجديدة, بالأخص تخفيض حجم القوات التقليدية الجرارة و تحديد مهامها دستوريا ، والعمل على نزع السلاح النووى واحتواء أسلحة الدمار الشامل. ويجب أن يكون الجيش خاضعاً للأسس الديمقراطية للإدارة السياسية, ويجب تفصيل ذلك وتقنينه حتى تتحول هذه القاعدة من مجرد كلام إلى مشروع دستوري وطني. إن الجيش يمثل القوة الشرعية والمتفردة التى تلقى بأصواتها للحكومة المنتخبة قانونياً وتمثل جزءاً لا يتجزأ من أصولها. ولا يمكن للجيش أن يدعى الحكم إنابة عن الناس إعتماداً على سلطة البندقية. فصندوق الإقتراع يجب أن يسيطر على البندقية من خلال إقرار السلطة الدستورية والقانونية.
النظرة المفاهيمية للديمقراطية
يختلف تعريف الديمقراطية من تأويلات ضيقة جداً إلى تأويلات واسعة, من التغييرات البديهية إلى التحرر الإجتماعى الإقتصادى وتطوير ثقافة ديمقراطية للمجتمعات. ويمكن أن يحدد التعريف إما:-
1.بتعابير السلوكيين : من خلال التنافس والمشاركة والحرية المدنية الفاعلة
2.وإما بالتعابير البنيوية : نظم الإنتخابات والمؤسسات السياسية اللائقة بنظام حزبى تعددى وتشريع وسلطة مستقلة.
وعلى أية حال لم تكن الديمقراطية مجرد مجموعة من الأفكار ترتبط بترتيبات مؤسسية معينة, لكن الديمقراطية فى أحسن الأحوال هى عملية يسعى من خلالها لتحقيق تمثيل أوسع للشعب فى عملية اتخاذ القرار والمحاسبية وتطوير سلطة المشاركة. والديمقراطية من أجل هذا الهدف هى نظام حكم يتعرض بموجبه الحكام للمحاسبة بواسطة المواطنين الذين يكون القصد من الحكومة المنتخبة أن تكون ممثلهم المنتخب. ويتصف هذا النظام بالآتى :
1.الحكم الرشيد والشفافية
2. المحاسبية الرأسية
3. المسؤولية
4. حكم القانون
5. المراجعة الدستورية والضبط الدستورى
6. التمثيل الحقيقى
7. الإنتخابات النظامية الدورية الحرة النزيهة
8. المشاركة السياسية
9. منح الصلاحية القانونية عبر الحريات السياسية والمدنية
10. تعددية التنظيم
ولسوء الحظ تواجه الديمقراطية عقبات جمة الشىء الذى يجعل تحقيقها أمراً صعب المنال, فأدناه ستة عوائق :
أولاً : تذهب الديمقراطية مذهباً ضد ميول ولاءات ثقافية ودينية كثيرة.
ثانياً : حولت الإدارات الإستعمارية السلطة فى شكل مؤسسات ديمقراطية. وعلى أية حال عملت هذه الإدارات وهى تدنو نحو نهاية عهدها على تطوير مؤسسات الدولة خاصة الشرطة والقوات المسلحة باعتبارهما أدوات قمع. لقد كانت الإدارات الإستعمارية مرتابة فى مؤسسات المجتمع المدنى : الأحزاب السياسية, إتحادات العمال والمنظمات غير الحكومية وغيرها.
ثالثاً : نسبة كبيرة من الصفوة فى ” العالم الثالث ” لاسيما فى ظروف الحرب الباردة إستقطبتها آيديولوجيات اليسار واليمين الراديكالية, لذا بحثت هذه الصفوة عن برامجها اليوتوبية عبر الوسائل اللاديمقراطية.
رابعاً : شجع زعماء الحرب الباردة ودعموا الأنظمة الديكتاتورية لأهدافهم الإستراتيجية الخاصة.
خامساً : باتت السياسة الأمريكية فى كثير من الحالات ملومة لأنها آثرت التعامل مع الديكتاتوريين,و ذلك لأن :
*الزعماء الديمقراطيون يعطون الأولوية لدوائرهم, ,ولائهم الوطنية و القومية.
* و ينزعون للتفاوض حول أساس العلاقة مع القوى الدولية بشروط تقرّ عدالة أكبر للمصالح الوطنية العليا..
سادساً :حاولت الأنظمة الإستبدادية باستمرار سحق مؤسسات المجتمع المدنى وطمس صورتها في أذهان الناس مستغلة الإحتكار الإعلامي.
هذه المشاكل تعتبر العوائق المحلية أمام إقرار و توطين و نمو الديمقراطية، ولكن يمكن تلخيص العوائق العالمية في النقاط التالية إذا أخذنا المبادرة الأمريكية للإصلاحات في الشرق الأوسط وإفريقيا نموذجا:
أولاً: تمخضت التعديلات التي أدخلت على المبادرة عن بعض التطورات الإيجابية والأهم أن تركيز أمريكا على الإصلاح عمل على تنشيط مناقشة القضية في الشرق الأوسط، فقد إنبثقت عدة بيانات وإعلانات من الكيانات الحكومية وغير الحكومية في العالم العربي حول الحاجة للإصلاحات. وفي هذا الصدد نشرت مجموعات كثيرة بما فيها حركة الأخوان المسلمين في مصر برامج لوضع العناصر الأساس للإصلاح المتنامي دأخلياً. علاوة على ذلك، شرعت بعض الحكومات في المنطقة في إجراء برامج إصلاحاتها الداخلية الخاصة بها. وفي ذات الوقت تبنت الجامعة العربية في الأونة الأخيرة برنامجاً يتكون من 13 نقطة ليمثل الرهان المشترك الأول للإصلاح في تاريخها. وحتى لو كانت المناشدات الحكومية للإصلاح مناشدات تجميلية للنظام أكثر منها مناشدات حقيقية، فإنها تعطى مدخلاً لدعم التغيير الحقيقي. ومن المهم كذلك أن الجدل حول الإصلاح قد إخترق الحديث العربي العام في الصحف وفي برامج التلفزيون وعبر الإنترنت وشبكات التدوين الإفتراضي في البكات الدولية و المحلية.
ثانياً:آثارت المبادرة إحساساً عالياً من التنافس من جانب حلفاء أمريكا الأوروبيين في مجال تعزيز الديمقراطية. وتحديداً عمل الإتحاد الأوربي على تشجيع المناقشات الداخلية حول كيفية إعادة تنشيط عملية برشلونة وبالأخص أوجه تعزيز الديمقراطية فيها. إن الاهتمام المكثف لإقرار الديمقراطية من جانب أوربا سيثير أيضاً تنافساً أكبر داخل المنطقة للحصول على المال. وتعد الاستراتجية الأوربية لخلق “خطط عمل” بأموال متزايدة للبلدان التي تنجز إجراءات محددة في مجال حقوق الإنسان والإصلاح السياسي. فمثل هذه الحوافز من شأنها أن تشجع حركة أكبر حول الإصلاح من المنطقة. و من المستحسن أن نعمل على ربط الإصلاحات و تقدمها ببرامج الإعفاء المتدرج لديون دول الجنوب إذ أن أغلبها أعطيت لدعم حكومات غير منتخبة و برامج اإستقطاب الحاد بين الجباريين في زمن الحرب الباردة و لا علاقة للمشاريع التنموية بها.
ثالثاً: تضع المبادرة الشرق – أوسطية الأوسع، إهتماماً كبيراً على الحاجة للتعاون متعدد الجهات. وتتطلب التحديات الضخمة الكامنة في إقرار الديمقراطية الشرق- أوسطية أن تعمل الولايات المتحدة وأوربا معاً. و الدول الصناعية الثمان الكبار يمكنها من خلال حوار وتشاور أكثر أن تعزز التكاملات الموجودة وتطرح المزيادات السياسية بينها جانباً.
و لكن التنفيذ الناجح للمبادرة الأخيرة يواجه تحديات تحديين رئيسين:
أولاً: موقف أمريكا في الشرق الوسط الذي تدنى للحضيض نتيجة :-
أ‌)الأضطراب المتصاعد في العراقنتيجة فضيحة سجن أبي غريب و العنف الإسرائيلي اللبناني الأخير و السكوت و المؤازرة الأمريكية الضمنية، كلها عوامل ساهمت في تنامي شعور مناهض لأمريكا. فدرجات الرضا عن أمريكا كانت اصلا في أدناها قبل الكشف عن صور أبي غريب، وبالتالي فإن مناشدات أمريكا لإقرار الديمقراطية في الشرق الأوسط تعدّ نداءات جوفاء على هذه الخلفية نسبة لغزدواجية المعايير.
ب‌) إن فجوة مصداقية أمريكا واضحة في أوروبا أيضاً، فبعض صناع السياسة الأوربيين عبّروا عن اشمئزازهم إزاء خلق تعاون ملموس أكثر مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وكثير من الأوربيين يرتابون في مصداقية التزام الولايات المتحدة بالإصلاح السياسي. ويشير آخرون إلى مصداقية أمريكا الضعيفة التي يمكن أن تسحب معها البرامج والسياسات الأوروبية و بالتالي الموقف الأوروبي إلى أسفل.
ثانياً، أن المبادرة لا توضح إستراتيجية تنفيذ واضحة للآتي:-
أ‌-يعبّر المقترح الأخير عن الحاجة للإصلاح في إطار إرادة الحكومات الإقليمية لدعم التحول، و ليست الإرادة الشعبية.
ب‌-ليس من الواضح كيفية تشجيع الحكومات على تنفيذ الإصلاح إذا وضعنا في الحسبان الجانب الطوعي للإصلاحات السياسية المقترحة للمشروع.
الآلية الدولية لتحصين الديمقراطية:
إن الورقة ترى بوجوب إنشاء أو قيام آلية دولية خاصة لحماية ومراقبة النزعة الديمقراطية وذلك لمنع أي إنتكاس يمكن أن نتصوره عملاً مناوئاً للديمقراطية عالمياً، وأعنى بها القوى السياسية التي تضمر أجندة سياسية تزدهر في الحكم الإستبدادي والنسبية الثقافية الضيقة، وهي قوى تهيمن على المسرح السياسي من خلال العنف والإنقلابات متى ما سنحت لها الفرصة. لذا نقترح الأجندة التالية لآلية دولية تخلق و تكون مهمتها وأهدافها تحقيق الآتي:
1.أن تشرع الآلية الدولية في محاولات لترويج الأسس الديمقراطية على نطاق العالم، لتعزيز العملية الديمقراطية في إفريقيا للمساعدة في كسب المعركة من أجل التحولات الديمقراطية.
2.التعاون مع حركات الديمقراطية على المستوى الدولي وخاصة في دول الجنوب وبذل الجهد لأن يعمل النظام الديمقراطي كقوة لصنع السلام وتسوية الصراعات سلمياً بحيث يمكن كسب مكافآت السلام.
3.معالجة آليات الديمقراطية باعتبارها عملية لا تنفصل عن السلام والتنمية وبذلك يجب أن تتطور إلى مدى أبعد من شرعية القواعد ومناضلي الحرية والمهمشين أنفسهم بحيث يوجهون قادتهم ويحاسبونهم وأن هؤلاء القادة ما هم إلا خدّاماً لا حكّاماً.
4.تحسين طرق المعلومات والإتصالات باعتبارهما ضرورتين لتحقيق عولمة الديمقراطية وذلك لتعزيز قضية الديمقراطية دولياً فيما يتعلق بهذا الهدف.
5.ضمان مراعاة حكم القانون. وفصل السلطات واستقلال القضاء بحيث يمكن للقضاء من ترسيخ حٍكم القانون.
6.المساعدة في التعبئة للمشاركة الواسعة في الانتخابات الديمقراطية فالأغلبية مطلوبة من خلال العملية الإنتخابية لكسب الديمقراطية وأن هذه المشاركة الواسعة تصبح ضماناً و أساساً لإقرار الديمقراطية من أدنى إلى أعلى.
7.القضاء على العوائق الأزلية لديمقراطية التعليم بتعزيز تعليم حقوق الإنسان ليصبح جزءاً من المناهج الأكاديمية التي طالها الإصلاح.
8.التعاون مع الوكالات الأممية المختصة المرتبطة بدعم حقوق الإنسان والعمل على تعزيز عالمية حقوق الإنسان وتنفيذها باعتبارها مطلباً للديمقراطية.
9.بذل الجهود حتى تعمل الديمقراطية على تقوية القطاعات المحرومة و الهشة (النساء، الشباب، الطلاب، المزارعين) حتى يحمى المجتمع المدنى الحكم الديمقراطي من الهجوم المعادي للديمقراطية ويجب أن تكون هذه القطاعات – لخاطر بقاء الديمقراطية – هي القوى المركزية في وسط كل الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
10.إعادة بناء النهج العسكرى في إفريقيا حتى ينسجم الجيش مع القوانين الديمقراطية وألا يسئ سلطته لوأد الحكومة المنتخبة ديمقراطياً في مهدها، فمن واجبهم الدستوري حماية العملية الديمقراطية بتحصينها وتحصين الحكومة من الدول و الجماعات المغامرة.
11.تقييد دور الجيوش في قارة إفريقية متحررة ومستقلة ودعم قضية التجريد العسكرى ونزع السلاح النووي حتى يعاد تخصيص المبالغ الضخمة من المال لمقابلة الاحتياجات الإنسانية والأساس والقضايا البيئية والتنمية.
12.التعاطى مع أفضل الطرق التي يمكن أن تصاغ بها الديمقراطية في إفريقيا وتنفيذ البحوث حول دور الثقافات الموجهة نحو السلام باعتبارها عاملاً حافزاً في العملية الديمقراطية ودراسة موروث الأنظمة الديمقراطية ذات التطبيق الفاشل في إفريقيا والشرق الأوسط (السودان – دراسة حالة مثلا).
13.بحث أفضل الطرق التي تحسن بها الحكومات الديمقراطية أداءها الاقتصادي لتجسير فجوة إحباط القواعد. ولابد من توجيه خطط اقتصادية بديلة نحو تقليل حدة فقر شريحة الفقراء في المجتمع.
14.تعزيز الاتصالات على المستوى الدولي مع معاهد البحوث، المنظمات غير الحكومية، منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام وذلك للإعانة على دعم نزعة الديمقراطية العالمية وعالمية حقوق الإنسان.
15.ترتيب مجموعات عمل ندوات، سمنارات، ودراسات بمعاهد السلام لدعم فض النزاعات بالوسائل السلمية في مناطق الحرب.
16.تأسيس مجلة دورية أو دوريات مختصة وتشجيع الباحثين الشباب ونشطاء الديمقراطية بما في ذلك قضايا التنمية وحقوق الإنسان.
17.عقد المؤتمرات والورش على المستوى الدولي في أكاديمية ذات شهرة و معرفة و تاريخ لتعزيز الوعى الديمقراطي والوعى بحقوق الإنسان.
18.تعزيز الأجندة المعنية بتعيين مقرر خاص على مستوى الأمم المتحدة ليعمل تحت السكرتير العام للأمم المتحدة.
19.يمكن للمقرر الخاص للديمقراطية أن يتعاون مع التحالف وبالعكس لتحقيق الآتي:
أ‌)مراقبة العمليات الإنتخابية المحلية والقومية بإدارة العملية تحت الآلية الدولية أو حدة مراقبة خاصة يفوضها السكرتير العام للأمم المتحدة.
ب‌)مساعدة المتنافسين على إجراء حملاتهم بلا وجل أو خوف من الإنتقام أو القمع.
ت‌)الضغط دولياً لإعادة إقرار الحكومات المنتخبة ديمقراطياً في حالة أن أطاح بها تدخل عسكري.
ث‌)شن حملة في هذا الخصوص لتثبيط القوى المناوئة للديمقراطية – وذلك لإقرار السلطة والحفاظ عليها وإدارتها – بإثارة المعارضة وعدم التعاون الشامل وإظهار الخزى العام.
ج‌)دعم وابتدار سياسة عملية في الأمم المتحدة في حالة أن أطاح الجيش بحكومة منتخبة قانونياً منها مثلا:
•تطبيق معايير الحد الأدنى لمنظمة القانون الدولى بباريس أي تبنى إستراتيجية تثنى الحكام عن إنتهاكات حقوق الإنسان.
•إجراء الضغوط بالتناغم مع المساعى الحميدة للسكرتير العام للأمم المتحدة تعزيزاً لدراسة الإجراءات المنبثقة لضمان عدم الانتقاص من الحقوق والحريات الـ 16 غير القابلة للتسيير والمذكورة أعلاه.
•تعزيز هذا النظام القانوني وثقافة حقوق الإنسان دولياً لكي تعيها القواعد وتصوغ بها الوحدة لحماية هذه الحقوق في أوقات الإنهيار الديمقراطي. (المطالبة بالتنصيب الفوري للحكومة المخلوعة باعتبارها الممثل الوحيد والشرعي للشعب الذي تأثر بالإنقلاب).
•إدانة ومعارضة الممارسة النزوية للسلطة والإنتهاك التعسفي للدستور.. المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين و سجناء الضمير فوراً.
•التخفيف من الخسارة بإجراء الضغوط على الحكام كي يمتنعوا عن تعليق معايير حقوق الإنسان التي اوضحها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
•تكييف الاستراتجيات التي تراقب بموجبها قواعد القانون الدولي التي تحكم حالات الطوارئ حسب وثائق العهد الدولي.
•دعم الجهود الهادفة لإثارة الثورة الشعبية ضد الدكتاتوريات والأنظمة الإستبدادية.
•يجب على هذا التحالف أن يستنفر المجتمع الدولي ليثني الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عن منح الإعتراف لأي ممثل لهذه الأنظمة المروجة لنفسها في أي محفل دولي.
ح‌)يحاول في اجتهاداته وبتحريض القانونيين والدارسين الدوليين ومنظمات حقوق الإنسان لدراسة الديمقراطية باعتبارها لقباً معيارياً جديداً في المستوى القانوني الدولي.
خ‌)يحاول إظهار الحق في نظام القانون الدولى للمشاركة في عملية الحكم باعتبارها حرية إيجابية والتي يعتبر التغول عليها من جانب الحكام أو الدكتاتوريين مشابهاً لتهديد السلام والأمن الدوليين. د. سينسق مع الأمم المتحدة لفرض العقوبات على أي نظام غير منتخب وصل للسلطة عبر إنقلاب غير شرعي وضد إرادة الشعوب.
د‌)سيشرع في حملة دبلوماسية تهدف لإيضاح القضية في المسرح الدولي.
ذ‌)يجب أن يحرض الصناديق الدولية والحكومات الديمقراطية على مستوى العالم للإحجام عن الدعم المالي وفرض حظر على شحنات تجارتها وأسلحتها وتهيئة المجتمع الدولي للتدخل الفاعل. ويجب أن تعمل الأمم المتحدة على رسم الخطط التي يتم بفضلها توسيع نطاق الشرعية الثقافية للديمقراطية بالتفكير في أنموذج معياري جديد للتطابق القانوني الذي يسير خلافاً للنسبية الثقافية وذلك بدون الحطّ من الهوية الثقافية لجهة ما بحيث تصبح غير ذات صلة.
مقترح لديمقراطية مستدامة في السودان:
1.برنامج عمل سياسي محدد تحديداً جيداً يتم تنفيذه بواسطة حكومة منتخبة ونيابية ديمقراطية حقيقية ذات محاسبة فعالة على كل مستويات القيادة. ويطلب هذا إنشاء ودعم مؤسسات ديمقراطية توجد فيها مشاركة شعبية وقاعدية حقيقية في اتخاذ القرار مع تخصيص الموارد في كل مستويات المجتمع. كما يجب التركيز على منح الصلاحية الفاعلة لكل أفراد المجتمع والنساء والرجال والشباب.
2.تقسيم السلطة بغرض ابتعاث نظام فيدرالي فاعل.
3.حكم القانون ومراقبة حقوق الإنسان الأساس.
4.يجب أن تكون المواطنة أساساً للحقوق والواجبات الدستورية..
5.اعتماد برنامج عمل إيجابي للحفاظ على توازن التنمية و البيئة الريفية.
6.منح الأهلية للطبقات المعوزة والنساء و العمل على دفعها للتفاعل النشط في الشأن العام.
7.خلق الوظائف على أساس الفرص المتساوية لاشراك القدرات الشبابية في مشاريع التنمية وإعطاء فرصة لمساهمتهم الإيجابية في سودان ما بعد الصراع.
8.خلق آلية للتوزيع المتساوي للدخل والثروة والسلطة والفرص التي تدّر الدخل فضلاً عن دعم المؤسسات الاجتماعية مثل الأسرة والمنظمات التعاونية والشعبية و توسيع مظلة الضمان الإجتماعي.
9.تعزيز الثقة لدعم صنع السلام وبناء الدولة.
10.معالجة الفوارق الاجتماعية الاقتصادية بجعل قسمة السلطة والثروة صلاحية قانونية و دستورية.
11.الأجندة الديناميكية لتعزيز المصالحة بين المناطق المتحاربة وأجزاء البلاد الأخرى والمراكز.
خاتمة:
*إن الضرورة لنمو نزعة الديمقراطية في أفريقيا والسودان واعدة ويمكن أن تحدث عهداً جديداً مع زوال سلبيات الماضي زوالاً كاملا.ً ذاك الماضي الذي أثرت عليه مجموعة عوامل إنتهت بزعزعة الديمقراطيات.
*إن الديمقراطية باعتبارها نظام حكم بات ولا يزال يدعمها إلتزام أخلاقي قوى رغم أن التجربة أظهرت أعراض عجز في الكيفية التي تعمل بها.
*إن الديمقراطية في أفريقيا والسودان هي أفضل عملية لمحاربة الإرهاب والتطرف لأنها توسع من نطاق المشاركة السياسية وتؤيد الحاجة لحكم القانون وحقوق الإنسان و تخلق التراضي المطلوب.
*على المجتمع الدولي أن يسعى لإنشاء آلية خاصة ،الأمر الذي حاولت هذه الورقة مناقشته هنا وتعتبر هذه الآلية خطوة أكثر عملية وإيجابية لدعم الديمقراطيات الوليدة في إفريقيا حيث من المتوقع أن تصل إليها التجربة الديمقراطية السودانية فيما يتعلق بالأنموذج المعياري والاعتبار النفعي.
*يجب ألا توضع الديمقراطية بالسودان في مؤخرة الأجندة الدولية، بل يجب أن تعطى أولوية قصوى لتأثير السودان الكبير جداُ في الدوائر الثقافية المحيطة بحدوده السياسية.
*هذه الورقة كتبت أصلاُ باللغة الإنجليزية، وقدمت خلال السمنار الإقليمى حول دور الديمقراطية فى إقرار السلام الذى نظمته اللجنة السودانية للتربية والعلوم والثقافة بالتعاون مع اليونسكو في الخرطوم مؤخرا – و هذه ترجمة غير رسمية لهذه الورقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.