ورشة الهوية والاندماج :مسالة الهوية في السودان: الظاهرة والمنظور

معوقات ومهددات الديمقراطية فى البلدان النامية
30 أغسطس، 2016
ورشة الهوية والاندماج :التنوع الاثنى فى السودان” ابيى” نموذجاً
30 أغسطس، 2016

مركز التنوير المعرفى
ورشة عمل قضايا الهوية والاندماج القومى فى السودان
مسالة الهوية في السودان: الظاهرة والمنظور
د . قيصر موسى الزين
معهد الدراسات الافريقية والاسيوية
فبراير 2009م.
تقديم:-
تعتبر إشكالية “الهوية” ظاهرة مرتبطة بالكيانات السياسية – الاجتماعية – الثقافية حديثة التكوين ، فهي جزءمن الصراعات بين تيارات مختلفة علي صيرورة المحصلة النهائية التي تمثل حالة الاستقرار النسبي للكيان الذي تنتمي اليه . لذلك نجد هذه الظاهرة قوية في بعض البلدان ،فى ما يسمي بالعالم الثالث- الذي يتكون اساساً من دول كانت مستعمرة في الماضي القريب . غير ان هنالك عدداً من الإستدراكات لا بد أن تلحق بالفقرة السابقة ،يتعلق معظمها بحقيقة أن التشكيل النهائي الكامل والدائم لأى كيان انساني – اجتماعي هو مجرد وهم ، مما يتعرض الاطار النظري فى هذه الدراسة تتفاوت حدة طرح إشكالية الهوية من دولة الي أخري في العالم الثالث.نجدها في العالم العربي –مثلاً- أقل حدة فى مصر وسوريا مقارنة بمورتيانيا والسودان . ويمكن القول أن حدة الطرح تزيد كلما تزايد عدم التجانس والتباين في التكوين الاثني و الثقافي في الكيان المعني وكلما ضعفت القوة الناظمة والفاعلة في السيطرة علي إتجاهات هذا التباين في الواقع الديناميكي المتحرك . والعلاقة بين العاملين – التباين والقوة الناظمة علاقة قوية متداخلة ،فكل منها يسهم في خلق الآخر.
لقد تم التعبير بقوة عن إشكالية الهوية في كل من مبني التاريخ السودان المعاصر والمسرح السياسي الراهن، ولم يكن ذلك التعبير يقتصر علي الشكل السياسي إنما كان يتضمن دائماً أبعاد اجتماعية وثقافية واقتصادية .ولم يكن التعبير عن التباين محصوراً في محاولة ايضاح مشكلة واقعية وإنما كان في حد ذاته يمثل مشكلة مستقلة ،بغض النظر عن الواقع ، ذلك لأنه يتعلق بشعورجمعى إزاء الآخر يختلط بالشعور بالذات الجمعية . وهو نفس الأمر الذي ينطبق علي ، يمكن تسمية “بالشعور القومي- الذي قد يمثل هنا الطرف الآخر في المعادلة الجدلية.
تم تناول موضوع الهوية كثيراً ومراراً وتكراراً في الكتابات الحديثة عن السودان (1) ، مما يدل علي أهميتة الفعلية من ناحية وعلي اثارته للجدل وعدم الاتفاق من ناحية أخري . وصعوبة الاتفاق هنا لا تعود فقط الي ضعف المرجعية الاستدلالية و الابهام النظري الذي يحيط بالمصطلح – رغم أن ذلك حقيقة- وإنما تعود أيضاً لإتصال الموضوع بالصراع السياسي الاجتماعي من خلال صراع الايديولوجيات . وهذا البحث لا يرمي الي تلخيص ماهو مقرر في الادبيات حول هذا الموضوع وإنما يرمي الي البحث عن ابعاد جديدة، من خلال إلقاء أضواء كاشفة باستخدام منهج تحليلي يزاوج بين النظرة الي الواقع السوداني والي الجوانب النظرية البحتة . يقوم تنظيم البحث علي المخطط التالي:-
1/ تقديم:-
2/ اطار نظري مفاهيمى
3/ العامل التاريخى والهوية الثقافية والسياسية السودانية .
4/ النفسير الاكاديمى ومحاولة تشخيص الازمة .
5/ الايديولوجيات الوطنية ومشكلة الهوية .
6/ خاتمة : نحو توصيات
7/ اشارات البحث
8/ قائمة المراجع
يمكن القول ان هذا البحث ينحصر في التناول المزدوج لظاهرة الهوية من الزاوية الموضوعية وللمنظور الذي يتمثل في الرؤي الذاتية لاصحاب الهويات كما يتمثل في الرؤية الاكاديمية المؤدلجة.
إطار نظري مفاهيمي:-
يتعلق جوهر موضوع الهوية بإشكالية تحديد الإنتماء ،سواء للفرد أو الجماعة الصغيرة أو الشعب الكبير.وهذه الإشكالية تقوم علي حاجة ، في المستوي الاولى ، أقرب الي الفطرية في المجتمع الانساني (2) .ومهما كان الاختلاف حول منح الاسبقية في الوجود والأهمية للفرد أو المجتمع (3) فإن إرتباط الاثنين في بداية البدايات من الامور الواضحة (منذ أن كان الانسان أبا أو أماً كان له ابن أو ابنة ،وكان ذلك مجتمعاً وصار الإستقرار النفسي – الأجتماعي يعتمد علي اعتراف هذه الأطراف بتلك الصلة واحترام ما يترتب عليها ) . ويزداد تبلور الشعور بالذات الجمعية –بدءا من فردين أو أكثر – كلما تبلور الشعور بوجود من هو خلرج هذه الذات .ويخلق شعور بالآخر احاسيس مختلفة ، تتفاوت من الألفة إلي الأحساس بالخطر أو الرغبة في ٍالعدوان . وإذا اعتبرنا الأسرة الصغيرة كياناً سياسياً،إذ تتمثل فيها علاقات القوة والتراتب السلطوى والوظيفة الادارية ذات الطابع النفعي ( او البرغماتى ) ،فإن ذلك يدل علي قاعدية وأولية مفهوم الهوية . ذلك لأن الاسرة تمثل كياناً أولياً وليس ثانوياً مثل الحزب أو الدولة .ودون شك فإن الوظائف الاجتماعية والسياسية وادواتها المؤسسية تتعاظم وتتعقد من خلال التطور في الكيانات الانسانية – الاجتماعية من مستوي بسيط الي آخر معقد ، حتي يصل ذلك مستوي الدولة والمجتمع المعاصر ،الذي يتداخل فيه العالمي بالاقليمي والمحلي ويتداخل فيه السياسي بالثقافي والإقتصادي علي نحو أكبر مما كان يحدث في المجتمعات التقليدية أو البسيطة . وفي كل الاحوال تظل مشكلة الهوية قائمة – في البلدان الصناعية أو النامية ، في المجتمعات الحديثة أو التقليدية ، وكذلك فى المجتمعات حديثة او قديمة التكوين . وفي كل ذلك تتحكم النسبية ، التي تحدد درجات الحدة أو قوة الأثر على مجرى الحياة السياسية.
إن ظاهرة السؤال عن الهوية ليسة مشكلة أو أزمة وحسب ،إنما هي أيضاً ظاهرة وظيفية مهمة في دفع عجلة التطور الاجتماعي والسياسي باتجاه التوازن والإستقرار النسبي . وأكبر شاهد علي ذلك هو التاريخ الانساني ،الذي يدل علي أن مراحل التماسك وسط الشعوب والأمم تأتي عادة تالية لمراحل التفكك والصراع . غير أن التاريخ نفسة يدل علي عناصر التناقض – مثل تلك التى يدل عليها سؤال الهوية – إذا بلغت حداً أكبر من تأثير فوي التماسك داخل المجتمع المعني قد تؤدي الي تفويضه ، مما قد يؤدي الي اعادة تركيب عناصره في سياق مختلف وبواسطة قوي ناظمة جديدة .
لا يهم كثيراُ إن كان مصطلح الهوية علمياً يمكن ضبطه أم أيدولوجياً فضفاضاً ، اذا كان الامر يتعلق بمعالجة الدينامية السياسية والاجتماعية التي يستخدم في إطارها هذا المفهوم أو الكلمة (4) . ومن اسباب ذلك أن هذا الاستخدام يدخل مجال الفعل الديناميكي ويتعيق بالتفاعل والتأثير وخلق منظومة من التداعيات ،تقتضى المزج بين ماهو عرقى أو قبلى او جغرافي أو ديني أو طبقي أو سياسي …الخ …خاصة وأن حيز الواقع ، بمحدداته الزمانية والمكانية ، لا يسمح بالفصل بين تلك الاوصاف – مع وجود قدر من التمايز بينها وقدر من غلبة صفة منها على غيرها . غير انه لابد من الاشارة الى اختلاف الفلسفات والايدولوجيات(5) حول ذلك . على سبيل المثال ، ترى الماركسية زيف كل الايديولوجيات التى ترى فى غير الانتماء الطبقى – وهو اقتصادى اجتماعى فى الاساس –انتماء حقيقياً وواقعياً وتعتبرها ادوات فى يد الطبقات المهيمنة لتزييف الوعى الطبقى الذى يدل على حقيقة الانتماء الواقعى – اى انها تخلق شعوراً وهمياً بانتماء زائف لاسباب وظيفية ، تودى الى استمرار الهيمنة التى تمارسها الطبقات الحاكمة . وتقف الفيبرية موقفاً منتقداً لهذه النظرة ، وتضفى قدراً من التجريبية على النظرة الى الايديولوجيا ، وبالتالى الى الهوية . فتعتبرها ذات حقيقة نسبية وان قامت على غير الانتماء الطبقى ، كما ان ذلك يتغير بتغير الزمان والمكان والمجتمع المعنى . ومن ذلك مقولة ماكس فيبر الشهيرة عن ان الاخلاق البروتستانتية هى التى خلقت الراسمالية وليس العكس ( اى ان الفكر قد يخلق الواقع وليس العكس ) – ذلك خلافاً للرأى الماركسي . ولابد هنا من التنبيه الى ان فيبر ، ومن بعده الفيبرية ، لم يكن مثالياً مثل هيغل فى موقفه هذا . ولا شك انه اذا طبقنا المنظور الماركسى التقليدى او الماركسى الجديد (6) او الفيبرى فى تحليل اى واقع اجتماعى سنحصل على نتائج مختلفة ، قائمة على طريقة مختلفة للربط بين نفس المعطيات والمعلومات المتوفرة عن ذلك الواقع الاجتماعى . ينطبق هذا بالطبع على واقع السودان ، التى حاول فيها ، مثلاً، محمد عمر بشير (7) ومحمد سعيد القدال (8) تقديم اطروحات ماركسية الارتكاز فى النظرة الى موضوع الهوية فى السودان . اما ذوى النزعة اللبرالية (9) من المفكرين وكذلك اصحاب الخطاب السياسى – نصف الاكاديمى – فتغلب عليهم نظرة استعراض المواقف النظرية المختلفة مع محاولة البقاء خارجها ، بطريقة قد تقترب من ” اللاادرية ” – ذلك مما يجعل الماركسيين يصفونهم بالبرجوازية (10) ويتهمونهم بخدمة مصالح طبقية ، ضد المستغليين ، من خلال انكارهم لمحورية الاساس الطبقى فى الخطاب الايديولجى الذى يستخدم مفهوم او مصطلح الهوية مع قدر كبير من الضبابية .
***************
هنا لابد من الإشارة ألي أن مصطلح الهوية ومتعلقاتة مثل (الاثنية) و (القومية) قد تناوله الكثيرون من غير الماركسيين أو الفيبريين, من انثروبولجيين أو علماء سياسة أو فلاسفة أو غيرهم. ومن هؤلاء سليجمان وبارث وليفى شتراوس, والمجال هنا لا يسمح بغير الإشارة الموجزة ألي أن كتابات هؤلاء قد أوضحت أن مسالة الهوية لا تستقل بذاتها عن الأبعاد الأخرى في التكوين الديناميكي للجماعات الإنسانية في سياقتها البدوية والريفية والحضرية. كما أن هذا المفهوم يختلف من المستوي الحضاري الكبير (كما في تناول ليفي شتراوس عن “العرق والتاريخ”) ألي المستوي الصغير المحدد بمجموعات مؤقتة, محدودة الإطار المكاني والزماني. والواقع أن المجموعات الإنسانية عامه تتأثر بثنائية المقياس الكبير (الحضاري) والآني المحدد ذي الخصائص المحلية المؤقتة. وعلي سبيل التوضيح يمكن الإشارة الي حالة السودان, حيث تقع المجموعات ذات الثقافات المحلية تحت تأثير النطاق الحضاري الأوسع الذي تمثله الحضارة العربية الإسلامية أو الحضارة الغربية, الوافدة حديثا. وهذا يؤدي ألي تباينات تؤثر علي “هويات” المجموعات المختلفة وتجعلها تتميز بدرجة تفاوت تأثرها بالعوامل التي تنتمي ألي “المقياس الكبير”. وهذا يحدث أيضا عند انتقال الأفراد أو الجماعات من الريف ألي الحضر – كما أوضح بارث في دراسته عن “العرقية الحضرية”.
****************
العامل التاريخى والهوية الثقافية السياسية السودانية :-
يتميز السودان- بمفهومه الحالى – بخصائص جيوبولتكية ثابتة ، كانت فاعلة منذ القدم ؛ من بينها طبيعته القارية الداخلية وغلبة الطابع السهلى عليه مع ثنائية شبه الصحراء والسافنا الغنية . وكذلك توسط نهر النيل بفروعه العديدة . وبالرغم من موقعه الداخلى الا انه قريب من مركز الحضارات فى العالم القديم – حول البحر الابيض المتوسط . وله ساحل طويل يطل على البحر الاحمر ، يبتعد كثيراً عن اطرافه النائية فى الجنوب والغرب . وقد ترتب على هذه الخصائص كثيرمن المعادلات الثابتة التى حكمت وتحكم تكوينه البشرى وتطورها الاجتماعى والاقتصادى . وهذا فى حد ذاته من نواظم الثبات التى خلقت تراكمات تارخية راسخة ومستمرة الوجود باثارها المتعاظمة عبر خط الزمن . ومن اهم معالم الجيوبولتكيا الثابتة هو محورية النيل ، التى مثلت مركزاً لاهم الكيانات والدول التى حاولت جذب مناطق مختلفة ، بعيدة عن النيل شرقاً وغرباً ، وادخالها فى منظومة واحدة – لم تكن فى الغالب مكتملة الاركان .
هناك اعتقاد سائد بين الدارسين يرى ان اصول السودان الحالى ، كبلد موحد ، تعود الى غزو الاتراك المتمصرين له عام 1821 م . وهذا الاعتقاد يتجاهل حقيقة ان السودان متمثلاً فى بلاد البجة والنوية وما سمى ببلاد الزغاوة فى الغرب والمجموعات التى وصفت بالبدائية جنوب ارض النوية ، كان يعتبر بلداً او عالماً قائماً بذاته فى نظر الآخرين – من فراعنة واغريق ورومان وعرب وغيرهم . كذلك فان شعور هذه الاقوام بالرابطة بينهم واختلاف بلادهم عن غيرها وتوحد مشاعرهم باتجاه التضامن كلما دخل غازى اطراف ارضهم ،كان من الظواهر الواضحة التى يمكن ان تعتبر من دلائل الوحدة الوجدانية ذات المدلول الواقعى . هذا رغم النزاعات والحروب التى تقع بينهم ورغم قصور الوحدة السياسية – الادارية ، التى لم تكن تستطيع جمع كل اجزاء هذه البلاد تحت سطوة دولة واحدة – حتى فى حالة الدول القوية الكبيرة مثل مملكة نبتة ” 750 ق م – 350 ق م ” او مروى ” 350 ق م – 350 م ” والممالك النوبية المسيحية والسلطنات الاسلامية – منذ القرن السادس الميلادى حتى التاسع عشر(11) . والواقع ان الحكم التركى المصرى ” 1821 م- 1885م ” لم يكن يستطيع ضم اطراف تلك البلاد الى مركزية النيل الاوسط فى الخرطوم دون ذلك الاعداد التاريخى وفاعلية الجيوبوليتكيا . وهو قد استطاع ان يحقق فى هذا الاتجاه ما لم تحققه الدول السودانية الوطنية ، ومن قبلها الفراعنة المصريين ، بسبب القوة النوعية الكبيرة التى اصبحت تملكها الدوله الحديثة – بعد عصر الثورة الصناعية ، ومنها التقنية العسكرية – الاسلحة النارية الخفيفة والثقيلة – وتقنيات الادارة والاتصال والتنظيم المالى الحديث . وهنا لابد من ملاحظة التناسب الطردى بين قوة الدول واتساع رقعة الارض التى تستطيع ان تسيطر عليها (12) .
كانت العوامل الثقافية ، ومن اهمها الدين واللغة ، تعمل على تشكيل واعادة تشكيل المجتمعات السودانية ، دون ان تنفك عمليات التشكيل هذه عن الاطار السياسى ومؤثراته – وقد تمثل بصفة اساسية فى مؤسسة الدولة . واذا كانت الدولة تمثل مستوياً فوقياً والتفاعلات والتشكيلات الاجتماعية والثقافية تمثل مستوياً قاعدياً فى هذا السياق – ( مع ملاحظة ان العامل الاقتصادى متضمن هنا فى العوامل الاجتماعية ) – فان التاثير بين المستوى الفوقى و القاعدى يكون متبادلاً ومتداخلاً . ويمكن فى هذا الاطار فهم كيف ادت الهجرات العربية الاسلامية ، منذ القرن السابع الميلادى حتى السادس عشر ، الى اولاً تاثيرات ثقاية واجتماعية كبيرة فى شرق وشمال السودان النيلى وثانياً الى الاطاحة فى نهاية المطاف بنظام الحكم والدولة النوبية المسيحية . وبنفس القدر فان استكمال التغير العميق الشامل فى التكوينات الثقافية والاجتماعية والسياسية فى وسط السودان الحالى لم يكن ليتم بدون الدول والسلطنات الاسلامية ، وكان من اهمها سنار . وهكذا اصبحت ” الثقافة السنارية ” (13) تمثل لمدى اكثر من خمسة قرون ، حتى اليوم ، ثقافة الاغلبية فى كل السودان – مع الاخذ فى الاعتبار ان العناصر العديدة فى هذه الثقافة ، مثل الاسلام والعروبة ونظم القيم والعادات …الخ… ، تتفاوت فى مدى غلبتها وتاثيرها على المكونات العديدة للثقافة السودانية التى يتجاوز نطاقها وعمقها ” الثقافة السنارية ” . ولابد هنا من ملاحظة ان كيانات ثقافية مجتمعية سياسية مكتملة التكوين ، تتميز بالاختلاف فى التكوين الاثنى وفى الانتماء الجغرافى ، ظلت فى اطار الوطن السودانى ولكن خارج هيمنة ” الثقافة السنارية ” – خاصة فى جنوب السودان وبدرجة اقل فى المنطقة الواقعة بين الجنوب والشمال ، اى بين خطى عرض 10 درجه و 13 درجه شمال خط الاستواء . وقد كان من الطبيعى ان يتباين ويختلف التعبير السياسى وفقاً لتباين ذلك التكوين القاعدى وان يؤدى ذلك ، بتاثير عوامل اضافية مثل الهندسية السياسية التى مارستها اطراف خارجية وداخلية خلال وبعد الفترة الاستعمارية ، الى ظاهرة الحروب المعقدة التى تميز السرح السودانى السياسى منذ الاستقلال فى 1956 م .
بالنسبة للكيان الثقافى السودانى المركزى ، وتعبيراته الاجتماعية والسياسية، فلم يكن كامل التجانس وهو يحفل بالكثير من التناقضات والصراعات الخفية والمعلنة . ويعود ذلك الى ان الماضى الثقافى لم ينقرض بكل عناصره كما قد يبدو للنظره السطحية ، وانما استمرت بعض عناصره فاعلة خلف السطح المرئى . ولم تفلح التسويات الثقافية والحلول الوسطى من منع تأثيره المعارض للاتجاهات الغالبة . ومن ذلك ان التمثل الاجتماعى للاسلام العام كان دائماً متاثراً بالمكونات الثقافية والدينية السابقة للاسلام – بل والتى اتت بعده – خاصة فى الفترة الاستعمارية . لذلك ظهرت اشكال عديدة مختلفة متصارعة من ما سمى ب ” الاسلام السياسى ” ، وكانت المعارك السياسية فى الفترة الوطنية ، بعد 1956 م ، حول وضع الدين فى الدولة تدور بين المسلمين الشماليين انفسهم ، وليس فقط بين المسلمين وغير المسلمين . وشهد ذلك المسرح بروز ثنائية جديدة وسط النخب الشمالية هى ثنائية ” العلمانى ” و ” الاسلامى ” (14) . وهنا يمكن ملاحظة التارجح بين تقدم القيادات الوطنية المركزية نحو فرض اشكال حكم اسلامية اصولية (15) ثم تراجعها عن ذلك كثيراً ثم تقدمها مرة اخرى بصورة تبدو دورية . وهذا يظهر فى المفارقة الواضحة بين ” اسلام السلطنات ” – مثل سنار – و ” اسلام المهدية ” . فقد كانت سنار دولة مسلمين اكثر من كونها دولة تزعم انها اسلامية ، مثل المهدية التى اقامت اهدافها وقواعدها على اساس عقائدى مستنبط اجتهادياً من القرآن والسنة . وينطبق هذا على الزمن المعاصر ، فيمكن ملاحظة المفارقة بين البداية ” العلمانية ” لنظام نميرى ونهايته ” الاسلامية ” . ثم تخفيف تلك ” الاسلامية ” خلال فترة الحكم التالية ” 1985م -1989م ” ثم بروز حدة ” الاسلامية ” فى بداية ” الانقاذ ” ثم تراجع ذلك بعض الشئ ، وهكذا . ( لابد من ملاحظة عدم دقة المصطلحات المستخدمة هنا ” علمانية ” ” اسلامية ” ” اصولية ” ، مما يستدعى اخذها بتحفظ شديد ) . وهذا التأرجح المشار اليه يعود جزئياً الى الاستقطاب الذى يحاول ان يخلقه الخطاب السياسى وسط القاعدة الشعبية . كما يعود جزئياً الى تاثير التعبير السياسى عن عدم التجانس وسط تلك القاعدة الشعبية . والحديث هنا ليس عن عدم التجانس الطبيعى اوالعادى فى المجتمعات المستقرة نسبياً فيما يخص هذه القضايا ، وانما عن عدم تجانس فوق العادة الذى قد يصل درجة ” الازمة ” .
يمكن ملاحظة خط متصاعد عبر التاريخ – رغم ظواهر التآرجح والتذبذب المشار اليها ، كذلك غير المشار اليها، يتمثل فى ازدياد قوة الدولة السودانية وازدياد قوة الثقافة المركزية ، مع ضعف وتقلص التيارات والقوى الداخلية المناهضة لذلك . وهنا يجب الا ننخدع بظواهر مثل تصاعد الصراعات العسكرية الداخلية وتوالى الازمات السياسية والاقتصادية التى تزيد وتنقص من حين الى اخر . وذلك لان جزءاً من هذه الظواهر يعود الى عوامل تأثير خارجية ، تخلق تحدياً قد يخلق بدوره استجابة تصب فى المدى البعيد فى خانة تقوية ” الثقافة المركزية ” وتمثيلها على المستوى السياسى . هذا بالاضافة الى ان ظواهر الاضطراب تمثل مرحلة طبيعية فى العمليات التارخية التى تؤدى فى النهاية الى الاستقرار والتوازن النسبى . بعد هذا التحليل التاريخى الموجز ، يمكن تناول جوانب اخرى تتعلق بالشكل الراهن لازمة ” الهوية ” فى السياسة والثقافة السودانية .
*****************
إذا نظرنا ألي مبني التاريخ السوداني نجد أن العلاقة الوطيدة بين “الدولة” و “الثقافة” – ومن بين أهم عناصرها الدين, وهو هنا بالتحديد “الإسلام” – قد ساهمت كثيرا في تشكيل عناصر ومظاهر “الهويات” الخاصة بالمجموعات المختلفة – التي أخذت تندمج بصورة لم تكتمل بعد في الكيان القومي السوداني. والواضح أن العنصر الثقافي – والديني علي وجه التحديد- لم يكن منفصلا عم مرامي وأغراض الجماعات السودانية العديدة أو عن مرامي وأغراض الاتجاه القومي الوحدوي – مع تباين الاتجاهين وتصارعهما أحيانا. هذا مع ضرورة التوكيد علي تميز واستقلال هذا العنصر الثقافي (الديني). ولا بد من الإشارة ألي “الآلية الدقيقة” التي حكمت تمثل الجماعات السودانية المختلفة للإسلام ودورها في تشكيل التعبير السياسي الاجتماعي الثقافي المتأثر بالإسلام –دين الغالبية- والأديان الأخرى, السابقة أو اللاحقة ,فى هذه البيئة وذلك في أطار غلبت عليه التسويات الثقافية ومزاج التوافق والتعايش, مع عدم خلوه من بعض الصراع الوظيفي. وقد أنتجت هذه الآلية التاريخية نظاما تراتبت فيه العناصر الثقافية المتناقضة علي مستويات مختلفة بحيث لا يصطدم بعضها ببعض, مما ساهم في بناء أرضية مشتركة أساسية, أصبح فيها “الإسلام” رابطا بين “الهويات” المختلفة في النسيج السودانى القومي الجامع.
التفسير الاكاديمى ومحاولة تشخيص الازمة : –

من مزاعم الاكاديمية فى الدراسات الانسانية والاجتماعية ادعاء الموضوعية والتجرد فى نظرتها للظواهر والتطورات . ولابد من الاعتراف هنا بأن الدراسات الاكاديمية المتقنة تفلح فى ذلك الى حد كبير ، بصورة نسبية . لقد تعرضت الدراسات الاكاديمية بصورة مباشرة او غير مباشرة لمشكلة ” الهوية ” ومتعلقاتها – مثل البناء الوطنى ، الوحدة القومية ، الانقسامات الاثنية والثقافية …الخ … فى مستويات بحثية مختلفة ، فى علم التاريخ – السياسة – الاجتماع – الانثربولوجيا – الدراسات الانسانية مثل دراسات اللغة والاديان، وغير ذلك . ويمكن هنا الاكتفاء بالاشارة – كمثال فقط – الى الدراسات المتعلقة بتاريخ السودان والدراسات الاجتماعية الانثروبولوجية . وفى كل مثال يمكن اعطاء نموذج واحد .
فى مجال تاريخ السودان قامت الاكاديمية الاوربية الامريكية -( ويعود اليها انشاء الاكاديمية السودانية ، التى لا تنفك عن الدوران حول محورها ) – بافتعال قضية الاصول التارخية للمجتمعات والثقافات السودانية . وكان من بين اهم القضايا ما عرف باصل الفونج (16) . ويعنى ذلك اصل ” سنار ” اى المرتكز التاريخى الرئيس للاسلام والاستعراب فى السودان ، بنظر تلك المدرسة . وقد تمسكت هذه المدرسة بنسبة الفونج والثقافة السنارية من ناحية الاصول الى جنوب السودان ، كما نسبت بعض اتجاهات هذه المدرسة ثقافة الوسط الاسلامية الى فترات ما قبل الاسلام فى شمال السودان ، والمحت كثيراً الى ان القاعدة الوثنية الافريقية الجنوبية هى الاصل فى السودان وان ما احاط بها هو مجرد قشرة خارجية ، قابلة للازالة . وليس هنا مجال مناقشة هذه القفزة ، غير العلمية ، فى الظلام اعتماداً على ماثورات ضعيفة اتت ممن اتهموا بالكذب والخيال فى المصادر الاوربية نفسها (17) . وبنفس الدرجة يمكن الاشارة الى تناول هذه المدرسة لتاريخ دارفور ، وقد مالت الى اعتبارها جزءاً من السودان الاوسط – خارج السودان الحالى – الذى ينتمى بدوره فى الاساس والجذور الى ” ما قبل الاسلام ” . وقد تمكنت هذه المدرسة التابعة اساساً لدول استعمارية التوجه من التغلغل فى عقول النخبة الاكاديمية الرائدة فى السودان وتمكنت بالتالى من التشويش ، باكثر الصور نعومة على اتجاهات تكميل بناء النسيج الوحدوى السودانى على الاسس الواقعية وعلى الاسس التى يمكن التى يمكن ان تكون مثمرة بالنسبة لبناء كيان اقليمى عملاق . و اتضح ذلك فى سلسلة عمليات ” الهندسة السياسية ” الواضحة اليوم فى كل من جنوب وغرب السودان . وقد يتضح هذا غداً فى شرقه وشماله ووسطه.
فى المثال الثانى المتعلق بالانثروبولجيا الاجتماعية ، يمكن الاشارة ايضاً الى نفوذ المدرسة الاوربية – الامريكية ، التى تدور فى فلكها المدرسة السودانية (18) . وتتجه المدرسة الاوربية – الامريكية الى الدراسات التفصيلية عن المجتمعات الصغيرة ، خاصة فى المناطق التى لم يكتمل اندماجها فى الثقافة المركزية . وقد انتقلت بالتدريج من مستوى تسجيل الملاحظات الاثنوغرافية الموضوعية الى مستوى توظيف ذلك على مقياس سياسى واسع يتعلق باعادة تشكيل السودان ، ليس على قاعدة الاعتراف بالثقافات الطرفية فحسب وانما منحها اهمية اساسية . وفى هذا الاطار تم ربط البحث الانثروبولوجى بقضايا ” السلام ” و ” التنمية ” وفقاً لأدلجة منظمة . وقد حدث اندماج وتلاحم بين المستويات النظرية هنا والمستويات التطبيقية العملية وكذلك بين الاتجاهات الخارجية والداخلية ، وتم تفعيل ذلك على كافة المستويات السياسية . ولا يمكن هنا عزل ذلك عن دور قديم كانت تقوم به المؤسسات الكنسية التبشيرية (19) فى جنوب السودان وجبال النوبا وجبال الانقسنا بصورة سافرة وفى الشمال بصورة مستترة وذلك خلال الفترة الاستعمارية (20) . مع ملاحظة ان تلك الادوار لم تنته بنهاية الفترة الاستعمارية وانما اخذت صوراً جديدة وتغلغلت فى الكيان المركزى ، وبالتحديد فى العاصمة القومية(21) .
لا يمكن انكار الدور المركزى الذى لعبه الغرب الاوربى – الامريكى فى تأسيس كيانات حديثة ضخمة ، مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان وجيشها الشعبى . وهذا لا يناقض حقيقة الاساس المحلى والموضوعى لهذه الحركة (22) . غير ان تصميمها الحديث وتطويرها نوعياً وتوسيعها جغرافياً وكمياً واستخدامها لايدولوجيا فاعلة ، تتمثل فى شعار” السودان الجديد ” (23) ، ولم يكن ليتم لولا الدور الغربى بواسطة دول بعينها او بواسطة الكنيسة . وقد كان من ثمرة ذلك تحول الحركة السياسية والعسكرية فى جنوب السودان من الاتجاه الانفصالى ، الذى ميز مرحلة ” الانيانا ” حتى 1972 م ، الى الاتجاه الوحدوى الذى يرمى الى اعادة صياغة كل السودان – ليس من الناحية السياسية والاقتصادية فقط ولكن من الناحية الثقافية ايضاً (24) . وقد شمل مشروع الحركة الشعبية ، بدءاً من عام 1983 م ، نقل الحرب الى شمال السودان ، وبالتحديد الى المناطق بين خطى 10 و13 درجة شمال خط الاستواء . ويتضمن معنى ” نقل الحرب ” بناء مؤسسات هيكلية حديثة تقوم باعادة تنظيم السكان فى تلك المناطق ، مع نشر وتعميق افكار جديدة وسطهم . وقد طبق مشروع مماثل فى دارفور ، غير ان تلك قصة اخرى . لابد من الاشارة الى ان الاكاديمية المؤدلجة هنا وتطبيقها على ارض الواقع فى السودان قد احرزا نجاحاً كبيراً، لا يمكن انكاردوره الاساسى فى تعميق ازمة ” الهوية ” فيه وفى عرقلة مشروع الاندماج القومى . هذا مع الاعتراف بوجود البذور المحلية لتلك الازمة وهى التى تم انباتها وتكثيرها بفعل العوامل الخارجية . والشق السودانى من ازمة ” الهوية ” الذى لا يمكن اعتبار الغرب الاوربى – الامريكى مسؤلاً عنه ، يحتاج الى معالجة خاصة يمكن الاشارة اليها فى الفقرة التالية .
الايدولوجيات الوطنية ومشكلة الهوية :-
يعتبر السودان من الدول القليلة التى برزت فيها ازمة هوية ، اخذت طريقها الى مستوى ” الدستور ” وخلقت منه ازمة سياسية مزمنة ترتبط بالانقلابات العسكرية (25) . وهناك دول مشابهة فى هذه النقطة بالذات – مثل تركيا – تتميز بانقسامات ثقافية تارخية حادة . ان المقارنة هنا مفيدة فى تلمس الخصوصية السودانية فى هذا الاطار . وفى حالة تركيا يصعب رد الصراع ” العلمانى ” – ” الاسلامى ” – الى اساس اثنى او جهوى او طبقى – فهو اقرب الى انقسام داخل شريحة النخبة او ” البرجوازية ” – فى القاموس الماركسى او الفيبرى . اما فى السودان فمن السهولة رؤية دور التباين الواضح فى النمو الاقتصادى الاجتماعى بين وسطه واطرافه فى تأجيج ازمة الهوية . وقد حدث ذلك بفعل عوامل تارخية زاد من تاثيرها سياسات الدولة الوطنية المعاصرة – التى كانت تتجاهل المناطق خارج الوسط الذى يمثل المركز المهيمن سياسياً واقتصادياً وثقافياً . وفى الوقت الذى كانت اتجاهات الاحتكاك بالتجارة والمصاهرة بين السكان من الوسط فى الاطراف تسير نحو تخفيف الفروقات الثقافية ، وقع استعمار السودان فى 1898 م واخذت السلطات الاستعمارية فى قطع الطريق على اتجاهات الاندماج ، برعايتها لنشر دين مغاير، هو المسيحية ، وربط ذلك بتعليم اوربى وبناء مؤسسات مدنية وعسكرية محلية . وهى اشكال وافدة فى الاصل تم بالفعل توطينها ، فى جنوب السودان بصفة خاصة ، لدرجة ان مطلب ناسيس شعب جنوبى ودولة جنوبية اصبح منطقياً – او على الاقل قابل للنقاش المنطقى . وحدث هذا بدرجات متفاوتة فى مناطق اخرى . كل ذلك لم يعد مجرد تاثير خارجى وانما اتخذ شكل وعى سياسى وثقافى بذات مغايرة فى ما يمكن تسميته بالاطراف – التى لا ينحصر وجودها الآن ، من الناحية السكانية ، فى مناطق جغرافية مغلقة وانما تمتد داخل كل النطاقات الحضرية فى المركز السودانى فى الوسط . وقد جعل ذلك من اى تسوية ثقافية ناجحة بين المركز وبعض تلك الاطراف امراً صعباً ، ان لم يكن مستحيلاً ، مع ان شروط التسوية الاقتصادية والسياسية يمكن ان تكون فى حدود الممكن . ومن اسباب ذلك عدم قابلية النظام الاعتقادى والقيمى الاسلامى السائد فى الوسط لتقديم تنازلات مبدئية يستلزمها بناء قاعدة جديدة مغايرة لايديولوجيا وسطية تعتمد على ازالة النظام القيمى والاعتقادى السائد من موقع المرجعية والاستعلاء . هذا مع ملاحظة ان هذا النظام يقبل بالمرونة الموجودة حالياً والقائمة على فكرة التعايش السلمى بين الثقافات المختلفة فى السودان ، دون ازالة الاطار المهيمن الذى يمثل ثقافة ” الاغلبية ” – مع ان مفهوم الاغلبية هنا لم يعد من المسائل المتفق عليها (26) .
اذا نظرنا الى كيان الشمال – خارج جنوب السودان – نلاحظ تطور وتبلور اتجاهات اكثر انحيازاً الى الجهوية الممتزجة بالابعاد الاثنوثقافية المحلية ، فى مناطق مثل جبال النوبة (27) وجنوب النيل الازرق (28) ودارفور (29) . وهى مناطق متأثرة كثيراً بالاسلام والثقافة الاسلامية وبدرجة من الاستعراب ، لكنها تحفل بعناصر المغايرة للمركز . وهذه الازمة خلقت انقساماً حاداً داخل المجموعة المركزية المسلمة والمستعربة فى وسط وشمال وشرق السودان ، مما خلق مواجهة بين عناصر اسلامية متشددة واخرى معتدلة وثالثة ترى اسقاط الدين من المعادلة السياسية – توصف بالعلمانية – وقد خلق ذلك حلالة من المزايدات والاستقطاب بين السياسيين المحترفين كما اثر على القاعدة الشعبية ، مما ساهم ى زيادة الارتباك والاضطراب فى المسار السياسى (30) . لابد كذلك من الاشارة الى وجود صراعات عديدة وسط امجموعات السودانية المسلمة نفسها فى المناطق المركزية ، حول موضوع الهوية – مثل وضع المجموعات المهاجرة من غرب افريقيا (31) .
خاتمة:-
نحو توصيات :-
لابد من الاشارة الى وجود عشرات التوصيات ، التى انتهت اليها كثير من المنتديات والمؤتمرات ، وتبنتها الدول والاحزاب المختلفة ،حول مشكلات الهوية والنزاع بين الاثنيات والثقافات المختلفة وتطوير نظام للحكم يراعى التوازن بين المجموعات والثقافات . وفى هذا السياق تم اعتماد شعارات مشهورة مثل ” الوحدة فى التنوع ” . ولم يقتصر الامر على التوصيات النظرية فقط ، وانما تجاوز ذلك الى بعض المحاولات الجادة لتنفيذ تلك التوصيات . وربما اثمر ذلك فى احتواء محدود للمشاكل الواقعية ، لكن لم يمنع احتدام الصراع الجهوى والاثنى وتصاعده . وربما عاد ذلك الى ان تنفيذ التوصيات يحتاج الى جدية اكثر والى زمن اطول ، ولابد من الصبر على ذلك والاستمرار فى الطريق واستخدام الوسائل الموصى بها . غير انه من الارجح ان يعود الاخفاق هنا الى وجود عقبات واقعية لايمكن ازالتها بالحديث او البلاغة المنطقية ، وان ازالة هذه العقبات يحتاج الى تغيير فعلى وعلى مستويات هيكلية . وهو شكل من التغيير لم يبلغ التطور السياسى مرحلته ولا تملك المؤسسات الوطنية الشعبية او الرسمية ادواته .
اذا كان الامر كما انتهى اليه التحليل اعلاه فلابد من حصر اى توصيات فى اطار الواقع الراهن ومعطياته وامكانياته . فى هذا الاطار يمكن اقتراح مايلى :
1/ القيام بجهد سياسى كبير يستهدف توعية اكبر قدر من الاطراف السياسية الوطنية – بما فى ذلك القوى الحاكمة – بضرورة الاتفاق على ثوابت عامة لا ترتبط باى حزب او نظام حاكم او ايدولوجيا خاصة اومرحلة زمنية معينة . وتمشل هذه الثوابت احترام الثقافات المختلفة فى السودان وعكس ذلك على اجهزة التوجيه ، خاصة فى التعليم والاعلام ، والازالة التامة لكل مايثير الحساسيات الاثنية على كافة المستويات الرسمية والشعبية ، مع تجريم ذلك على مستوى القانون ووضع العقوبات الرادعة ضد كل من يثير هذه الحساسيات – اى ان تتحرك الدولة بايجابية لمعالجة الجوانب السالبة التى تزيد الصراعات الاثنية والجهوية والدينية ، بدلاً من موقفها السلبى الحالى .
2/ ابعاد الاجهزة القومية من الهيمنة المباشرة لاى فصيل وطنى وجعلها فى احساس الجميع ملكاً وثروة قومية عامة.
3/ الاستمرار فى تحقيق المشاريع والقرارات المتعلقة بالعدل الاجتماعى والاقتصادى فى كافة انحاء السودان و اتباع سياسات تعويضية للمسارعة بتطوير المناطق المتخلفة اقتصادياً لخلق تقارب نسبى فى مستويات المعيشة والخدمات وذلك وفقاً لجداول زمنية وميزانيات واضحة ، يعرفها الجميع وتعتمد على المنطق والاقناع .
4/ تصميم عقيدة سودانية وطنية ، لا تصطدم بالمعتقدات والاديان خاصة دين الاغلبية ” الاسلام ” ، تقوم على فكرة الانسانية واحترام الجميع مهما ًاختلفت اعراقهم وثقافاتهم . ونشر هذه العقيدة وتعميقها فى اوساط الشعب وتسخير الاعلام والتعليم والفنون ، وغييرها من الادوات ، من اجل ذلك وجعل هذا من اولويات الدولة ومؤسساتها ذات الصلة ، مما يعنى دعم هذه الادوات بكل ما تحتاجه من امكانيات لتنجح فى تحقيق ذلك.
5/ مراجعة اتجاهات الاكاديمية العلمية الوطنية لتكون اكثر استقلالاً من الاكاديميات الاجنبية ،فى اطار المحافظة على رصانتها وقوتها العلمية ، مع دعمها مادياً لتتمكن من الاستغناء عن الدعم الاجنبى وتوجيهها نحو التركيز على التعرف بدقة على مشاكل الوطن وحلها ، مع القيام بدراسات المتابعة والتقويم لكل ما ينفذ من مقترحات الحلول .
6/ مراجعة الفكرة السائدة التى ترى ان الأمن يعتمد اساساً على مؤسسات الردع وليس على اساس التعامل المؤثر والبناء مع النفوس والعقول والابتعاد عن الاجراءات المؤقتة والطارئة ، التى تحل اليوم مشاكل صغيرة وتخلق غداً مشاكل كبيرة .
7/ توفير الحريات الاجتماعية والثقافية والسياسية فى اطار الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعى ، وخلق المعادلة الصحيحة فى هذا الاطار .
8/ تقوية هيبة الدولة النابعة من ظهورها كمؤسسة قومية مستقلة عن انقسامات المجتمع ، تعتمد على التنفيذ الفعال للقانون العادل .
10/ وضع سياسة دقيقة محكمة للتعاون والتفاهم مع الدوائر الاجنبية – من حكومات ، ومنظمات ، مؤسسات – حول تعاملها مع المسائل السودانية ذات الصلة بالوحدة والهوية وحقوق الانسان والعدل والسلام …الخ … علماً بانه لا يمكن وصف كل هذه الدوائر الاجنبية بسوء النوايا او العداء للسودان واستقراره ووحدته .
اشارات البحث ( تفاصيل بيانات النشر فى قائمة المراجع )
1/ انظر مثلاً : كمال جاه الله ، ابومنقة ، عباس محمد مالك ، الطيب حاج عطية ، عبد الهادى صديق .
2/ يمكن العثور على هذا المعنى بالتعمق فى قراءة ابن خلدون – انظر المقدمة ص33 ومايعدها ، وكذلك مؤلفات مفكرين مثل روسو ودوركايم وفرويد .
3/ يميل علماء الاجتماع الى منح الاسبقية والاهمية للمجتمع – مع تفاوتهم فى ذلك – بينما يميل علم النفس الاجتماعى الى منح الاسبقية للفرد . غير ان ذلك لا يمثل دائماً موقفاً معرفياً متناقضاً بقدر ما يمثل اختلاف منظور التخصص فى النظام البحثى .
4/ يعطى حيدر ابراهيم اهمية خاصة لتصنيف انواع الهويات – حيدر فى الطيب حاج عطية – التعددية ص 23 ومابعدها .
5/ عبد الله العدوى ، مفهوم الايديولوجيا .
6/ تقوم الماركسية الجديدة على نقد الماركسية التقليدية وتعمل على تجاوزها باتجاه المرونة فى فهم وتطبيق آراء ماركس فيما يتعلق بالتطور التاريخى والتصنيف الطبقى .
7/ محمد عمر بشير ، التنوع
8/ محمد سعيد القدال ، تاريخ السودان الحديث وكذلك السياسات الاقتصادية للمهدية .
9/ يمكن اعتبار تناول حيدر ابراهيم لموضوع الهوية من امثلة التناول الليبرالى ، بدرجة كبيرة .
10/ لا يعترف الماركسيون بوجود حقيقى لطبقة البرجوازية ، فهى شريحة من الطبقة الراسمالية ، ويتهم بعض الماركسيين البرجوازية بخلق مفهوم الصفوة او النخبة بين ما البرجوازية فى التصنيف الفيبرى هى جزء من الطبقة الوسطى .
11/ عن الاشارات التارخية يمكن الرجوع الى : مكى شبيكة ، اسبولدنغ ، اوفاهى ، محمد سعيد القدال وغيرهم .
12/ يمكن الرجوع الى ريتشاردهل فى ” مصر فى السودان ” بالانجليزية .
13 / يرى حسن مكى ان ” الثقافة السنارية ” تمثل رمزية ” السودان المسلم ” حسن – السنارية ص30 ومابعدها .
14/ الطيب زين العابدين فى جماعة الفكر – الاسلام ص 303 ومابعدها .
15 / ليس المقصود هنا المعنى الغربى السلبى لمصطلح الاصولية وانما المقصود هو النزعة نحو الاستدلال الدينى الاسلامى على اساس الكتب المعتمدة ( القرآن والسنة ) وفقاً لمنهج دقيق وصارم .
16/ فى هذا السياق تم نقاش احتمالات الاصل الشلكاوى ، البرناوى ، الاموى – العربى ، وتم ترجيح الاول فى اغلب كتابات الاثاريين والمؤرخين البريطانين فى مجلة السودان – رسائل ومدونات – فى اعداد متفرقة . ونجد تتويج ذلك عند اسبولدنغ فى اطروحته عن تاريخ سلطنة سنار .
17/ الاشارة الى الرحالة الاسكتلندى ” جيمس بروس ”
18/ يعود ذلك اساساً الى علاقة التلمذة وارتباط الاكاديميين السودانيين فى هذا المجال بالاوربيين والامريكيين .
19/ مدثر عبد الرحيم فى جماعة الفكر الاسلام ص231 ، كمال عثمان فى نفس المصدر ص257 .
20/ ناصر السيد ص67 ومابعدها
21/ حسن مكى – التبشير
22/ من ذلك الاستغلال التجارى من قبل المركز الخرطومى للجنوب – سواء أتحكم فى هذا المركز اجانب او سودانيون – وشمل هذا الاستغلال التجارى موارد مختلفة مثل العاج والرقيق . وقد قويت تجارة الرقيق التى شارك فيها شماليون سودانيون ، مع غيرهم ، فى الذهنية والوجدان الجنوبى السودانى واصبحت من اهم مظاهر كراهية الشماليين ، بخاصة الجلابة او التجار .
23/ انظر : الواثق كمير ، جون قرنق
24/ المصدر السابق ص76 & ص85 . لابد من ملاحظة ان منطلقات جون قرنق الماركسية فى التحليل تضعف اهتمامه بعنصر الثقافة وهو يدمجه – بوعى وبدون وعى – فى العامل الاقتصادى الاجتماعى .
25/ عن تركيا انظر : رضا هلال
26/ ترى الحركة الشعبية ان معظم سكان السودان من غير العرب – تقصد المستعربين – فهم اقلية لانها تطبق المعيار الاثنى بينما ترى مجموعات شمالية كبيرة ان معظم سكان السودان مسلمين ، فهم اغلبية ، وتطبق هذه المجموعات المعيار الدينى ، وترى الفصل بين الجنوبيين وبين غير المستعربيين فى شمال السودان بينما تذهب الحركة الشعبية الى العكس .
27/ حامد البشير ص38 ومابعدها
28/ شريف حرير ( بالانجليزية )
29/ ادم الزين فى رؤى ص33 ومابعدها
30/ ينكر عادة المناوئون للتيارات الاسلامية عداءهم لللاسلام ويتهمون هذه التيارات باستغلال الدين لمنافع خاصة .
31/ من ذلك الصراع الخفى بين الفلاتة والعرب فى وسط السودان واقليم النيل الازرق – كما فى غيرهما – وللتعرف على بعض نماذج حدة الخطاب فى هذا الصراع انظر : عبد الحميد رحمة . ويلاحظ ان هنالك بعض الاتجاهات وسط النخبة لتطوير ايدولوجيا استقطابية لم تجد اى صدى لدى الجماهير مع اهميتها فى اثارة الجدل وسط المجموعات الصفوية ذات الاهمية الخاصة فى التاثير على نظم الحكم ومجريات الامور – من ذلك ” ايدولوجيا الافريقانية ” – انظر : عبد الهادى صديق
المراجع :-
ابن خلدون – المقدمة – دار ومكتبة الهلال – بيروت 1991 م
آدم الزين – التغير فى المجتمع واثره على الصراع القبلى فى السودان – باشارة خاصة الى اقليم دارفور فى : ادم الزين & الطيب وادى – رؤى حول النزاعات القبلية فى السودان – معهد الدراسات الافريقية والاسيوية جامعة الخرطوم 1998 م
الامين ابو منقة محمد & يوسف الخليفة ابو بكر – اوضاع اللغة فى السودان – معهد الدراسات الافريقية والاسيوية جامعة الخرطوم 2006 م
الطيب حاج عطية ( محرر )- التعددية الثقافية والحرية والمواطنة – معهد ابحاث السلم ، جامعة الخرطوم 2007 م
الواثق كمير ( محرر ) – _ جون قرنق: رؤيتة للسودان الجديد واعادة بناء الدولة السودانية – رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة 2005م
حامد البشير ابراهيم – فى البحث عن الحكمة الغائبة والوعى المفقود : محاولة لفهم العلاقات القبلية وديناميات الحرب السلام فى جبال النوبة – مطبعة الحرية الخرطوم 2002 م
حسن مكى محمد احمد – الثقافة السنارية المغزى والمضمون – جامعة افريقيا العالمية – مركز البحوث والترجمة – الخرطوم بدون تاريخ
حسن مكى محمد احمد- التبشير المسيحى فى العاصمة المثلثة – دار هايل للطباعة والنشر والتوزيع والتغليف الخرطوم بدون تاريخ
حيدر ابراهيم على – الهوية والمواطنة فى الطيب حاج عطية – التعددية الثقافية والحرية والمواطنة – معهد ابحاث السلم ، جامعة الخرطوم 2007 م
رضا هلال – السيف والهلال – القاهرة بدون تاريخ
سبولدنغ & اوفاهى – ممالك السودان ( باللغة الانجليزية )
سيد حامد حريز & الفاتح عبد السلام ( محرران ) – العرقية والصراع والتكامل الوطنى فى السودان( بالانجليزية ) معهد الدراسات الافريقية والاسيوية جامعة الخرطوم 1989م
شريف حرير – القدامى والجدد : السياسة والعرقية فى مجتمع سودانى ( بالانجليزية ) – اوراق جامعة برغن فى الانثروبولوجيا الاجتماعية – برغن 1983 م
سعباس محمد مالك – العرب العباسيون فى السودان ” قبائل الجعليين ” – كذب وبطلان الزعم بالتعريب والامتزاج – دار الطابع الغربى – الخرطوم 1987 م
عبد الحميد رحمة محمد احمد – الفلاتة اسياد البلد – بدون مكان او تاريخ للنشر
عبد الهادى الصديق – السودان والافريقانية – مركز الدراسات الاستراتيجية – الخرطو 1997 م
عبد الله العربى – مفهوم الايديولوجيا – بيروت
ج . فانتينى – تاريخ المسيحية فى الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث – الخرطوم 1978م
كاثرين ميللر – الارض ، العرقية ، والشرعية السياسية فى شرق السودان – ( باللغة الانجليزية –سيدج & مركز الدراسات والبحوث الانمائية – جامعة الخرطوم – 2005 م
كمال عثمان صالح – التبشير والسياسة الاستعمارية فى جبال النوبة – فى مدثر عبد الرحيم ( محرر ) – الاسلام فى السودان بحوث مختارة من المؤتمر الاول لجماعة الفكر والثقافة الاسلامية – قاعة الصداقة الخرطوم 30/11/1982 م
كمال محمد جاه الله – الوضع اللغوى فى جبال النوبة – جامعة افريقيا العالمية الخرطوم 2005 م
محمد سعيد القدال – تاريخ السودان الحديث – دار جامعة الخرطوم للنشر الخرطوم
محمد سعيد القدال – السياسة الاقتصادية للدولة المهدية – دار جامعة الخرطوم للنشرالخرطوم
محمد صالح محى الدين – مشيخة العبدلاب واثرها فى حياة اهل السودان السياسية – الدار السودانية الخرطوم 1972م
محمد عمر بشير – التنوع والاقليمية والوحدة القومية – ترجمة سلوى مكاوى المركز الطباعى الخرطوم
محمد فوزى مصطفى – الثقافة العربية واثرها فى تماسك الوحدة القومية فى السودان المعاصر – دار الفكر بيروت / الدار السودانية الخرطوم – 1972م
مدثر عبد الرحيم الطيب – سياسة الادارة البريطانية والجمعيات التبشيرية المسيحية فى مديريات السودان الجنوبية فى مدثر عبد الرحيم ( محرر ) – الاسلام فى السودان – بحوث مختارة من المؤتمر الاول لجماعة الفكر والثقافة الاسلامية – قاعة الصداقة الخرطوم 30/11/1982 م
مكى شبيكة – السودان عبر القرون – بيروت
ناصر السيد – تاريخ السياسة والتعليم فى السودان – دار جامعة الخرطوم للنشر – الخرطوم ط2 1990م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.