دراسة في مسألة المنهجية العلمية للتفسير والتأويل

المنطلق الاجتماعي لأفكار الماوردي السياسية
30 أغسطس، 2016
الثورة الإسلامية في إيران
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
منطق المشكلات الزائفة
Pseudo- Problems
(دراسة في مسألة المنهجية العلمية للتفسير والتأويل)
د. وائل أحمد خليل
(أ‌)مقدمة:
إذا كانت دعوى الفلسفة التحليلية اللغوية بقيادة أقطابها (رسل) B.Russel و(فيتجنشتاين) L. Wittgenstein، وفلاسفة مدرسة أكسفورد ومن قبلهم فلاسفة مدرسة الوضعية المنطقية Logical Positivism، أنهم قد ذهبوا إلى وصف الكثير من مشكلات الفلسفة في ماضيها وحاضرها بأنها مشكلات وهمية أو زائفة؛ أي أنها ليست من قبيل المشكلات أصلاً؛ فإنه قد كان في ذات الوقت ما يدعم الاتجاه نحو التحليل اللغوي المنطقي كمنهج وحيد للفلسفة في مستقبلها بحجة أن لم يترك لها (العلم) سوى رصد ومراجعة مفاهيمه وإعادة ربطها في سبيل تكوين رؤية كونية شاملة World- view.
عليه، يمكن أن يقوم الادعاء من هذا أن حجية هذا الأمر مرهونة بشاهد التاريخ شرقاً وغرباً والذي مثَّل تحقيقاً عملياً قائماً لهذه المشكلات ونتائجها من جهة، ومن جهة أخرى مثّلت سبباً منشئاً وتبريراً لمثل هذا المنهج التحليلي بحجته القوية، حتى أن الإشكال قد انسحب على كافة أوجه البحث المعاصرة بما في ذلك فلسفة العلم Philosophy of Science.
(ب‌)مناهج التحليل المنطقي للغة وكشف المشكلات الزائفة:
بدأ منطق المشكلات الزائفة من الدعوى التي أقامها فلاسفة المنطق واللغة والعلم المعاصرين، وهي أن كثير من الأسئلة الفلسفية التي طُرحت على امتداد تاريخ الفكر الفلسفي هي من قبيل الأسئلة التي تقدّم مشكلات تستعصى على الحل الحاسم والنهائي، وهي تستعصى لا لأنها مشكلات صعبة ومعقّدة، بل لكونها ليست من قبيل المشكلات أصلاً، أي أنها مشكلات زائفة Pseudo Problems. وقد نشأت أصلاً عن سوء استخدامنا وفهمنا لمنطق لغتنا أياً كانت هذه اللغة(1). فالشاهد أن أي نوع من اللغات المتداولة لها إطار ضابط يحكم كيفية استخدامها. وسواء كان هذا الإطار الضابط هو مقابلة واقعية مع مجريات العلم الطبيعي بما فيه من خروج على إرادة الإنسان واختياره، أو أنه كان سياقاً اجتماعياً يفرض مجموعة من القواعد للاستخدام والفهم للغة وفق طريقة أو نمط معيّن للحياة. نقول سواء كان الأمر على هذا النحو أو ذاك، إلا أن القاسم المشترك بينهما هو (علم المنطق) Logic في عموميته بما فيه من أنساق مختلفة نوعياً بما يلائم خصوصية كل حالة. ولعل علم المنطق هذا في تطوّره الأخير قد تعددت في داخله الأنساق مثل منطق القيم –الثنائية Two- Valued logic ومنطق القيم –المتعددة (2)Many- Valued Logic . ومنها ما يختص بالمسائل العلمية مثل منطق ميكانيكا الكم (3)Quantum Mechanics. ولكنها جميعاً تصب في نهاية الأمر في فحص وضبط وتنظيم السياقات اللغوية العامة في بناء العلامات Signs من جهة دلالاتها ومعانيها Semantics أو من جهة بنائها وتركيبها Syntax أو من جهة تداولها واستخدامها Pragmatics.
وبالإشارة إلى هذه الأنظمة المنطقية تم لدى فلاسفة التحليل اللغوي فحص مسألة المشكلات الزائفة على اتجاهين أساسيين:
أحدهما هو الاتجاه الصوري Formalism والآخر هو الاتجاه اللاصوري informalism . تمثلت عناصر الاتجاه الأول بصورة أساسية لدى مدرستي (الذرية المنطقية) Logical Atomism مع (رسل) و(فيتجنشتاين)، و(الوضعية المنطقية) Logical Positivism مع (كارناب) R.Carnap و(اير) A. Ayer وغيرهم، إضافة إلى فلاسفة المنطق الرمزي/ الرياضي Mathematical / Symbolic logic المعاصر أمثال (هيلبرت) Hilbert و(كواين) Quine و(تارسكي) Tarski و(فريجه) Frege و(جودل) Giödel. وكان زبدة القول لدى هذا الاتجاه هو ضرورة إتباع ما عرف بمبدأ (الاقتصاد الأنطولوجي) Ontological Parsimony الذي تبناه بصفة خاصة (بيرتراند رسل) نقلاً عن (وليم أوكام) W.Ockham (1285- 1347)، فبالنسبة إلى هذا المصدر الأخير عُرف هذا المبدأ اصطلاحاً باسم (نصل أوكام) Ockham’s Razor ونصه:
” لا يجب مضاعفة الكائنات بغير ضرورة ”
Entia non Sunt Multiplicanda Praetor necessitatem.(4)
ومن قبيل استخدام هذا المبدأ في سياق الكشف عن المشكلات الزائفة هو أن ما لا يعتمد كموضوع حقيقي في الخبرة – وهو الموضوع الخاضع للشروط التجريبية- لا يمكن أن يكون عضواً ذا اعتبار في الحقل الدلالي للذهن البشري. والذي تعمل وفقاً له قوانين المنطق وأغراضه بمقتضى أن ما له معنى هو ما كان تحليلياً Analytic أو تركيبياً Synthetic مثل قضايا العلم الطبيعي والرياضي. أو بقول آخر، هي فئة القضايا التي تقبل الحكم بالصدق أو الكذب، وما عدا ذلك فهو خلو من المعنى Meaning less(5) .
وعلى هذا تم تأسيس الشكل القاعدي للتفكير على ما عُرف لديهم بمبحث (الميتا- منطق) Meta- Logic وهو نظرية لدراسة الأنساق Systems والتصورات Concerts في المنطق الصوري المعاصر، ويتجه البحث فيه نحو المشكلات النظرية المتعلقة بالبراهين Proofs والتصورات القابلة للتعيين والصدق في اللغات الصورية، والعبارة Dnterr Privation والمعنى Sense وما إلى ذلك. وينقسم مبحث (الميتا- منطق) بدوره إلى جزئين: السنتاكس المنطقي Logical Syntax والسيمانتكس المنطقي Logical Semantics وهما متعلقين بدراسة البناء الرياضي والدلالة المنطقية على الوقائع Facts في اللغات الصورية Formalized Language(6) هذا ما اعتقده أصحاب الاتجاه الصوري في معرض بنائهم (للغة مثالية) Ideal Language خالية من الخلط والخطأ واللبس والغموض التي تتضمنها اللغات العادية، فطالما أن معاني الروابط المنطقية (السنتاكس) واضحة يستطيع المناطقة تقرير القضايا (السيمانتكس) بوضوح أيضاً، وتكون قيم صدقها محددة ومتحررة من المضامين الميتافيزيائية. ويكون في مقدورهم صياغة أنساق من العبارات وبيان اتساق بعضها مع بعض. والشيء الأساس الذي كان يطمح إليه أصحاب هذا الاتجاه هو بناء العلم على أسس ثابتة وواضحة طالما أن عبارات العلم يمكن التعبير عنها عن طريق هذه اللغة المثالية أو اللغة الكاملة منطقياً والتي من أهم سماتها أنها تميز بين ما هو شكل حقيقي واقع يحل عبر الوسائط المنطقية- التجريبية، وبين ما هو شكل جدلي زائف لا يدور إلا في فلك الأغاليط اللغوية الميتافيزيائية والتي لا حل لها(7).
أما الاتجاه الثاني، وهو الاتجاه اللاصوري، فقد أقيم كاتجاه مناقض للاتجاه الأول بتأسيسه على مناصرة اللغة العادية. حيث كان انطلاقهم من قاعدة طرحها فيلسوف مدرسة أكسفورد Oxford (ستراوسن) Strawsan ونصها: ” أن قواعد منطق (أرسطو) وقواعد (رسل) لا تعطيان المنطق الدقيق لأي تعبير في اللغة العادية، لأن اللغة العادية ليس لها منطق دقيق(8). وهذا يعني في تفسيره الصحيح ليس إلغاء المنطق بالجملة وإنما الانتقال إلى مستوى آخر من مستويات الرؤية المنطقية بما يمثل معياراً ضابطاً للفهم والاستخدام المعنوي والدلالي للعلامات ولكن من داخل السياق اللغوي المعيّن وليس مفروضاً عليه من خارجه. فإذا كان الصوريون يقيمون مطالبتهم الفلسفية باللغة المثالية على الفروض التالية:
1.المعيار الأساسي الذي نحكم به على كفاية اللغة هو قدرتها على الوفاء بحاجات العلم.
2.لا يمكن ضمان التعبير بوصفه معقولاً إلا إذا قدمنا له توضيحاً أو تحليلاً لمعناه.
3.لا بد من أن يأخذ كل توضيح للتعبير صورة التعريف الدقيق الذي يكون تقريراً عن تكافؤ منطقي.
ويرد اللاصوريون على هذه الفروض بقولهم: أن اللغة تؤدي أغراضاً كثيرة لا تقل في أهميتها عن أغراض البحث العلمي. ويمكن اكتساب معرفة تامة لما يعنيه التعبير، بل بالأحرى معرفة معقوليته من غير معرفة تحليلية. إضافة إلى ذلك أنه إذا كان من الحق أن الوسائل الصورية سهلة الانقياد إلى المعاملة النسقية من جانب المنطقي، فيبقى من الحق أيضاً أن هناك حججاً واستدلالات كثيرة يأتي التعبير عنها في اللغة الطبيعية وليس في حدود الأدوات الصورية، ومع ذلك تكون استدلالات صحيحة (9)Valid.
ومن هذا الإطار ذهب رائد هذا الاتجاه (لدفيش فيتجنشتاين) Wittgenstein L. في فلسفته المتأخرة إلى وضع المقولات المفتاحية لضبط الفهم على ما يقال وما يمكن أن يقال؛ على اعتبار أن منشأ المشكلات الزائفة –في وجهة نظره- هو الاقتصار على النظر إلى الألفاظ من حيث ارتباطاتها الشاذة وغير المألوفة، وأنه لا سبيل إلى تجنب الوقوع في أمثال هذه الألاعيب اللفظية إلا بمعاودة فحص اللغة في استعمالاتها العادية، بدلاً من الانسياق وراء تلك المفارقات اللفظية التي طالما حفلت بها كتابات الفلاسفة(10).
ويتحقق هذا المعيار في كشف القواعد التواضعية Conventional Rules الحاكمة لكل حالة استخدام عادي للغة الطبيعية على نحو ما يتم في اللعبة Game. وهذه القواعد التواضعية إنما تستمد من أبسط أشكال الاستخدام التلقائي للغة وهو ما يعرف بلعبة –اللغة الأولية Primitive Language- Game، فأصبحت بذلك لعبة- اللغة نموذجاً Model ينتمي إليه كل استخدام تلقائي أو قصدي وفق الشرط الاجتماعي الذي يفرض وسيطاً تفاهمياً بين المتعاملين بهذه الطريقة في الاستخدام. وهذا بدوره يفترض وجود حقل دلالي واقعي يمثل سقفاً معرفياً يشترك فيه لزاماً هؤلاء المتعاملين(11) وهو ما أسماه (فيتجنشتاين) بالمشابهات العائلية Family Resemblances؛ أي أن فئات العلامات Sets of Signs تمثل عائلات طبيعية وكل منها تألف من تداخل وتقاطع التشابه. وعليه، فإذا كانت أسرة الأسماء –والتي تتصف بالتداخل والاشتقاق بعضها من بعض هي ليست من عائلات أو أسر طبيعية (تلقائية وأولية مثل اللغة المتعلمة في المهد) فسوف يكون النجاح في التعرف عليها ومعانيها ودلالاتها ومن ثم تسميتها هو دليلاً وإثباتاً لمجموعة من المميزات المشتركة التي تتطابق مع كل مجموعة أسماء نستخدمها.
وهذا من شأنه أن يساعد على مجاوزة المشكلات الزائفة التي يمكن الوقوع فيها نتيجة الاستخدام الشاذ لدلالات ومعاني العلامات بما يخرجها عن الإطار النهائي لحقلها الدلالي والذي توثقه المشابهات العائلية. كما أن في ذلك خدمة لما قد أسماه (كون) Th. Kuhn بالنموذج Paradigm المحول لمرحلة (علم شاذ) أو خارق لما هو مألوف ومتفق عليه إلى مرحلة علم سوى Normal Science تستقر فيه الدلالات والمعاني في سياقات منتظمة(12) تتحوّل فيها الصفات الكلامية إلى إجراءات وظيفية تؤدي أفعلاً عملية بالنسبة لمختلف طرق وأنماط الحياة فيما يمكن الحديث عنه بالنسبة لكل طريقة أو نمط..
وعليه، فإن التفضيل هنا يجنح نحو استخدام ما ذهب إليه الاتجاه اللاصوري –بنحو من كونه أدوات للتحليل- بصدد مراجعة وإظهار المشكلات الزائفة في تأويل النص القرآني، وخلق هذا التأويل لعلاقات جدلية زائفة تتوسط ما بين النص القرآني في فهمه وبين حقيقة ما عليه الناس من أمر.
ج/ حجية فحص المشكلات الزائفة بصدد نماذج من العقائد والعلم:
إن (المنطق) Logic بأنساقه التقليدية لم يعد هو إظهار صحيح الفكر من فاسده بنحو موضوعي مطلق ومحايد، بل هو الأداة Toole التي تستخدم بكيفية يمليها نسق فكري أو عقدي معيّن ليثبت بها ما يتسق معه في النظر إلى ما هو صحيح من الفكر وما هو فاسد.
وإشارة ذلك هي أن المشكلات Problems والمشكلات الزائفة Pseudo- Problems يكون الداعم لكلاهما في إقامة الحجة هو خاصية الأداتية التي تمثل علم المنطق بكل ما فيه من قياس وحساب قضايا وحساب محمولات وعلاقات ودوال وثوابت ومتغيرات. إذن فالمنطق هو سلاح ذو حدين؛ ويمكن لنا الإفادة منه بالحد الذي يحقق لدينا صفة (الضبط الدلالي) الذي يضع حيزاً فارقاً بين دائرة ما هو مشكل ودائرة ما هو مشكل زائف. وذلك يقتضي إشراك الدلالة الوظيفية بصورة أساسية بالنسبة لكل مجال من مجالات الاستخدام المنطقي. وعلى هذا الأساس يتم التمييز للمشكلات الحقة بأنها تساؤلات بكيفية في الاستخدام بتعامل المنطق معها لوضع إجابات عنها يتوقف عندها التساؤل وينتهي أو على الأقل لا يستمر. أما المشكلات الزائفة فإن كيفية استخدام المنطق بصددها لا يؤدي إلى وقف التساؤل بتقديم إجابات وحلول حاسمة عنها، بل يستمر التساؤل أو على الأقل يظل قائماً برغم ما يقدم عليها من إجابات متعددة.
وأبرز ميدان لتمثيل حجية هذا الأمر هو ميدان التأويل للنصوص القرآنية بإعمال العقل فيها ومظاهر ذلك عبر تاريخ الفكر الإسلامي منذ عهد المتكلمين وإلى يومنا هذا. ويمكن في هذا الصدد تعيين عدد من المسائل العقدية والعلمية المتضمنة لمشكلات زائفة. من هذه المسائل ما أحدثه (المتكلمون) من قول في صفات الله تعالى والذات الإلهية، فانقسموا بين مجسم ومشبه ومعطل وغير ذلك(13) وكذلك مجادلاتهم في قضية الجبر والاختيار والتي أفضت إلى معضلات كبرى ومعقّدة على مستويات الفعل الإنساني لم تحسم حتى الآن.
ومن المشكلات الزائفة مشكلة العلاقة الجدلية بين العقل والنص أفضت إلى أزمات فكرية ومذهبية أظهرت اختلافاً كبيراً في قراءة وفهم الأصول النصية بل والاستنباط منها والقياس عليها.
وهنالك أيضاً مسألة قدم وحدوث العالم من المشكلات الزائفة التي حق بصددها القول أنها كما الاختلاف بين نظر الفيلسوف ورسالة النبي؛ فالنبي لا يدعي لنفسه فضلاً بل يبلِّغ رسالة أُوحي إليه بها من الله تعالى. أما الفلاسفة فما يزالون مختلفين في مبحث الوجود حول ما إذا كانت ماهية وكليات الكائنات مفارقة عنها أو مباطنة فيها، ولكل حجته ومنطقه.
كل ذلك مما فتح الباب للادعاء بالحق والتفويض الإلهي في الإمامة والخلافة انتهاءاً إلى التحزب والتكفير وإشعال الحروب. هذا على مستوى النص والعقل والاعتقاد.

أما على مستوى الإنسان كذات وماهية. فقد سمح سوء استخدام المنطق بإدخال تصورات تشكيكية على نحو ما حدث عند انتشار المد الوجودي Existentialism بتساؤلاته الإرتيابية نحو العالم الإسلامي نقلاً عن أوروبا المتأثرة بنتائج الحربين العالميتين في مطلع ومنتصف القرن العشرين. وكان من ضمن الأطروحات التشكيكية الوجودية تلك السؤال عن (العدم) Nothingness كماهية وجعله صفة للحياة والفعل بما يقود إلى السؤال الكبير عن حال الإنسان عند البعث وحياة العالم الأخروي. فالشاهد لديهم أن جوهر الإنسان هو حرية الاختيار بين البدائل، والدليل الوجودي على ذلك كون الإنسان يخطيء ويصيب؛ فمع كل صواب يحتمل الخطأ ومع كل خطأ يحتمل الصواب يتعاظم إحساس الإنسان بقيمة ومعنى وجوده. أما في العالم الأخروي وليكن (الجنة) بكل نعيمها إلا أنها تمثل منتهى عذاب الإنسان وألمه الوجودي، وذلك أن قيمة قدرة فعل (الشر) لديه وامتناعه عنه بمحض إرادته واختياره سوف تنتهي قصراً في ذلك العالم الآخر؛ إذ لا يمكن للإنسان في الجنة أن يأتي باختيار لفعل الشر؛ أي أنه مسيِّر ومقهور إلى فعل الخير وحسب. بينما في الدنيا التي يعيشها الإنسان هو مختار في أن يفعل أو لا يفعل، وهذا الاختيار هو الجوهر الأصيل للإنسان. فيدخلون الأمر بذلك في حيز البرهان المنطقي عبر قياس إحراجي مؤداه أن الاستدلال ينحصر في افتراضين كلاهما يؤدي بالضرورة إلى ذات النتيجة – فإما أن يموت الإنسان ثم يبعث على حاله وبشريته وحقيقة ماهيته المشروطة بالقدرة الحرة على إثبات الخير أو إثبات الشر، فلا يستطيع أن يوافق بفطرته هذه مقتضى الحياة الأخروية التي تفرض طريقاً أحادياً لا اختيار له أو فيه. فيكون الإنسان بذلك في أقصى العذاب وهو الألم الوجودي بالإحساس بفقدان قيمة الذات وجوهرها. كما أنه ليس من ثمة موت آخر في ذاك العالم ليرتاح به؛ إذ ليس لديه حق اختيار الانتحار وإنهاء الحياة بيديه وبمحض إرادته. بل ويفضل عنه بذلك الذي أدخل جهنم حيث ينشغل فيها بالألم الجسدي جراء حريق النار على جلده عن إحساسه بالألم النفسي بفقدانه قيمة ذاته.
وإما –وهو الافتراض الاستدلالي الآخر- أن يحدث تحول ماهوي في حقيقة الإنسان وفطرته حين البعث، ليكون بذلك من بعث بعد الموت للعالم الأخروي هو شخص آخر غير ذاك الذي عاش حياة الدنيا ومات، هو شخص ملائم بجوهره وماهيته وطبيعته لحياة العالم الأخروي، وأما ذاك الأول فيكون قد مات وفني إلى الأبد ولن يعود، وكلا الافتراضين في القياس نتيجته سالبة وتحث على الإغراق في الحياة الدنيا باعتبارها المجال الوحيد –في رأيهم- الضامن لإحساس الإنسان بقيمة ذاته.
وهنالك أيضاً المشكلات الزائفة في مستوى قضايا فلسفة العلم Philosophy of Science ومنهجية البحث العلمي المتصلة بمصادر الوحي ونصوصه. ومن ذلك السؤال حول مدى الإسهام العلمي للنص القرآني، وهل القرآن كتاب علم أم كتاب هداية؟ ثم ما ترتب على ذلك من اتجاه نحو افتراض التأسيس المقاصدي – من المقاصد وفق (الشاطبي) أو (ابن عاشور) أو غيرهم- كإطار منهجي للبحث العلمي في إسلام العلوم.
وفي مجال الرد على تلك المشكلات الزائفة وإثبات زيفها وتجريدها من كونها مشكلة حقيقية يمكن اعتماد المباديء المنطقية أو القواعدية التالية:
أولاً: استخدام قواعد المنطق ليس في مستوى التجريد الصوري المطلق، وإنما مراعاة استخدامها على مستويات متعددة الدلالة للعلامات والثوابت والمتغيرات حسب مقتضى المجال موضوع البحث على نحو فكرة الألعاب – اللغوية التي قدمها (فيتجنشتاين).
ثانياً: اعتماد مستويات الدلالة لمجالات البحث وفق القياسات والحسابات القصوية Propositional والمحمولات الكمية Quantificational المنطقية إلا باعتبارها مستويات وظيفية يترتب عليها إجراءات أدائية لتطوير المجال بكليته وفي اتساق مع باقي المجالات وفق رؤية كونية شاملة World- View أي تحقيق العمران.
ثالثاً: تحديد وحصر الرسم الواقعي للقضايا بحيث لا ينسحب مقتضى الشاهد على الغائب بإطلاق، إلا ما ورد استثناءاً بنص قاطع.
رابعاً: التعامل مع نصوص الغيبيات القاطعة مثل ذات الله تعالى ومشاهد العالم الأخروي باعتبارها ليست نصوصاً للتأويل والفهم، بل باعتبارها نصوصاً تؤدي دوراً وظيفياً في إكمال وإتمام النسق القرآني في جملة سياقاته وكليته وإعجازه دون أن يكون من شأنها فصلها عن هذا السياق الكلي وإفراد لها المعنى بذاتها أو ما يقابلها من عناصر مجال مغاير عنها وهو (الكون). فهنا يظهر الإشكال والتساؤل الذي لا ينتهي عن المعنى فيكون زيفاً وليس إشكالاً؛ أي أمر قابلاً للفض والحل والفصل فيه والإجابة عنه.
عليه؛
فإن ما يتعلق بمشكلة الجبر والاختيار –على سبيل المثال- هو إمكان كشف عدم كونها مشكلة أصلاً؛ أي مشكلة زائفة. وذلك بتحويلها إلى الإجراء الوظيفي الخالي من السؤال عن هذه المسألة، فنجد أن من يصاب بحالة من الجوع الشديد إنما يسعى تلقائياً بشتى الطرق للحصول على طعام، وعندما يجده لا يتردد في تناوله دون التوقف ليسأل ماذا كان هو مسيَّر في ذلك أم مخيَّر. إذن فذلك الأمر يترك لحدود ما اخبرنا به الله تعالى عنه أن الإنسان مسئول عن فعله، ليحل بذلك مصطلح المسائلة والمسئولية بدلاً عن الجبر والاختيار. وشاهد ذلك ان حيز استخدام اصطلاح الجبر والاختيار إنما هو في حدود الإنسان للإنسان. وفي ذلك الجدل حول أنظمة الحكم والأداة وتقسيم الحقوق والواجبات والثروات إلى غير ذلك.
بينما لا يصبح السؤال مشكل عن جبر واختيار أصلاً فيما بين الله تعالى والإنسان. وحجة ذلك أن الحد الأول معلوم للإنسان، اما الحد الثاني فمعلوم طرف الإنسان فيه، أما الطرف الآخر وهو الله تعالى فليس كمثله شيء لتعرف به ذاته. لذا فالسؤال في الحد الثاني هو من قبيل إخراج العلامة Sign وعلاقاتها عن حقلها الدلالي؛ أي السقف الذي يحدها وتنتهي عنده مما يحدث بعد ذلك استمرارية السؤال دون أمل في إجابة قاطعة.
أما فيما ورد عن علاقة العقل بالنص ومدى حاكمية أحدهما على الآخر؛ فإن الجدل في هذا لن ينتهي إلا بإحداث الضبط المعنوي والدلالي لكل علامة منهما من خلال الخاصية الوظيفية لكلٍ. وبيان ذلك أن (العقل) هو ليس نسقاً System يوضع بجانب أنساقٍ أخرى ومنها (النص)، وإنما هو حصيلة من الأدوات Tools ؛ أي أنه محض فاعليه Activity. فلا مجال، إذن، للاشتراك الدلالي بين مفهوم (العقل) كفاعلية وأداة، وبين مفهوم (النص) كنسق وسياق Context(14) إذ أن تصوّر الاشتراك الدلالي هو أحد مسببات طرح السؤال الزائف حول حاكمية بل هو أمر تفاعل واتصال ومعياره صحة الفهم أو سوء الفهم.
أما عن الحجة الوجودية، فيمكن الرد عليها بذات الحجة الوجودية. فأولاً لا يكون (العدم) إلا مردوداً لغوياً لكلمة (الوجود) وليس له ماهية بذاته إلا بكونه سلباً للوجود. (فالوجود) هو فقط ما يمكن أن أشير إليه كعيان محقق مدلولاً عليه بلفظة (يكون) To be، أما (العدم) فلا يمكن الإشارة إليه أصلاً ناهيك عن التناقض المنطقي عند الإشارة إليه (بالعدم يكون …). إذن فالعدم مجرد سحب لصفة وخاصة الكينونة لدى الكائنات To be nothing ولا يكون بذاته كائناً.
وثانياً، فمن الثابت حتى على مستوى المشاهدة العادية اليومية أن الإنسان يكتشف في ذاته مع كل حدث جديد يتعرّض له ما لم يكن يعلم عنها. وهكذا تنمو خبرة الإنسان بذاته مع نمو خبرته بالعالم من حوله. والإنسان لا يدري ولا يمكنه التنبؤ بمدى ما يمكن أن تبلغه قدراته مع حالة الخوف الشديد أو الغضب الشديد، أو إلى ما يمكن أن يصير إليه حاله بعد خضوعه لتمارين رياضية مكثّفة لعدد من السنوات سواء كانت رياضات روحية مثل (اليوجا) أو رياضات بدنية مثل (الجمباز) أو (رفع الأثقال). وعليه فإن ذلك المجهول الذي ما زال مخذوناً داخل الإنسان ولا يعلم هو عنه مداه، هو ما حدا بأشهر فلاسفة الفكر الوجودي الأكاديميين (مارتن هايدجر) Heidgger M. إلى التعبير عن حالة اكتشاف الإنسان المستمرة لذاته مع تجدد المواقف والأحداث بأن الإنسان هو مشروع دائم ومستمر لا يتوقف أو يكتمل إلا بموته، وهو ما أسماه (دا – زاين) Da- Sein بالألمانية؛ أي (الوجود- هناك) فعندما ينتقل الإنسان خطوة نحو هذا الـ (هناك) يكتشف أن وراءه (هناك) أخرى(15) وبذات المنطق لا يكون بمستغرب ولا بمشكل أن معرفة الإنسان وكشفه عن العالم الأخروي كحدث جديد بما فيه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، هو في نفس الآن كشف جديد ومعرفة جديدة لذاته وقدراته وردود أفعاله وإمكاناته التي لم يكن يعلمها عن نفسه من قبل. وهذا يؤكد أن التجارب بانواعها –وليس بالنوع المادي فقط- هي ما يولد المعارف لدى الإنسان عن عالمه وعن نفسه في ذات الوقت. الإشارة في هذا إلى قوله تعالى:
” والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ” (النحل:78)
” وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ” (الكهف: 68).
وكذلك النحو عندما نتحدث عن إشكالية العلاقة بين العلم والوحي (القرآن الكريم والسنة النبوية)، وضرورة التأسيس المقاصدي للبحث العلمي؛ فإن كشف زيف الإشكال هنا يعتمد على جانبين:
أولاً: أن هنالك نوعين لمنطق الكشف العلمي المتعلق بالقرآن الكريم. أولهما، ما يمكن الاصطلاح عليه بالكشف العلمي بالقرآن؛ ويقصد به الخاصية الوصفية أو الإشارات والدلائل الوصفية الواردة في النصوص القرآنية بصدد الحقائق الكونية، ويحدد هذا بالإشارات والدلائل الوصفية على اعتبار أن الحقائق الكونية في القرآن الكريم هي جزء من كل لنسق أو نظام كامل. والمهم في هذا الأمر أن ما يفاد من هذه الإشارات والدلائل الوصفية هو التركيز على دور القرآن في إدارة العلم وليس الكشف عنه فقط. وثانيهما، هو ما يمكن الاصطلاح عليه بالكشف العلمي للقرأن؛ ويقصد به كشف الخواص الإجرائية للحقيقة القرآنية في ذاتها وكيفيات استخدامها، وهو ما يمكن التعبير عنه بالتفاعل الكوني للنص/ الوجود، ومن قبيل ذلك ضبط أنظمة الاتزان عند قراءة القرآن وفق حقل الطاقة المتميز للسياق القرآني، وكذلك عمليات الاستشفاء والوقاية وما نحو ذلك. ومرجع ذلك إلى أن إعجاز القرآن الكريم إنما يكمن بصورة أساسية في التحدي للإتيان بمثله وهذا ليس قائماً على مستوى المفردات، إذ أن مفردات وعلامات القرآن هي ذاتها مفردات وعلامات اللغة العربية المتداولة في الحياة العادية للناطقين بها، وإنما هو قائم على مستوى السياقات التي ترد فيها هذه المفردات والعلامات؛ فالسياقات القرآنية هي المتميزة وهي التي تحمل أعلى درجات حقول الطاقة وضبط الطاقة وليس المفردات.
ثانياً: اعتماد التأسيس المقاصدي كإطار منهجي للبحث العلمي في إسلام العلوم قد ادى إلى ظهور مشكلة زائفة بصدد الاستنباط للفروض العلمية من القرآن الكريم بما يمكن أن يطور ويضبط البحث العلمي. وتمثلت هذه المشكلة في أن افتراض المقاصد لم يؤد إلى تحقيق ذلك الاستنباط بسبب أن نظرية أو نظريات المقاصد قد مثلت نظرية وسيطة بين النص القرآني والحقيقة العلمية على نحو أنها الرابط بينهما. ولكن افتراض هذه النظريات الوسيطة من شأنها أن تجتذب وتدير حولها كل المشروع البحثي فلا يصل البحث لا إلى النص ولا إلى العلم، فإزالة هذا الإشكال الزائف إذن لا يكون إلا بافتراض توسيط أدوات منهجية تحليلية وقواعد إجرائية لمعالجة العلم في النص بنحو مباشر، بدلاً عن افتراض (نظرية) Theory تختزل في داخلها المعالجة البحثية التحليلية دون إثبات الحقيقة العلمية للنص. وذلك بحسبان أن مفهوم (النظرية) يقوم على كونها إطار تفسيري رابط لعدد من القوانين أو القواعد المتحققة دون أن يكون هو متحققاً بذاته وإنما هو أقرب إلى حالة (الباراديم) Paradigm وفقاً للمعنى الذي قدّمه (كون).
د/ خلاصة:
1.إن المراجعة التاريخية للمشكلات الزائفة يثبت أنها بالغة الخطورة لما يبني عليها من اعتقاد قد أدى ويؤدي إلى فساد الفعل في الواقع بدءاً من الرفض والخروج وحتى قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق.
2.قد لا يخلو افتراض ومعرفة المشكلات الزائفة من فائدة منهجية بكونها ثغرات فكرية سالبة يحدد الكشف عنها حدود ما يمكن أن يكون موجباً وظيفياً، وما هو الذي يمثل الإطار الحاسم للحقل الدلالي للعلامات وفق كيفيات استخدامها.
3.إن المشكلات الزائفة يمكن أن تكون قطعية مطلقة مثل التفكر في ذات الله تعالى. ويمكن أن تكون نسبية مؤقتة؛ أي محدودة بحدود زمانية ومكانية معينة بكونها فقط غير منتجة وظيفياً بما يفيد العمران في مرحلة ما. ولكن ذلك لا يمنع إمكان تحولها عن كونها إشكال زائف في مرحلة لاحقة أو وفق حدود أخرى.
المراجـع:
(1) راجع:
Ludwig Wittgenstein- Philosophical Investigations- Translated by: G.E.M. Anscombe, Basil Black Well, Oxford,1953, S.126, P.50.
(2) راجع:
Robert Ackomann- An introduction to many – Valued Logics- Routledge & Kegan Paul Ltd, London, 1967, PP.21- 23.
(3) راجع:
Hilary Putnam- Three- Valued logic- Philosophical Studies, 8, 1957, P. 74
(4) راجع:
محمد مهران، فلسفة بيرتراند رسل- دار المعارف، القاهرة، ط2، 1975، ص355.
(5) راجع:
A.F. Ayer- Language, Truth and Logic- Dover Publications, New York, 1962, PP.2-9.
(6) راجع:
Dictionary of Philosophy – Edited in:
I. Frolor, Progress Publisher, 1984, PP. 266- 267.
(7) راجع:
صلاح إسماعيل –النظرية القصدية في المعنى عند جرايس- حوليات الأدب والعلوم الاجتماعية، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، الحولية 25، يونيو 2005، ص86.
(8) راجع:
P.F. Strawsan- Logic – Lingwstic Papers- London, Methuen & Coltd, P.27.
(9) راجع:
إسماعيل صلاح – النظرية القصدية في المعنى عند جرايس – ص86.
(10) راجع:
زكريا إبراهيم- دراسات في الفلسفة المعاصرة- مكتبة مصر، القاهرة، ط1، 1968، ص276.
(11) راجع:
Brende Almond- Exploring Philosophy- BlackWell, 2201., 1995, pp.143- 144.
(12) راجع:
Thomas S. Kuhn- The Structure of Scientific Revolutions S- The University of Chicago Press, 1969, pp. 43- 46.
(13) راجع:
جمال المرزوقي- دراسات في علم الكلام والفلسفة الإسلامية – دار الآفاق العربية، ط1، 2007، ص19- 22.
(14) راجع:
وائل احمد خليل- نحو قواعد منهجية للتنوير المعاصر، تصوّر في المسألة العلمية بالقرآن الكريم- مركز التنوير المعرفي، العدد الأول، فبراير 2006م، ص159- 163.
(15) راجع:
Martin Hedgger – Being and Time.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.