ورشة: مفاهيم الحرية :دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين

الثورة الإسلامية في إيران
30 أغسطس، 2016
التعددية في العالم العربي: المفارقة بين الواقع الثقافي والممارسات السياسية
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
مركز التنوير المعرفي
ورشة: مفاهيم الحرية
دراسة لآراء د. عبد المجيد النجار
حول: دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين
د. حمد عمر حاوي
يتناول كتاب د. عبد المجيد النجار: دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين الذي نشره المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1992م موضوعين في غاية الأهمية للمسلمين في الوقت الراهن، وهما قضيتي غياب حرية الرأي والتفرق والتشتت. فحرية الرأي من القضايا التي اتفقت على أهميتها جميع الأديان والفكر السياسي الوضعي، وفي الإسلام يرى د. طه جابر العلواني في تقديمه لكتاب د. النجار أن (التحرر هو جوهر رسالة الإسلام ومحور عقائده وشرائعه، وهي خصيصة أدركها المضطهدون والمعذبون والمستضعفون في الأرض، فأقبلوا عليها بكل عقوهم وقلوبهم وكانوا من حملة رسالة الإسلام الأولين. كما أدرك ذلك المستكبرون الجبارون فرفضوا هذه الرسالة وقاوموها ووضعوا شتى العراقيل بوجهها) (النجار: 9)، كما أن الإيمان بالدين الإسلامي يعتبر وسيلة تحرر كبرى للعقل من سائر الأوهام والطيرة والخرافة والظن.
أما حرية الرأي والتعبير عنه، فلم يجعلها الدين الإسلامي مجرد حق، للإنسان أن يطالب به أو يتنازل عنه، بل هي واجب عليه وفريضة وأمانة، وهي الركن الذي اعتبره الكثير من العلماء سادس أركان الإسلام. رغم ذلك إلا أننا نجد أن واقع الأمة الإسلامية يسير على القهر والاستبداد منذ عهد معاوية بن أبي سفيان وحتى الآن، فمعاوية استخدم القوة ضد الخليفة المبايع عل بن أبي طالب، كما أستخدم الأمويون الخديعة في موقعة صفين لشق صفوف جيش على.
بعد اغتيال على بواسطة الخوارج دان الأمر لمعاوية، وهو الذي سعى لاحقاً لتنصيب ابنه يزيد من بعده مستخدماً القهر والغلبة، وقد سارت كل الخلافة الأموية على نموذج القوة والتوارث، كما تبنى الأمويون نظرية الجبر ضد مخالفيهم في الرأي.
العباسيون أيضاً لم يغيروا نظام الغلبة والتوارث هذا حتى قضى عليهم التتار. أما العثمانيون فقد كانوا أهل عسكرة وجيوش ولم يؤسسوا نظاماً للحرية، وحملوا الناس على مذهب فكري واحد.
الاستبداد وقمع الرأي المخالف صبغ الجزء الغالب من التاريخ الإسلامي حتى أصبح جزءاً من الثقافة، يقول د. العلواني: (وإذا بالرأي يتحول عند الخلف إلى بدعة وجريمة وانحراف واعتزال وخروج عن السنة … وأعتبر ضلالة يجب تحذير الناس منها، وذريعة يجب سدها لئلا تنفتح على الأمة أبواب من الشر) (النجار: 15) وقد حول الطغاة النظام القضائي إلى وسيلة قهر ضد المخالفين، فربما قتلوا باسم الردة والحرابة بعض المعارضين، ووصموا الكثير من خصومهم السياسيين بمخالفة الشرع والخروج على الدين لتيسير أمر حرمان المعارض من عطف الأمة وحمايتها) (النجار: 18) الطغاة المعاصرين ومؤيديهم قال العلواني أنهم اعتادوا النظر إلى الأمة على أنها ذلك القاصر أو الطفل اليتيم الذي لا يعرف ما يصلحه أو يفسده، ولذلك فلا بد للأمة من ولي يدير لها أمرها، ويرعى شؤونها، وقد تطوع المستبدون للقيام بهذه الولاية والوصاية (النجار: 13).
أما فيما يتعلق بواقع المسلمين من ناحية التفرق والتمذهب فقد وصف الكتاب مظاهر الفرقة هذه بقوله ( فالأمة الإسلامية تشقها فرقة ثقافية عامة، تظهر في مستوى المعرفة النظرية، كما تظهر في أنماط السلوك العملي. فعلى المستوى الأول تتميز في الأمة ثقافتان متنافرتان: ثقافة تنشد إلى الماضي التراثي، وتتخذ منه مصدراً وحيداً للمعرفة أو يكاد، فإذا هي معرفة ماضوية مبتوتة عن المشاكل الراهنة للمسلمين، متنكبة عن الكسب الإنساني من المعرفة الكونية المساعدة على حل تلك المشاكل. وثقافة تشد إلى الكسب المعرفي لثقافة الغرب، وتتخذ منه مصدراً وحيداً أو يكاد للمعرفة، فإذا هي معرفة مبتوتة عن الأصول الدينية والتراثية للأمة، غريبة عن طموحاتها في بناء الحياة، واستعادة الفعل الحضاري المتميز. وفي المستوى الثاني تختلف مظاهر الحياة الإسلامية وأساليبها بين نمط تقليدي يقوم على بقايا من الموروث، ويستند إلى القيم الإسلامية في شيء من سوء الفهم أحياناً كثيرة، وبين نمط مجلوب من حضارة الغرب، نسخ نسخاً رديئاً في كثير من الأحيان أيضاً.
وتشقها فرقة مذهبية في العقيدة والفقه، استصحبت من الماضي خصومات ربما كانت لها مبررات واقعية، ولكن الزمن عفى على تلك المبررات فلم تبقى الخصومات ذات موضوع، بل ربما استصحبت من الماضي أوزاراً اقترفها بعض الأسبقين بسوء نية أو بسوء تقدير، فظلت تلاحق الأجيال، وتفعل اليوم فعلها في الفرقة. ولك أن تتبين ذلك في الفرقة المذهبية بين سنة وشيعة، وبين سنة وإباضية، وبين سلفية وأشعرية) (النجار: 68)
هذان قضيتان مهمتان وتشلان فاعلية المسلمين اليوم، وأن إيجاد الحلول لهما يساعد في نهضة المسلمين، وهذا نتفق فيه مع الكاتب. ونتفق معه في أن الاستبداد يمكن أن يكون له دور في التفرق الحالي للمسلمين، ولكن هل صحيح أن حرية الرأي تقود إلى الوحدة الفكرية أو الثقافية أو المذهبية؟
معلوم أن حرية الرأي تقود إلى (تعددية) فكرية وثقافية وليست إلى وحدة، بل أن الوحدة الفكرية ليست مطلوبة أصلاً وليست ضرورية بقدر ما يهم إيجاد منهجية لإدارة التعدد والاختلاف، بالتالي تكون الحاجة إلى قدر من الاعتراف بالرأي الآخر والتعددية والتسامح، وهذه قضايا كبيرة تهم المسلمين وتعتبر سبباً كبيراً لتفرقهم. إتاحة حرية الرأي مهمة لمعالجة المشكلات الراهنة، أما الوحدة الفكرية فهي مهمة ولكنها ليست ضرورية، أما السعي لإيجاد دور لحرية الرأي في الوحدة الفكرية فهو –برأيي- جمع لا حاجة له. أما إذا كان الكاتب يقصد أن الشعوب الإسلامية الآن مسلوبة ومكبوتة الإرادة لأنه يتحدث باسمها ونيابةً عنها حكام طغاة وحركات إسلامية وهيئات أخري ودول لها مصالح مختلفة، بالتالي فهي تختلف مع بعضها البعض مما يقود إلى هذا الاختلاف والتنافر الظاهر بين المسلمين، بالتالي فإن إتاحة حرية الرأي للشعوب الإسلامية يمكنها من التلاقي والاتفاق والعمل المشترك، فيمكن أن نتفق معه، على اعتبار أن هذا التنافر موجود على مستوى الدول والأنظمة الحاكمة فقط، أما على مستوي الشعوب فهناك اتفاق على القضايا الملحة مثل الموقف من القضية الفلسطينية والانكسار للأجنبي والتبعية وغيرها من القضايا. وقد حاول الكتاب الاستشهاد بأنه وبالتأمل في أحوال الشعوب نتبيّن أن أكثرها حريةً في الرأي السياسي هو أقواها وحدةً سياسية (ص83)، لكن يمكننا أن نقول أن أكثرها حريةً في الرأي هي الأقوى سياسياً وليست وحدةً سياسية. مثلاً الولايات المتحدة قوية سياسياً وليست وحدةً، بل بها تعددية واختلافات.
إن تحميل غياب حرية الرأي (بالتالي السلطات الحاكمة وحدها) أوزار التخلف التي يشهدها واقع المسلمين فيه إغفال لعوامل أخري كثيرة، حتى بالنسبة لد.طه جابر العلواني الذي قدم للكتاب قال إن المسؤول عن تلك الشرور هو ثلاثة أشياء: استبداد الطغاة وعجز العلماء وجهل أبناء الأمة (ص 15)، صحيح أن لاستبداد أنظمة الحكم دور كبير في تفريق الأمة، ولكن المشكلة لا تقتصر فقط على أنظمة الحكم المستبدة، مقدم الكتاب يتساءل في ص 14 (كيف يمكن أن يولد الرأي الناضج في أمة سخرت إمكاناتها -كلها- لمحاصرة العقل وتحقير شأنه، والتضييق على الذهن، والسخرية بالفكر، وتكريس وخلق أسباب التقليد والتبعية، ولم يقتصر ذلك على الأنظمة، بل سري للأحزاب والفئات والتنظيمات والحركات والجمعيات … فحتى التنظيمات والتجمعات الإسلامية لم تسلم من عمليات التضييق على الرأي الآخر أو رفضه ومصادرته وفصل صاحبه من التنظيم)، فالكثير من الحركات الإسلامية تشبه التنظيم العسكري وتقوم على طاعة الأمير المبايع أو أمير الحركة.
يمتد الأمر للمجتمع بأسره (فرب الأسرة هو السيد المطاع) ص 14 وكذلك أمير القبيلة وشيخ الطريقة…الخ، والنتيجة بعد ذلك متوقعة، يقول العلواني (وهكذا تغلغل الاستبداد ورفض الرأي الآخر، بل استئصاله من جذوره، ومنع تكونه في كيان المجتمع وسائر خلاياه حتى تكرست في الأمة عقلية العوام، وطبيعة القطيع، ونفسية العبيد) (النجار 15). ويذهب العلواني -في عبارة صريحة ومباشرة- إلى أن استبداد الطغاة هذا (ساعدهم عليه فصائل من مداهني العلماء الذين لم يورثهم العلم من خشية الله تعالي ما يحول بينهم وبين الركون إلى الظالمين وتزيين الظلم لهم، ولى أعناق النصوص القرآنية والأحاديث النبوية إلى حد الكسر لينفسح المجال أمام الاستبداد والمستبدين) (النجار 17)، ويتساءل: (ترى لو أدى العلماء والمفكرون والكتاب والمربون واجبا تهم وقاوموا الفسق وأشاعوا التقوى، هل استطاع هؤلاء الطغاة أن يستخفوا الأمة ويطمسوا على عقولها ويجرجروها إلى هلاكها؟ لا وألف لا) (النجار 19). فالعلماء مقصرون، وأنهم إما تحولوا إلى أبواق للسلطان، أو أنهم فروا إلى فقه العبادات والطهارة التي تجلب لهم شيء من التقديس، وتخلوا عن الشؤون العامة التي تؤدى إلى مصادمة السلطة، لقد أشار العلواني نفسه إلى ذلك في قوله: (ليت علماء الأمة ومفكريها وكتابها وخطبائها ودعاتها حرصوا على تعليم الأمة حقوقها وواجباتها ومداخل الخير والشر إلى كيانها حرصهم على تعليم وتبيين تفاصيل الطهارة وهيئات الصلاة)(ص20)، وذهب يعدد من فقه المعاملات وشؤون الحياة المعاصرة الكثير حيث يقول: ليتهم علموهم أن تعظيم من لا يعظم شعائر الله وتأييده والهتاف له وخدمته ظلم، وأن تبديد ثروات الأمة جريمة، وأن إيثار أعداء الأمة بخيراتها جريمة، وأن حجز إنسان دون ذنب جريمة، وأن منع إنسان من التعبير عن رأيه في أي شأن من الشؤون العامة جريمة، وأن اعتداء أي جهاز من أجهزة السلطة على حرية أو كرامة مواطن جريمة، وأن دفع أموال الأمة مرتبات ومكافئات للذين يتجسسون على الأمة ويتسقطون أخبارها تبديد وإسراف وتبذير، وأن المكافئات التي يتقاضاها أعوان الظالمين لقاء مساعدتهم على الظلم سحت حرام … لو حدث مثل هذا لتردد الظلمة أو بعضهم على الأقل أو أعوانهم عن ممارسة المظالم، ولتردد الكثيرون من أن يعملوا أعواناً وأدوات للظالمين (ص ص 20-21).
أما المسؤول الثالث عن حال المسلمين هذا فهو جهل أبنائها عامتهم وفقاً للعلواني، إذ يقول: (فما يخدع الطغاة شيء مثل ما تخدعهم غفلة الجماهير وطاعتها وانقيادها: فما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوةً ولا سلطاناً، إنما هي الجماهير الغافلة الذلول… تحني له رؤوسها فيستعلى، وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى… ولا يمكن أن يطغى فرد أو مجموعة أفراد في أمة كريمة أبداً) (الصفحات 18-19).
هذه قضايا على قدر كبير من الأهمية (دور العلماء، واجبات الأمة…)، ويحمد لهذا الكتاب أنه قد أثارها وفتح باب الحوار والبحث والمناقشة حول هذا الموضوع –ليس بالضرورة أن نتفق معه أو نختلف حول بعض التفاصيل، هذه الملاحظات أو الاختلافات الفرعية لا تلغي الاتفاق مع الكاتب حول الكليات وأولها (أهمية حرية الرأي)، مع ذلك يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
1/ ملاحظات حول مفهوم حرية الرأي

يرى د. النجار أن المسلم مسؤول مسؤولية عينية عن مصلحة المسلمين وفقاً للحديث الشريف (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) أخرجه مسلم، بالتالي يصبح إبداء الرأي من المسلم مسؤولية واجبة بحكم لزومها للرعاية الواجبة. (النجار: 23) وكأنه يقصر الحرية على حرية المسلم في إبداء الرأي في شؤون الأمة العامة. أنا أرى أنه ينبغي أن يتسع مفهوم الحرية إلى ما هو أكثر من ذلك: مثلاً حرية الفرد في تقرير شؤونه الخاصة، وحريته في تقرير معتقده…ألخ، فالحرية تدرس في إطار من الشمول، وينبغي عدم قصرها على حرية الشخص في إبداء رأيه في إبداء رأيه في شؤون الأمة فقط.
أيضاً ما المقصود بالحرية (المفهوم نفسه)؟ لم يتطرق له الكاتب، فالكثير من (طغاتنا) في العالم الإسلامي والعربي يدّعون أنهم يمارسون الحرية، فيقيمون انتخابات، ويترشحون فيها وحدهم ويفوزون فيها بنسبة 99% وقد يكون هذا حقيقي وواقع وليست تزويراً، لأن الأمة لا تتفاعل مع مثل هذه الانتخابات فلا تصوّت إلا حاشية الحاكم، وأنه لن يترشح معه أحد لعلمه بالمصير الذي يمكن أن يحوق به إن هو فعل ذلك. فما هو رأي العلماء المسلمين وما هو موقفهم؟ كارل ماركس مثلاً قال أن الحرية هي ليست مجرد انتفاء القيود، بل هي القدرة على الاختيار أو حرية الإرادة، فإذا كان الشخص يستطيع أن يفعل أو أن لا يفعل فهو حر، أما إن كان مضطراً، أو أنه لا يملك إلا أن يفعل فهو ليس حراً، بمعنى أنه مكره أو مضطر، أو أنه يخشي العواقب، أو أنه ليس أمامه من خيار آخر فيقدم على الفعل وكأنه قد اختاره بحر إرادته بينما الحقيقة غير ذلك.
ماركس قال إنك عندما تقيم انتخابات حرة بين برجوازي وبلوريتاري فكأنك تقيم سباقاً بين حصانين أحدهما مقيد والآخر حر طليق. فالبلوريتاري مقيد بقيود الفقر والجهل وقلة التعليم وقلة الوعي، بينما البرجوازي يمتلك المال والمكانة الاجتماعية والتأثير وغيرها. هذه ظاهرياً حرية لكنها في الواقع غير ذلك. أما علماؤنا فقد ساهموا في الاستبداد، لماذا لا ينبري علماؤنا لحجج الطغاة ودعاويهم وإبطالها؟ لماذا لا يكون لهم عمق التحليل الماركسي لواقعه واكتفوا بالعموميات؟ لماذا هزمتهم حجج الطغاة وتلفيقاتهم للالتفاف حول المفاهيم؟ لماذا سكتوا أو هربوا أو تحولوا إلى أبواق للسلطة؟ الكثير من علماء السلطان تاريخياً حاولوا تبرير سلوكيات السلطان ولكن علماء الأمة تصدوا لهم وأبطلوا حججهم: توماس هوبز وميكافيلي حاولا إثبات حتى حرية المقهور المستسلم: قالوا أنه حرٌ مختار مادام أنه قد قرر بإرادته الاستسلام والتوقف عن المقاومة. علماء آخرون تصدوا لهم وأبطلوا الحرية القائمة على الإكراه، وتحدثوا عن ما يسمي (بقبول الإكراه) أو (الإكراه على القبول) باعتبارهما نفي للحرية.
لماذا نذهب بعيداً وقد تصدى الإمام مالك لبيعة معاوية لابنه يزيد والتي أخذت تحت تهديد السيف، وأصدر فتواه المشهورة: (ليس على مكره يمين)، المقولة التي فتحت الباب لأبناء على كرم الله وجهه وعبد الله بن الزبير لمقاومة بطش الأمويين، وقد دفع الإمام مالك الثمن غالياً وقد كان مستعداً لذلك. فالموافقة المأخوذة تحت التهديد والابتزاز تنفي الحرية.
إذن لماذا لا نتوسع في شرح المفهوم أولاً (وأنا أتحدث هنا عن الكتاب)؟ مثلاً إذا أقدم شخص هنا –في هذه القاعة- ذو نفوذ وسطوة ورشح نفسه حاكماً علينا، وكلنا نعلم هيبته وسطوته وبطشه، فقال: هل من معترض؟ فساد السكون، ألا نكون قد اخترناه بحرية إجماعية؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فما هي شروط الحرية وضماناتها وآلياتها عندنا نحن كمسلمين؟.
2/ إضفاء الصبغة الدينية على الآراء البشرية
يقول د. النجار: (وبالنظر إلى أن حفظ وحدة الأمة واجب ديني، وهي مسؤولية كل مسلم ضمن مسؤوليته في الرعاية، فإن معادلة قد تبدو صعبة تنشأ بين هذين الطرفين: واجب إبداء الرأي الذي قد يفضي إلى الفرقة من جهة، وواجب الحفاظ على وحدة الأمة من جهة أخري، ومما يزيد من صعوبة هذه المعادلة أن كل رأي يبديه المسلم يعتبر رأياً دينياً بمقتضى شمولية الدين الإسلامي لجميع مناحي الحياة) (النجار:24) لماذا هذه المطابقة بين الرأي والدين؟. أنا لا أتفق مع الكاتب في أن كل رأي يبديه المسلم هو بالضرورة رأياً دينياً! فالدين واحد والآراء متعددة. إن آفة الفكر الإسلامي هي إلباس الآراء البشرية لبوس الدين، وهو ما يقود إلى تكفير الآراء المخالفة جميعها، هذه هي آفتنا المعاصرة. المسلمون الأوائل فصلوا فصلوا فصلاً واضحاً بين الرأي والدين، فقد قال أحد الصحابة مخاطباً الرسول (ص): (أهذا منزل أنزلكه الله (أي هل هذا دين) أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الرسول (ص) بل هو الرأي، فقال الصحابي للرسول: هذا ليس بمنزل). الرسول نفسه لم يلبس رأيه لبوس الدين.
أيضاً اختلفت السيدة عائشة وعلى بن أبي طالب اختلافاً قاد إلى معركة الجمل ومع ذلك لم يكفر أحد منهم الآخر، لأنه لا يمثل رأى أحد منهما الدين، فالسيدة عائشة هي أم المؤمنين، وقال فيها الرسول (ص) (خذوا نصف دينكم من الحميراء) أما على بن أبي طالب فهو خليفة المسلمين وأحد العشرة المبشرين بالجنة. لم يخالف أحد منهما الدين لمجرد أنه خالف رأي الآخر.
أما مسألة (شمول الدين لكافة مناحي الحياة) الواردة في آخر حديث د. النجار فهي نقطة تحتاج إلى توضيح. أنا أري أن شمول الدين هو شمول كليات وليس شمولاً للتفاصيل والإجراءات. الفهم الأول قاد الكثير من الشموليين والثيوقراطيين إلى اتباع سياسات وبرامج تفصيلية وأحكام في جميع تفاصيل الحياة وقالوا إنها الدين. الدين هو فقط فقه العبادات وهو عُشر الدين (1/10) بفهم الإمام مالك، أما الباقي كله فمعاملات مفتوحة للإجتهاد والرأي، أي أنه لم يحددها الدين قطعياً ويجوز فيها الاختلاف، دون أن يكون هذا الاختلاف ذا صبغة دينية كما وصفه د.النجار في صفحة 24 من كتابه.
ويقول د.النجار أنه (نشأ في تاريخ الأمة الإسلامية منزع إلى حل معادلة إتاحة حرية الرأي من جهة والحفاظ على وحدة المسلمين من الجهة الأخرى على حساب حرية الرأي) هذا صحيح لكنه ليس بهذا القدر المخفف الذي يقول فيه الكاتب أنه (لم يعدم وجوداً) وكأنه وجدت مجرد أمثلة متفرقة هنا وهناك، والحقيقة هي أن هذا المنـزع هو الذي ساد بالكامل وكان هو الأصل، بالتالي يجب تسمية الأشياء بمسمياتها وإظهارها على حقيقتها إن أردنا التعامل معها ، بل ومعالجتها.
3/ الوحدة الفكرية غير ممكنة وغير ضرورية.
أيضاً يُلاحظ أن الكتاب يُلح على ضرورة وأهمية تحقيق الوحدة الفكرية بين المسلمين، وأنا أتخوف من (الوحدة الفكرية) على النهج الذي سبق الحديث عنه، والتي يمكن أن تقود إلى شمولية، أو السعي لفرض رأي معين وإلزام الناس به، أو إلى ثيوقراطية: بمعني مطابقة رأي معين بالدين والعمل على فرضه على الآخرين وتكفير الآراء المخالفة له، بالتالي أنا لا أري أنه يجب بالضرورة أن تكون هناك (وحدة فكرية) بهذا المفهوم. فإن التقي الناس تلقائياً على فكرة واحدة ، أو اتفقوا على منهج معين فبها ونعمت (وهو أمر يندر حدوثه بحيث يتفق الناس على الفكرة والمنهج وتفاصيل التفاصيل)، وإلا فالمهم هو اتفاق الناس على آلية لإدارة الخلاف والاختلاف.
واقع المسلمين اليوم يقول أنهم بحاجة إلى آلية لإدارة الاختلاف وبحاجة للاعتراف بالرأي الآخر وقبول النقد، سواء النقد الذاتي أو النقد من الخارج، وأنهم بحاجة إلة قبول الآخر المختلف (المسلم وغير المسلم)، وأنهم بحاجة إلى قدر من التسامح (خصوصاً فيما بينهم). الغربيون اليوم ليسوا متفقين ولا تجمعهم وحدة فكرية، ولكن هناك مناهج لإدارة الخلاف والاختلاف، وهناك القبول بحد أدنى من الاتفاق على مبادئ عامة، نحن فقط الذين نصر على ضرورة وجود وحدة فكرية، بمعني إما أن يوافق الآخرون على رأيي، وإلا فهم أعداء لي، أو أننا نحرص على فرض الرأي على الآخرين.
في واقعنا السوداني، لا توجد وحدة فكرية ولا دينية، هناك تيارات سلفية وصوفية وإصلاحية، وتجديدية وعلمانية، وهناك مسلمون وغير مسلمون وأهل معتقدات أخري غير سماوية وغيره، فلا يمكن الحديث عن وحدة فكرية لا بين التيارات الفكرية المختلفة، ولا بين التيارات الدينية المختلفة ولا حتى بين التيارات الإسلامية نفسها.
4/ هل الأيديولوجيا أولاً أم الفكر؟
أيضاً يري د.النجار أن الاختلاف في الفكر إنما هو أثر للاختلاف في القناعة الأيديولوجية، فهي العامل الأكبر في تشكيله، وخاصة حينما تكون أيديولوجية دينية.
ولما كان الأمر كذلك فإن الوحدة الفكرية لأمة أو لمجموعة ما من الناس تنشأ من وحدتهم الأيديولوجية “ص31” هنا يُظهر الكاتب الفكر وكأنه نتاج للأيدولوجيا، مع أنه يفترض أن يكون العكس هو الصحيح. الفكر هو الذي يقود إلى الأيديولوجيا (= القناعة) فإذا اعتبرنا أن الإسلام أيديولوجيا (وأنا اختلف في ذلك ولديّ تحفظ على الحديث عن الإسلام كأيديولوجيا، فإن الفكر وإعمال العقل هو الذي ينبغي أن يقود للإسلام وهذا جدل طويل حول أيهما أسبق: العقل أم الإيمان؟ الغربيون بعضهم قال بأولوية العقل وقال آخرون: بأن الإيمان أولاً ثم العقل، لأن العقل أولاً قد لا يقود للإيمان. توماس الإكويني قال: (آمن كي تتعقل) بمعنى أن الإيمان هو الذي يوجه الفكر. وفي الإسلام هناك جدل طويل حول العقل والنص وأيهما نقدم في حال التعارض، هناك رأي المعتـزلة أصحاب الرأي والتأويل، وهناك رأي السلفيون بأولوية النص. لكني أرى أنه لا فائدة لإيمان يأتي بلا فكر، وأن الإيمان الذي يأتي بعد تفكّر وتدبّر هو الإيمان الراسخ. القرآن حثّ على ضرورة التدبّر والتفكّر كمناهج للوصول للإيمان. د. النجار يرى أن الوحدة الفكرية تنشأ من الوحدة الأيديولوجية “ص31” بمعنى أن يتوحد الناس أيديولوجياً أولاً ثم يتوحدون من بعدها فكرياً. هذه وحدة مستحيلة في حال اختلاف الناس أيديولوجياً، لأن الأيديولوجيا لا تقبل النقاش ولا تقبل التنازلات، فلا يمكن استخدامها لتحقيق وحدة بين مختلفين. الأيديولوجيا لا توحد إلا أعضائها داخلياً، لكنها تمنع أتباعها من التقارب مع أصحاب الأيديولوجيات الأخرى، فإذا اعتبرت أن هناك أيديولوجيات داخل الإسلام نفسه: سنة، شيعة، إباضية، سلفية، تجديدية، إصلاحية … فالأيديولوجيا هنا (بمعني التعصب للأفكار) تلعب دوراً سالباً وسط المسلمين وتمنعهم من التقارب أو التوحد، أما الفكر فيمكن أن يقود إلى توحد. وعموماً فإن مشكلة المسلمين الآن هي الوحدة الفكرية وليست الأيديولوجية بمعنى أنهم متوحدون أيديولوجياً لكنهم مختلفون فكرياً. كل من شهد أن لا إله إلا الله أصبح مسلماً، وتوحد تلقائياً مع أي مسلم آخر أيديولوجيا، ولكن لم تحل المشكلة بعد. صحيح أن التجانس الأيديولوجي قد يساعد في التوحد على منهج فكري معيّن في شكل تغذية راجعة. لكنه لا يقود بالضرورة إلى وحدة فكرية تلقائية.
كما يرى د. النجار أن الاختلاف الأيديولوجي يمنع أي التقاء فكري، لأنه يرى “أن الأفراد الذين يعيشون في خضم أمة ما على غير عقيدتها، لكنهم ينسجمون معها في وحدة فكرية أو ما يشبهها أن ذلك نتاج للانخراط الثقافي العميق “ص32” لكنني أرى أنه يمكن لي أن أتفق مع أمة ما، على شيء ما، دون أن انخرط في ثقافتهم وأيديولوجيتهم. هذه الآراء تهزم مشروعات كبيرة مثل حوار الأديان وحوار الحضارات والتعاون الدولي والتعايش السلمي وغيرها. وكلها تدعو للالتقاء على ما هو عام مع احتفاظ كلٌ بخصوصياته.
5/ خصائص العقيدة الإسلامية الموحدة:
تحدث الكاتب عن خصائص في العقيدة الإسلامية قال أنها خصائص موحدة، وذكر منها: 1/ شمول النظر “ص33”: ولكن الشمول يقتضي أخذ جميع الجوانب، وهذا يمثل عامل ثراء وغذارة في إعمال العقل، ولكنه ليس بالضرورة عامل موحد، بل قد يكون العكس، فالناس قد يتفقون فيما هو جزئي ولكنهم يختلفون كلما كانت هناك حاجة للتوسيع والشمول وأخذ كل العوامل في الاعتبار.
2/ الواقعية “ص37”: هل واقعية الإسلام أكثر من واقعية ميكافيلي وماركس؟ الإسلام لا يغفل الواقع بل ويبتدئ به لكنه يسعى لتجاوزه نحو مثالية مطلوبة ونحو غيب يقبله العقل لكن ميكافيلي وماركس يريدون أن يكون الواقع هو المبتدئ والمنتهي. الإسلام واقعيته مثالية، وأولئك واقعيتهم مجردة معراة، ومع ذلك لم تقدهم للاتفاق أو الوحدة الفكرية.
3/ النقدية: حيث يقول أن المقارنة والنقد عامل مهم في ترشيد الفكر للوصول إلى الحق “ص38” لكن كل النظريات الغربية، تقارن نفسها بغيرها لتبيين أوجه تفوقها، وهذا لم يكن عامل توحيد بينها.
4/ الموضوعية: فالحياد والموضوعية والتجرد عوامل مطلوبة ويفترض أن تكون عوامل توحد، ولكنها خاصية عرفها ودعا إليها وطبقها الغربيون وليس المسلمون، رغم أنها موجودة في أصول دينهم إلا أنهم لم يهتدوا إليها حتى الآن في الشكل العام، أين الموضوعية عند معاوية والأمويين؟ أين موضوعيتهم في رفع المصاحف على أسنة الرماح والمطالبة بتحكيم القرآن وهم يريدون تحكيم مصلحتهم؟ أين موضوعية معاوية في تولية ابنه يزيد حماية لوحدة الأمة من التفرق وهو يريد أن يبقيها في بيته؟ أين الموضوعية عند العباسيين الذين يزعمون أن الله قد ولاهم على الأمر وجعلهم أمناء على المسلمين منذ البداية وإلى تطبيقهم للاعتقاد القادري الذي حرموا فيه فكر المعتزلة وعزلوهم من المناصب؟
هل الموضوعية عند السلفية الظاهرية المعاصرة التي تريدنا أن نطبّق نموذج السلف السابق؟ أم أننا نجدها عند الصوفية وكرامات الأولياء ورؤياهم؟ أم نجدها عند حكوماتنا الإسلامية المعاصرة التي تصر على أنها تمثل إرادة الأمة المسلمة وأنها موجودة لتحرير فلسطين وقهر الإمبريالية والصهيونية؟ هل نجد الموضوعية عند فقهاء السلطة أم عند الفقيه (أم بتاري) الذي لا يزال يقود مجتمعاتنا في كل شؤونها؟ صحيح أن هناك قلة من العلماء المستنيرين الموضوعيين ولكن لا يزال صوتهم خافتاً وأثرهم ضعيفاً.
عموماً، فحرية الرأي مبدأ مقدس ومطلوب ومهم في الإسلام ينبغي الدعوة له كما فعل د. النجار، أما الحديث عن الوحدة الفكرية للمسلمين فهو في رأي الشخص مناقض للدعوة للحرية الفكرية وحرية الرأي ولا أري سبباً لجمعهما. لماذا نسعى للوحدة الفكرية وما هي ضرورتها؟ فالتنوع يمثل عامل ثراء وغزارة وهو شيء جيّد ومطلوب، أما السعي للتوحد فهو مجلبة للتوجس لأنه يُذكّر بالدعوة للشمولية الفكرية – حرية الرأي دائماً تقود إلى التعدد ولا تقود للتوحد، والتعدد ظاهرة إيجابية (أقول التعدد وليس التفرق) فالتنوع والتعدد والثراء عوامل غنى. صحيح أنها يمكن أن تكون عوامل تفرق وتشرذم وتمزق إذا ما فشل الناس في إدارة هذا التنوع والتعدد فيكون العيب فيهم وليس في التنوع ذاته.
مصطلح (الوحدة الفكرية) يثير الكثير من المخاوف ويقود إلى شمولية، توحيد مناهج التفكير وطرقه وكأنه محاولة لعرض طرق تفكير محددة هي فكرة سبقنا إليها كبار السلفية أمثال أبو بكر الباقلاني عندما قال انه لا يكفي فقط أن نصل إلى نفس النتيجة أو الحكم الذي قال به السلف بل لا بد من إتباع نفس المقدمات التي اتبعها كبار السلف أمثال ابن حزم للوصول إلى نفس النتائج التي توصلوا إليها.
هذه نمطية فكرية تحبس العقل ألا يمر إلا عبر ممر ضيق لا يخرج عنه يميناً ولا شمالاً وصولاً إلى منفذ واحد. أظن أن الكاتب متفق معي في ذلك وهو القائل في “ص44″ ” إن الإنسان يجب ألا تعرض عليه من الآخرين معطيات وأدوات من شانها أن تؤدي به إلى الخطأ، أو يلزم بسلوك طرق معينة من شأنها أن توصله إلى نتيجة مبتغاة سلفاً، حقاً كانت أو باطلاً، فإذا كان شيء من ذلك فإنه يعتبر وجهاً من وجوه السلب لحرية الرأي لما فيه من توجيه مسبق من الآخرين إلى رأي معيّن قد لا يصل إليه الناظر لو ترك حراً في النظر بل قد يصل إلى ضده “ص44″.
6/ قيود الكاتب على حرية الرأي:
يقول الكاتب ص”45″ ” لا شك أن لحرية الرأي قيوداً وضوابط منهجية مثل التحري في المعطيات وفي المسالك المبلغة على الحق، والإخلاص في إرادة النفع العام، وإلا انقلبت إلى ضروب من المغالطة والتغرير والأنانية، كما أن لها قيوداً أخلاقية مثل الصدق في تبليغ الرأي ونقله، والحسنى في الإقناع به، وإلا انقلبت كذباً وغشاً وتجريحاً ولجاجة، فتخرج إذاً عن الدائرة التي رسمت لها في الاستعمال الشائع، وما نعتمد في هذا السياق هو الحرية بتلك الضوابط والقيود”.
هذه حرية مثقلة بالقيود والضوابط، أي أنها ليست حرية، حيث لا حرية مع القيود، والأخطر من ذلك كله أن تنصِّب جهة ما (دولة، علماء دين، حزب …الخ) نفسها قيّماً على تطبيق هذه الضوابط، فتقمع الآخرين. كما يلاحظ أيضاً أن هذه القيود هي قيود قيمية ذاتية غير موضوعية. إذ كيف تعرف أن هذا الشخص يبتغي برأيه هذا إرادة النفع العام، أو انه مخلص في ذلك أو غير مخلص (كما أن النفع العام نفسه مفهوم غير محدد أو غير متفق عليه). أي نفع من؟ وبمقياس من؟ وكيف نعرف إن هذا الشخص مخلص في قصده أم أنه يضمر نية السوء؟
7/ الموقف من الحضارات الأخرى:
الكتاب يدعو إلى موقف مستنير في محاولات النهوض الإسلامية، وهو موقف يقوم على ضرورة دراسة الكسب المعرفي الإنساني للاستفادة منه، علماً بأن أحد أهم أسباب تخلف الأمة هو نفورها من ذلك وانكفائها على القديم ورفض الاستفادة من الحضارات الأخرى باعتبارها كافرة. حيث يقول ” والثقافة الإسلامية أو إنجاز الحياة بالطريقة الإسلامية لا تتحقق فيها هذه الصفة إلا إذا كانت أسلوباً يقوم على عنصرين أساسيين: الأول، القيم الإسلامية الثابتة من عقيدة وشريعة وأخلاق. والثاني الوسائل المتغيرة بتغير الظروف، والمحققة بأفضل وجه لتلك القيم الثابتة، وهي وسائل لا تكون كذلك إلا إذا استفادت من الكسب الإنساني العام في المعرفة النظرية والعملية. فإذا ما أقام المسلمون حياتهم على أسلوب يأخذ بالعنصر الأول، ويهمل الثاني، فإن ثقافتهم تكون متخلفة قاصرة. وإذا ما أقاموها على أسلوب يأخذ بالعنصر الثاني ويهمل الأول فهي ثقافة ضالة، وقد تكون فاجرة. فالثقافة الإسلامية الحق هي التي تتفاعل فيها القيم الدينية الثابتة مع الكسب المعرفي الإنساني المتنامي باطراد “ص76″ .
يقول ” وإما انفتاح العقول على العنصر الثاني، فيكون بالاتجاه الدراسي للحضارة الغربية باعتبارها تمثل الآن ذروة الكسب الإنساني في المعرفة، وللجذور المنبثقة منها في روحها الدينية والفلسفية العامة. ويكون هذا الاتجاه الدراسي متناولاً للمذاهب الفلسفية على اختلافها، وللنـزعات الدينية وللنظم السياسية والاقتصادية، وللظواهر الاجتماعية والواقع الإنساني فيها. وللعلوم الكونية في أبعادها الفلسفية على وجه الخصوص. حتى تكون بذلك كل جوانب هذه الحضارة مادة للنظر دون استبعاد لشيء منها بأي مبرر من المبررات.
ويكون العقل الإسلامي قد توفر على المعطيات الكاملة للكسب المعرفي الإنساني في واقعه وفي أبعاده من حيث هو عنصر ثان في بناء الثقافة الإسلامية. “ص77”
وفق هذا المنهج فهو يرى أنه يمكن أن يؤوب التغريبيون إلى التراث المستنير بالنقد، ويؤوب فيها التراثيون إلى المعارف الإنسانية المصفاة بالنقد أيضاً، فتلتقي الأطراف على أسلوب موحد يتأسس على الثابت من قيم الدين وأحكامه، ويعضد بما هو حق من كسب الإنسان، وتوجه الحياة الإسلامية على ذلك الأسلوب الموحد لتحقيق عمارة الأرض والخلافة فيها “ص79”.
نتفق معه في المنهج والطريقة وإن اختلفنا في النتيجة المرجوة فليست بالضرورة بأن يقود ذلك إلى وحدة فكرية. بل يكفي أن يقود إلى عمارة الحياة.
واقع الحرية في العالم الإسلامي:
بالرغم من أن الإسلام دين وعقيدة، إلا أن أول ما حرص عليه هو حرية الإنسان في إتباع الدين أو عدم إتباعه (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ويحمل الناس على اتباعه بالإقناع الحر عن طريق التدبر والتفكر وصولاً للاقتناع. فما دام أن الإيمان هو يقين قلبي فإنه لا بد أن يتم التوصل إليه بالاقتناع الذي يستحيل أن يكون بالقوة والإكراه (ذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) كما أن أساس الثواب والعقاب هو حرية الإنسان في العقل، فلا يمكن أن يعاقب المكره.
والإسلام أصلاً دين تحرر من كل السلطات الأرضية، فلا عبودية لملك أو إمبراطور ولا عبودية للشهوات أو النفس. ولكن الواقع الإسلامي غير ذلك، فالحكام يتحكمون في مصائر الناس، وهذا لا خلاف حوله ولكن الإسلاميون أنفسهم، وحتى عندما يصلون إلى السلطة فهم يواجهون معضلة نظام الحكم الذي يقضي على أسباب الخلاف بينهم ويوحد كلمتهم داخلياً قبل أن يتيح للآخرين خارج دائرتهم. فالإسلاميين واقعين في مفارقة: فهم من ناحية ضحية قمع الدولة لذلك فهم يطالبون بالحرية ويستعينون بالأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، ولكنهم عندما يكونون في السلطة يحرمون الآخرين من الحرية ويكفرون الأمم المتحدة ويعادون المنظمات الإنسانية.
وفي مناطق أخرى هناك صراع بين الإسلاميين والسلطة فالحكومات العربية تتهم الإسلاميين بالسعي للاستيلاء على السلطة واستعمال القوة والتآمر وتهديد أمن الدولة والمواطن وحتى حال قبول الإسلاميين بالاحتكام للديمقراطية، فإنهم متهمون بعدم المصداقية واستخدام الديمقراطية كمجرد وسيلة للوصول إلى السلطة ثم إلغائها واحتكار السلطة.
أما الحركات الإسلامية فهي تصف السلطات الحاكمة بأنها مستبدة وعلمانية تمارس القهر والاستبداد ضدهم.
وعموماً فإذا كانت النخب الحاكمة قد مارست القمع ضد المعارضين فإن هذا ينبغي ألا يحمل الإسلاميين على التنازل عن مباديء الإسلام واتباع العنف الأعمى ضد المجتمع (كما حدث في الجزائر). لقد وصف القرضاوي الكثير من مظاهر التطرف حيث ذكر منها (1) التعصب للرأي الذي لا يسمح برؤية لمصالح الخلق ومقاصد الشرع وظروف العصر والحوار مع الآخرين. (2) التشدد مع قيام موجبات التيسير فلا يمكن أن تكفّر الناس لمجرد أنهم لا يلتزمون بالزي القصير أو اللحية. (3) الغلظة والخشونة في الدعوة. (4) التكفير.
فإذا كان الإسلام يرفض الظلم والتسلط والتحكم في الغير وفرض رأي معين عليه ويدعو إلى الثورة ضد الظلم، إلا أنه يقرر أن أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن كما أن الجهاد ليس دائماً هو جهاد قتالي.
الأصولية الإسلامية المعاصرة:
ظهر أخيراً في الغرب مصطلح الأصولية الإسلامية ليرمز إلى الأشخاص الذين يؤمنون بأن رأيهم هو الحقيقة المطلقة ويسعون لفرضه على الآخرين ولو بالجهاد، أو هم الأشخاص غير المتسامحين الذين يمارسون العنف مدفوعين بفهمهم الخاص لأصول دينهم. فوكوياما قل أن الأصولية هي العقلية غير المتسامحة والتي تقف ضد الحداثة. (نيوزويك العربية 25/12/2001م) وهو وصف يطلقه الغربيون على الكثير من الحركات الإسلامية. فهل تنطبق هذه الخصائص فعلاً على الحركات الإسلامية؟
الأمانة العلمية تقتضي أن نقول أنه توجد مثل هذه الخصائص لدى بعض الحركات الإسلامية وليست جميعها، فهناك حركات صوفية وأخرى إصلاحية وحركات تجديدية مستنيرة وهو تدرج طويل توجد عند نهايته الحركات القتالية الجهادية والتفكيرية الانعزالية وهي التي ينطبق عليها وصف (أصولية) لكن تكمن المشكلة في أن هذه التيارات الأصولية بأحداثها الدامية في 11 سبتمبر، تفجيرات مدريد، تفجيرات لندن، الدار البيضاء، شرم الشيخ، السعودية، العراق، الجزائر وغيرها هي التي انتزعت تمثيل الإسلام على حساب التيارات المعتدلة. التيارات المتشددة والمتطرفة والأصولية والاستبداديين الإسلاميين يتحالفون على نطاق العالم تغذيهم مظالم النظام الدولي الراهن وعدم عدالته، بينما التيارات المعتدلة والمستنيرة لا تتحالف وصوتها ضعيف خافت ولا نصير لها. التيارات الأصولية بادعائها امتلاك الحلول الجاهزة وإجاباتها المبسطة على الأسئلة الكبيرة تكتسب الأتباع بينما التيارات المعتدلة منزوية.
إن محاولات فرض الإسلام من أعلى بالقوة أو بواسطة جهاز الدولة غير مجدي ويُنفّر من الإسلام- أن أقسى ما تنتقد به الحركات الإسلامية هو سعيها لفرض رؤاها باعتبار أنها حقيقة مطلقة. يقول الله تعالى على لسان نوح “يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وأتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟” يقول المفسرون أن الاستفهام استنكاري، أي لا نلزمكم إياها. لهذا لبث نوح في قومه ألف سنة لا خمسين يدعوهم وما آمن معه إلا قليل.
نظام الحكم في السودان بعد 1889م تبنى مبدأ “إن الله يذع بالسلطان ما لا يذع بالقرآن”، ولكن بعد تجربة طويلة ومريرة بدأ النظام يتخلى عن هذه المقولات وأصبح الآن الحديث عن أن الإسلام لا بد أن يأتي عن طريق المجتمع. د. الترابي بعد خروجه من المعتقل تحدث عن حرية الإلحاد ” حق الناس في الكفر” دون أن يكون للدولة عليهم سلطان لإكراههم، وإذا كان المجتمع لم يلتزم بالدين (برأي الحاكم) فلا يجوز للدولة إكراهه، وإن ما يقرره المجتمع هو الذي ينبغي أن يسود، وقال أن الحرية التي ينادي بها إن أفرزت رئيساً للدولة مسيحي أو غير مسلم فإنه سيخضع له لأنه يمثل رأي وإرادة الأمة.
إن الحركات الإسلامية مدعوة لأن تقدم الإصلاح الداخلي (الفكري والتنظيمي) كأولوية على مقاومة الدولة (وإن تقدم نهج التي هي أحسن والقدوة الحسنة على نهج الإجبار والعنف)، وأن تبدأ بإصلاح الأوضاع التي تؤسس لهيمنة الأنظمة المستبدة قبل المواجهة معها، وأن تندمج في هذا الواقع، وأن تخلق آليات للتعامل معه وتحقيق القبول داخله قبل السعي لمواجهته (تجربة حزب الله في لبنان) أما استراتيجية (محاربة العدو البعيد) وهي الاستراتيجية التي ظهرت في كتاب أيمن الظواهري (فرسان تحت راية النبي) وبناها تنظيم القاعدة بعد اندماجه مع تنظيم الجهاد وتتمثل في ضرب العدو البعيد مباشرة (وأمريكا وأوربا) باعتبارها الأساس في بقاء العدو الإسرائيلي واستمرار بقاء الأنظمة المستبدة وغير الملتزمة إسلامياً في المنطقة، هذه الاستراتيجية تعزل هذه الحركات وتهزم حجتها وهو منطق لا يقبله النظام الدولي الحالي كما لا تمتلك هذه الحركات مقوماتـه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.