التعددية في العالم العربي: المفارقة بين الواقع الثقافي والممارسات السياسية

ورشة: مفاهيم الحرية :دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين
30 أغسطس، 2016
ورشة: مفاهيم الحرية : على خلفية الميراث المعرفي الماثل اليوم
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
التعددية في العالم العربي: المفارقة بين الواقع الثقافي والممارسات السياسية
د. بهاء الدين مكاوي(*)
“مثلما هو وضع الأيتام على مائدة اللئام، كذلك هو سؤال الحرية في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج”(**)
تمهيد:
على الرغم من التنوّع الكثيف الذي يكتنف العالم العربي عرقياً ولغوياً ودينياً ما يتطلب تعددية سياسية تمكِّن الجماعات المختلفة من التعبير عن خصوصياتها، وبرغم الواقع الثقافي المستمد من الثقافة الإسلامية التي تعترف بالتنوّع وتشجع على الحرية والتعبير عن الاختلاف، إلاَّ أن التعددية السياسية المطلوبة في العالم العربي بإلحاح تعتبر هي الغائب الأكبر في الواقع العربي.
إن أغلب دول العالم العربي اليوم تسوده أنظمة سياسية لا تعترف بالتعددية السياسية والديمقراطية، فمن أنظمة شمولية عسكرية قائمة على فكرة الحزب الواحد (الاستيعابي)، إلى أنظمة ملكية وأميرية قائمة على أساس الوراثة، إلى أنظمة ترفض فكرة التحزب والتمثيل ابتداءً.
أهـداف الورقة:
تهدف الورقة للتعريف بجذور التعددية في العالم العربي- الإسلامي والمفارقة بين الواقع الثقافي والاجتماعي والممارسات السياسية في العالم العربي، وتسعى لاستشراف مستقبل التعددية والتحوّل الديمقراطي في العالم العربي.
إن حضور التعددية في العالم العربي اجتماعياً وثقافياً وغيابها سياسياً هو المشكلة الأساسية التي تسعى هذه الورقة إلى استكشاف أسبابها وسبر أغوارها، وبالتالي فإن التساؤلات الأساسية لهذه الورقة تتلخص في الآتي:-
1.ما هي الأسباب وراء المفارقة الواضحة في العالم العربي بين الواقع السياسي والاجتماعي التاريخي القائم على أساس الاعتراف بالتنوّع والتعدد والداعي للحرية من جانب، والواقع السياسي الاستيعابي الرافض للتعددية –خاصة السياسية- من جانب آخر؟
2.أين تقف الدول العربية الآن من عملية (الدمقرطة) والإصلاح السياسي التي انتظمت العالم منذ انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء فترة الثنائية القطبية؟
3.كيف يمكن المواءمة بين الواقع الثقافي والممارسات السياسية في العالم العربي؟ وما هي العقبات المحتملة أمام جهود المواءمة.
4.كيف يمكن الاستجابة لحاجات المجتمع العربي للحرية والديمقراطية من جانب، والجهود الخارجية المبذولة للإصلاح السياسي في العالم العربي والتي تستبطن مصالح قومية للدول الكبرى الداعية لهذا الإصلاح.
وتقوم هذه الدراسة على عدد من الفرضيات يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1.إن التعددية حاضرة في العالم العربي ثقافياً واجتماعياً ولكنها غائبة سياسياً!
2.إن غياب التعددية السياسية في العالم العربي نتج عن تطورات تاريخية سياسية أفرزت أفكاراً ومذاهب تناهض الحرية والديمقراطية والاعتراف بالآخر.
3.إن انتهاء فترة الحرب الباردة وضعت الأنظمة السياسية العربية في مأزق حقيقي، ذلك أن الموجة الديمقراطية التي أعقبت تلك الفترة مقترنة مع التطورات التقانية الهائلة في مجال الاتصال والمعلومات جعل من العسير على هذه الأنظمة الحفاظ على شرعيتها دون إجراء تعديلات جوهرية تمس الأسس التي قامت عليها آنفاً مثل القوة والوراثة.
4.تتناقض مصالح الدول الكبرى الداعية للإصلاح السياسي مع نتائج الإصلاح في العالم العربي لذلك تغض الطرف عن ممارسات أنظمة قمعية من أجل تحقيق مصالحها بينما تمارس ضغوطها على أنظمة أكثر ديمقراطية إذا لم تتمكن من تحقيق مصالحها في ظل وجود هذه الأنظمة.
تأسيساً على ما سبق فإن المحاور الرئيسية التي ستدور حولها الورقة تتلخص في الآتي:-
1.التعددية في الواقع الثقافي والاجتماعي العربي.
2.التعددية في الواقع السياسي العربي.
3.جهود ومستقبل الإصلاح السياسي في العالم العربي.
أولاً: التعددية في العالم العربي:-
إن التعددية العرقية والثقافية هي السمة التي تميِّز أغلب دول العالم. فمن بين 132 دولة كانت هي مجموع دول العالم مطلع السبعينيات، اتضح أن 11 دولة فقط يمكن وصفها بالتجانس(1) وعليه فإن نسبة الدول المتجانسة لم تتعدَ كثيراً الـ9% من مجموع دول العالم مما يجعل من الممكن القول بأن التعدد هو القاعدة العامة بينما يكون التجانس استثناءاً عن هذه القاعدة.
إن هذه القاعدة العامة تنطبق تماماً على الدول القائمة في العالم العربي اليوم، حيث يتميز العالم العربي بتنوع كثيف: عرقياً ودينياً ولغوياً وثقافياً إلى درجة يمكن القول معها بأن التعدد هو أهم سمات العالم العربي. حيث نجد أن هناك تنوعاً دينياً وقبلياً وطائفياً وعرقياً، وتنوعاً في أنماط الإنتاج. ويعيش المجتمع العربي في ظل خليط من المؤسسات (جمهورية، ملكية، أميرية، دكتاتوريات عسكرية …الخ). اقتصادياً لا يمكن وصف الأنظمة الإنتاجية في الدول العربية بأنها: إقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية لأنها تجمع بين كل هذه الأنظمة في صيغة مركبة، بالإضافة إلى التفاوت التنموي الواضح بين أجزاء البلدان العربية حيث توجد مناطق فاحشة الثراء وأخرى مدقعة الفقر. ينفتح العالم العربي على أحدث التقنيات ويتمسك ببنياته التقليدية(2). فهو على حد قول البعض “سلفي تقليدي غيبي في منطلقاته، ومستقبلي متجدد علماني مستحدث في تطلعاته”(3).
إن مما لا شك فيه هو أن التعددية العرقية والثقافية تقتضي –حيثما وجدت- تعددية سياسية تمكن الجماعات المختلفة داخل المجتمع من التعبير عن اختلافاتها الدينية والثقافية بحرية تامة. في ذات الوقت فإن وجود التعددية العرقية والثقافية في مجتمع ما مع غياب التعددية السياسية وحرية العمل السياسي والتعبير، من شأنه أن يؤدي إلى حالة من الاحتقان والاستقطاب السياسي الذي قد يعصف بالاستقرار في البلد المعني، ويفرز حركات عرقية ودينية تتخذ القوة وسيلة لتحقيق مصالحها والتعبير عن خصوصيتها، وهو ما يفسر الصراعات الدموية ذات الطابع العرقي والديني والمذهبي التي تعصف بالاستقرار السياسي في عدة أجزاء من العالمين العربي والإسلامي.
وللوقوف على أسباب غياب التعددية في العالم العربي وسيادة حالة الاحتقان والاستقطاب، لا بد من الوقوف على الواقع الثقافي في العالم العربي ومعرفة القيم والعادات والتقاليد السائدة فيه، ذلك أن النظام السياسي –في غالب الأحوال- يكون تعبيراً عن الواقع الثقافي للمجتمع المعني.
إن مصدر القيم والاتجاهات للكثرة الغالبة من سكان العالم العربي هو الإسلام.. فهل الإسلام سبباً في الغياب التاريخي للتعددية السياسية في العالم العربي؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب الوقوف على القيم السياسية السائدة في التراث العربي والإسلامي والوقوف–على نحو دقيق- عند قيم الحرية والتعددية في التراث العربي والإسلامي، وأثر القيم الإسلامية على الأنساق الثقافية والسياسية في العالم العربي.
لعل من نافلة القول إن الإسلام يعترف تماماً بالتنوّع والتعدد بل يرى في هذا التنوع آية من آيات الله في الكون ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ (سورة الروم- الآية22).
ولقد لاحظ البعض أن الربط بين “خلق السموات والأرض” و”اختلاف الألسنة والألوان” في آية واحدة وسياق واحد، إنما يؤكد على أن القرآن يتعاطى مع هذه الظواهر كظواهر طبيعية ومعطيات واقعية لا يمكن الانسلاخ عنها(4).
والتعدد أمر مقصود لذاته إذ يقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ (سورة هود الآية 118).
لكن هذا التعدد لا يمنع التعاون والتعارف بين الناس ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: الآية 13). بل لا يمنع حتى اختلاف الدين من التعاون والبر ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ (الممتحنة: الآية 8).
وقد عمد الرسول (ص) بعد وصوله إلى المدينة إلى تنظيم الاجتماع السياسي بين سكانها: المسلمين على اختلاف قبائلهم وأعراقهم من ناحية. والمسلمين ككل مع اليهود من ناحية أخرى من خلال ما عُرف باسم وثيقة المدينة أو (دستور المدينة).
لقد أشارت تلك الوثيقة بوضوح إلى أن (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) ومع ذلك فهم (أي المسلمين واليهود): “أمة من دون الناس وأن بينهم النصر على من دهم يثرب”. وبذلك أرسى الإسلام مبدأ المواطنة، فهم جميعاً مواطنون في المدينة يتمتعون بكافة حقوق المواطنة وعلى رأسها الحرية. والحرية ركن أساسي في الدين الإسلامي، فمع توضيح القرآن للهدف من خلق الإنسان ابتداءً “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، إلاَّ أنه مع ذلك ترك للإنسان الحرية في أن يؤمن بالله وبالتالي يعبده فيحقق الغاية من خلق الله له، أو يرفض الإيمان ولا يعبد الله. صحيح أن حسابه إلى الله يوم القيامة ولكنه في الدنيا لا سبيل لأحد عليه، “لست عليهم بمسيطر. إلاَّ من تولّى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر. إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم”.
لقد ناقش الأستاذ عبد الستار قاسم تفاصيل الحريات المكفولة في الإسلام مثل: حرية التعبير، حرية التنظيم، حرية تكوين الرأي… الخ. ففيما يتعلق بحرية التعبير أشار الأستاذ قاسم إلى أن الإسلام لا يقيد حرية التعبير سواء أكانت شفاهة أو كتابة أو إيماءاً. ويستشهد بالحوار الذي دار بين المولى عز وجل وتعالى علواً كبيراً وبين إبليس في القرآن الكريم:
” قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ “. (سورة الأعراف الآيات: 14-17).
ويعلق الأستاذ قاسم “إذا كان الله قد أنظر إبليس وأعطاه الوقت ليفعل ما يرى مناسباً بما في ذلك إغواء الناس الذين يفترض أن يطيعوا الله ويتبعوا وصاياه، فهل من الممكن أن تكون هنالك تقييدات على حرية الإنسان في التعبير؟”(5) ثم يمضي ليفصل في حرية الاعتقاد وحرية التنظيم وحرية تكوين الرأي ….الخ.
وقد أشار الكاتب الإسلامي خالد محمد خالد إلى ما سمّاه بـ (المباديء السبعة للحكم في الإسلام) حيث لخصها في الآتي:-
1.الأمة هي مصدر السلطات بما فيها السلطة التشريعية في ما لم يرد به قرآن محكم أو سنة أو إجماع.
2.الفصل بين السلطات.
3.انتخاب الرئيس انتخاباً مباشراً من قبل الشعب.
4.الاعتراف بالمعارضة كجزء من الحياة السياسية.
5.تعدد الأحزاب ضرورة حتمية.
6.الانتخاب المباشر لممثلي الشعب (الجمهور).
7.حرية الصحافة وحرية الرأي والفكر والعقيدة.
ويقول إنه “إذا آمنت قوة إسلامية بهذه المباديء العظيمة، تكون قد قدمت نفسها في أول القائمة نموذجاً للحكم الإسلامي(6).
الإسلام والديمقراطية:
هل يعني هذا أن الإسلام يقر الديمقراطية؟ إن الديمقراطية كما هو معروف مصطلح غربي يوناني يعني سلطة الشعب، والتعريف الأشهر للديمقراطية هو أنها حكم الشعب بالشعب وللشعب. وقد أثير نقاش مستفيض واعتراضات وتحفظات من قبل تيارات إسلامية مختلفة حول الديمقراطية الغربية وحول مفهوم (سلطة الشعب) وحدود هذه السلطة وكيف إذا تعارضت سلطة الشعب وقراره مع ثوابت العقيدة الإسلامية … الخ.
لا نريد الخوض في هذا الجدل الشائك لكن نقول إن القرارات التي يمكن أن تتعارض مع الثوابت هي من منتوجات الديمقراطية ولكنها ليست هي الديمقراطية ذاتها. إن فض هذا الاشتباك يتطلب توضيح (مشتملات الديمقراطية). فالديمقراطية هي نظام للحكم يقوم على أساس الانتخاب الحر من قبل الجمهور وبالتالي يقوم اختيار الحاكم على أساس رضاء المحكومين لفترة زمنية محددة ويمكن للمواطنين –في إطار هذا النظام- مساءلة السلطة الحاكمة ونقدها ونصحها وتوجيهها، بل وعزلها إذا رأى الناس ذلك. والديمقراطية بالمعنى السائد حالياً تستهدف إقامة الحكم الراشد (لاحظ التقارب بين هذا المصطلح والخلافة الراشدة التي يعتبرها المسلمون –خاصة التيار السني الغالب- النموذج الإسلامي للحكم) الداعي إلى التزام الشفافية Transparency والمحاسبية Accountability واحترام حقوق الإنسان. فهل يمكن بأي حال من الأحوال القول بتعارض هذه القيم مع الإسلام؟ وما هو نظام الحكم المطلوب في الإسلام. يقول ابن القيِّم الجوزية في السياسة الإسلامية: “هي ما كان الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يشرعه رسول ولا نزل به وحي، فإذا قامت إمارات الحق وبرزت أدلة العدل وأسفر صبحه بأي وجه فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره، فالطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غايتها التي هي المقاصد(7).
وبالتالي على المسلمين أن يجتهدوا دون عقدة (من الغرب أو غيره) لإيجاد نظام الحكم الصالح، لكن المشكلة هي وجود جماعات “تميل إلى إنتاج إسلام لا يتضمن سوى العقدة من الغرب، وهي عقدة لا تسمح لهم بالاقتناع أن الديمقراطية والتعدد وحقوق الإنسان وغيرها من القيم السياسية والاجتماعية المهمة، وإن كانت قد نشأت في بيئة غربية، إلا أنها من القيم التي يحتاج إليها البشر في كل مناطق الدنيا وأن المسلمين ومجتمعاتهم المتنوعة في حاجة إليها”(8).
وفي الواقع لا بد من التحفظ على قول الكاتب أعلاه بأن هذه القيم قد نشأت في الغرب لأن هذه القيم كما أشرنا آنفاً هي من صميم التراث والفكر الإسلامي. بل إن سيادة هذه القيم هي غاية السلام ومبتغاه، وليس من الحكمة رفضها لأنها جاءت من الغرب في هذه المرحلة وبدأ الغرب يبشر بها في الآونة الأخيرة. من حقنا التساؤل عن أهدافه الحقيقية والتشكك في نواياه، والتأكيد على الهوية الإسلامية وتطبيق القيم المتعلقة بالحرية والمساواة في العالم العربي – الإسلامي في إطار مؤسسات تعبر عن هذا الواقع، ولكن أن يصل الأمر إلى حد معارضة المباديء الديمقراطية المشار إليها والمتمثلة في الحرية، والمساواة، وصيانة حقوق الإنسان، والانتخابات، والتداول السلمي للسلطة، وقيام الحكم على الرضاء الشعبي، والشفافية في التخطيط وصنع القرارات، والمحاسبية فيما يتعلق بممارسات السلطة الحاكمة، فهذا لن ينفع المسلمين في شيء فضلاً عن أنه يعارض أهداف الإسلام وغاياته.
ثانياً: التعددية في الواقع السياسي العربي
على الرغم من مركزية التعددية والحرية في الفكر السياسي العربي – الإسلامي، ورغم الرصيد الفكري الغني بقيم الحرية والمساواة واحترام التنوع وحقوق الإنسان، إلاَّ أن تاريخ العرب والمسلمين لم يكن في الواقع إلاَّ تاريخ الاستبداد والتسلط والقهر الذي يمارسه الحكام على المحكومين.
يقول د. حيدر إبراهيم علي –بعد أن يؤكد على أن الإسلام قدَّم نظاماً شاملاً لمكارم الأخلاق بصورة مجملة- يقول:-
“لم يعرف التاريخ الإسلامي حتى القرن التاسع عشر فكرة الديمقراطية أو الدستور أو العقد الاجتماعي… سادت فكرة الطاعة كقيمة اجتماعية وسياسية لضمان عدم تفكيك الدولة … لم يخرج التاريخ السياسي العربي – الإسلامي عن قاعدة الغلبة والقوة… ظل العرب يعيدون إنتاج تاريخهم المثقوب وغير الصاعد لقرون عديدة”(9).
إن النص أعلاه يوضح بجلاء الحالة التي سادت العالم الإسلامي وكيف أنه ظل –ولقرون عديدة- يدور في فلك الإخفاق والخيبة مرة بعد مرة. لكن الباحث يمضي ليقارن بين واقع العالم الإسلامي والغرب فيقول:
“في هذا الأثناء عرفت أوروبا التغييرات الدستورية منذ الماجنا كارتا عام 1215م، ثم الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، والثورة الفرنسية 1789م وصاحب ذلك مجتمعياً الثورة الصناعية والكشوف الجغرافية وصعود البرجوازية بعد سقوط الإقطاع… لقد كانت أوروبا تموج بالحركة والتغيير بينما الشرق العربي الإسلامي في ركود ونعاس”(10).
وبغض النظر عن الأساس الأخلاقي والقيمي الذي قامت عليه الديمقراطيات الأوروبية إلاَّ أنها “تفوق جميع الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي اليوم، بل أنها فوق ذلك تمثل تفوقاً على أكثر النظم السياسية التي عرفها التاريخ الإسلامي باستثناء الخلافة الراشدة وبعض النماذج التي استوحتها لاحقاً”(11).
إن الذي لا شك فيه مطلقاً هو أن الإسلام لم يكن سبباً في “التخلّف الديمقراطي” الحادث في العالم العربي- الإسلامي اليوم، بل وعلى العكس تماماً لقد أدى ابتعاد العرب والمسلمين عن النهج الإسلامي إلى الاعتداء على الحريات والحقوق وظهور أنظمة قمعية في العالمين العربي والإسلامي.
لقد أشار الكاتب جوسيب كولومير إلى أن القول بوجود تعارض بين الإسلام والديمقراطية قول يجانب الصواب. لقد أشار كولومير إلى أن الكاثوليكية –وليس الإسلام- هي التي كانت معوقاً للديمقراطية. لقد ظلت الكاثوليكية تمنع قيام الأحزاب أو الدخول فيها. وحتى عام 1931م منعت الكاثوليكية أنصارها من الدخول في الأحزاب والمشاركة في الانتخابات(12).
لقد أوضح الكاتب المذكور أعلاه أن الأنظمة غير الديمقراطية في العالم الإسلامي –باستثناء إيران وحركة طالبان المهزومة- ليست حكومات دينية وإن الإسلام يتفوق على الكاثوليكية لأن “تنظيم الهيئة الدينية في الإسلام أقل مركزية مما عليه الأمر في الكاثوليكية حيث لا يوجد باباً يملك سلطة مذهبية عليا أو يتحكم في تعيين ومراقبة المشايخ”(13).
إن غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي برغم مركزية الحرية في الإسلام يرجع إلى انفصال السياسة عن الدين في وقت مبكر. ففي عام 41هـ انتهت الخلافة الراشدة وتحولت أسس الاختيار من اختيار أهل الحل والعقد والبيعة إلى فرض الأمر بالقوة كما فعل معاوية بن أبي سفيان، بل زاد الأمر سوءاً وصية معاوية لابنه يزيد بالخلافة من بعده وهو ما يتعارض مع أسس اختيار الحكام في الإسلام.
وابتعد الخلفاء الأمويون والعباسيون عن النهج الإسلامي وانغمسوا في الملذات والمنكرات. يقول أبو الحسن علي الندوي أنه –وباستثناء عهد عمر بن عبد العزيز- وخلال العهدين (الأموي والعباسي) تولّى منصب الخلافة “رجال لم يكونوا له أكفاء، ولم يعدوا له عدة، ولم يأخذوا له أهبة، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية كما تلقى الأولون… ولم يكن لهم من روح الاجتهاد في سبيل الإسلام ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية”(14)وظل المسلمون في هذا الحال الذي أدى بهم إلى انحدار متواصل لم يستفيقوا منه إلاَّ مع الهجمة الاستعمارية الغربية عليه.
لقد أدى هذا الانفصال عن الدين وانحرافه عن جادة الحق إلى أن ابتعد الفقهاء عن الخوض في المسائل السياسية، ذلك أن مناقشة هذه المسائل وتوضيح رأي الإسلام فيها أصبح من الجرائم التي يستحق عليها الفقيه أقصى العقاب فآثر الفقهاء السلامة. وظهر اتجاه يحتقر السياسة ويطالب بعدم مخالطة الحكام. فعلى سبيل المثال يقول الغزالي “… ألاَّ تخالط الأمراء والسلاطين ولا تراهم، لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة”. وقال شيخ نهضة العالم الإسلامي وحامل لوائها الإمام محمد عبده “أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس” وقال علي الوردي “إن السياسة لا تدخل في شيء إلاَّ أفسدته”. بل تمنّى شاعر علوي عاصر الدولتين الأموية والعباسية دوام حكم بني أمية الجائر:
يا ليت جور بني مروان دام لنا يا ليت عدل بني العباس في النار
وطالب البعض بالعدل حتى وإن تحقق ذلك مع الاستبداد!!! فقال الإمام محمد عبده “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل: هل يعدم الشرق كله مستبداً من أهله عادلاً في قومه يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرناً”(15).
إن فكرة المستبد العادل كانت هي أس الداء وأساس البلاء في العالمين العربي والإسلامي، إذ كيف يمكن الجمع بين الاستبداد والعدل وهما متناقضان. لقد كانت هذه الفكرة هي الباب الذي دخل منه الطغاة والجبارين إلى حكم العالم العربي والإسلامي.
وفي غمرة الأحداث ظهرت تيارات إسلامية تقول بالتعارض بين الإسلام والديمقراطية وأثارت هذه الجماعات جملة من التحفظات يمكن تلخيصها في أن الديمقراطية لا تحدها حدود حيث يمكن أن تقرر ما يعارض المعلوم من الدين بالضرورة فضلاً عن كونها نظاماً غريباً على واقع العالم الإسلامي تماماً، ولا يمكن نقل نبتة معينة من مكان معيَّن واستنباتها في تربة ومناخ مغاير..
ولم تكن الديمقراطية والحرية خلال فترة الحكم الاستعماري للعالم العربي تعني شيئاً سوى التحرر من الحكم الأجنبي. ولم تكن القوى السياسية العربية التي وصلت إلى كراسي الحكم مهتمة بأمر الديمقراطية والحرية كما كانت مهتمة بأمر التحرر من الحكم الاستعماري وسيطرته.
وبالإضافة إلى ما أشرنا إليه من وجود تحفظات فكرية من بعض الجماعات الإسلامية على الديمقراطية في العالم العربي. إلاَّ أن هذه التحفظات لم تقتصر على الجماعات الدينية بل تحفظت عليها كذلك القوى القومية واليسارية “حيث لم يكن لديها فقط تحفظات جوهرية على ما يسمى بمفاهيم “الديمقراطية الليبرالية” أو “الديمقراطية البرجوازية”، أو “الديمقراطية الغربية”، بل استبعدتها كلياً من برامجها وممارساتها وحاولت تغيير الواقع على أساس نافٍ للديمقراطية… لقد سلك بعض القادة العرب “التقدميين” مسلكاً مناقضاً للديمقراطية”(16).
لذلك لم تصبر القيادات العربية “التقدمية” في مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952م سوى فترة قليلة قبل أن تعلن حل الأحزاب السياسية في مصر. لقد رأت القيادة آنذاك أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها مصر والتحديات الأجنبية لا تسمح بإطلاق الحريات التي تقوض الوحدة الوطنية للشعوب وتؤدي إلى فتح الباب أمام التدخلات الغربية والإسرائيلية.
لقد برزت في تلك الآونة شعارات تلقفتها الحكومات العربية مثل: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” لتكون هي الهادي للأنظمة السياسية العربية آنذاك.
لكن انهيار المعسكر الاشتراكي نهاية الثمانينات من القرن الماضي فتح الباب أمام مرحلة جديدة في العالم كله، وكان من المفترض أن يتأثر العالم العربي بهذا التحول، إلاَّ أن الدراسات المتعمقة تؤكد أن تأثر العالم العربي بالمناخ الذي ساد في أعقاب انتهاء الحرب الباردة لم يتعدَ القشور والمظاهر الخارجية ليغوص في أعماق الواقع العربي.
لقد أدت نهاية الحرب الباردة وانتصار المعسكر الغربي إلى فتح الباب واسعاً أمام الديمقراطية. لقد بادر المعسكر المنتصر في الحرب بفرض شروط الإصلاحات السياسية كأساس للتعامل مع الحكومات. وقد كان لذلك آثاراً بعيدة المدى في أجزاء واسعة من العالم. ففي أفريقيا –على سبيل المثال- أُجريت خلال الفترة الممتدة من 1990- 1993م إنتخابات رئاسية في 23 دولة أفريقية استطاعت قيادات جديدة أن تصل للسلطة خلفاً للحكام القدامى في 11 دولة منها بينما حافظت القيادات القديمة على السلطة (عبر صناديق الاقتراع) في 12 دولة أخرى.
إلاَّ أن الواقع السياسي العربي لم يتأثر كثيراً بالتغيرات التي طالت النظام الدولي في مجال الإصلاحات السياسية. فالأحزاب محظورة في عدد من الدول العربية مثل ليبيا والمملكة العربية السعودية والأمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. والسلطات التشريعية تقوم على أساس التعيين وتقتصر دورها على النواحي الاستشارية دون أن يكون لها صلاحيات تشريعية كما هو الحال في دولة الإمارات العربية المتحدة (المجلس الوطني الاتحادي) والمملكة العربية السعودية (مجلس الشورى). وفي عمان يحتفظ السلطان بالسلطة النهائية في العملية الانتخابية ويمكنه إلغاء الانتخابات.(17)
لقد كشف تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004م عن حقائق غير مشجعة فيما يتعلق بالحرية في العالم العربي. لقد أشار هذا التقرير الصادر عن الصندوق الإنمائي للأمم المتحدة UNDP، إلى أن العالم العربي يعاني من ثلاث نواقص أساسية لا بد من علاجها كأساس لأي نهضة يتوخاها العالم العربي. هذه النواقص الثلاث –حسب التقرير- تتمثل في: التعليم الجيد، الحرية، تمكين المرأة. وقد تقرر أن تفرد تقارير الأعوام الثلاثة اللاحقة لمناقشة هذه الموضوعات على التوالي. لذلك جاء تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 ليناقش قضية التعليم في العالم العربي كأساس للتنمية فيه. وناقش تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004م (وهو التقرير الذي سنتوقف عند محتوياته بشيء من التفصيل) موضوع الحرية في العالم العربي. بينما ناقش التقرير الذي صدر عام 2005م قضية تمكين المرأة من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية كشرط لنهضة العالم العربي.
الحرية في العالم العربي من خلال تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004م:

صدر هذا التقرير عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وبرنامج الخليج لدعم منظمات الأمم المتحدة، وعلى الرغم من أن مقولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قد وضعت في مكان بارز من غلاف التقرير “للتأكيد على أن قيمة الحرية قيمة أصيلة في التراث العربي الإسلامي”(18) إلاَّ أن خلاصة التقرير تشير إلى الغياب التام للحرية في العالم العربي اليوم.
أشار التقرير إلى أنه ومع انفتاح بعض الحكومات العربية بحذر على المعارضة، ومع التسليم بوجود بدايات للإصلاح في أكثر من مجال، إلاَّ أنه “وعند التمعن في مجمل التطورات التي أمكن رصدها… يمكن الخلوص إلى أن أزمة التنمية الإنسانية في البلدان العربية لم تشهد –بعد- إنفراجاً يعتد به” ويصف التقرير هذه الإصلاحات بأنها “جنينية ومتناثرة”(19)
ويؤكد التقرير على تدني مستوى الحرية في جميع البلدان العربية “وإن بدرجات متفاوتة” ويتعرض حق المواطن العربي في المشاركة السياسية للانتهاكات المستمرة إما برفض السلطات تأسيس جمعيات أو بحل الجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان.
وبإستثناءات قليلة، لا تجرى في البلدان العربية انتخابات رئاسية حرة يتنافس فيها أكثر من مرشح، ففي ثلاثة بلدان عربية فقط هي: السودان والجزائر واليمن. وفي رابعة تحت الاحتلال هي فلسطين يجرى انتخاب الرئيس انتخاباً مباشراً من خلال انتخابات يتنافس فيها أكثر من مرشح ويقيد الرئيس فيها بفترة محددة، وما زالت مصر وسوريا تعتمدان أسلوب الاستفتاء (تم تعديل المادة 76 من الدستور المصري بعد صدور التقرير- في مايو 2005م ليحل نظام الانتخاب المباشر محل الاستفتاء.
ورغم وجود مجالس نيابية فإن الغالب هو تزييف إرادة الناخبين مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الفئات الحاكمة نفسها.
في القسم الثاني من التقرير وتحت عنوان: السياق المجتمعي للحرية والحكم، سعى التقرير إلى تفسير تدني مستوى الحرية في العالم العربي من خلال البنية المؤسسية (القانونية والسياسية والاجتماعية) بالإضافة للبنية الخارجية كمحدد لمدى التمتع بالحرية والحكم الصالح(20).
ففيما يتعلق بالبنية القانونية تكتفي الدولة العربية –طبقاً للتقرير- بالمصادقة على بعض الاتفاقيات بينما لا تعترف بالآليات ودورها في تفعيل حقوق الإنسان.
ورغم أن غالبية الدساتير العربية (عدا ليبيا ودول مجلس التعاون الخليجي) تسمح بالظاهرة الحزبية. إلا أن هذه الدساتير تحيل إلى التشريع العادي أمر تنظيم الحريات والحقوق، ويجنح التشريع –غالباً- إلى تقييد هذا الحق ومصادرته، وهكذا تكون النصوص الدستورية التي تسمح بقيام الأحزاب السياسية مجرد واجهة تتفاخر بها الدولة أمام المجتمع الدولي.
ورغم، إجماع الدساتير العربية على استقلال القضاء، إلا أن وجود المخصصات المالية للقضاة في يد السلطة التنفيذية وتدخلها في التعيين والنقل والعزل يجعل القضاة غير مستقلين من الناحية الفعلية.
أما في مجال البنية السياسية يشير التقرير إلى أن “المجال السياسي وتحديداً بنية الدولة العربية هو مكان الخلل ومحوره “لأن الدولة العربية لا تترك مجالاً خارج نطاق تدخلها من المعتقد الشخصي إلى العلاقات الدولية” ويمنح رئيس الدولة سلطات غير محدودة باعتباره الرئيس الأعلى للجهاز التنفيذي والقوات المسلحة والخدمة المدنية والقضاء.
كذلك تضع الدول –التي تسمح بالعمل الحزبي- عراقيل في وجه المعارضة، وتتمثل هذه العراقيل في: الحرمان من الموارد، الحرمان من التغطية الإعلامية، التحكّم في إجراءات الترشيح والانتخاب، تحجيم نشاط المعارضة من خلال استخدام القضاء والأجهزة الأمنية، ملاحقة قادة المعارضة …الخ. وعلى الرغم من انتشار منظمات المجتمع المدني في العالم العربي (وصل عددها إلى أكثر من 130.000 عام 2003م)، فإن هذه المنظمات ليس لها أثر على أرض الواقع بسبب سعي الحكومات المستمر لتحجيم نشاطها وإفراغها من محتواها والهيمنة عليها من خلال الاحتواء والقمع.
وينتشر الفساد في جميع أرجاء الوطن العربي، ويصف التقرير الفساد السائد في العالم العربي بأنه “فساد بنيوي” ويعرفه على أنه هو الحالة التي يكون فيها الاستغلال الشخصي للمنصب والتصرف في المال العام أمراً طبيعياً في العرف السائد”.
أما في مجال البنية الاجتماعية العربية فقد جاء في التقرير أن هذه البنية “تحمل وأد الديمقراطية” لأن التنظيم المجتمعي في العالم العربي يمثل سلسلة من الحلقات تبدأ من الأسرة ثم معاهد التعليم ثم عالم العمل وانتهاء بالسياسة، وتقتص كل حلقة من هذه الحلقات قسطاً من حرية الفرد وتسلمه إلى الحلقة التالية من السلسلة والتي تقتص –بدورها – جزءاً آخر وهكذا حتى نهاية الحلقات، ويشكل تكامل هذه الحلقات “نظاماً قسرياً عالي الكفاءة”.
كذلك يتحدث التقرير عن البنية الإقليمية والعالمية، وفي هذا الصدد يشير التقرير إلى أن الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي قد شهدت تحولاً نحو الإصلاح السياسي وانعكس ذلك على العالم العربي. إلاَّ أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد انعكست آثارها السالبة مباشرة على العرب الذين أصبحوا ضحايا للمضايقة غير المبررة والتنميط، ودعا التقرير إلى ضرورة “فك الارتباط الجائر والبالغ الضرر بين الإرهاب من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى”(21).
أسباب غياب الحرية والتعددية السياسية عن العالم العربي:
إن الذي أوردناه أعلاه، هو جزء مما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية والذي قدّم توصيفاً دقيقاً لحالة الحرية والتعددية السياسية في العالم العربي، ولكن لا يزال السؤال الملح هو: ما الذي أدى إلى هذا التدهور في الحرية والديمقراطية في العالم العربي؟
بالطبع ليست الإجابة على هذا السؤال بالأمر الهيِّن، ذلك أن عدة عوامل قد تضافرت لتؤدي إلى هذه الحالة. هذه العوامل –يعتقد الباحث- أنها تتمثل في الآتي:-
1/ كيفية وصول الحكّام العرب إلى السلطة:
إن كيفية وصول القيادات العربية إلى كراسي الحكم والأسس التي تستند إليها في شرعيتها يمكن أن توضح جزءاً من الحقيقة. لقد وصفت هذه القيادات بأنها “قيادات وصلت إلى السلطة قبل أن تولد أغلبية شعبها… طابعها الاستبداد بالسلطة والاستئثار بالثروة … حكاماً لم يستحقوا مناصبهم بالمواهب والكفاءات المتميزة، ولم يصلوا إليها بالاختيار الشعبي الحر، بل اغتصبوها في ظروف غير طبيعية، وعلى حين غفلة من شعوبهم، على ظهر دبابة وبتزكية استعمارية في أغلب الأحوال(22).
لقد وصلت أغلب السلطات السياسية العربية إلى الحكم إما متحالفة مع الاستعمار ثم عمدت إلى إقامة أنظمة وراثية (ملكية أو أميرية)، أو استولت على السلطة عن طريق انقلاب عسكري ثم استمرت في السلطة استناداً إلى (شرعية القوة)!! إذا جاز القول.
وبالتالي، فقد أدركت هذه القيادات، خاصة بالنظر إلى تاريخها وممارساتها في السلطة، أن فتح الباب أمام التعددية السياسية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع يعني –دون شك- ذهابها عن السلطة. وعليه فإن الدعوة للإصلاحات السياسية العربية ونشر الديمقراطية تتعارض جوهرياً مع مصالح الفئات الحاكمة اليوم مما جعلها ألد أعداء التعددية ودعاتها.
وحفاظاً على مواقعها، اختلقت هذه القيادات أعذاراً وهمية لشعوبها المتشوقة للديمقراطية فزعمت بأن الانفتاح والاعتراف بالتعدد العرقي والثقافي يقود إلى فصم عرى الوحدة الوطنية ويجعل الدولة عرضة لـ “المؤامرات الصهيونية”.
ونادت قيادات أخرى بضرورة رفض (الديمقراطية الغربية) في العالم الإسلامي. فعلى سبيل المثال عبّرت القيادة السعودية مراراً عن رفضها تطبيق المباديء الديمقراطية في المملكة، ففي حديث للملك فهد –رحمه الله- عام 1992م جاء الآتي:-
“نظام الديمقراطيات السائد في العالم لا يصلح لنا في هذه المنطقة. شعوبنا في تكويناتها وخصوصياتها تختلف عن خصوصيات ذلك العالم … نحن لا نستطيع أن نستورد طريقة تعامل تلك الشعوب لتطبيقها على شعوبنا … إن نظام الانتخاب الحر لا يصلح لبلادنا في المملكة العربية السعودية فهذه البلاد لها خاصية ينبغي أن ندركها”(23).
بل عبّرت القيادة السعودية عن موقفها من الديمقراطية صراحة بأنها تعارض المفاهيم الإسلامية “وإن المملكة غير مستعدة لتطبيق مفاهيم تتعارض مع تعاليم الإسلام ومبادئه”(24).
لقد كان موقف الحكّام العرب من الديمقراطية والإصلاح السياسي –للأسباب التي أشرنا إليها آنفاً- عقبة رئيسية في طريق الإصلاح الديمقراطي المنشود. لكن ما تجدر الإشارة إليه هو التناقض الواضح والازدواجية في المعايير التي يستخدمها الغرب في هذا الصدد. فعلى الرغم من المواقف المعلنة للغرب من الإصلاح السياسي وجعله شرطاً أساسياً للتعامل مع الدول. إلاَ أن المراقب للأوضاع يلاحظ أن الغرب يتعامل مع دول ترفض الديمقراطية وتنتهك أبسط حقوق الإنسان، بينما يرفض التعامل مع دول أخرى أكثر ديمقراطية والتزاماً بمباديء حقوق الإنسـان.
إن المعيار في ذلك هو مدى إمكانية انسياب مصالح الغرب في ظل الأنظمة القائمة، فإذا ضمن الغرب انسياب مصالحه في ظل أنظمة قهرية فإنه يغض الطرف عن ممارستها من أجل ضمان انسياب مصالحه، بينما يستخدم حجة الدكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان ضد الأنظمة السياسية التي تعترض تحقيق مصالحه ولعل أوضح الأمثلة على ذلك هو ما جرى في العراق مقابل صمت الغرب عما يجري في دول نفطية أخرى!! وهكذا تنهزم المباديء أمام المصالح فيما يتعلق بالإصلاح السياسي القادم من الخارج في العالم العربي.
2/ ضعف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني العربية:
لعل من أهم الأسباب التي قادت إلى تعثّر الإصلاح السياسي في الوطن العربي هو ضعف الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني. فالظاهرة الحزبية غير موجودة في عدد من الدول العربية مثل ليبيا ودول مجلس التعاون الخليجي. بالإضافة إلى سيادة نظام الحزب الواحد “الاستيعابي” في عدد من الدول العربية الأخرى. وكما أشار تقرير التنمية الإنسانية فإنه، حتى في حالة الدول التي تعترف بالتعددية السياسية في دساتيرها، فإنها تحيل أمر تنظيم التعددية السياسية إلى القوانين العادية والتي تعمل –بدورها- على تقييد حرية التنظيم إلى أقصى حد ممكن.
أما منظمات المجتمع المدني العربية فعلى الرغم من انتشارها حيث تقول بعض الدراسات أن عددها يتجاوز المائة وخمسين ألف منظمة أهلية، إلا أن هذه المنظمات ليست لها أثر واضح على أرض الواقع وذلك بسبب بنائها الهش وهياكلها التنظيمية الضعيفة وضعف مواردها، فضلاً عن المضايقات الشديدة التي تتعرض لها من قبل السلطات الحاكمة التي تعمل جاهدة على إضعافها وتهميشها.
ولا شك أن ضعف الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني يحول دون وجود ديمقراطية حقيقية، ذلك أن الأحزاب والمنظمات الأهلية هي الأساس الذي تنهض على أساسه الديمقراطية.
3/ عنف السلطات الحاكمة:
إن الديمقراطية تتطلب حصر استخدام القوة في أضيق نطاق ممكن، وكلما ابتعدت السلطات عن استخدام أدوات القمع كلما كانت أقرب إلى روح الديمقراطية، والعكس كلما اعتمدت على القوة وسيلة للحفاظ على النظام كلما اقتربت من الشمولية والدكتاتورية.
وإذا أمعنا النظر في حالة الدول العربية لوجدنا أن هذه الأنظمة تقوم أساساً على (شرعية القوة)!! أي أن أهم ما تستند إليه السلطات الحاكمة هو قدرتها على فرض إرادتها على المواطنين مستخدمة أدوات القهر والقوة، وهذا يتناقض ابتداءاً مع المبدأ الديمقراطي كما أشرنا سابقاً.
لكن، ولأن شرعية هذه الأنظمة هي مصدر محاجاة في أوساط القوى السياسية الأخرى، فإن الطريق الوحيد لاستمرارها هو قمع المعارضين السياسيين والزج بهم في السجون وتصفيتهم جسدياً في بعض الأحيان. مما جعل تكاليف الدعوة للديمقراطية والمضي في طريق الضغط من أجل تحقيق الإصلاح السياسي كبيرة للغاية، وقد انعكس ذلك سلباً على مسيرة الديمقراطية والمطالبة بالإصلاحات السياسية المطلوبة.
4/ العامل الخارجي:
لعل ما يثير الانتباه هو التناقض في مواقف الدول الغربية. فعلى الرغم من حديثها المتكرر عن الإصلاح السياسي ودعوتها الجهيرة لنشر الديمقراطية في العالم، إلاَّ أن التمعّن في الحالة العربية يوضح أن الدول الغربية –الداعية للتعددية والديمقراطية- هي من أكبر العقبات أمام نشر الديمقراطية.
إن مساندة الدول الغربية للأنظمة العربية القمعية وللأسباب التي بيّناها آنفاً، تقف حجر عثرة أمام التحولات الديمقراطية، وبدلاً من أن تكون الدول الغربية يداً تساعد الجماعات الداعية للديمقراطية والإصلاح السياسي فإنها في الغالب –وعبر مراحل التاريخ المختلفة- كانت يداً على هذه القوى الاجتماعية الديمقراطية ومساندة للأنظمة السياسية الديكتاتورية في المنطقة وذلك بسبب سيادة المصالح على المباديء.
وهكذا فإن الطريقة التي وصل بها الحكام العرب للسلطة، وضعف الأحزاب والمجتمع المدني العربي، بالإضافة إلى عنف السلطات الحاكمة والتدخلات الخارجية لصالح الأنظمة الحاكمة (غير الديمقراطية)، هي الأسباب الرئيسية –حسب اعتقاد الباحث- التي أدت إلى غياب الديمقراطية والتعددية عن العالم العربي. فما هو الطريق للوصول إلى ديمقراطية حقيقية تعترف بالتعدد العرقي والثقافي الذي يكتنف العالم العربي. هذا ما تسعى الورقة للإجابة عليه في الجزء التالي.
ثالثاً: جهود ومستقبل التعددية والإصلاح السياسي في العالم العربي:
كما سبقت الإشارة، فإن المعسكر الغربي اشترط بعد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي ضرورة الالتزام بالإصلاحات السياسية كأساس للتعامل، وشملت الإصلاحات المطلوبة (احترام حقوق الإنسان، الاعتراف بالتعددية السياسية، إطلاق الحريات الديمقراطية، قيام الانتخابات، الاعتراف بحقوق الأقليات، إقامة الحكم الراشد القائم على الشفافية والمحاسبية …الخ).
لقد شجّع هذا التوجّه الجديد الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأقليات العرقية والثقافية على الضغط على الحكومات من أجل بسط الحريات العامة والاتجاه نحو التعددية السياسية.
لقد برزت الحركات الداعية للإصلاح السياسي في العالم العربي بصورة لم يشهدها من قبل، حيث عقدت مؤتمرات وندوات وورش عمل للحديث عن الديمقراطية والإصلاح السياسي بالعالم العربي. وطالبت جماعات معارضة حكوماتها بإجراء تعديلات في الدساتير والقوانين بما يسمح بقيام أحزاب للمعارضة وانتخاب للقيادات التشريعية والتنفيذية، وعلى العموم، أصبحت الديمقراطية حاضرة بإلحاح في أجندة القوى السياسية العربية.
لكن الملاحظ هو أنه لا يزال البون شاسعاً والشقة كبيرة بين المثال المطلوب للتطبيق والواقع العربي الماثل مما جعل كتّاب التقرير يصفون ما تحقق من إصلاحات سياسية بأنه “جنيني ومتناثر”.
لقد أدى ذلك إلى إثارة سؤال جوهري وهو: ما مدى قدرة الأحزاب السياسية المعارضة وتنظيمات المجتمع المدني العربية على إحداث تغييرات جذرية تطال البنية السياسية الحاكمة وأسس الشرعية التي تنهض عليها؟
لقد اختلفت الآراء حول الإجابة على هذا السؤال ولكن يمكن التمييز بين اتجاهين رئيسيين حول هذا الموضوع:
الاتجاه الأول: يرى أن هذه القوى غير قادرة على إحداث التغيير المطلوب ذلك أن هذه القوى لم تستطع –بعد- رص صفوفها من أجل مواجهة الحكام. فضلاً عن خبرتها السياسية الضعيفة بسبب عدم السماح بقيام أحزاب معارضة في عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى الرأي العام العربي السلبي تجاه هذا الموضوع خاصة في الدول النفطية التي لا يهتم المواطن فيها كثيراً بأمر السياسة.
ويرى هذا الاتجاه بأن هذه الأسباب، مقترنة بدعم الدول الكبرى لهذه الأنظمة، يجعل أي حديث عن تغييرات جذرية تطال أسس هذه الأنظمة هو ضرب من الترهات! ويرى هذا الاتجاه أنه إذا ما قدر للعالم العربي الانتقال إلى الديمقراطية وقيام أنظمة سياسية على أساس الانتخاب الحر المباشر فإن هذا يحتاج إلى عقود من الزمان وبصورة تدريجية.
أما الاتجاه الثاني فيرى أن التغيير وشيك ذلك أن التحولات الدولية، مقترنة بالتطور الهائل في وسائل وتقانة الاتصالات تجعل من الصعوبة بمكان على هذه الأنظمة الاستمرار بمنهجها القديم. ويتطلب استمرارها في الحكم تغيير أسس الشرعية التي كانت تستند إليها آنفاً مثل الأبوية والأتوقراطية العسكرية. لكن البحث عن أسس جديدة للشرعية سيفضي بهذه الأنظمة إلى التحوّل الديمقراطي.
هذا الرأي الأخير هو ما يعتقد الباحث بصحته، لأن العالم كله يتجه صوب الديمقراطية والإصلاحات السياسية، وإن محاولة الأنظمة العربية المحافظة على الأوضاع السابقة يعد سباحة ضد تيار الإصلاح الذي انتظم العالم. وستسهم التطورات التقانية الهائلة على إحداث تحولات جذرية في هذه المجتمعات بصورة تجعل هذه الشعوب غير قابلة للتكيف مع الأوضاع التي كانت سائدة في السابق. أما القول بأن مساندة الغرب لبعض الدول التي لا تعترف بالتعددية سيعوق الديمقراطية في العالم فإنه –في اعتقاد الباحث- غير صحيح فهذه المساندة هي مساندة مرحلية ذلك أن هذه الدول تسعى للحفاظ على مصالحها في المرحلة الراهنة من خلال الإبقاء على هذه الأنظمة، لكن هذه الدول تسعى –مستقبلاً- للتوفيق بين مصالحها ودعوتها للديمقراطية، وذلك من خلال السعي لوصول قيادات منتخبة من قبل الشعب تضمن انسياب مصالحها، وستستخدم هذه الدول عدة وسائل لتحقيق ذلك من أبرزها مساندة قوى وجماعات وشخصيات سياسية ذات ولاء للغرب. في ذات الوقت لن تستطيع هذه الدول الاستمرار في دعم أنظمة غير ديمقراطية لأن ذلك يفقدها مصداقيتها أمام العالم وهو ما لا ترغب فيه هذه الدول.
لذلك يرى الباحث أن الأوضاع في العالم العربي لن تستمر على ما هو عليه، بل ستحدث تحولات كبيرة في العالم العربي تؤدي إلى تدعيم الديمقراطية. لقد أشار تقرير التنمية الإنسانية وتحت عنوان: “بدائل مستقبل الحرية والحكم” إلى أن هنالك بدائل أمام العالم العربي تتمثل في الآتي25)
1-ما سمَّاه التقرير بـ “مسار الخراب الآتي” وعرفه التقرير بأنه هو استمرار الأوضاع العربية على ما هي عليه.
2-ما سمَّاه التقرير “مسار الازدهار الإنساني” ويعني التداول السلمي للسلطة.
3-الخيار الملتبس –حسب التقرير- وقصد به الإصلاح السياسي المدفوع من الخارج.
ومن بين هذه الخيارات إنحاز التقرير للخيار الثاني “مسار الازدهار الإنساني”. ورغم تحفظه على الإصلاح المدفوع من الخارج إلاَّ أن التقرير دعا إلى “التعامل الإيجابي مع المبادرات الخارجية مع التأكيد على ضرورة أن يسعى العرب لإيجاد طريقهم الخاص للحرية والحكم الصالح”.
ولا شك أن سعي العرب لإيجاد طريقهم الخاص للحرية والحكم الصالح هو ما ينبغي أن تنصرف الجهود لدراسته ومناقشته، وهذا من البديهيات ذلك أن الديمقراطية ليست شكلاً جامداً يمكن استعارته من مكان إلى آخر، وإنما هي مجموعة قيم تتمثل في الحرية والمساواة والتداول السلمي للسلطة والشفافية وحق الشعب في مساءلة حكامه …الخ، أما الأشكال فهي متروكة لظروف الزمان والمكان، وللعرب أن يختاروا –مراعين لأحكام الزمان والمكان- النظام الذي يرتضونه، ولا غرابة في ذلك فحتى في الغرب ورغم تأكيده على القيم الديمقراطية، إلاَّ أنه طبّق أشكالاً ديمقراطية مختلفة فطبّق البريطانيون النظام البرلماني والأمريكيون النظام الرئاسي والفرنسيون نظام الحكومة المختلطة وهكذا..
لكن أهم الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها نظام الحكم في العالم العربي تتمثل في الآتي26)
1.صيانة الحرية بما يضمن توسيع الخيارات أمام الناس.
2.المشاركة الشعبية والتمثيل الشامل لكل الناس.
3.قيام المؤسسات على أساس من الشفافية والخضوع للمساءلة.
4.المساواة أمام القانون.
5.القضاء المستقل عن السلطة التنفيذية.
6.احترام حقوق المواطنة، والموازنة بين الحرية والآليات الديمقراطية السليمة.
على أن ما تجدر الإشارة إليه في ختام هذه الورقة هو أن قيم الحرية والمساواة والحكم الراشد والتداول السلمي للسلطة والاعتراف بالآخر هي قيم إنسانية عامة وهي تمثل محور القيم الإسلامية، وبالتالي ينبغي التعامل بإيجابية معها وعدم رفضها بحجة أنها مفروضة من الغرب، مع التأكيد على ضرورة التعامل بحذر مع الدول الكبرى والسعي لمعرفة أهدافها الحقيقية من وراء دعوتها لنشر الديمقراطية، والمصالح التي تسعى لتحقيقها في العالم العربي وما إذا كان ذلك يتعارض مع مصالح العالم العربي دون تفريط ولا إفراط.
خلاصة:
نخلص مما سبق إلى أن العالم العربي يتميز بتنوّع عرقي وديني وثقافي الأمر الذي يتطلب تعددية سياسية تمكن الجماعات المختلفة داخل الدول العربية من التعبير عن اختلافاتها. في ذات الوقت فإن القيم الثقافية السائدة في العالم العربي تشجع الحرية والتعددية وتعترف بالآخر وهي قيم مستمدة في الغالب من الفكر الإسلامي. ومع ذلك فإن التعددية السياسية غائبة عن العالم العربي.
إن أهم أسباب غياب الحرية والتعددية عن العالم العربي تتمثل في معارضة السلطات العربية الحاكمة لمبدأ الإصلاح الذي يتعارض مع مصلحتها واستمرارها في الحكم، بالإضافة إلى ضعف الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني العربية، وأساليب القمع التي تستخدمها الأنظمة العربية، بالإضافة إلى دعم بعض الدول الكبرى للأنظمة العربية الحاكمة لضمان انسياب مصالحها.
إلاَّ أن التطورات العالمية، والاتجاه العالمي نحو التعددية، يجبر الأنظمة السياسية على التعاطي مع هذا الواقع الجديد ويجبر الدول الغربية على مساندة الإصلاح الذي تنادي به، وتعتبر المرحلة الحالية مرحلة إنتقالية ستعمل الدول الغربية بعدها على التوفيق بين مصالحها وبين دعوتها للديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع وهو ما يشير إلى إمكانية الإطاحة ببعض الأنظمة العربية القائمة على الثورات بالإضافة إلى بعض الأنظمة العسكرية الشمولية القائمة على أساس الحزب الواحد خلال عقد أو اثنين من الزمان.
المراجـــع:
1-نيفين عبد المنعم مسعد، الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي، مركز البحوث والدراسات السياسية، القاهرة، 1988م، ص1.
2-ثناء عبد الله فؤاد، “آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي”، مجلة المستقبل العربي، العدد 313، مارس 2005م، ص90 – 91.
3-المرجع السابق، ص91.
4-راشد الغنوشي، من الفكر الإسلامي في تونس، الجزء الأول، بدون تاريخ، ص144- 145.
5-مركز دراسات الإسلام والديمقراطية، قراءات في الإسلام والديمقراطية، واشنطون، 2007، ص73.
6-المرجع السابق، ص65 – 66.
7-نقلاً عن: محمد عمارة، الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية. دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1980م، ص80- 81.
8-السيد محمد حسن الأمين، الاجتماع العربي الإسلامي: مراجعات في التعددية والنهضة والتنوير، دار الهادي. بيروت، 2003م، ص143.
9-حيدر إبراهيم علي، “تجدد الاستبداد في الدول العربية: الدور المستقبلي للأمنوقراطية”، مجلة المستقبل العربي، العدد 313، مارس 2005، ص60- 61.
10-المرجع السابق، ص61.
11-عبد الوهاب أحمد الأفندي، الإسلام والدولة الحديثة، دار الحكمة، لندن، بدون تاريخ، ص37.
12-www. CERD.com.
13-المرجع السابق.
14-أبو الحسن علي الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، دار الأنصار، القاهرة، الطبعة العاشرة، 1977م، ص147.
15-محمد جابر الأنصاري، العرب والسياسة: أين الخلل؟ دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2000م، ص17- 23.
16-علي خليفة الكواري (تحرير)، أزمة الديمقراطية في البلدان العربية: اعتراضات وتحفظات على الديمقراطية في العالم العربي، دار الساقي، بيروت، 2004م، ص20.
17-عدنان محمد الهياجنة، “هل للديمقراطية مستقبل في دول الخليج العربي”، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد (15)، صيف 2007، ص32- 36.
18-د. نادر فرجاني رئيس الفريق الذي أعد تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004م في حوار مع مجلة المحيط الثقافي، العدد 44، يونيو 2005م، ص25.
19-صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004م، عمان، 2005م، ص7.
20-المرجع السابق، ص99- 118.
21-المرجع السابق ص123.
22-محمد ودفال المجتبى، التعددية في العالم العربي في:
23-ثناء فؤاد عبد الله، مرجع سابق، ص107.
24-علي خليفة الكواري، مرجع سابق، ص28.
25-تقرير التنمية الإنسانية العربية، مرجع سابق، ص18.
26-المرجع السابق، ص43.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.