ورشة: مفاهيم الحرية : على خلفية الميراث المعرفي الماثل اليوم

التعددية في العالم العربي: المفارقة بين الواقع الثقافي والممارسات السياسية
30 أغسطس، 2016
مفاهيم في نظريات العنف السياسي المعاصر
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
مركز التنوير المعرفي
ورشة: مفاهيم الحرية
على خلفية الميراث المعرفي الماثل اليوم
د. إسماعيل الحاج موسي
فاتحة:-
هذا العنوان، الذي تفضّل الأخوة في دائرة العلوم السياسية بمركز التنوير المعرفي، وطلبوا مني أن أكتب ورقة حوله، ربما تطلب مني أن أبدأ أولاً بالبحث عن معاني مصطلح (الحرية)، وقبل أن أتوسع في مناقشة مفهومه…
وأقول – بدايةً – أنني لا أميل كثيراً للدخول في المتاهات اللفظية واللغوية والدوران في حلقات التعريفات، التي تكون في معظم الأحيان، حلقات مفرغة.. فالتعريفات قد تكون أحياناً أشبه بالغابة المزدحمة الأشجار الشائكة الأغصان أو كالبحر المترامي الآماد البعيد السواحل..
ورغم ذلك فإننا نجد أنفسنا أحياناً أمام جدوى – وربما ضرورة – محاولة التعريف بمصطلحٍ ما قبل الخوض في أي أبعادٍ أخُرى له…
مع العلم بأنه من الصعب – أن ليس من المستحيل – أن نصف أي تعريف، لأي مصطلح، بأنه تعريفٌ جامعٌ مانع.. فأي مصطلح يمكن أن يجد تعريفات كثيرة متعددة ومتنوعة.. وكلها قد يكون فيها قدر كبير من الصحة حسب أسباب التعريف وأغراضه، وحسب الزوايا التي ينظر منها الباحث إلى المصطلح…
ومصطلح الحرية بالذات من المصطلحات التي أكثر وغالى الناس في استخدامها والحديث عنها… وبصورةٍ تكاد أحياناً تلامس حدود الإبتزال.. فهو من المصطلحات التي أفترى الناس عليها كثيراً حتى أصبحت ثوباً واسعاً فضفاضاً وساحةً شاسعةً لا يُحد أفقها ولا يُدَركُ مداها..!!
ولكنني – على كل حال – لا أجد بُداً – ونحن نتحدث عن “المفهوم” ، أن أستعرض بسرعة واقتضاب بعض التعريفات لهذا المصطلح، كما وردت في بعض المعاجم والقواميس والموسوعات، وعند بعض الكُتاب الذين تناولوا هذا المصطلح شرحاً أو استخداماً…
محيط المحيط:-
ففي محيط المحيط، وهو من القواميس العصرية المطَّولة للغة العربية، للمُعلم بطرس البستاني، صاحب “دائرة المعارف”، نجد:-
-حرر الرقبة تحريراً بمعنى أعتقها…
-حرر الكتاب أي قوَمَّه وحسّنه، وخاصةً بإقامةِ حروفه وإصلاح سَقطَهِ…
-وحرر الوزن أي ضبطه بالتدقيق … ومنه قول الشاعر:-
كأن خديه دينار أن قد قُسما ……. حررهما صيرفي الحُسن واحتاطا.
-وحرر الولد أي أفرزه لطاعة الله وخدمة المسجد .. وفي صورة آل عمران “رَبِّ إِنّيِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً… ” قيل مُعتقاً لخدمة الرب لا أشغله بشيء مخلصاً للعبادة…
وفي تعريف ” الحرية ” يقول ” محيط البستاني “:-
الحرية : حالة الحُر وهي ضد الرق وحقيقتها الخصلة المنسوبة إلى الحُر…
والحرية في اصطلاح أهل الحقيقة هي الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والأغيار.. ولها مراتب .. وهي حرية العامة من رق الشهوات، وحرية الخاصة من رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق…
المعجم الوسيط:-
أما (المعجم الوسيط)، الذي أشرف على إعداده عددٌ من أعضاء المجمع اللغوي بالقاهرة، ومنهم الدكتور إبراهيم أنيس والدكتور عبد الحليم منتصر والأستاذ محمد حلف الله أحمد وآخرين، فيُعَّرف “الحر” بأنه الخالص من الشوائب.. يُقال فرسُ حُر أي عتيق الأصل – والخالص من الرق… والحر من القول أو الفعل الحسَن منه.. يُقال هذا حُر الكلام… وما هذا منك بحُر، أي ليس بحسَن ولا جميل..
أما الحرية فإن المعجم الوسيط يعرفها بأنها الخلوص من الشوائب أو الرق أو اللوم.. كَون الشَعبُ أو الرجلُ حُراً … ويُعَّرِف ” الاقتصاد الحر ” بأنه يعني مذهب اقتصادي يرمي إلى إعفاء التجارة الدولية من القيود والرسوم..
قاموس علم الاجتماع:-
وأما قاموس “علم الاجتماع” للدكتور محمد عاطف غيث فيقول في الحرية، أن الاستخدام العام لهذا المصطلح يشير إلى التحرر من القيود التي يفرضها شخصٌ معين على شخصٍ آخر.. ويذكر أن تاريخ هذا المصطلح ينطوي على الكثير من التعريفات بعضها يساير المعنى السابق للحرية.. أما البعض الآخر فإنه يميل إلى القول بأن الحرية في الواقع تتوقف على وجود الظروف أو الفرص الضرورية التي تسمح بتطور ونمو قدرات المرء..
ويُعد كلٌ من هوبز وجون استوارت ميل من بين الذين تناولوا مفهوم الحرية بمعناه الشائع .. فالإنسان الحر في رأي هوبز هو الذي يستطيع أن يفعل ما يريد بإرادته وقدراته..ويؤكد البعض من ناحيةٍ أُخرى أن الحرية تشير إلى أسلوبٍ مُحدَد في الحياة يتمثل في القيام بالأفعال التي تتطابق مع القانون الأخلاقي أو المنطق، وقد ذهب كارليل في هذا الصدد إلى القول أن الإنسان الحُر حقاً هو الذي يستطيع أن يكتشف الطريق الصحيح وأن يسير عليه…
ويُشكل مصطلح (الحرية) في أعمال جرين Green وهيجل Hegel جانباً رئيسياً من الفلسفة السياسية، فالحرية الأخلاقية – كما يقول جرين – هي تحديد الإرادة بواسطة العقل… أما هيجل فأنه يربط الحرية بالدولة.. فالدولة هي الكيان الأخلاقي وهي التي تعمل على تحقق الحرية طالما أن الفرد يجد ذاته من خلال خدمة الدولة..
ويرتبط مفهوم الحرية بمجموعة مفاهيم أخرى مثل المساواة والعدالة والأمن.. والحرية ترتبط في المفهوم الديمقراطي بحرية الاختيار في ظل التعدد الحزبي وبحرية التنظيم وحرية التعبير وغيرها كمقومات أساسية للديمقراطية…
وحول تعريف (الإرادة الحرة) يقول “قاموس علم الاجتماع” إرادة حرة” Free will هي مذهب في علم الاجتماع تقوم دعواه الأساسية على حرية الفرد في اختيار أفعاله.. وهذا يعني أن سلوكه لا يتحدد كليةً أو بطريقةٍ مُسبَقة عن طريق عوامل خارجة عن نطاق تحكمه، وعلى ذلك تكون العلوم الاجتماعية بوجه عام علوم “حتمية” لأنها تدرس السلوك الإنساني وتفسره على أنه نتيجة لعوامل ثقافية واجتماعية سيكولوجية وفسيولوجية .. وهي عوامل تكون غالباً بعيدة عن تناول الفرد أو قدرته على التحكم وقد يخلق ذلك شعوراً بأن هذه العلوم ترفض من الأساس وجود الإرادة الحرة.. وممّا يزيد من رسوخ هذا الشعور أن الثقافة في رأي بعض الدارسين تقيد حرية الفرد، وتُحَدد حرية الفعل من خلال ما تفرضه من معايير وقيم وجزاءات وتوقعات اجتماعية للدور.. إلا أنه من المفيد هنا أن نقرر أن الثقافة بقدر ما تصنع القيود التي تحدد اندفاعات الفرد فإنها تضع إطاراً يتحرك فيه الإنسان بحرية…
تزود الثقافة الإنسان بالمفهوم الدقيق للحرية، لأنها في الحقيقة تصنع أفكاره وآماله وهي وحدها التي تُمَّكنه من الاختيار عن طريق ميكانيزمات فسيولوجية موروثة، وهي في ذلك لا تملك إلا قدراً ضئيلاً من حرية الاختيار، أما الإنسان فهو وحده الذي لديه الطرق البديلة والمُتاحة للفعل، ويرجع ذلك إلى طبيعته المرنة وإلى التنوع الغني لكل ثقافة، يضاف إلى ذلك أن الحياة الثقافية والاجتماعية والسيكولوجية معقدة جداً إلى درجة أن صرامة المعايير الاجتماعية وثباتها ووجود نموذج معين من بناء الشخصية لا يجعلان الفعل الإنساني آلياً وبسيطاً بالضرورة.. والواقع أن المزيج الخاص لحياة كل فرد من الأفراد يُعتبر مزيجاً فريداً من نوعه.. ففي أي لحظة من لحظات الزمن تقوم الذات الفردية كوحدة لها رغباتها الشخصية وتمايزاتها عن الآخرين .. إذاً .. يمكن القول بأن (الإرادة الحرة)، من المنظور السوسيولوجي – هي الامتثال للدوافع الداخلية ولكن في حدود الاختيار بين البدائل الكثيرة للسلوك التي تتيحها الثقافة.. ويرى كثير من علماء الاجتماع، أنه بدون افتراض وجود إرادة حرة في توقعاتنا الاجتماعية فإن الحياة تتحول إلى رحلة مملة أو ربما مستحيلة، فالحياة الاجتماعية تتطلب الأصالة والفردية مثلما تحتاج إلى قابلية التنبؤ والامتثال..
موسوعة الهلال الاشتراكية:-
وأما “موسوعة الهلال الاشتراكية”، التي أسهم في وضعها كُلٌ من الأساتذة كامل زهيري، محمد حلمي مراد، محمود أمين العالم، راشد البراوي وآخرين، فتقول في تعريفها للحرية إن الحرية (من الناحية البيولوجية هي فقدان الإرغام، ومن الناحية النفسية هي القدرة على الاختيار بين عدة حلول، ومن الناحية الفلسفية هي الوجود نفسه، لأن الموجود لا يتحدد إلا من خلال حريته).
وبعض الفلاسفة يعتقدون أنه ليس من المجدي أن نشغل أنفسنا بتحديد أو تعريف الحرية لأن الحرية – على حد قولهم – ليست شيئاً موضوعياً أو عقلياً، فإذا عُرفت الحرية أنها انعدام القيود فهذا لا يعدو أن يكون تعريفاً بسيطاً وساذجاً لأنه لا يفعل أكثر من أن يعرف الشيء بنقيضه..وثمة فلاسفة آخرون، كشوبنهور وبيل مثلاً، يقولون إن الإنسان فريسة وهَمَ اسمه الحرية… ورغم هذا الموقف فإن محاولات عديدة بُذلت لتعريف الحرية.. فموسعة الهلال، التي أشرنا إليها، تورد بعض التعريفات التي منها:-
1-أن الحرية بالمعنى البيولوجي هي فقدان الإرغام أو القسر.. والابيقورية، وهي واحدة من ثلاث مدارس فلسفية أفرزتها فلسفة سقراط… تقول إن الإنسان يكون حراً حين لا يكون هناك قيد على رغباته… ومع ذلك فهناك رغبات نقاومها لأن نتائجها خطيرة على الجسم، أو لأن العقل يعارضها.. وأفلاطون، الذي يمثل هو وأرسطو مدرسة أخرى من المدارس التي أفرزتها فلسفة سقراط يقول: (إننا لا نعي بالحرية حين نقع تحت وطأة الرغبات )… فالفاقد للوعي بسبب السُكر أو العاشق الولهان مثلاً يكونون أسيرين لقوى غريبة تفقدهم حريتهم.
2-ومن الناحية النفسية فإن الحرية هي القدرة على الاختيار بين عدة أشياء أو عدة حلول أو فروض أو احتمالات.. ولذلك فالإنسان الحر ليس كالحيوان الذي إذا جاع أكل .. فالطريق بين جوع الحيوان والأكل طريق مباشر لا خيار فيه.. ولكن الإنسان، حتى في هذه الحالة البيولوجية البسيطة، إذا جاع فأنه يختار بين حلول عديدة كالصوم أو اختيار نوع من عدة أنواع من الأكل.. وهذا الاختيار الذي لا يخلو من اضطراب وتوزيع بين عدة حلول إنما يُحسم بالفعل الحر.. أي الاختيار وهو دليل الحرية بل هو الحرية ذاتها..
3-أما أنصار الحرية فيقولون أن الحرية لا يمكن تعريفها، لأنها لا يمكن أن تصبح شيئاً منفصلاً عن الإنسان ذاته، فهي حرية معاشة أي تجربة يعيشها الإنسان، ومن خلال التجربة ذاتها يحس بالحرية.. ولذلك فالحرية في عرفهم هي الوجود نفسه ذلك أن الوجود لا يتحدد أو يتأكد إلا بالحرية ذاتها…
– وقد أشار كانط إلى أن الحرية هي قانون العقل، وهي لذلك تتحدد بالاستقلال المنزه على تعارض الرغبات.. وقد أضاف الفيلسوف فيخته، الذي كانت لأفكاره تأثيراتها البالغة على كتابات جان بول سارتر، أضاف أن استقلالية الحرية شيء عام لأن بالحرية تتحقق المهمة الروحية أو المثالية في أي إنسان… والتحقيق الحر هو تحقيق الذات وتحقيق سعادة الإنسان ذاته.
4-والحرية في تعريف رابع، هي كموقف إنساني هي فعل حر وتغيير… والفيلسوف الفرنسي سارتر يؤمن بهذا المفهوم للحرية.. أن الإنسان يصنع حريته أو ينتزع حريته بنفسه.. وهذا الانتزاع نفسه، هو يقظة وانتباه في الوعي ومن هنا فالحرية ليست هي حرية اللامبالاة التي وصفها ديكارت بأنها أدنى أنواع الحرية ولكنها وجود إنساني وفعل إنساني ونضال فلا حرية إلا بالنضال أي بتحقيق الذات وانتزاع الحرية من براثن الاتكال والجهالة.
والفلاسفة المتفائلون – على عكس شو بنهور وبيل وغيرهما من المتشائمين – يقولون بأن الحرية هي التغلب على الضرورة وذلك بأن تعرف الضرورة وقوانينها وأن تتغلب عليها وتتعداها..
فالإنسان لا يستطيع الطيران إلا لأنه يعرف قوانين الجاذبية – وهي ضرورية – ولأنه يستطيع ويعرف كيف يتغلب على هذه الضرورة فيتعدى قانون الجاذبية.. أي يطير.. وعلى هذا فنضال الإنسان المتحرر مرتبط بالوعي والعمل معاً..
فالعلم يحاول إلغاء الضرورة لأنه يكشف قوانينها ويتيح للإنسان السيطرة عليها.. وتاريخ الإنسانية كله ليس سوى تاريخ هذا الجهد المليء بالعناء والنضال من أجل السيطرة على الطبيعة… وإذا كان الإنسان قد استطاع إلى حدٍ كبير أن يكشف مغاليق الطبيعة فإنه أيضاً يواجه تحدياً عظيماً في هذا العصر هو السيطرة على المجتمع نفسه، باكتشاف قوانين المجتمع، وهو الأمر الذي خاض فيه قديماً ابن خلدون مُطَّولاً في “المُقَدمة” من خلال الحديث عن (طبائع العمران).. أو قوانين الاجتماع.. والترجمة السياسية لمشكلة الحرية، في نظر الاشتراكيين، هي في الاشتراكية في الديمقراطية الواعية.. فإلغاء استغلال الإنسان للإنسان هو سيطرة على ضرورة اقتضتها التقسيمات الطبقية.. ولذلك يربط الاشتراكيون مشكلة الحرية بتحرير المواطن من الاستغلال والقهر الاجتماعي..
ويضيف بعض الاشتراكيين إلى ذلك مشكلة التحرر من قهر الدولة.. واستبدادها بمعنى أن القدرة على تسير أمور المواطن بذاته إنما هي تحرير للعامل من القهر الإداري وقهر الدولة وبذلك تصبح الحرية وجوداً معاشاً..
القرآن الكريم:-

ورد مفهوم الحرية بتصريفات مختلفة في بعض آيات القرآن الكريم… ومن ذلك:-
{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}… الآية 92 من سورة النساء.
{فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمَنَةٍ} … الآية 92 من سورة النساء.
{وَإن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُم وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ فَدِيَّةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} … الآية 92 من سورة النساء.
{فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} … الآية 89 من سورة المائدة.
{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ….} … الآية 3 من سورة المجادلة.
{إِذْ قَالَتِ اْمرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ اْلسَّمِيعُ اْلعَلِيمُ}.. الآية 35 من سورة آل عمران.
{يَأَيُّهَا اْلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اْلقِصَاصُ فِي اْلقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَاْلعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَاْلأُنثَى بِاْلأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاْتِّبَاعُ بِاْلمَعْرُوفِ وَأَدَآءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} … الآية 178 من سورة البقرة.
فالإسلام كان يحرض ويحث على الإعتاق وإعطاء الحرية في كل حالات الكفارة ودفع ثمن الأخطاء..
سياحة فكرية تاريخية حول المصطلح:-
وفي الحقيقة، من ناحية فكرية وتاريخية، ربما أمكننا أن نصعد بالحديث عن الحرية إلى العصور الأولى التي توفرت فيها – بالقدر الكافي – الشروط والعوامل اللازمة لبروز وميلاد الأفكار والفلسفات والنظريات الكبيرة… بدءً بعصر اليونان القديمة مروراً بعصر الرومان والحقبة المسيحية ثم الحقبة الإسلامية الأولى ثم العصر الحديث والأزمنة المعاصرة…
فحوارات وكتابات سقراط وأفلاطون وأرسطو … وقبلهم حوارات السفسطائيين في أثنيا القديمة، لم تخلو من التعرض لقضية الحرية…كما أننا نجد ذلك في كتابات كُلٍ من سانت أوقستين وابن خلدون وأوقست كونت ودوركهايم وآدم سميث وديكارت وفولتير وددرو وجان جاك روسو ومنتسكيو وهيجل وكارل ماركس وهوبس وتوماس مور وسان سيمون وروبرت أوين وغيرهم من الفلاسفة والعلماء الذين كتبوا في الفلسفة والسياسة والاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثربولوجيا وغيرها من مجالات الفكر والعلم في مختلف العصور والأزمنة .. فقد شغلت قضية الحرية كل هؤلاء العلماء والفلاسفة واستحوذت على حيزٍ كبيرٍ من تفكيرهم واجتهادهم…
فالتطور الهائل والأكثر وضوحاً الذي تعود أن يحدث في التفكير والتنظير وفي البحث عبر مختلف العصور كان يتلازم – في كثيرٍ من الأحيان – أن ليس دائماً – مع وجودٍ أزمةٍ أو مشكلة .. فمن شروط التأمل السوسيولوجي والفلسفي، كما يقول قاستون بوثول – مدير المعهد الدولي لعلم الاجتماع بباريس، وجود حالة تكون فيها الأحداث والأمور قد تجاوزت وتخطت الأُطر المُتعارف عليها ولم تَعُد تخضع للحلول التقليدية، وهي الحالة التي تدفع للتفكير والتأمل من أجل الاقتراح والاختراع والتأقلم… ولكن هذا وحده ليس كافياً إذ لابد أيضاً من وجود مجموعة تحاول أن تُعلَلَ وتُحلَلَ وأن تدرس وتتعمق في المعطيات التي تفرزها التجربة، وأن تتمتع هذه المجموعة المثقفة بالحرية، التي بدونها تكون هذه المجموعة المثقفة حبيسة في إطار واقع الحال ولا تستطيع أن تُعَبر عن أي نقدٍ أو افتراض أو طرحِ أفكارٍ جديدة.
ودعنا نقوم بسياحة تاريخية فكرية سريعة وقصيرة في هذا الصدد…
ففي اليونان القديمة – في دولة أثنيا – كان سقراط يتحرى ويحرص على الحرية، ليس فقط في مضمون أفكاره ولكن حتى في أسلوب عرضه لهذه الأفكار.. فلم تكن لسقراط مدرسة ثابتة يقدم فيها دروسه ويجري فيها حواراته.. كما لم تكن له موضوعات بعينها يحاور ويجادل فيها الناس… فقد كان يقدم دروسه ويجري حواراته في الميادين العامة وفي الحوانيت وفي الملاعب الرياضية.. كما كان سقراط يحاور في كل شئ متخذاً من أي مسألة أو قضية وسيلة للبحث والجدال… وفوق ذلك ما كان يلتمس كسباً مادياً من وراء الفلسفة أو يتقاضى أجراً عن الدروس… ولعَّل سقراط كان يسلك في البحث عن الحقائق ومحاولة إثباتها سبيلاً أشبه بالسبيل الذي سلكه ديكارت من بعد عشرين قرناً، وهي أن يثبت الإنسان وجوده أولاً.. فقد كان سقراط يعتقد أن، العلم بالنفس الإنسانية هو السبيل لإدراك الحقائق وأن العلم بهذا كله ينبغي أن يكون الغرض منه هو إدراك الحرية والسعادة بمعنى تحصيل ما يلائم النفس وتجنب ما يخالفها..
أما أفلاطون فقد كتب في شبابه كتابه الأول ” الجمهورية ” والذي عرض فيه أسس المدينة الفاضلة كما يتصورها، والتي كان يدعو فيها إلى حكومة الفلاسفة والحكم المُطلق ويرى من الحماقة والخطأ أن تُغل يد الحاكم الفيلسوف بأحكام القانون.. ولكنه عاد في آخر ما كتب وهو كتاب ” القوانين ” وكانت قد تقدمت به السن وصقلته التجارب، فتراجع عن حكومة الفيلسوف حيث يقول لا بد أن نقرر ما لا شك فيه وهو أن القانون أفضل من الهوى، وأن صلاح الحاكم الخاضع للقانون أفضل من تلك القرارات التحكمية التي تصدر عن طاغية مستبد أو عن حكومات بلوتوقراطية أو عن حكم الغوغاء… ولا ريب كذلك في أن القانون بوجه عام قوة باعثة على الحضارة يصبح الإنسان بدونها، مهما كانت قبضته، أخطر من الحيوانات المتوحشة.
أما أرسطو فقد كان أول من تحدث عن فكرة (العقد الاجتماعي) بمعنى الرابطة التي تربط بين الأفراد الذين يكونون المجتمع… معتمداً في ذلك في أصل فلسفته في أن الإنسان حيوان سياسي بطبعه بمعنى أن الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاجتماعية يرجع إلى غريزة طبيعة الإنسان وحاجته إلى الاجتماع بأخيه الإنسان الآخر فالإنسان بهذا المعنى (حيوان اجتماعي) …
وأفكار وفلسفة أرسطو كانت أكثر رصانةً – وإن كانت أقل أصالةً من فلسفة أفلاطون… فأرسطو كان مثله الأعلى هو الحكم الدستوري لا الاستبدادي حتى ولو كان هو الاستبداد المستنير الذي يصدر عن رغبة الحاكم الفيلسوف… ولذلك التقى أرسطو مع أفلاطون فيما أورده في كتاب ” القوانين ” من أن القانون هو السيد الأعلى وليس أي شخص كائناً من كان، ففي رأي أرسطو أن ليس بإمكان الحاكم – مهما كان رشيداً الاستغناء عن القانون لأن في القانون صفة الموضوعية وطابعاً مجرداً مما لا يمكن توافره لأي إنسان مهما يكن فاضلاً… فالقانون في رأي أرسطو كما وصفه هو ” العقل مجرداً من الهوى “.. ولذلك فالحاكم الدستوري يتماشى مع كرامة الرعايا وعزتهم لأن الحاكم الدستوري يحكم رعاياه برغبتهم وبإرادتهم وللحكم الدستوري عند أرسطو عناصر ثلاثة، أولها أنه حكم يستهدف الصالح العام ولا يستهدف صالح طبقة واحدة أو شخص واحد وثانيها أنه حكم قانوني لأن الحكومة تُدار فيه بمقتضى قوانين عامة لا بمقتضى أوامر تحكمية… وثالثهما أن الحكومة الدستورية هي حكومة رعية راضية…
أما توماس هوبس، وهو من منظري العقد الاجتماعي، فيرى أن قيام نظام سياسي مُستقر يشترط أولاً أن ترغب الجماعة في تأسيس مبدأ سيادي قوي وأن ترتضي الخضوع للقوانين المدنية وللقرارات التي تفرضها السلطة المُجسَدِة للسيادة ومن ثَّم يمكن للرعايا من أداء أعمالهم التي تحمل لهم الخلاص والإشباع العملي لكل حرية…
وأما آدم سميث مؤسس المدرسة الليبرالية فقد رفع الشعار الشهير ( دعه يفعل دعه يمر ) ودافع عن هذا الشعار من بعده ريكاردو في كتابه ” مبادئ الاقتصاد السياسي ” وهي نظرية تقتضي سوقاً تسودها المنافسة الحرة يعمل فيها كل منتج على ما فيه مصلحته الذاتية، ولكن في سعيه هذا يعمل أيضاً على ما فيه مصلحة الآخرين.. والحاكم الناجح في نظر آدم أسميث هو الذي لا يتدخل بأي حال في النسق الاقتصادي .. وينتقد لويس روجيه هذا الاتجاه اللبيرالي في النظرية الرأسمالية ويقول أن الرأسمالية البناءة لا تستعمل الحرية لقتل الحرية… ويقول أن لبرالية ” دعه يعمل دعه يمر ” التي نظَّر لها آدم إسميث وريكاردو وغيرهما تشبه نظام حركة المرور الذي يسمح للعربات أن تتجول كيفما تشاء دون مراعاة لقوانين السير فتصبح هناك زحمة في الحركة ومضايقات ومشاكل لا تُحصى ولا تُعد..
وعلى النقيض يقول إن الدولة الاشتراكية تشبه، في مقابل ذلك، نظام السير الذي تحدد فيه السلطة بشكل أمري لكل فرد متى يجب عليه إخراج سيارته وإلى أين يذهب وأي طريق يسلك!!
ولكن الدولة الليبرالية الحقة الصحيحة هي – في رأيه – تلك يستطيع فيها سائقو السيارات أن يكونوا أحراراً تماماً حيث يمكنهم الذهاب إلى حيث يشاءون ولكن مع احترام كامل للقانون الذي ينظِّم حركة السير…
وفي ما يُسمي بعصر النهضة بداء الإصلاح الديني الكبير في المسيحية مع مارتن لوثر (1517) حيث أعلن لوثر تنديده بتجارة روما بصكوك الغفران واستغلالها وهيمنتها وضغطها على المسيحيين معنوياً، فكانت دعوة للحرية استحوذت على دعم شعبي كبير طال أوربا الغربية بأسرها وأحدث هزةً عميقةً في الأفكار والمؤسسات والمجتمعات… فالفكر اللوثري قد ارتدي دلالة سياسية واضحة أثرت على معظم الانتفاضات الشعبية التي قامت لاحقاً في ألمانيا اعتباراً من عام 1520م … ففي إطار التمرد على هيمنة الكنيسة الرومانية حمل الفلاحون الفقراء السلاح ضد الإقطاع ومن أجل الحرية والانعتاق-..
ومع أعمال جان جاك روسو ظهرت نظرية العقد الاجتماعي بصورةٍ أوضح مما ظهرت في أعمال جون لوك وتوماس هوبس.. كان مفاد هذه النظرية، في اختصار، هو أن يتوصل الناس إلى تنظيم سياسي وإبرام عقد اجتماعي ويتحدوا لضمان حماية حرية الضعفاء وكفالة كُلَ حقٍ لصاحبه، فبدلاً من توجيه قوى الناس ضد أنفسهم تُجَّمع هذه القوى على سلطة تحكمهم وفقاً لقوانين تحميهم وتكفل حريتهم دون تعدي على حرية الآخرين وتدافع هذه السلطة عن كل أعضاء المجتمع وهكذا يتأسس المجتمع على أساس جِلف.
وقد تحدث روسو عن خطأ وخطورة النظام التمثيلي فهو يتحدث عن أن الإرادة العامة لا تقبل الارتهان ولا الانقسام ولا الانهزام إذ أنها مُطَلقَة… وهي دعوة كما نرى للديمقراطية المباشرة ولذلك نراه يقول (إن الشعب الإنجليزي يعتقد أنه حر وهو ينخدع كثيراً بذلك إذ أنه ليس حراً إلا خلال الانتخابات البرلمانية، فمن بعد انتخاب أعضاء البرلمان يكون المواطن عبداً فهو لا شئ وقد تأثر قادة الثورة الفرنسية بهذه الدعوة للحرية المطلقة والديمقراطية المباشرة التي نَّظر لها جان جاك روسو.. فعند روسو حقوق الأفراد كالحرية والمساواة ينسبها القانون الطبيعي في حد ذاتها إلى الإنسان فهي في الواقع حقوق المواطنين).
وفي هذا الصدد – من أجل إيجاد بديل للديمقراطية اللبيرالية والنظام الرأسمالي يلاحظ روجيه جارودي في كتابه “البديل” (لقد برهنت انتفاضة الطلاب في باريس في مايو 1968م أن الشبيبة في غالبيتها تقف خارج الأحزاب السياسية، بل بصورة أعم، تقف خارج كل تنظيم مبني على المبدأ الثنائي، مبدأ تفويض السلطة…أي استلاب السلطة بين يدي نائب البرلمان أو ممثل الحزب إلا أن الشبيبة تنصرف عن تصوّر وعن ممارسة ثنائية للسياسة تزعم على أساسها جماعة من القادة أنها تفكر وتقرر بالنيابة عن الجماهير وتحمل إليها الوعي من الخارج) هذه أيضاً دعوة للحرية المطلقة والديمقراطية المباشرة أو قل رفض واضح للتمثيل.
أما منتسكيو فيقرر في كتابه “روح القوانين” (أن الحرية هي الحق في فعل كل ما تسمح به القوانين .. وإذا كان بمستطاع مواطن أن يفعل ما تمنعه القوانين فلا يبقى ثمة حرية .. لأن الآخرين ستكون لهم هذه السلطة أيضاً)… ومنتسكيو يريد هنا التنبيه إلى ضرورة عدم خلط الحرية السياسية مع سلطة الشعب وإلا إذ أدركنا أن الحرية السياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقانون… وهذه المعادلة هي التي قادت مونتسكيو إلى السعي إلى حل مؤسسي لهذه الأزمة وهو قد وجد هذا الحل في حكم معتدل فيه فصل للسلطات فهذه هي الضمانة الأساسية كما يعتقد للحرية السياسية.. فالحرية السياسية في رأيه لا يمكن أن تتوفر إلا في حكم يكون معتدلاً لأنه ذو سلطات محدودة.. فالتجارب الإنسانية تؤكد أن كل إنسان يملك وينزع إلى المبالغة في استخدام هذه الملكية ويذهب إلى حد الاصطدام بالحدود.. وحتى لا يتمكن أي إنسان من الإفراط في استغلال السلطة لابد، حسب طبيعة الأمور، من أن تضع السلطة حدوداً للسلطة..
من هنا جاءت نظريته في فصل السلطات الثلاث السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية وهو يؤكد ضرورة أن تبقى هذه السلطات مستقلة واحدة عن الأخرى.. ومن وجهة نظر سوسيولوجية وسيكولوجية فأن هذه النظرية تستند على أساس فاعلية التوازن، ذلك أن الأفراد كالمجموعات سريعاً ما يلجأون إلى إساءة استغلال السلطات ولذلك ينبغي أن توزع السلطات حتى يتسنى المحافظة على توازنها.
وأما كارل ماركس فعكس هيجل، لا يعتقد أن ” الفكرة ” هي التي تحدد ” التاريخ ” ذلك أن التاريخ في عرفه يتحدد بعيداً عن إرادة الإنسان!!! وكلمةً فكرةً لا تعني عند ماركس معنىً ميتافيزيقياً ولكنها تعني النظريات والمؤسسات السياسية ومن هنا جاء تعبير ” المادية التاريخية “.
ولكن، مع ذلك فأن ماركس يقول إن الإنسان عندما يحلل العملية الاقتصادية بطريقة صحيحة ويستوعبها تماماً يمكنه أن يتدخل بطريقة فعاَّلة ليغير مسارها وهذه هي ” لحظ الوعي ” وهي اللحظة التي يدخل فيها إلى مسرح الأحداث ” العامل الذاتي” وتكون هناك أرادة حرة..
وقد رسم ماركس صورة للمجتمع الجديد المجتمع الاشتراكي الذي يدعو له يقرر فيها، أنه في هذا المجتمع الاشتراكي ينتهي إلى الأبد التنافر والتناقض بين العمل اليدوي والعمل العقلي وتتضاعف ثمرات الإنتاج وينتهي الصراع بين الطبقات لأن المجتمع لا يتضمن غير نوع واحد من الملكية هي الملكية العامة لوسائل الإنتاج كما يتضمن المساواة الكاملة بين أعضاء المجتمع ويكفل لهم الحرية.
هذا هو ضمان الحرية في نظرية ماركس وفي القرن العشرين أصبح المشروع الاشتراكي أيديولوجية ومؤسسة فقد أصبحت الماركسية هي الأيديولوجية الرسمية لكل الأحزاب الاشتراكية “الشيوعية” الأوربية وقامت منظمات شيوعية، دول وأحزاب… ولكنها انهارت وتهاوت في نهاية الثمانينات من القرن نفسه.. ولينين الذي وضع النظرية الماركسية وضع التنفيذ في الدولة السوفيتية يقول إن الشيوعية وحدها قادرة على تحقيق الحرية والديمقراطية الفعلية لأن الثورة تُحوِّل الهيئات التمثيلية إلى هيئات فعالة وهكذا يتم الانتقال من الدكتاتورية الديمقراطية إلى الديمقراطية المباشرة إلى نهاية الدولة حيث الحرية التامة..
طبعاً هذا السياق لم يتحقق أبداً إلى سلطة حقيقية وحرية تامة لأن الذي حدث في المشروع الشيوعي هو هيمنة طليعة بيروقراطية معينة مما جعل تركيبة الدولة هشة فتهاوت سريعاً…. فديكتاتورية الحزب كانت وخيمة النتائج في الممارسة، فقد حُرَّم الإضراب على العمال بدعوى أن المرء لا يضرب ضد نفسه وكُتمِت أنفاس الحريات في التنظيم والتعبير وسادت البيروقراطية في أروقة السلطة وأصبحت البيروقراطية طبقة قيادية جديدة هيمنت على الثروة والسلطة … ففي النظام الماركسي الذي يتولى الحكم والقيادة بلسم الطبقة العاملة هو الحزب… والحزب أقلية منظمة من الطبقة العاملة أو المنتسبين إليها فكرياً… وفي كتاب ” الاستبداد الديمقراطي” يطرح الدكتور عصمت سيف الدولة السؤال المنطقي (لماذا يستبد الحزب بالسيادة واتخاذ القرار دون باقي الطبقة العاملة) ثم يطرح السؤال الأهم والأكثر منطقية (لماذا تستبد الطبقة العاملة نفسها باتخاذ القرار دون باقي المواطنين)”؟!
وهو يلاحظ أن هذا السؤال لم يكن ممكناً أن يوجه إلى كارل ماركس نفسه لأن ماركس كان يرى أن الاشتراكية لن تقوم إلا بعد أن يؤدي التطور الرأسمالي إلى أن تصبح الطبقة العاملة هي الأغلبية ولا أحد يتهم حكم الأغلبية بأنه استبداد… أما بعد ماركس، وابتداءً بلينين، فإن الطبقة العاملة كانت تحكم حيث ما استطاعت أن تستولي على السلطة تى إن كانت أقلية … وهو أمر يذهب ضد أسس الحرية والديمقراطية!!!
الحرية والإعلام:-
والكلام عن الحرية، وإن كان يرد أكثر ما يرد، في مجال السياسة حيث يُكثر الحديث عن الحرية في مجال التنظيم، وحرية الإرادة في اختيار الحاكم من خلال التبادل السلمي للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع، ويكثر الحديث عن حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون.. إلا أن الحرية يرد الكلام عنها كثيراً جداً أيضاً، وبنفس القدر، في مجال الإعلام حيث يكثر الحديث عن حرية التعبير وحرية النقد وحرية تَملَكُ أجهزة الإعلام وهلم جرا .
فكل ما ناقشنا قضايا الصحافة والإعلام كان الحديث يدور أكثر ما يدور حول قضية الحرية.. وكان الحديث يرد في كثير من الأحيان مزواجاً بين الحرية والمسؤولية حتى أصبحت المسألتان ” الحرية والمسؤولية ” ترتبطان ارتباطاً وثيقاً لصيقاً كلما دار الحوار أو الحديث بصدد قضايا الإعلام..وبعض الناس يضع المصطلحين والمعنيين ضد بعضهما البعض أو يسعون لإبرام تصالح بينهما.. كما يحدث عند التعرض لعدد من القضايا الثقافية التي درج الناس أن يضعوا فيها بعض الثنائيات لمحاولة إيجاد الأرض المشتركة.. مثل الأصل والعصر.. والتراث والمعاصرة.. والدين والسياسة وهلم جرا.. مع أن التصالح بين هذه الثنائيات ليس فقط ضرورياً وإنما حتمياً… فهو حاجة وهو ضرورة… فهذه الثنائيات لا يمكن و لا يجوز الفصل بينها… وإذا ما أخذنا مسألة الحرية والمسؤولية في مجال الإعلام نجد أن الحرية تقدم أهم مقومات العمل الإعلامي بصفةٍ عامة والصحفي بصفةٍ خاصة وهي ضرورية من أجل إعلام حر جريء ومثابر وفاعل وذكي.. كما أن المسئولية من أهم واجبات الصحافة من أجل إعلام هادف وموضوعي وصادق وإيجابي.. فالصحافة بلا حرية لا معنى ولا جدوى لها فقد تتحول هذه الصحافة – بلا حرية – إلى مجرد زفة للنفاق أو مجرد نشرة باهتة لا وزن لها ومجرد أخبار ومعلومات مسطحة وغير ذات وزن فتصبح الصحيفة أو الجهاز الإعلامي بلا موقف وبلا أثر، خاصةً في عصر السماوات المفتوحة هذا الذي انتثرت وانتشرت فيه الأقمار الصناعية والأطباق الهوائية والمحطات الفضائية وشبكات الميكروويف.
والصحافة مع الحرية ولكن بلا مسؤولية لا أمان لها ولا احترام لها.. فقد تنزلق هذه الصحافة إلى فوضى بسرعة وسهولة وتسعى إلى ممارسة الابتزاز والإثارة الضارة … فإذا لم تستطع الصحيفة أن تلمح وتمسك بالخيط الرفيع الذي يفصل بين الحرية والفوضى فأنها تضر أكثر مما تنفع وتهدم أكثر مما تبني، ولكن الصحيفة إذا ما استطاعت أن تراعي متطلبات الحرية ومتطلبات المسؤولية معاً فإنها يمكن أن تصبح صحافة متوازنة جريئة شجاعة و وموضوعية وذكية وفاعلة وهادفة… ويقول الدكتور جمال العطيفي وزير الإعلام المصري الأسبق في كتابه (آراء في الشرعية والحرية) الحديث عن حرية الصحافة لا يمكن أن يجري بمعزل عن الحريات الأخرى… فحرية الصحافة لا تعيش إلا إذا كانت الحرية الشخصية مصانة مكفولة… فالصحافة لا يمكن إلا أن تكون انعكاساً لحركة النشاط داخل المجتمع … شأنها في ذلك شأن البرلمان وكل هيئات الرقابة الشعبية.. أي أن الجمود الذي يصيب حركة المجتمع في كافة نواحيها لابد أن يمتد أثره إلى الصحافة ” وبمعنى أكثر وضوحاً أن هناك مؤسسات دستورية في الدولة ناط بها الدستور مهمة كشف الانحراف والقصور .. وبقدر أدائها لمسؤولياتها هذه بقدر ما يمكن أن نحاسب الصحافة أو نقيم نشاطها”.
ولذلك فلا قيمة للحديث عن حرية الصحافة بغير توفير ضماناتها مع توفير كل الضمانات لحرية التفكير والتعبير والنشر والرأي والبحث العلمي والصحافة… وأن لا نكتفي بتقرير هذه الحرية فالصلة وثيقة بين الحرية الاجتماعية والحرية السياسية ولذلك يجب توفير كل الضمانات للحرية الشخصية والأمن بالنسبة لجميع المواطنين وفي كل الظروف.
فحرية الصحافة لا يمكن أن تنعزل عن تحرير المواطن من اليد التي تقبض على زمام رزقه ومستقبله كما لا يمكن أن تنعزل عن تحرير المواطن من الخوف والقلق على أمنه، وهي بوصفها امتداد لحرية التعبير والرأي لا تزدهر بغير الحريات الأخرى.. الحريات ذات المضمون الاجتماعي والحريات الشخصية.
فحرية الصحافة في مجتمع لا يملك الشعب فيه مقدرات حياته لن تكون سوى حرية النفر القليل الذي يملك الوسائل التي تمكنه من إصدار الصحف وتمكنه بالتالي من توجيه المجتمع والسيطرة عليه.
خاتمة:-
وبما أن الكلام يكثر هذه الأيام في كل مكان، بحق أحياناً وبالباطل أحياناً أخرى، عن حقوق الإنسان فإننا نختتم هذه المداخلة عن مفهوم الحرية بالإشارة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في عام 1948م في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث كانت المادة الأولى في هذا الإعلان تتحدث عن حرية الإنسان والمساواة في الحقوق كأهم حق من الحقوق حيث تقرر (الناس يولدون أحراراً متساويين في الحقوق)..
ونحن نعرف أنه قبل ذلك بقرون وفي فجر الإسلام كان قد قالها عمر بن الخطاب لابن عمرو بن العاص عندما اشتكاه أحد رعاياه من المصريين ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً” قالها عمر مستمداً إياها من حقوق الإنسان في الإسلام .. الإنسان الذي كرَّمه الخالق {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي اْلبَرِّ وَاْلبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ اْلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} الآية (70) من سورة الإسراء.
والإسلام في شريعته بنصوصها القاطعة الثبوت والدلالة يؤكد مبدأ الحرية حتى في اعتناق العقيدة يقول جَّل ثناؤه {لآ إِكْرَاهَ فِي اْلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ اْلرُّشْدُ مِنَ اْلغَيِّ} الآية (256) من سورة البقرة.. ويقول {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي اْلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ اْلنَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} الآية (99) من سورة يونس…. وقد ساوى الإسلام بين الناس في الإنسانية {يَأَيُّهَا اْلنَّاسُ اْتَّقُواْ رَبَّكُمُ اْلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..} الآية (1) من سورة النساء.
وقد صان الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذه المساواة التي دعا إليها رب العالمين حيث يقول الرسول صلي الله عليه وسلم (الناس سواسية كأسنان المشط).. (كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أبيض على أسود ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى).
وكان هذا هو المجتمع الذي تبؤ، فيه وسط العرب، كلٌ من بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي مكانةً ساميةً عند الرسول صلي الله عليه وسلم وعند صحابته في مجتمع المسلمين قاطبة.
(8) أجهزة المجلس
(1)يمارس المجلس نشاطاته واختصاصاته عبر اجتماعاته العامة… وعبر دوائر المركز الأربع:-
‌أدائرة العلوم السياسية
الدائرة الاقتصادية
‌بالدائرة الاجتماعية
‌جالدائرة الفلسفية
(2) لرئيس المجلس الحق في تشكيل لجان خاصة بصلاحيات يحددها قرار التشكيل.
(3) يعين المجلس رؤساء الدوائر الدائمة واللجان الخاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.