مفاهيم في نظريات العنف السياسي المعاصر

ورشة: مفاهيم الحرية : على خلفية الميراث المعرفي الماثل اليوم
30 أغسطس، 2016
الطرق الصوفية في السودان: منظور تأريخي
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
د. فائز عمر محمد جامع
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم:
هذه دراسة حول النظريات المتعددة التي تناولت معاني ودلالات ودور العنف في المجتمع الإنساني والسياسي المنظم، لا سيما وأن أحد التعريفات الكلاسيكية للدولة هي أنها تلك التي تحتكر أدوات القهر والإجبار. ربما يكون أحد أهم أهداف هذه الدراسة هو التعرّف على الأبعاد الفلسفية لهذا المفهوم الذي له أبعاده وتأثيراته الهامة والبالغة في العملية السياسية في بناء الأمم والشعوب.
ذلك أن البعض يذهب إلى أن القوة هي وسيلة بناء الحضارات بل والإعمار والاستخلاف في الأرض. غير أن القوة كمفهوم مجرد هو شيء Potential ولكن الذي يمنح المفهوم المعاني ويتطلب التبريرات هو استخدام القوة وعليه فالقابل للجدل ” debatable” هو الاستخدام الذي يتراوح بين القوة القانونية أو الشرعية والتي يكون الفاعل الأساسي فيها هو الدولة كنظام سياسي يستخدم القوة لفرض الهيمنة والسيطرة باسم النظام. كما أن استخدام القوة يأخذ أيضاً معنى العنف الذي تتخذه المنظمات والجماعات والهيئات للاحتجاج على سياسة أو تعبير عن موقف مـا.
أما استخدام العنف نفسه وسيلة تستهدف ضحايا للتعبير عن موقف ما فهو الإرهاب الذي هو شكل متطرِّف من أشكال إعلان المواقف أو التهديد بالضغط في أغلب التعريفات المستخدمة.
معلوم أنه تداعت في الآونة الأخيرة وتواترت حوادث موصوفة بأنها إرهابية على الرغم من الاختلاف الكبير حول تعريف الإرهاب الذي هو بالطبع مفهوم قيمي يستبطن مضموناً سياسياً وعليه فالشخص الذي يصف عملاً ما بأنه إرهابي يكون قد عرّف الإرهاب تعريفاً صادراً عن توجهات سياسية خاصة به.
وليس هناك تحديد أو تعريف واضح متفق عليه لمفهوم الإرهاب سوى أنه الاستخدام المنسق للعنف أو التهديد به من أجل الوصول إلى غايات سياسية(1).
وقد بحث العلماء في تفسير ظواهر نشأة وتكون الدول والممالك فتوصّلوا في ذلك إلى نظريات من بينها نظرية “العقد الاجتماعي” بين الحكّام والمحكومين، ونظرية “الأسر والعائلات الملكية” ثم “نظرية القوة” التي تفيد بأن الدول والممالك عادة ما يبنيها المنتصرون والأقوياء في الحروب أصلاً ثم إن توسع الممالك والدول هو أيضاً مما يستطيعه الأقوياء من قادة الأمم والشعوب وعليه تذهب هذه النظرية إلى أن نشأة وتطوّر الإمبراطوريات مدين في تكوينها الأولي إلى القوة من حيث هي(2). وكثيراً ما يستدعي هذا إلى الذاكرة قصة الاسكندر المقدوني مع القرصان الذي استوقفه الاسكندر أسيراً وهو يمارس قرصنته على السفن عبر البحار:
قال الاسكندر: كيف تجرؤ على العبث هكذا بالبحار؟
أجاب القرصان: وكيف تجرؤ أنت على العبث بالعالم كله؟ إني أقوم بذلك على قارب صغير فحسب، بينما أنت به على رأس بحرية ضخمة. أنا أدعى سارقاً أما أنت فإمبراطور(3).
هذا نموذج يستدعي إلى الذهن علاقة القوة بالشرعية يفرض سؤالاً أيضاً هل تخلق القوة الشرعية؟ أم أن الشرعية في حاجة إلى قوة؟ والعلاقة بينهما؟ هي أيضاً قضايا ملحة تفرض الحاجة إلى مثل هذه الدراسة.
ولعل المرء ينظر بعين التقدير والاعتبار مساهمات علم الاجتماع السياسي في دراسة العنف والقوة ودورهما في المجتمع.
تدرس هذه الورقة مفهوم القوة باعتباره الأصل الذي تنبثق عنه مفاهيم العنف والإرهاب التي هي مستويات في استخدام القوة في الفهم العام. ثم تعرض الورقة من بعد ذلك لهذه المفاهيم في القرآن الكريم الذي استخدم كلمة القوة واشتقاقاتها في عدة مواضع كما أنه استخدم كلمة “ترهبون” التي هي من نفس مادة الإرهاب كما استخدم الرسول كلمة الرعب بمعنى يقارب المعنى الأول حينما قال: “.. نصرت بالرعب على مدى شهر…” في معرض تداول يأخذ المعنى العسكري كما نفهم من الصياغ.
القـوة:
وصف القرآن الكريم الإنسان بأنه مكرّم ومرزوق ومفضّل على سائر المخلوقات  .. ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً … الإسراء (70) ولعل جوهر هذا التفضيل هو العقل الذي يميز الإنسان في هذا الكون وعليه وصف الإنسان بأنه حيوان عاقل أي مخلوق ذو عقل. بل حتى الإغريق من غير أصحاب الديانات أدركوا أن قوة الإنسان الحقيقية هي في عقله أي في رأسه وليس في يديه أو رجليه كما هي قوة المسترق أي الإنسان فاقد الحرية. وقد عزز أفلاطون هذه الرؤية بطريقة ما عندما تحدّث في كتابه: ” الجمهورية ” عن الفيلسوف الملك الذي يملك قابلية للقوة العقلية والفيزيائية تؤهله أكثر من غيره لتولي سياسة الآخرين.
وعلى الرغم من تعدد زوايا دراسة القوة التي تتراوح بين الأنثروبولوجيا والعلوم العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والتاريخية والنفسية …الخ إلا أنها من المرجّح أنها اتفقت على أن محصلتها النهائية توحي باحتشاد عناصرها في التكوين السياسي. تعيد الأنثروبولوجيا هذا التكوين إلى أصول الإنسانية البعيدة في التجمعات البشرية البدائية التي تربطها علاقات قربى أولية عائلية ومن ثم مصالح وجود مشتركة، تتطور لتبرز فيها الحاجة إلى أدوات للضبط الاجتماعي كشكل من أشكال القوة الكامنة ثم في تطور لاحق لحاجات هذه المجموعة تبرز تلقائياً الحاجة للأمن والدفاع كمستوى أعلى في الحشد والتنظيم، أما عندما يتجاوز المجتمع مرحلة الكفاية ويحقق فوائض إنتاج يتطلب إطاراً ينظِّم عمليات التبادل لا بد أن تحكمه القوة الاقتصادية. لكأننا عبر هذه التداخلات نتحدث عن أشكال وأنماط من القوة ذات وجوه متعددة.(4)
من الواضح أن هذه الدراسة معنية بتناول دراسة القوة من منظور العلوم السياسية وكذلك من منظور علم الاجتماع السياسي. تأتي كلمة قوة في اللغة العربية كما هي في الإنجليزية “Strength, Force, Power” لتحمل مضامين ومعاني متقاربة تتراوح بين مفاهيم “النفوذ” و”التأثير” إلى الوظائف الرياضية والميكانيكية والعسكرية(5). وكثيراً ما تستخدم كلمة Power في اللغة الإنجليزية لتعني السلطة السياسية Political Power ولعل قضية التعريف (القوة) تثير جدلاً نتيجة تداخل مفاهيم كثيرة مع مفهوم القوة فضلاً عن الخلط البيِّن بينها وبين مفاهيم السلطة، النفوذ، القهر، الإجبار والإكراه. معظم المعاجم اللغوية تقول بأن القوة هي القدرة على فعل شيء والتأثير في الآخرين وضبط سلوكهم أو التحكّم فيه تنفيذاً لإرادة الأقوى. ولكي يمارس شخص ما قوته على الآخرين فلا بد له من حرمانهم من الاختيارات لإشباع حاجاتهم ومن ثم يجبرهم على الإذعان له كشرط لحصولهم على حاجاتهم. ويمكن الرجوع إلى تعريفين من بين عدة تعريفات لهذا المفهوم:-
أولهما: تعريف ماكس فيبر الألماني الذي يذهب إلى:-
” أن القوة هي احتمال أن يكون أحد الأفراد قادراً في نطاق علاقة اجتماعية على تنفيذ إرادته الخاصة رغم المقاومة وبغض النظر عن الأساس الذي يقوم عليه هذا الاحتمال …” (6).
وهو كما يظهر تعريف للقوة بلغة الصراع بين طرفين شخصين كانا أو هيئتين لأن القوة تأخذ حيثيتها في إطار تفاعلي بين طرفين على الأقل.
ثانيهما: تعريف تالكون بارستر الذي يرفض تعريف القوة على أساس قسري فهو يذهب إلى:-
” … إن القوة هي القدرة المصممة لضمان القيام بالتزامات ملزمة بواسطة وحدات في نسق ذي تنظيم جماعي وذلك عندما تصبح هذه الالتزامات مشروعة بارتباطها بالأهداف الجماعية وحيث يتوقع في حالة التمرّد استخدام جزاءات سلبية يقتضيها الموقف …” (7).
وكان بارستر يقول بأن استخدام القوة هو استخدام في إطار يتراضى عليه الفاعل والمفعول معاً في إطار تنفيذ هدف يشتركان في الرغبة في تحقيقه. أما القرآن الكريم فيرد فيه استخدام هذا المفهوم “القوة” في عدد من الآيات لا سيما في قصص القرون الأولى التي أوتيت “أشد قوة وأثاراً” (الأنفال) ” … من أشد منهم قوة …” . في أكثر من 17 موضعاً من القرآن.
ولعل أبرز هذه الآيات هي آية سورة الأنفال  … وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل  ذهب عدد من المفسرين أبرزهم الطبري وبن كثير إلى أن القوة المقصودة هي الرمي المفهوم في اللغة العسكرية وبذلك تشير الآية بصيغة الأمر إلى إعداد القوة العسكرية المادية التي هي جزء مكمل للقوة السياسية للدولة. فالقوة إذن مطلوب توفيرها من مصادرها المادية التي هي الأسلحة وملحقاتها ومعيناتها ولكأنما منطوق الآية يوحي بأن الإعداد نفسه (كعمل سابق للقتال أو نحو ذلك) هو نفسه مدعاة لإرهاب العدو فهو بهذه الصفة يحقق هدفاً نفسياً مباشراً لا سيما وأن صيغة “ترهبون” المضارعة تفيد استدامة الأثر. أما المدخل السيكولوجي لهذا المفهوم فنجده في السنة النبوية في قوله  في حديث من رواية البخاري ومسلم:- ” … ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب ..”(8). والصرعة في هذا الحديث تعني الرجل الذي لا تغلبه الرجال من قوة ولكأنما القوة النفسية هي نمط من القوة له مظاهره وتجلِّياته الإيجابية في الحياة الاجتماعية ويحتمل هذا الحديث أن يستخلص منه أن الغضبَ ضعفٌ بمثلما أن الحلمَ قوةٌ بصرف النظر عن الخصائص الفيزيائية والجسمانية.
أما أبرز الشخصيات التي مجّدت القوة نجد من بينها نيكولاي ميكافيلي الفلورنسي (1469- 1527) في كتابه الأشهر “الأمير” الذي كتبه صاحبه وهو متأثر بتجارب مريرة في حياته السياسية حيث كان مسئولاً رفيعاً في فلورنسا والتي بسقوطها انتهى به المطاف إلى السجن والتعذيب ومن ثم اعتزال الحياة العامة(9). ميكافلي كان يتحدّث عن أنجع السبل لاستدامة مجد وسلطان الأمير والذي ليس بالضرورة أن يرتبط بالعدل والخير وإنما يرتبط بالهيبة والقوة والدهاء فهو يفضل تغليب صفات “الأسد” وأن الأمير من الأفضل أن يخافه الناس بدلاً من أن يحبوه وليس الأمير هو الذي يحتاج أن يكون وفياً بعهوده. وعليه فلا دخل للأخلاق بالسياسة التي هي نشاط إنساني بحت، الحكم فيه على الأعمال هو بقدر ما تحققه من مكاسب وليس على أي أساس آخر. لا بد أن الجميع على علم بالمدى الذي أصبح فيه الأدب السياسي لهذا الإيطالي الفلورنسي مؤثراً على النظرية السياسية والممارسة السياسية بوعي أو بغير وعي من قبل الساسة حتى صار اسم ميكافلي كافياً للتعبير عن كل الصفات البراجماتية والأنانية لدى الإنسان العادي. ومن الصعب الحكم على أن الساسة عبر العصور على الأقل في الواقع العملي استطاعوا أن ينفكوا مما يمكن أن نسميه “عقدة ميكافلي” التي هي الاستمساك والمحافظة على الإمارة والرئاسة اللهم إلا إذا استثنينا الملوك الأنبياء داؤود وسليمان عليهما السلام الذين كانا من أقوى العروش في الميراث اليهودي، ثم النبي  وخلفاؤه الراشدون في الميراث الإسلامي من بعده.
وقد سبق أن ذكرنا أن كلمة “قوة” تستخدم كتعبير بديل للقوة السياسية بمعنى السلطة بحسب قاموس العلوم الاجتماعية سابق الذكر بالطبع السلطة نفسها هي الحق المؤسس والمعترف به لاستخدام القوة. أما المفهوم الأكثر قرباً للقوة فهو الإجبار “Coercion” أو الإكراه الذي هو التحكّم في الأشخاص تحت تهديد استخدام القوة بمعنى “Force” في اللغة الإنجليزية وهو مفهوم مهم في العلوم الاجتماعية لأنه الآلية القصوى والوحيدة التي تستخدمها الدولة فهو من ثم إجبار شرعي أو قانوني. يقابل هذا المفهوم حسب دعاة ومنظري الأنظمة الديمقراطية مفهوم التراضي أو “Consent” بين القوى الاجتماعية أو الحزبية في تسيير تداول السلطة وتوزيعها وفق ميكانيزمات يتواضع عليها اللاعبون الفاعلون في العمليات السياسية في المجتمع المعيّن.
العنف الأنماط والتعريفات:
كان لا بد في الجزء السابق من الحديث عن القوة من أجل التمهيد لدراسة قضايا العنف التي يتم تناولها من منظور سوسيولوجي عبر المنظمات والحركات والقوى الاجتماعية والسياسية وليس من منظور سيكولوجي يبحث مكامن العنف في النفس البشرية. وعليه فإن هذه الدراسة تبحث في النظريات التي تناولته عبر اتجاهات تعريفات تستعرضها وتناقشها ولا تتبنّاها بالضرورة.
شأن سائر المفاهيم في العلوم الاجتماعية تعدّدت تعريفات العنف في اللغة العربية فهو كل سلوك يتضمن معاني الشدة والقسوة واللوم والتوبيخ وهو سلوك قولي أو فعلي. في اللغة الإنجليزية “Violence” تميل أكثر إلى معنى الاستخدام الاجتماعي للقوة وإلحاق الأذى والأضرار والتدخّل في حريات الآخرين ويمثل هذا أحد اتجاهات التعريف.
أما الاتجاه الآخر في التعريف فيتناول العنف الهيكلي في المجتمع من حيث الاختلالات والمؤثرات الناتجة عن الصراع وغياب العدالة الاجتماعية التي تستدعي أعمال عنف جماعي مسلّح أو غير مسلّح منظّم أو غير منظّم علني أو سري ضد نخبة حاكمة أو طبقة اجتماعية أو …الخ.
هذه ربما أبرز اتجاهات التعريفات وليس بالضرورة كلها التي تناولها دارسو العلوم الاجتماعية غير أن أبرز المفكرين الذين وظّفوا هذا المفهوم هو كارل ماركس صاحب النظرية الماركسية الأكثر تأثيراً على مجريات السياسة العالمية خلال معظم القرن العشرين الميلادي. أما ماركس نفسه فقد استلهم بعض أفكار الألماني هيجل لا سيما نظرية الديالكتية التي تبني على فكرة الصراع أو التناقض والتي تذهب إلى المعادلة الآتية:-
Thesis + Antithesis = Synthesis
أما توظيف كارل ماركس لهذه النظرية فهو أنه أسقطها على مفهوم الطبقات حيث استطال في الحديث عن الصراع الطبقي “Class struggle” الذي أساسه الفلسفي الديالكتيك. وأن التحوّل من الرأسمالية إلى الاشتراكية وسيلته العنف الثوري بواسطة طبقة البرولتاريا لاستعادة حقها السليب لدى طبقة البرجوازية وسيأتي الحديث عن المادية الجدلية في الجزء القادم من هذه الدراسة.
أما الحديث عن أنماط العنف فهو حديث عن الدوافع التي تدعو إلى استخدامه وإلا فإن العنف هو جنس واحد ذلك أنه يمكنا الحديث عن دوافع سياسية ودوافع دينية ودوافع اقتصادية.. الخ، غير أنها جميعاً تتمظهر وتتصف باستخدام القوة.
العنف السياسي:
يعتبر العنف سياسياً بالنظر إلى أغراض القوى التي تمارسه. وهناك نافذتين لدراسة العنف الموصوف بالسياسي، النافذة الأولى هي العنف الذي تمارسه الدولة ضد مواطنيها وهو يسمى أحياناً العنف المشروع وهو الذي تحميه النظم القانونية وهو الذي يبرره فاعلوه بأنه لصالح المجتمع وحماية أمنه العام. بالطبع لا ينصرف هذا الحديث عن النوع الذي تقف في وجهه الآن منظمات دولية متخصصة في انتهاكات الدول لحقوق الإنسان. إنما ينصرف الحديث عن النافذة الثانية وهي العنف الذي تمارسه الحركات والتنظيمات والجماعات وسائر تنظيمات المجتمع وشرائحه وطبقاته التي تتناقض وتتقاطع مصالحها أحياناً ويمكن الحديث عن الطلاب والعمال والمهنيون وحتى العسكريين الذين تعتبر ممارستهم تمرداً على النظم العسكرية التي لا تعترف بأي أشكال تعبيرية خارج المؤسسة. ولذلك فأنه يمكن اعتبار التمرد نمط مستقل من أنماط العنف من حيث الشريحة ذات الطبيعة الخاصة وليس من حيث الدوافع التي من الممكن أن تكون سياسية “في حالة الانقلابات” أو مطلبية متعلقة باقتصاديات الأجور والرواتب أو أي أسباب مهنية أخرى.
والقضية الأساسية التي تبناها الفلاسفة والمفكرون هي العنف الذي يمارسه المجتمع في إطاره الداخلي وبين طبقاته وهو الذي اعتمدته الأيديولوجية الماركسية وجعلت منه جزء من مكونات ” التفسير المادي للتاريخ ” وتأصيل الصراع وحتميته بين الطبقة الفقيرة “البرولتارية” وبين الطبقة الأعلى اقتصادياً ” البرجوازية ” حتى أن لينين يذهب إلى أن جهاز الدولة نفسه تسيطر عليه الطبقة البرجوازية وعليه:-
” … إن الثورة البرولتارية غير ممكنة بدون تحطيم جهاز الدولة البرجوازي بالعنف …”(10).
وقال من قبله ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي بأنهم:-
” … يعلنون صراحة أن أهدافهم لا يمكن بلوغها وتحقيقها، إلا بهدم كل النظام الاجتماعي التقليدي بالعنف والقوة …”(11).
وعليه فإنه مع الأخذ في الاعتبار المجاميع البشرية الكبيرة التي تأثرت بهذا الفكر (الدول والحكومات) فإنه يمكن تصوّر حجم العنف الذي تولّد في هذا العالم ركضاً وراء سراب الحتمية التاريخية في إزالة الدولة من على سطح الأرض لتفسح المجال إلى جنة الفقراء أن تتحقق في الحياة الدنيـا.
أما في مطالع القرن العشرين وفي خضم التجربة الاستعمارية برز فلاسفة ومفكرون اجتماعيون وسياسيون أعلوا من قيمة العنف ومجدوه كطريقة لمواجهة الاستعمار بل اعتبروا أن التحرر من الاستعمار هو ظاهرة عنيفة دائماً نذكر منهم ” Franz Fanon ” فرانز فانون ” 1925- 1961″(12) الذي يذهب إلى أن التحرر من أثقال الماضي عموماً يتطلّب ثورة شاملة أي عنف مطلق ” Absolute Violence” وقال قولته الشهيرة “Violence Purifies” في مؤلفه الشهير “Les damnes de la Terre” الذي كتب مقدمته الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر 1963م. ولقد كان لهذا المفكر المارتنيكي الأصل الناطق بالفرنسية أثر كبير على أعمال مفكرين ثوريين كُثر نذكر منهم الإيراني علي شريعتي، الجنوب أفريقي ستيف بيكو، والكوبي أرتستو جي جيفارا. يمكن اعتبار “فانون” منتمياً إلى اليسار لا سيما وأنه عاش في فترة ازدهار المد الماركسي في خمسينيات القرن الماضي على الرغم من أنه حارب في صفوف الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية غير أنه استقال من وظيفته التابعة للحكومة الفرنسية في صيف 1956م.
بالطبع هناك جدل كبير حول أن درجة العنف في أي مجتمع تتناسب مع درجة سيادة النظم الديمقراطية فيه وهو جدل في نظرنا من عقابيل الحرب الباردة غير أننا وبنهاية هذه الحرب نرى أنه دخل مراحل جديدة أخذت من افرازات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م والتي تحولت فيها المواجهة إلى جدلية بين العالم الإسلامي وميراثه ووزنه الحضاري والسياسي كمتهم في قضية الإرهاب وبين الغرب الذي يمسك بمقاليد القيادة التكنولوجية والعسكرية والعلمية في العالم الذي تشكّل فيما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه المواجهة يزداد أوارها استعاراً يوماً بعد الآخر وهو نفس السبب الذي حدا بهذه الدراسة أن تبرز في هذا الوقت في غمار مناخ من عدم الثقة ضحيته العالم الإسلامي من أحكام جغرافية صادرة عن دوائر ومراكز أبحاث ومعلومات استخبارية ساهمت في صناعة هذه الأحكام التي تبنتها دول وحكومات الغرب في هذه المواجهة.
إن الأحكام الجزافية غير الانتقائية “Indiscriminate” هذه هي في أحسن الأحوال صادرة عن معرفة غير كاملة وفي غير ذلك معرفة مشوهة ببعض القيم ذات الخصوصية للمجتمع المسلم “كالجهاد” واستخدام القوة والعنف في مواجهة الغير وكذلك من قراءات عجلى للآيات من سورة “الأنفال” ذات العلاقة بهذا الموضوع. وسنأتي للحديث عن الجهاد في موضع لاحق من هذه الدراسة.
إن الأساس النظري الذي تستند عليه هذه الورقة في تناولها للعنف السياسي هي في فحص دوافعه المبدئية لأجل التعرّف على حصاده النهائي. إن كل ما استعرضناه من نظريات وأفكار يركز على أن العنف تعبير يستخدم القوة غير أن القصد من ذلك كله في الحقيقة هو “التغيير” والتي نعتبرها كلمة مفتاحية في هذا الموضوع. لأن الرسول  قال:-
” .. من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع بلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان…” رواه مسلم(13).
تغيير المنكر هو الذي يمكن أن تستخدم فيه القوة وكأن تغيير المنكر وليس إنكاره فحسب هو الذي يطلبه الرسول  من وراء ذلك غير أن بعض العلماء قيد هذا الخطاب مخافة الفوضى من أن الأمر بالتغيير باليد هو خطاب للأمراء، التغيير بالقول هو خطاب للعلماء، أما القلب فهو لعامة الناس.
الذي يهمنا هنا هو كلمة “تغيير” والتي ترد أيضاً في الآية الكريمة له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مرد له وما لهم من دون الله من وال(الرعد 11) على الرغم من أن هناك جدلاً سائداً حول هذه الآية مفاده أن عبارة “يغيّر” تشير إلى التغيير نحو السالب(14) غير أن المعنى اللغوي للكلمة لا يشير إلى ذلك والعبرة بالطبع هي في عموم اللفظ وليس بخصوص السبب ترجح هذه الدراسة أن التغيير هو كمطلب يحتمل أي نمط من أنماط التغيير بما فيها التغيير السياسي، تستخلص الدراسة أن دعاة التغيير العنيف مطلوب منهم تغييراً موازياً له في أنفسهم بالطبع نحو الأفضل الذي يبتغون وإلا فإن العنف الذي يمارسه دعاته يصبح بلا جدوى ولا هدف.
العنف الديني:
يمكن اعتبار العنف دينياً بالضرورة إذا كانت دوافعه دينية أو أن الذين يمارسونه إنما يبتغون من وراءه أهدافاً دينية. وربما العنف الأبرز في التاريخ هو ذلك الذي حدث في أوروبا في صراع البابوية مع السلطة الزمنية والذي استمر طيلة القرون الوسطى والذي اشتهر بأنه صراع الدين والدولة. وهو صراع ولّد عنفاً دينياً غير أن له في الحقيقة وجهاً سياسياً من حيث أنه صراع من أجل السلطة والنفوذ والقوة والسيطرة. ثم إن الحروب الصليبية تمثّل علامة بارزة في هذا النمط بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي أو هكذا هي القراءة لتاريخ هذه الحروب وهي حروب دينية غير أن وجهها السياسي لا يكاد يخفى، فقادة هذه الحروب والحملات هم قادة عسكريون وملوك! وهو الذي يدعونا إلى التساؤل عن الارتباط الشديد بين ما هو ديني وما هو سياسي في تاريخ الغرب وحضارته نفسها. والميراث المسيحي المشهور “… أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر” لا يكاد ينطبق على هذا التاريخ. وهو ذات السبب الذي دعا البعض إلى الحديث عن أن العلمانية بمعناها المعروف من حيث هي فصل الدين عن الدولة لا وجود لها في الواقع المعاصر ولا التاريخي، وهذا مبحث آخر يقع خارج إطار هذه الدراسة.
أما الحديث عن موجات العنف المعاصر المنسوبة إلى حركات تنتمي إلى العالم الإسلامي تعمل داخله فتلك من أنماط العنف الهيكلي الذي هو جزء من اضطراب بنيوي يطال أركان المجتمع ويعصف بتوازنه الداخلي. وليس من اليسير بالطبع إطلاق أحكام عن مشروعية استخدام القوة بمعزل عن الدوافع لها وهي أحكام تنطوي بالضرورة على مطلوبات قيمية يمكن بها محاكمة هذه الدوافع. فإن أنت قلت أن العنف مطلقاً غير محمود فكأنك تقول للضحية أدر خدك الآخر لمن صفعك.. وإن قلت أن العنف محمود مطلقاً فكأنك تقول للجاني هنيئاً لك بما تفعل. ومن دعاة الاتجاه الآخر من يقول:-
” … إن العنف السياسي هو في الغالب من الأدوات المهمة وإن لم تكن الوحيدة للتحرر من الظلم والطغيان في المجتمعات التي تحتكر السلطة والثروة والسلاح …”(15)
حتى أنه يمكن الحديث عن نمو أيديولوجيا العنف داخل حركات الاحتجاج الاجتماعي التي من الممكن أن تكون دينية لكافة أشكال الجور والظلم. هذه بالطبع هي المدرسة الثورية اليسارية في تحليلها للدور الاجتماعي للعنف.
أما منظري المدرسة الغربية فإن نظرتهم للعنف تكاد تكون محل إدانة دائمة له فلا يكادون يرون له دوراً وذلك نابع من أن المدرسة نفسها تؤمن بأن المجتمع يتفاعل اقتصادياً وفق قوانين رأس المال الحر، واجتماعياً وفق خصائص الفردانية، وسياسياً وفق قوانين ومباديء الديمقراطية فليس ثمة ما يدعو إلى الخروج عن هذه الدوائر والقفز إلى العنف لتحقيق أية مطلوبات أخرى غير أنه لم يثبت بأن ذلك كان كذلك. فهذه النظرية أنتجت عنفاً آخر أشمل وربما أكثر تعقيداً داخلها. فالبطش الذي يميّز عصابات المافيا ونظائرها والعنف الذي تستخدمه والنفوذ الذي تتمتع به يفوق بكثير أي نفوذ لحركات الاحتياج الاجتماعي المنسوبة إلى الشرق الإسلامي. فهذه العصابات تستخدم كل أنماط العنف فهي ذات أهداف إجرامية يمكن أن تمتطي قضايا سياسية أو دينية من أجل تحقيق أهدافهـا.
أما كون العنف له أنماط فقد سبق أن ربطنا ذلك بالدوافع من وراءه التي هي وليدة القيم المبتغاة. مع الأخذ في الاعتبار أن العنف هو جنس واحد، قتل، حرب، تخريب أو تهديد. إذن ما هي العلاقة بينه وبين القيم التي تتحكّم في أشكاله بل ويمكنها بالتالي السيطرة عليه. يمكن أن تقول بأن العدل والمساواة والخير والحق هي محددات له بمعنى أنه بالدرجة التي تسود فيها هذه القيم مجتمعاً من المجتمعات فإن قابليته لانتشار العنف فيه تكون في حدودها الدنيا “كأنها علاقة طردية” خلافاً للنظرية الغربية التي تقول بأن قوة الردع والقانون هي التي يمكن أن تسيطر على موجات العنف والاحتجاج الاجتماعي.
وعليه تدعو هذه الورقة متخذي القرار وواضعي استراتيجيات مكافحة العنف الالتفات إلى هذه الأبعاد القيمية والجوهرية في تحليل هذه الظاهرة من أجل تجنيب العالم ويلات دوائر العنف والعنف المضاد فيما تسميه هذه الدراسة “توليد العنف”.
وقد برزت مؤخراً نظريات مفسِّرة لظاهرة العنف الديني مستندة إلى أبحاث كمية في بعض المجتمعات المصرية لا سيما دراسة محمد حسين أبو العلا بعنوان: “العنف الديني في مصر” والتي ترد أسباب تفشي الظاهرة إلى عوامل اقتصادية متعلقة بالحالة البائسة لبعض أعضاء الجماعات الدينية (الإسلامية بالطبع) وارتباطها بالأحياء السكنية الفقيرة والعشوائية وبالتالي نظرتهم الحادية للأمور. هذه النظرة فيها تبسيط مخل لعناصر الظاهرة أو حتى تفسيرها. ذلك أن النظر إلى ممارسي العنف وتتبع سيرتهم وإسقاط هذا على مجمل الظاهرة هو منهج سيكولوجي لا يتناول مجمل العوامل المجتمعية التي أفرزت السلوك فهو منهج متأثر إلى حد كبير بما تنشره الصحافة من تحليلات عجلى تناسب إيقاعها عوضاً عن التفرغ للدراسة المتأنية الأمينة والجادة، للوقوف في مواجهة تأثير الإعلام العالمي الذي يتخذ من العلمانية معياراً يحاكم عليه كل شيء في أي مكان، في وقت تنمو فيه هذه الجماعات الإسلامية في بيئات مسلمة تتشرب “أي هذه البيئات” القيم العلمانية من فرط اعتمادها على الغرب وتقليدها له فباتت تقود معارك ضد هذه الجماعات نيابة عن الغرب في بلادها وهي تدري أو لا تدري بأنها تتطوع في معارك ليست هي معاركها.
العنف العرقي أو الأثني:

يكاد يكون من المسلّم به أن تاريخ الحضارات في العالم يرتبط غالباً بهجرات سكانية كبرى هذه الهجرات قد تكون طوعية متعلّقة بظروف سياسية أو اجتماعية… الخ، وقد تكون قسرية متعلقة بظروف حروب أوكوارث تجارة رقيق…الخ. وأبرز مثال لذلك هو ما حدث بالفعل لمناطق الهنود الحمر في أمريكا الشمالية ومناطق السكان الأصليين في أستراليا. تعتبر هذه أكبر المراكز الحضرية في العالم وتحتكر مقاليد القوة المادية التي بها عملت على إبادة هذه الشعوب بعد أن احتلت هذه القارات شعوب مهاجرة. وقد بنيت الحضارة الغربية الماثلة اليوم على أشلاء وجماجم الشعوب الأصلية وهذا وجه قلّما يتم الحديث عنه في تطوّر وتاريخ أمريكا الشمالية كما وأنها بنيت أيضاً بسواعد الملايين من الأفارقة الذين استجلبوا كأرقاء للعمل في مزارع البيض من الأنجلوساسكون. وقد تعمق هذا الاتجاه في أوروبا بعد قيام الحركة النازية في أوروبا التي قامت لتعلي من قيمة الجنس الأوروبي وتميزه على بقية الشعوب والأمم وأسست على ذلك أيديولوجية كان لها إسهام كبير في تاريخ العنف في العالم استفادت منه وما تزال الحركة الصهيونية مما تُنشر عن مجازر “الهولوكوست” التي أحرق فيها النازيون مجاميع من اليهود غير أن الحركة الصهيونية نفسها انقلبت حركة عنصرية في تمييزها ضد سكان فلسطين من العرب وغيرهم وفق منطق ديني أضحى له أبعاد أيديولوجية حتى لم يعد واضحاً ما هو الديني وما هو الأيديولوجي … وإمعاناً في هذا الاتجاه نشأت علاقات قوية جداً بين النظام في إسرائيل ونظيره في جنوب أفريقيا حينما كان الأخير يتبنى فكرة “الأبارتايد” الفصل العنصري بين البيض الذين هم المستوطنون من المهاجرين وبين المواطنين الأصليين من الأفارقة.
أما النظريات التي تقوم عليها الحركة الصهيونية في تبريراتها لإنشاء دولة إسرائيل فهي مبنية على نظرية “الشعب المختار” من عند الله تعالى فوق جميع البشر الذين هم من “الأخيار” ممن يجب تسخيرهم، ومبنية على أحقية هذا الشعب في أن يتخذ من “أرض الميعاد” وطناً دائماً له وهي نظرية تلمودية. أما القرآن الكريم فإنه يذكر أن بني إسرائيل كانوا فعلاً هم شعب مختار ولكنهم بعد أن حرّفوا الكلم عن مواضعه استحقوا من الله لعنة إلى درجة انقلب فيها بعضهم قردة وخنازير. والتوراة الموجود اليوم مليء بنصوص تعمّق فكرة الوعي العرقي والجنس المتفوّق حتى بات ظنهم أنهم خلقوا من عنصر الله “أنا قلت أنكهم آلهة، وبنو العلي كلكم”(16). أما بقية الشعوب فمخلوقات حيوانية وبالضرورة لا ينسجم من هو على صورة الله مع من في صورة حيوان ومن هذه التعاليم جاء اليهود بتحريم زواج اليهودية من غير اليهودي. ومن الغريب أيضاً أن هذه التعاليم نفسها قد شكّلت مصدر إلهام للنازيين في صياغة قوانين نرمبرج العنصرية 1935م. وذلك أن جوليوس سترشر المنظر العرقي أقر أثناء محاكمته كمجرم حرب:-
” … نعم إني كنت منذ سنوات أكتب أنه يجب منع أي اختلاط في الدم بين الألمان واليهود. وكنت أردد دوماً أن علينا أن نتخذ من اليهود نموذجاً يحتذى. فهم قد أخذوا على أنفسهم عهداً بأن يحافظوا على سلامة عرقهم من خلال قوانين موسى وعزرا…”(17).
ويتضح أن في التلمود تأصيلاً وتأكيداً لنـزعة العنف المؤسس على التمييز العنصري والعرقي اليهودي على بقية شعوب الأرض حتى أن مفهوم “التطهير العرقي” “Genocide” يستلهم التفسير الحرفي لبعض المأثورات من العهد القديم لا سيما أسفار “الخروج” “التثنية” حيث يتم طرح المفهوم كفرض أوجبه الله وليس إجراءً تفرضه الضرورة السياسية.
غير أنه منذ ثمانينات القرن الماضي برز جيل من علماء الاجتماع والسياسة الإسرائيليين أحدث نقلة كبيرة في الأيدولوجيا الصهيونية منذ بن غورون حتى بيريز. ومن أبرز هذا الجيل الجديد بروفيسور يارون أزراحي في عمله الأدبي “رصاصات المطاطا” (1997م)، وتوم ستيف في مؤلفه “المليون السابع” (1989م)، بنى موريس في مؤلفه “مشكلة اللاجئين الفلسطينيين” (1987م) وآخرون يعتبرون من جيل ما بعد الصهيونية “Post- Zionism” في الوسائط الصحفية والأكاديمية والسياسية.
إنه من نافلة القول التقرير بأن الحركة النازية والحركة الصهيونية في أوروبا ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، هذه الثلاثية كانت هي المسئولة عن توفير المبررات الأيديولوجية والمصوغات النظرية التي استند عليها العنف العرقي والأثني خلال القرن الماضي. وهذه المشروعات الثلاثة تعتمد على نظريات النقاء العرقي “Racial Puritanism” والاستعلاء العرقي وعليه يمكننا القول بأن هذه النظريات تستبطن عنفاً كامناً متى ما عمد البشر على تنـزيلها على الواقع. ذلك أن الذي يعتقد بأنه يتميز بالنقاء والصفاء العرقي على الآخرين يجر على نفسه الويلات عندما يكرّس نظاماً سياسياً يستلهم هذا الاعتقاد. ولذلك يقول الرسول  في حديث:-
” … دعوها فإنها منتنة”.
في إشارة إلى هذه العصبية وإلى الانتماء العشائري وهو  الذي واجه أكبر ميراث تستند عليه القبيلة في الجزيرة العربية، من الضروري أنه كان يعلم صعوبة التخلي عن هذا الميراث جملة واحدة لا سيما وهو ميراث كان ينتظم العالم كله لحظتها، فلجأ  إلى إعادة تعريف للعروبة يمكن معه نقل هذه العصبية وتحويلها إلى مربع إيجابي يستوعب مطلوبات أكثر انفتاحاً على الآخر من حيث العنصر فقال :-
” … من تحدث العربية فهو عربي…”
فعمل  بذلك على نقل أصل الولاء من القانون الطبيعي إلى الاجتماعي والثقافي للمجتمعات، وهي نقلة ما تزال البشرية في حاجة إليها في مواجهة تداعيات ما تزال تتفاعل في التاريخ السياسي المعاصر للعالم.
الجهاد الإسلامي والقانون الدولي الإنساني:
الجهاد مفهوم مركزي في الدين الإسلامي متكامل مع المفاهيم الركنية الأخرى (التوحيد، الفرائض، الشريعة) وهو في بعض النصوص دعوة لمقاتلة المعتدين:
.. قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (البقرة:190).
وهو في نصوص أخرى يمثل تدافع بين الناس يفضي إلى توازن بين البشر:
.. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو الفضل على العالمين…(البقرة:251).
وعلى الرغم من مركزية مفهوم الجهاد في الدين إلا أن القرآن الكريم يقرر أن النفس البشرية تستثقله كتكليف:
كُتب عليكم القتال وهو كره لكم….
سبق أن ذكرنا أن العنف تتحكّم فيه القيم المطلقة أو بالأحرى يمكنها التحكّم فيه، أما والحديث عن الجهاد في الدين الإسلامي تقرر أن الحق في حاجة دائمة إلى قوة تحرسه تمنع عنه استضعاف الآخرين وترد عنه اعتداء المعارضين لا سيما إن كان مشروعاً يستهدف عقائد الناس.
وعليه فالجهاد هو فريضة في هذا الصياغ وهو حرب أو مواجهة أو قتال وفق نظم وقوانين متسقة مع مجمل تعاليم الدين غير مستقلة عنه. غير أن الإنسانية قد تعرف قوانين تنظم الحروب بين المجموعات البشرية ولكن الذي ينفِّذ هذه القوانين هو جندي في ساحة قتال حريص على حياته أكثر من حرصه على نصوص قوانين مكتوبة على ورق صقيل في خزانة مسئول سياسي. غير أن الذي يميز الجهاد الإسلامي هو أنه بمقتضياته وممنوعاته وحرماته هو جزء من عقيدة دينية يعتقد فيها المجاهد ويحرص على الوفاء بمطلوباتها أكثر من حرصه على الحياة. عدم قتل الأطفال والنساء والحيوانات وعدم قطع الأشجار، والتمثيل بالجثث وإطعام الأسير…الخ. وقائمة طويلة من الآداب والأخلاقيات تمثل الوجه الآخر للقتال في الجهاد والذي يصح أن يصدر عن مؤسسة الدولة في مواجهة دول أو كيانات أخرى، كما أنه يصح أن يصدر عن حركة أو جماعة كما حدث في بداية حركة الدعوة الإسلامية وغزواتها قبل أن تتكون دولة المدينة.
والذي يجب الانتباه إليه هو أن معظم الحروب لا سيما في القرن العشرين كانت تعتمد مبدأ “الحرب الشاملة” منذ الحرب العالمية الثانية كما وقد حدث بالفعل في ألمانيا واليابان. ومبدأ الحرب الشاملة يعتمد على الحرب على العدو بدون تمييز للأهداف المدنية أو العسكرية فهي حرب لا تبقي ولا تذر لا هوادة فيها ولا رحمة لصغير أو امرأة أو مسن. فالحرب الشاملة تستبطن “الإبادة الجماعية” ومن ثم “التطهير العرقي” الذي له مؤيدون وممارسون بل ومنظرون. هذه مفاهيم في أنماط الحروب طوّرها الإنسان لا نرى أنها تتسق مع مفهوم الجهاد في الاقتتال والمنازلة. بل أدت هذه المفاهيم إلى ضياع كرامة الإنسان ولذلك استشعرت الإنسانية حاجة ماسة إلى قانون عُرِف بالقانون الدولي الإنساني ليقف في مواجهة الانتهاكات البينة لآدمية الإنسان ولمواجهة أصناف الفظائع وألوان العنف المفرط ضد الإنسانية عرفت لاحقاً بأنها “جرائم الحروب”. أما جوهر هذا القانون الذي بدأ تدوينه منذ القرن التاسع عشر أنه يقدّم حماية لغير المشاركين في القتال أو الذين توقفوا عنه “الجرحى، الأسرى، المدنيين”، وتقييد اختيار وسائل القتال والأسلحة وتحريم تلك التي لا تميز بين الأهداف كالأسلحة الكيميائية والألغام الأرضية …الخ.
ولما كانت أحكام هذا القانون تسري في أوقات الحروب فإن مراعاة قواعده ستواجه صعوبات عدة(18). الملاحظة الأولى هي أن مواد هذا القانون كأنما استلهمت مباديء أخلاقيات الجهاد الإسلامي في عدم مقاتلة غير المقاتلين من الأطفال والشيوخ والرهبان في أماكن العبادة، ثم أدخلت عليها قضايا أخرى كحماية الهيئات الطبية والعلاجية والمنشآت الثقافية… الخ. الملاحظة الثانية هي أن البشرية قد أخذت وقتاً طويلاً حتى توصلت في القرن التاسع عشر إلى مباديء قانون دولي منفصل يعالج قضايا العنف المفرط في الحروب كما أنها احتاجت إلى نفس الوقت للوصول إلى قانون دولي يعالج انتهاكات حقوق الإنسان في أوقات السلم. أما الملاحظة الثالثة فهي أن الدول التي كانت تمارس “الحرب الشاملة” طوّرت هذا المفهوم ليصبح “الحرب الاستباقية” التي هي عدوان صريح على الطرف الأضعف كما تدل على ذلك سيرة الحرب في أفغانستان والعراق..الخ، مهمة هذه الحرب الاستباقية هي القضاء على عدو محتمل أو خطر متوقع داخل دولة صغرى من الضروري أن يهدد أمن دولة كبرى أو قوة عظمى في العالم بأساطيلها وحلفاءها وترسانتها.
والجهاد في الفكر الإسلامي المعاصر هو “الفريضة الغائبة” كما هو عند عبد السلام فرج زعيم تنظيم الجهاد في مصر التي شهدت كثيراً من التنظيمات التي هي في الأصل تيارات إسلامية رادكالية وهي في الحقيقة تدعو إلى الجهاد منطلقة من فكرة تكفير الدولة والمجتمع وهي أفكار استلهمت إلى حد كبير مدرسة الشهيد “سيد قطب” المنتمي إلى حركة الأخوان المسلمين بمصر بل هو مفكرها الأول بجانب المؤسس الشيخ/ حسن البنا بل يشير بعض الدارسين إلى المرحلة القطبية في هذه الحركة باعتبارها المرحلة التي أدخلت العنف والتكفير في الإرث الإخواني. غير أنه ينسب إلى هذه الحركة أنها قد عملت على إحياء مفهوم الجهاد في العصر الحديث وأعلت من شأنه حتى في أشعارها وأهازيجها واعتبره حسن البنا من أركان البيعة للحركة أما سيد قطب فأنه في أحد مؤلفاته “معالم في الطريق” ذهب إلى أن الحكومات التي لا تحكم بما أنزل الله “جاهلية” ثم أن المجتمعات التي ترضى بهذه الحكومات هي أيضاً “جاهلية”(19) وتحدث عن “شرك تشريعي” ودعا إلى “إسلام مكي” ينتقل به المجتمع بمثلما حدث بمكة ليتهيأ لمرحلة الأحكام الفقهية التي ميزت الإسلام المدني. معلوم أن سيد قطب انتمى لحركة الأخوان المسلمين بعد رجوعه من الولايات المتحدة ودخل السجن مرتين شهد فيها أقسى تجارب الاعتقال السياسي بمصر في القرن العشرين وخرج من السجن بنظرة يملؤها التشاؤم من هول ما رأى من انتهاك للأعراض وسب للذات الإلهية فهو قد أسقط كل هذا على الدولة “والمجتمع الذي رضي بها” وصاغ بعد خروجه من السجن كتابه الأهم “معالم في الطريق” الذي أصبح فيما بعد معبراً عن الأيدولوجيا لحركة الأخوان مع أنه في الحقيقة يمثل نقلة نوعية في ذلك الفكر الذي أسسه الشهيد حسن البنا(20). ثم أن سيداً قد كتب ثمانية عشر جزءاً من كتابه “في ظلال القرآن” قبل دخوله السجن وأكمل بقية الأجزاء داخل السجن ثم أنه أعاد كتابة تلك الأجزاء بعد خروجه.
وعليه فإننا نرى أنه وفق ذلك فإن معظم الحركات الإسلامية الأصولية الجهادية هي وليد شرعي لفكر سيد قطب في المرحلة الأخيرة من حياته مما دفع البعض إلى نسبة فكر التكفير إليه. غير أنه يمكننا القول بأن التشاؤم والنظرة المظلمة التي اكتسبها سيداً من عنف الدولة المفرطة تجاه حركة الأخوان عموماً تركت ظلالاً على أفكاره أساء فهمها كثير من محبيه فضلاً عن شانئيه، لا سيما وهو الأديب ذو الإحساس الشفيف والتعابير والتصورات الفنية الراقية الشيء الذي ربما لا يسهل مهمة تأويل مقاصده. وربما كان سيداً من أوائل المعاصرين الذين استخدموا بكثافة مصطلح “جاهلية” ومصطلح “شرك” فكان كثيراً ما يستخدم آيات سورة آل عمرن:
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الفاسقون..  … ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.. .. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون… غير أنه من المعلوم أن الإمام حسن لم يكن يصف المجتمع المصري لحظتها بأنه “مشركاً أو “كافراً” بل كانت أفكاره تميل دائماً إلى استلهام المثال أو النموذج الكامل في كل شيء.
وعلى الرغم من أن حركة الأخوان المسلمين تظل الحركة الرئيسة التي أذكت روح الجهاد في الحركات اللاحقة، فإن هناك حركات أخرى لها إسهامات أيضاً عملية على الأقل تشمل حركات الجهاد الأفغاني والتي استلهمت لحد ما إجتهادات أبو الأعلى المودودي في شبه الجزيرة الهندية عبر خريجي المعاهد الدينية الباكستانية التي أنتجت حركة “طالبان” الأفغانية. والذي يمكن أن نقوله في هذا المجال هو أن الجهاد الأفغاني “وحركة المودودي” الجماعة الإسلامية هي الحركة الإسلامية الأكبر ضمن الحركات غير الناطقة بالعربية ربما تأتي في مرحلة لاحقة لها الحركات الإسلامية المهاجرة في أوروبا والولايات المتحدة. أما والحديث عن الجهاد ففي ظني أن عدم تماسك النظرية الجهادية- كما هي عند الأخوان المسلمين لدى حركة شبه الجزيرة الهندية هي التي أدت ضمن عوامل أخرى إلى أن ينتهي الجهاد الأفغاني والحركات الأفغانية متقاتلة ضد بعضها البعض بعد خروج القوة الروسية الشيء الذي أثر وسيؤثر بالطبع على تماسك الدولة الأفغانية في الحاضر وفي المستقبل.
الإرهاب الدولي:
أصبح الإرهاب مصطلحاً محمّلاً بظلال سياسية عالية في الفترة ما بعد 11 سبتمبر 2001م، عقب الأحداث التي تم فيها تفجير برجي التجارة والتي راح ضحيتها عدة الآلاف من المدنيين الأمريكيين وغيرهم. أما تاريخ 11 سبتمبر 2001م في الحقيقة يعتبر علامة فارقة بل هو انقلاب حقيقي لمعظم النظريات الأمنية العسكرية والاستخبارية التي كانت سائدة في الفترة ما قبل ذلك التاريخ. قوة هذه الأحداث أفرزت تفاعلات داخلية في الولايات المتحدة أفضت إلى تحول غير مباشر عن المباديء اللبرالية ومفاهيم “الحريات الأساسية” وما أسماه الرئيس الأمريكي “بمعسكر الشر” الذي يضم الدول التي لا ترضى عنها الولايات المتحدة وهي بذلك قابلة لأن يشن عليها حرباً مباشرة وقتما يقرر بذلك “البنتاجون” أو غيره من مؤسسات صناعة القرار في الإدارة الأمريكية.
غير أننا نتناول الإطار المفاهيمي لهذا المصطلح “الإرهاب” الذي سنمهِّد له بطرح بعض التعريفات التي قال بها عدد من دارسي هذه القضية.
“… يستخدم هذا المصطلح للتعبير عن الاستخدام المنظم للعنف لتحقيق هدف سياسي يشمل الاعتداءات الفردية والجماعية والتخريب وأعمال العنف المختلفة التي تقوم بها جماعة منظمة وخلق جو من الرعب والفزع وعدم الأمان …”(21).
أما اتفاقية جنيف 1937م فقد عرّفت الإرهاب كالآتي:-
” … الأعمال الإرهابية ضد دولة وتهدف أو تخطط إلى إحداث حالة من الرعب في أفكار أشخاص أو مجموعة من الناس أو لدى عامة الناس”(22).
” … الاستخدام غير المشروع للعنف أو التهديد به بواسطة فرد أو جماعة أو دولة ينتج عنه رعباً يعرض للخطر أرواحاً بشرية أو يهدد حريات أساسية ويكون الغرض منه الضغط على الجماعة أو الدولة لكي تغير سلوكها تجاه موضوع ما …”(23).
جاء في القرآن الكريم استخدام المصطلح في سورة الأنفال الآية (60) بمعنى الرعب في المعارك القتالية:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّكم وعدو الله وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم..
وجاءت عدة اشتقاقات لمادة “رهب”.
يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون .. (البقرة:40) والآيات الأعراف(154)، الأنبياء(90)، الأعراف(116).
أما الصياغ الذي وردت فيه المادة “رهب” اشتقاقاتها في القرآن الكريم يمكن أن يفهم منه دلالة على الخوف الشديد ولا يمكن أن تعتبر كلمة الإرهاب كلمة حديثة كما يشير إلى ذلك د. نبيل أحمد حلمي طالما أنها وردت في القرآن الكريم عدة مرات ولكن ربما يكون صحيحاً أن يقول البعض أن مفردة “إرهاب” في اللغة العربية تعني الخوف المشوب بالاحترام بينما يقول د. حلمي أن الترجمة الصحيحة لمفردة “Terrorism” الإنجليزية هو “إرعاب” لتؤدي المعنى المراد في اللغة العربية الذي هو التخويف لدرجة الفزع الناتج عن استخدام العنف أو التهديد به. في معنى قريب من هذا يقول الرسول :-
“…نصرت بالرعب مسيرة شهر…”(24)
لا يصنّف القانون الدولي الحالي حق تقرير المصير الذي تقوده جماعات مسلحة ضد دولة مستعمرة أو محتلة أو غازية من أعمال الإرهاب(25). في هذا بالطبع إشارة إلى أعمال حركات التحرير وأهمها منظمة التحرير الفلسطينية والتي اجتهدت الولايات المتحدة الأمريكية أن تطلق عليها منظمة إرهابية ولكن لأن هذا القانون يعطيها الحق في استخدام القوة من أجل “تقرير المصير” وهو مبدأ يمكن أن تستفيد منه المجموعات العراقية التي تقاتل من أجل تحرير بلدها من القوى المحتلة. لم تفلح في وصم حركة التحرير الفلسطينية بهذا الوصف أو بالأحرى لم تتمكن من حمل المجتمع الدولي على ذلك.
العمليات الموصوفة حالياً بأنها إرهابية تشمل ربما حوادث اختطاف الطائرات أو تغيير مسارها وحجز الرهائن، والأعمال التخريبية والاغتيالات..الخ. بالطبع تعتبر إرهابية إذا حدثت في أوقات السلم أما إذا حدثت في أوقات الحرب فأنها تدخل في نطاق حماية المدنيين من العمليات العسكرية الذي يغطيه القانون الدولي الإنساني الذي يختلف عن قانون حقوق الإنسـان.
تستخدم مؤسسات الاستخبارات نيابة عن دولها عمليات مماثلة لتنفيذ أو تمرير أمر ما داخل دولة أخرى وهذا طريق بالطبع غير تقليدي في الممارسة السياسية والاستراتيجية غير أن له تاريخ وأصول ونظريات في الأمن القومي القطري والإقليمي وهو مبحث قائم بذاته ذو علاقة بما نحن بصدده. فمعظم العمليات الاستخبارية الناجحة هي مما لا يمكن التعرّف على أنه من تدبيرها. وعليه فإن جانب كبير من حركة تطوّر العلاقات فيما بين الدول وإدارة مصالحها لا يتم بصورة تلقائية أو عفوية إنما يتم بتدبير قصدي واعي ليس من بين اعتباراته تكاليف التنفيذ التي ربما تشمل أموال أو أرواح بشر…الخ بقدر ما يهمه الهدف الذي من أجله يتم التخطيط والتنفيذ.
أما الحرب الدولية ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة فهي رد فعل غير مكافيء للعمليات المعروفة بأحداث 11 سبتمبر ضد تنظيم القاعدة والمنظمات الإسلامية الشبيهة له.
والحق يقال فإن هذا التاريخ يمثل علامة كبرى في نظريات الأمن والحرب والسياسة في العالم المعاصر. والذي يهمنا هنا هو صدى هذه الأحداث لدى التنظيمات والجماعات الإسلامية والتي تحولت من جرائها إلى أهداف مشروعة ومشرعة لهذه الحرب. ويمكن الحديث عن ثلاث مواقف بإزاء هذه الأحداث.
أولاً موقف الدول الإسلامية التي أدانت هذه الأحداث في اتساق مع الموقف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ثانياً موقف التنظيمات والمنظمات غير الحكومية في العالم الإسلامي والتي اكتفت بإدانة قتل المدنيين الأبرياء، ثالثاً موقف المنظمات الإسلامية في دول المهجر أوربا والولايات المتحدة والتي تطابق موقفها مع الموقف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وهي- أي المنظمات تركّز على أن الذين يمارسون هذا النوع من العمليات يرسلون إشارات خاطئة عن الإسلام بل ويشوهون صورته. وعلى كثرة ما قيل ونشر عن الإرهاب الدولي فإن تناول موقف المنظمات الإسلامية منه ما يزال يحتاج إلى مزيد من البيان وإعمال الفكر الجاد لا سيما وهي تعمل في موازاة حملة دولية تقودها وكالات إعلام متخصصة في صناعة ما نسميه “بالرأي العام” إذ كيف يستقيم الحديث عن قتل مدنيين أبرياء في منطقة من العالم في وقت من الأوقات بينما يتم قتل وأسر وتشريد مدنيين وأبرياء وعجزة وأطفال ونساء بصفة يومية في أماكن مختلفة من العالم جلهم من المسلمين. ولأن العنف يولد عنفاً مضاداً تدعو هذه الدراسة إلى عمل نظري تأصيلي لهذه القضية بين علماء المسلمين الذين يقع عليهم وضدهم كل الظلم والضيم والاستضعاف على جنبات المعمورة ولا ناصر لهم، فلا أقل من أن تسعفهم أقلام بفقه يمكنهم من الدفاع عن حقوقهم بدلاً عن تبني المواقف التي تمليها الظروف العملية للدول والجماعات والأحزاب. ومعلوم أنه قد تم نقاش مستفيض في الدوائر العلمية لا سيما الأزهر في الأعوام الماضية حول العمليات الاستشهادية التي تقوم بها المنظمات الفلسطينية ضد إسرائيل وأنه قد تم تجويز هذه العمليات واعتبرت من وسائل المقاومة المشروعة والمفروضة بظروف عملية ضاغطة ومعلومة. بقي أن تدرس العمليات التي تسمى إرهابية ومقاربتها مع أسس نظرية وفقهية جديدة ومواكبة لمطلوبات الجهاد، وكذلك أدبيات جديدة لمفاهيم المقاومة والتحرر والانعتاق المادي والثقافي من القوى الغازية والمحتلة عسكرياً أو سياسياً.
تدعو هذه الدراسة كذلك إلى استنطاق لسان حال العالم الإسلامي بفقهيات تحرر ميراث النضال الثوري والوطني من علمانيته ليغدو صالحاً لتحريض جماهير المسلمين إلى التعرف على مقدراتهم الذاتية والكامنة للاستفادة منها في معاركهم مع الآخرين من أجل التقدم بها لإنقاذ العالم من وهدته الفكرية الممعنة في التيه والضلال والماديـة.
الإحالات المرجعيـة:
1.ملحم قربان، قضايا الفكر السياسي، القوة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1983ص 64.
2.حول هذه النظريات يمكن مراجعة:
إسماعيل علي سعيد، دراسات المجتمع والسياسة، دار النهضة الأدبية، بيروت 1988، ص153.
3.ملحم قربان، مصدر سابق، ص117.
4.للمزيد حول هذا الموضوع أنظر:
عمر الفاروق، قوة الدولة، القاهرة، مكتبة المدبولي1992م.
5.Tavistock, Dictionary of Social Sciences UNISEF, 1968
6.أنظر إسماعيل أحمد سعد، مصدر سابق ص122.
7.المصدر السابق ص127.
8.مصطفى البغا، الوافي في شرح الأربعين النووية، دار بن كثير، بيروت، 1999، 113.
9.Niccolo Michaivelli, The Prince, Penguin Books U.S.A. 1975
10.محمد الباقر الصدر، فلسفتنا، دار الكتاب الإسلامي، إيران 1981، ص282.
11.المصدر السابق ص281.
12.مفكر من جزر المارتنيك (مستعمرة فرنسية) حارب في الحرب العالمية الثانية في صفوف الجيش الفرنسي ثم انخرط في الثورة الجزائرية من بعد ذلك. توفي في الولايات المتحدة الأمريكية، صدر له مؤلفان “السحنة السوداء والأقنعة البيضاء ” ثم ” المعذبون في الأرض”.
13.مصطفى البغا، مصدر سابق، ص226.
14.تفسير الجلالين، المكتبة الشعبية، بيروت بدون تاريخ، ص226.
15.شعبان الطاهر الأسود، قضايا العنف السياسي والثورة، الدار المصرية اللبنانية، 2001م ص39.
16.عبد الغني حماد، ثقافة العنف في سوسيولوجيا السياسة الصهيونية، دار الطليعة بيروت 2001م، ص19.
17.المصدر السابق ص20 أنظر في ذلك أيضاً روجيه غاروري، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، دار عطية، بيروت 1996م.
18.اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، حول تنفيذ القانون الدولي الإنساني في السودان، رئاسة الجمهورية، قرار جمهوري رقم 48 لسنة 2003م (اللجنة برئاسة وزير العدل).
19.في موضوع “الجاهلية” كمصطلح يمكن الرجوع إلى هشام أحمد عوض جعفر، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، فرجينيا، 1995م، ص219.
20.أهم مؤلفات سيد قطب تشمل:-
1-السلام العالمي والإسلام، القاهرة، دار الشروق 1978م.
2-في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق 1982م.
3-هذا الدين، بيروت، دار الشروق 1982م.
4-معالم في الطريق، بيروت، دار الشروق 1983م.
5-معركة الإسلام والرأسمالية، بيروت، دار الشروق 1993م.
21.نبيل أحمد حلمي، الإرهاب الدولي وفقاً لقواعد القانون الدولي العام، دار النهضة العربية القاهرة، بدون تاريخ، ص18.
أنظر أيضاً:
تجاني سيد أحمد، نظرية الجريمة السياسية في القوانين الوضعية المقارنة وفي الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراة، جامعة القاهرة كلية الحقوق، 1984م.
22.نبيل أحمد حلمي، مصدر سابق ص29.
23.المصدر السابق ص28.
24.صحيح البخاري، باب الجهاد 122.
25.أنظر:
محمد السماك، الإرهاب والعنف السياسي، دار النفائس لبنان 1992م.
وأنظر أيضاً:
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة 1966م قرار رقم (XXI) 2200 A.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.