إشكالات النظرية الإجتماعية المعاصرة

الطرق الصوفية في السودان: منظور تأريخي
30 أغسطس، 2016
المسكوت عنة إجتماعياً
30 أغسطس، 2016

إشكالات النظرية الإجتماعية المعاصرة
أزمة النظرية في علم الاجتماع الغربي
مراجعات أولية
حسن محمد صالح
تقديم:
يمثل الموضوع الذي أطرحه أفكاراً أولية لا تزال في مرحلة التنقيح والمراجعة ولم تتبلور في صورتها النهائية والهدف من هذه الورقة هو الاستفادة من الآراء النقدية الموضوعية حتى أتمكن من إعادة الصياغة النهائية بأسلوب أكاديمي يطمئن له الجميع.
الكتابة عن النظرية في علم الاجتماع أمر تحف به تعقيدات كثيرة ومتداخلة ولقد نشأت هذه التعقيدات بسبب عوامل كثيرة بعضها متصل بالموضوعات التي تدرسها النظرية وهذه مرتبطة بطبيعة المجتمع ومكوناته الفكرية والاقتصادية والثقافية وبيئته الطبيعية والبعض الآخر بمؤثرات ذاتية ومذهبية للعلماء في مرحلة صياغة نظرياتهم أو عند استخدام هذه النظريات لتفسير الواقع الاجتماعي، وآمل أن يتضح لنا هذا الموضوع لاحقاً عند تناول المشكلات التي تواجه النظرية في علم الاجتماع.
معنى النظرية الاجتماعية :
تتمثل حقيقة العلم Scienceفي كونه منهج لرصد الخبرات البشرية وتحديد عناصر هذه الخبرات والربط بينها ربطاً منطقياً ولذلك يمكننا ابتداء أن نعرف النظرية على أنها مجموعة من العلاقات المنطقية وتستخدم هذه العلاقات لتفسير الظواهر الاجتماعية وبالتالي:
(1)الربط المنطقي بين الظواهر هو المهمة الأولى للعلم ومعنى ذلك التعامل مع المعلومات بطريقة منظمة والهدف هو تطوير معرفتنا الآنية بالظاهرة والتنبوء أو التوقع بتغيرها مستقبلاً وتحديد عوامل واتجاهات هذا التغير وطبيعته والآثار الناتجة عنه.
(2)هذا بالضرورة يحتم أن تكون معرفتنا بالظاهرة تمثل وحدة- أي معرفة كلية وليست جزئية.
(3)هذا الربط المنطقي يمكننا من التفسير العلمي-والتفسير العلمي معناه توضيح العلاقة المنطقية بين عناصر الظاهرة الواحدة أو بين عدد من الظواهر في المجتمع.
(4)ودرجة الثقة في التفسير تعتمد على المقارنة –والمقارنة في علم الاجتماع بمثابة التجربة في العلوم الطبيعية، ويحتم ذلك القيام بسلسلة من المشاهدات والملاحظات للتأكد من ثبات الترابط العقلي وهذا الثبات هو الذي يكسب النظرية مصداقيتها وقدرتها على التنبؤ، فالارتباط الدائم مثلاً بين س وج يزيد من درجة ثقتنا في النظرية وبالتالي في التنبؤ مثلاً كلما حدث س نستطيع أن نتنبأ بدرجة عالية بحدوث ج.
استناداً على ما سبق يمكن القول بأن النظرية هي عبارة عن قضايا تجريدية منطقية جاءت صياغتها في شكل مفاهيم، لكن هذه المفاهيم لم توضع عشوائياً بل لابد أن يكون هنالك ترابط منطقي بين هذه المفاهيم والنظرية تقدم تقارير عن هذا الترابط- وهو ما يعرف بالتقارير النظرية ويكون التقرير النظري ضرورياً للتفسير والتنبؤ ويمكن إعطاء بعض الأمثلة لبعض المفاهيم: حجم السكان، المنافسة، تقسيم العمل، فالتقرير النظري الذي نصيغه من هذه المفاهيم هو “كلما زادت كثافة السكان زادت المنافسة وبالتالي يزيد تقسيم العمل، مثال آخر للترابط المنطقي بين المفاهيم النظرية: التدرج الطبقي، الصراع، التكامل الاجتماعي. فالتقرير النظري يكون “أينما وجد التدرج الطبقي برزت حدة الصراع الاجتماعي” أو كلما “زاد تقسيم العمل زاد التكامل الاجتماعي.
” الآن يمكن التوصل إلى معنى النظرية العلمية وبطريقة أكثر وضوحاً هي نسق من المعاني والتقارير والمفاهيم في إطار من التصورات الفكرية، وهذه التصورات تقبل التطبيق على الواقع- بمعنى قابليتها للتجريب، وهذا يقودنا إلى إلى القول بأن النظرية العلمية تعتمد على الأدلة التي يمكن التحقق من صدقها أو عدمه وهذا يعنى أن النظرية لا يمكن أن تطبق إلا على الظاهرة التي يمكن الحصول منها على أدلة محسوسة أي على الظاهرة التي لها وجود موضوعي، كما أن البناء النظري يتطلب الدقة والتحديد.
بالإضافة إلى ما ذكر هنالك خاصية أخرى للنظرية العلمية وهي قابليتها للتعميم- أي أن قوة النظرية وفائدتها تعتمد على صياغة قوانين عامة تنطبق على الكل، وبالتالي النظرية لابد أن تتصف بطابع الشمول.
بعد هذا التناول الموجز عن النظرية العلمية، نطرح باختصار نوعين آخرين من النظريات وهما النظرية التحليلية والنظرية المعيارية وكلا النوعين ينسبان إلى مجال الفلسفة والمنطقة والرياضيات ومن المفيد أن نستصحبهما عند مناقشة مشكلات النظرية في علم الاجتماع وما هو موقع هذه النظرية من هذين النوعين.
النظرية التحليلية :
هي النظريات الخاصة بالمنطق والرياضيات والتي ليس بالضرورة أن تقرر شيئاً عن الواقع المحسوس ولكنها التي تعتمد على مجموعة من التصورات العقلية التي ربما لا تكون لها صلة مباشرة بالواقع.
النظرية المعيارية :
يبلور هذا النوع من النظريات مجموعة من الأحكام المثالية مثل النظريات الفلسفية والنظريات الأخلاقية، ونظريات الفن والجمال والقيم، وغالباً ما يقترن هذا النوع من النظريات بما يعرف بالايدولوجيا أو المبادئ العامة.
نشأة نظرية علم الاجتماع الحديث:
في البداية، نتجاوز فترة التأملات الفلسفية التي بدأت بتاريخ التفكير الإنساني مروراً بمراحله المختلفة، والتي لا نود الخوض في مناقشتها، فمن المعلوم أن أصول الفكر الاجتماعي الحديث ترجع للفلسفة، ولكن سياق النقاش الذي نحن بصدده، يقتضي أن نبدأ بالقرن الخامس عشر الميلادي وما طرأ خلاله من تغيرات على الفكر الاجتماعي الغربي، ولقد شهدت تلك الفترة عوامل هامة لعبت دوراً أساسياً في تشكيل النظرية الاجتماعية المعاصرة. ومن هذه العوامل إحياء التراث الفلسفي اليوناني والروماني، أو ما يعرف بالنزعة الإنسانية،والتي تمثل مرحلة الصراع بين الفكر الكنسي اللاهوتي والتفكير العقلي وتبع ذلك حركة الإصلاح الديني والتي أدت إلى نشأة المذهب البروتستانتي والذي قاد إلى بروز النزعة الفردية في إطار الكالفنية التي أعلت من –قيمة العمل والنجاح الدنيوي في معارضة للكنيسة الكاثوليكية مما مهد الطريق لنشأة الرأسمالية الغربية، وتزامن مع ذلك الاكتشافات العلمية وقيام المنهج العلمي.
كما برزت وتبلورت في تلك الفترة بعض الاتجاهات الفكرية التي تعتبر امتداداً للقضايا الفلسفية التي سادت في الماضي والتي سبقت قيام العلوم الاجتماعية ومما لا شك فيه أن اللبنات الأولى لنظريات علم الاجتماع قد وضعت خلال عصر التنوير ((القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي)) بواسطة المهتمين بدراسة فلسفة التاريخ والقانون المقارن والبيئة، وتمثل الافتراضات التي تناولتها فلسفة عصر التنوير المفهومات الأساسية التي قام عليها علم الاجتماع فيما بعد.
لقد تميز عصر التنوير برفض الأفكار اللاهوتية والقدرية التي كانت تروج لها الكنيسة وتتبناها لتسيطر على أساليب التفكير التي تدعم هيمنتها على المجتمع. وأدى ذلك إلى تعاظم الصراع بين العلم والكنيسة وتمخض عن ذلك حركة العلمانية في السياسة والاتجاه المادي في الفكر الأوربي وامتد ذلك الصراع إلى جميع جوانب المعرفة الإنسانية وكان من نتائجه التركيز على فكرة التقدم وصياغة تصور مادي أحادي لذلك التقدم عبر مراحل تاريخية للتطور الاجتماعي ومن هنا جاءت التغيرات الأساسية في مناهج التفكير حيث اتبعت المدخل الاجتماعي لدراسة التقدم،على أسس مادية والتأكيد على قدرة العقل البشري في تغيير الواقع الاجتماعي والتفسير العقلي لهذا الواقع وأن المجتمع يخضع لقوانين تشبه قوانين الطبيعة، وبالتالي تطبيق المنهج العلمي على الظواهر الاجتماعية، كما شهدت تلك الفترة المطالبة بالحقوق الاجتماعية والسياسية، والعدالة الاجتماعية ،وكان الفكر العقلاني يبشر بتحولات جذرية تؤدي إلى قيام مجتمع جديد يقوض دعائم المجتمع التقليدي واستبدال المثل والقيم التقليدية بأخرى جديدة وفي المقابل ظل الفكر المحافظ يتمسك بالقيم الدينية والمحافظة على التقاليد ومن الضروري أن نقف على نتائج ذلك الصراع لما له من آثار هامة على نظريات علم الاجتماع فيما بعد.
هنالك حدثان هامان في التاريخ الأوروبي لعبا دوراً هاماً في ذلك الصراع والخروج به ولو مؤقتا إلى مرحلة الوفاق أو قبول الأمر الواقع وأقصد هنا الثورة الفرنسية والثورة الصناعية فلقد تمخضت حركة النقد الاجتماعي التي بدأت خلال عصر التنوير عن الثورة الفرنسية والتي كانت تجسيداً للفكر العلماني والتجريبي والتطلع لمجتمع جديد.
فالثورة الصناعية أدت إلى تغيرات جذرية في التكوينات الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا حيث تحول المجتمع من الزراعة إلى الصناعة، مما أدى إلى خلخلة النظام الاجتماعي، وبدأت موجات الهجرة من الريف إلى المدن وصاحب ذلك النمو الحضري والتفكك الأسري وظهور قوى اجتماعية جديدة من العمال والطبقة الوسطى.
وفي المقابل هزت الثورة الفرنسية المؤسسة السياسية التقليدية ليحل محلها الفكر السياسي الحديث الذي يدعو للحقوق المدنية والعدل والمساواة ومعالجة المشكلات الاجتماعية. وكان تيار الفكر الاجتماعي قوياً في فرنسا بعد الثورة ولكن بالرغم من التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لم تحقق توقعات فلسفة عصر التنوير في حدوث التغير الجذري واستمر الصراع للقضاء على الفكر المحافظ ومؤسساته الاجتماعية وبالتالي كانت النتيجة ظهور الفكر الليبرالي أو نظريات الوفاق والتي تمثل تياراً ثالثاً يقف بين الفكر المحافظ والفكر الراديكالي ومن هنا تطورت النظريات الرومانسية واكتسبت مفاهيم عصر التنوير أهميتها واستمراريتها بعد أن استوعبها الرومانسيون وفي هذه الفترة وأثناء التعارض بين نظريات الصراع والفكر المحافظ، وقف مؤسس علم الاجتماع أوجست كونت موقفاً وسطاً بين الاتجاهين وصاغ قواعد علم الاجتماع في إطار المدرسة الوصفية، والذي أدعى أنه علم يدرس المجتمع بمنهج العلوم الطبيعية ويعتمد على التشبيه العضوي، والذي تبنته فيما بعد المدرسة البنائية الوظيفية.
أذن ومنذ اللحظة الأولى لنشأة علم الاجتماع ظهرت تصنيفات النظريات الاجتماعية إلى قسمين رئيسين:-
1-نظريات الصراع
2-نظريات التوازن أو الإجماع
واستمر هذا الانقسام إلى يومنا هذا وأخذ ذلك الطابع الإيديولوجي وكانت تلك بداية أزمة علم الاجتماع. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأزمة في علم الاجتماع ظلت مرتبطة بالأزمة الاجتماعية في كل المراحل اللاحقة لتطور النظرية الاجتماعية. ويمكن أن نجمل الأسباب الرئيسية لأزمة النظرية الآتي:
(1)الإصرار على دراسة المجتمع بمنهج العلوم الطبيعية
(2)التأكيد على التمييز بين علم الاجتماع من جانب والفلسفة وعلم النفس من جانب آخر.
(3)أثر الايدولوجيا على علم الاجتماع
(4)قضية العلاقة بين الفرد والمجتمع (الجزء- في مقابل الكل) وهذه القضية مرتبطة بصورة مباشرة بالفصل الحاد بين علم الاجتماع وعلم النفس، خاصة عند المؤسسين الأوائل.
(5)التشبيه بالعلوم الطبيعية ورفض النظريات الفسلفية.وأن كان من الملاحظ الآن أن النظريات الحديثة في علم الاجتماع أخذت في التقارب من النظريات الفسلفية والابتعاد عن العلوم الطبيعية.
مشكلات النظرية في علم الاجتماع:

سأتناول هنا مشكلات النظرية عموماً قبل أن أتطرق للتناقض في بعض نظريات علم الاجتماع. هناك مشكلات تواجه الدارسين للنظرية الاجتماعية سواء كان ذلك على مستوى التطبيق أوالتغير والتحليل ويمكن أن يكون العامل الرئيسي في ذلك هو أن بعض النظريات تحاول أن تصل إلى المستوى الذي وصلت إليه النظرية في العلوم الطبيعية من حيث الدقة والتحديد والتجريب والتنبؤ والعمومية، علاوة ألي أن النظرية في علم الاجتماع ما زالت تعاني من مشكلات أيديولوجية ومنهجية وليس هناك اتفاق عام حول نظرية اجتماعية شاملة وبالرغم من تعدد مدارس علم الاجتماع وانقسامها داخل إطاري التوازن والصراع، بسبب الايدولوجيا، وبالتالي لم يتوصل علم الاجتماع إلى قوانين اجتماعية تمكن من الإحاطة بجميع القضايا الاجتماعية المتنوعة والمتباينة ومن هنا يتضح القصور في أهم خصائص النظرية العلمية من حيث القدرة على التفسير والتنبؤ والشمولية والترابط المنطقي، وهنا تبرز لنا أهمية الاعتراف بالاختلاف الأساسي بين الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية- فالخصائص الجوهرية للظواهر الاجتماعية تتصف بالعمومية والديمومة رغم التفاوت في الزمان والمكان أما الظواهر الاجتماعية ليست لها خصائص جوهرية ثابتة وذلك نسبة للمتغيرات التي تؤثر فيها.
ولكن مهما يكن الموقف من مستوى التنظير في علم الاجتماع هنالك حقائق يمكن أن نقرها في نقاشنا هذا فهي :-
(1)أن ما يقصد بمصطلح نظرية في علم الاجتماع هو الفصل بين التأملات الفلسفية المتصلة بالسلوك الإنساني والمؤثرات الذاتية عليه والظواهر الاجتماعية. بالرغم من أن هذه التأملات يمكن أن تكون مقبولة عند البعض للتفسير على أسس إيديولوجية أو ثقافية أو خبرات شخصية أو تجارب إنسانية عامة.
(2)ظلت تقابل النظرية في علم الاجتماع بعض الصعوبات – وهنا اعني نظريات الفعل، صعوبات تعوق التفسير الموضوعي وهذه الصعوبات مرتبطة بالعلاقات السلبية وهنا يمكن أن نطرح بعض التساؤلات من قبيل: هل يمكن أن نثبت أن لأي فعل إنساني سبب معين أو علة، هل الفعل الإنساني مقصود في حد ذاته أم هو نتيجة لقصد معين.
(3)الفعل الإنساني له درجة عالية من التعقيد يصعب معها شرحه وتفسيره عن طريق التحليل السببي. وهنالك صعوبة في معرفة الفرق بين الأسباب المباشرة والأسباب الغير مباشرة التي تؤثر عليه. و التميز بين النوعين من الاسباب هنا يعتمد على رؤية الباحث الإيديولوجية والعوامل الأخرى التي تؤثر على وجهة نظره. ومجمل القول تواجه التنظير في علم الاجتماع مشكلات كثيرة ولكن بالرغم من هذه المشكلات نجح علم الاجتماع في أن يبني تراثاً ضخماً من الدراسات ويصبغ بعض العموميات التي قد تكون مفيدة لتفسير وتحليل بعض الظواهر الاجتماعية.
ومهما يكن، فالنظرية النظرية الاجتماعية ظلت قاصرة ويعتريها التشويه ولم تبلغ درجة الدقة والتحديد، والسبب في ذلك أن علماء الاجتماع يدعون أن لهم صلة بكل المجالات في المجتمع، وهنالك صعوبة في وضع حدود النظرية الاجتماعية وهذا أدي إلى قصور النظرية في الوصول إلى نتائج محسوسة وملموسة وعملية، وفي المقابل الآخر تزداد الثقة يوماً بعد يوم في نظريات العلوم الطبيعية لأن لها نتائج واقعية تؤثر في حياة الناس اليومية، لكن يجب أن لا يفهم من هذا أن النظرية الاجتماعية غير مفيدة، فهي ستظل ضرورية لأن هنالك قضايا هامة تؤثر على المجتمع، ولا بد من بحث هذه القضايا سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية.
إن النظرية في علم الاجتماع تكون أكثر فائدة إذا اتفقنا على كيفية استخدامها و تطبيقها، و الآن أصبح من المؤكد استحالة الوصول إلى تنظيم الخبرات الإنسانية من غير الاستناد على فرضيات نظرية، و لكن هذه الفرضيات النظرية لن تكون مكتملة إلا إذا تضمنت في صياغتها الوعي الذاتي للبشر بأفعالهم وعلاقاتهم الاجتماعية و هنالك استحالة في عزل جانب الوعي الفردي عن الواقع الاجتماعي. وهذا يقودنا مباشرة إلى طرح السؤال عن مصداقية البحث الأمبريقي الذي أصبح سائداً في الوقت الحاضر و تحولت دراسات على الاجتماع إلى مجرد عمليات لجمع البيانات, و بعد ذلك تحويلها إلى معادلات إحصائية مفرغة من محتواها الثقافي و الاجتماعي و بالرغم من أن هذا النوع من الدراسات يكشف عن مؤشرات و ملامح هامة عن المجتمع لكن هذا المؤثرات تفسر في إطار نظري بهذه الطريقة بدأ على الاجتماع يتحول إلى مجرد وسيلة أمبريقية من غير تفسير نظري. إضافة إلى هذا فإن هذا النوع من الدراسات كما يؤكد الباحثون أنفسهم هو مجرد وصف و هنالك فرق بين الوصف و التفسير ولقد أسهم البحث الامبريقي إلى حد ما في تشويه مفهوم النظرية إلا إلى أن الدراسات الأمبريقية يمكن أن تساعد في صياغة نماذج اجتماعية وليست نظريات اجتماعية و حتى هذه النماذج من المفترض أن تكون مرنة لتستوعب واللا تجانس في المجتمعات البشرية.
أود هنا أن أركز على أهمية الأخذ بالتنوع في النموذج الواحد لسببين:
الأول: هو التنوع الثقافي و الاجتماعي بين المجتمعات الإنسانية، و السبب الثاني: هو أن أهم معالم المجتمعات الحديث، إن لم تكن التقليدية، هو تسارع معدلات التغيير خاصة التغير التقني و الذي بدوره يؤثر على القيم و المعايير الاجتماعية، مما أدي لتعقيد و تشعب الحياة الاجتماعية حتى أصبحت خارجة عن السيطرة، و بالتالي يصعب صياغة نظرية اجتماعية شاملة، ولذلك أفضل الاعتماد على تيارات ونماذج نظرية مما يتناسب مع واقع المجتمعات المعاصرة بمعنى آخر نحن في حاجة إلى نماذج نظرية بدلاً عن الإصرار على نظرية واحدة شاملة نطبقها تعسفياً على كل المجتمعات.
و إذا اعتمدنا الفهم المشترك عن النماذج، ربما يحل لنا قضية الايدولوجيا في علم الاجتماع لأنه ليس من المنطقي إقصاء المرجعية، أياً كان مصدرها عن التحليل الاجتماعي، فالنموذج يتيح لنا استيعاب المرجعيات التي تعتمد على الالتزام المذهبي في إطار السمات المشتركة بين البشر في كل زمان و مكان، و من ثم يستفيد علم الاجتماع من تجارب التاريخ الإنساني، و يكون أكثر فاعلية في تفسير و تحليل السلوك الإنساني في إطاره المرجعي، بدلاً عن التعارض الذي نشهده اليوم بين النظريات الاجتماعية، بين ما هو معياري و ما هو واقعي. فالبعد المعياري سيظل له أهمية في النظرية الاجتماعية فالتحليل الاجتماعي سيكون قاصراً إذا وقف عند تفسير الواقع بمشكلاته الاجتماعية بل لابد أن تطرح افتراضات عما يجب أن يكون عليه شكل الواقع، بمعني تحديد النموذج المثالي لتوجيه المجتمع نحوه.
و حسبما أرى إن لهذا الجانب أهميته لتطوير النظرية في علم الاجتماع أعني دراسة المرجعيات و المصادر المعرفية لهذه المرجعيات وفي اعتقادي أن المحور الأساسي لتقدم البحث النظري هو التركيز على الأيستمولوجبا، أو ما يعرف بعلم اجتماع المعرفة، و معني هذا أنه من الأفضل أن يعود علم الاجتماع لأصوله الفلسفية ويطوعها لتناسب ظروف المجتمع الحديث فالايدولوجيات أصولها إنسانية مشتركة وبالتالي هذا المستوى يمكن الوصول إلى التعميم الذي تنشده النظريات الاجتماعية.
التناقض الداخلي في النظرية الاجتماعية:
كما ذكر سابقاً بدأ هذا التناقض مع بداية علم الاجتماع بأوجست كونت والذي اتخذ موقفاً وسطاً بين فكر عصر التنوير الراديكالي والفكر المعارض أي الفكر الاجتماعي المحافظ، فمن جانب اعترف أوجست كونت بالنظرة العلمية وأسس علم الاجتماع في إطار حدود التجربة العلمية حيث تبنى المنهج الوصفي في دراسة المجتمع، وأدعى أن حركة المجتمع تخضع لقوانين طبيعية لا تتغير نافياً تأثير الإرادة الذاتية عن الفعل الاجتماعي، ولم يقبل بدور هذه الإرادة في تغيير النظم الاجتماعية وكانت القضية التي شغلت الفكر الاجتماعي في تلك الفترة ، وحتى الآن هي مشكلة النظام الاجتماعي، والعلاقة بين الفرد والمجتمع وتركز الحوار حول قضايا الصراع والتوازن في المجتمع، وقد بدأ اتجاه التوازن بأوجست كونت، وكان ذلك رد فعل للأزمات الاجتماعية وحالة الفوضى التي كان يشهدها المجتمع الأوربي واستمرت مسألة العلاقة بين الفرد والمجتمع هي سبب التناقض والقصور في النظرية الاجتماعية إلى يومنا هذا وبعد أوجست كونت جاءت مساهمات ثلاثة من علماء الاجتماع في القرن التاسع عشر وهم: ماركس ودور كايم وماكس فيبر، وأعمال هؤلاء الكتاب تمثل أصولاً لجميع النظريات المعاصرة في علم الاجتماع: كارل ماركس بأطروحاته، عن الصراع على أسس بنائية وإن كان قد تضمنت نظريته، على الأقل في بداياتها الأولى دور الفرد في العملية التاريخية وأميل دوركايم في إطار البنائية الوظيفية ورؤيته للمجتمع بأنه مصدراً لتشكيل الفرد وقهره وسلب أراداته أما ماكس فيبر: يفترض أن الفرد هو الذي يشكل المجتمع بإرادته الواعية (النظرية الطوعية) أو نظرية الفعل الاجتماعي ويركز على دراسة الفعل الاجتماعي وتأويل بواعثه وفهم أهدافه ومقاصده.
يمكن بعد ذلك أن تقترح ثلاثة مراحل لتطور النظرية الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية.
المرحلة الأولى:
وتمثل هذه المرحلة سيادة النظرية البنائية الوظيفية في الولايات المتحدة بقيادة تالكوت بارسوتر، واستمرت هذه السيادة حتى فترة الستينات من القرن الماضي، وتزامن مع ذلك تيار التفاعلية الرمزية بالإضافة إلى التيار النقدي-ايت ميلز. علماً بأن بارسوتر قد دمج التفاعلية الرمزية في البنائية الوظيفية. أما في بريطانيا قد مثلت نظرية الصراع بديلاً آخر خلال نفس الفترة وهي الفترة التي تبلور فيها تقسيم النظرية الاجتماعية بين نظريات الإجماع ونظرية الصراع.
المرحلة الثانية:
احتدام الصراع السياسي بعد الستينات ومما أدى إلى ظهور مدارس نظرية متعددة في الولايات المتحدة وأوربا تركز على تفسير الواقع الاجتماعي من وجهة نظر الفاعلين الاجتماعيين، ونشأت ما يعرف بمنهجية النظام الاجتماعي في أمريكا كما شهدت نفس الفترة الاهتمام المتزايد بالفلسفة الظاهرانية التي امتد أثرها إلى نظريات علم الاجتماع. كما برزت تيارات ماركسية مختلفة تمثل أطروحات جديدة للفكر الماركسي مع تصاعد أزمة الرأسمالية التقليدية.
واستمر تأثير الماركسية على علم الاجتماع الغربي وأدى إلى قيام التيارات لنقدية ومن أهمها مدرسة فرانكفورت والتي بدأت منذ عشرينات القرن الماضي، أو ما يعرف بعلم الاجتماع النقدي الذي استمر حتى طرأت عليه تحولات مهمة بواسطة يورغين هابرمس بتقديم نظريته (فعل التواصل)
والمرحلة الثالثة:
بعد آخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن العشرين وهي الفترة التي شهدت تقدم في نظريات ما بعد الحداثة .
التيار التقليدي في علم الاجتماع يمكن أن نجمله في النظريات التالية الوظيفية البنائية ونظرية الاختيار العقلاني (ماكس فيبر) والتفاعلية الرمزية ومنهجية النظام الاجتماعي وكل هذه النظريات تجعل من الفعل الاجتماعي موضوعاً لعلم الاجتماع أما تيارات البنيوية فهي عكس ذلك إذ تجعل من موضوعها العلاقات الاجتماعية، والتناقض في كل هذه النظريات يتمثل في أنها نظريات جزئية لأن كلاً منها حاول أن يجمع بين طرفي الوجود الاجتماعي : الفعل والبناء وهذه هي المشكلة الحقيقية، أما النظريات النقدية فمشكلتها من نوع آخر فهي تعترف بوجود البناء الاجتماعي ولكنها تعتبر هذا الوجود قائماً بذاته ومستقلاً عن الأفراد في المجتمع، وهذا يعيدنا إلى دوركايم وتشبيهه العضوي عندما افترض وبإصرار على أن الظاهرة الاجتماعية لها وجود مستقل عن العقل الفردي.
فإذا قبلنا بطرح البنائية الوظيفية الذي يفصل بين المجتمع والفاعلين باعتبارهما شكلين مختلفين من أشكال الوجود كل مستقل عن الآخر، إذاً كل شكل يحتاج إلى نظرية خاصة به للتفسير والتحليل لكن بالتأكيد فهم الواقع الاجتماعي يحتم بالضرورة فهم الشكلين، ولكن يتضح تناقض علم الاجتماع حيث أنه لم يتمكن من صياغة نظرية شاملة لتفسير الواقع الاجتماعي فالنظرية الأفضل هي التي يمكن أن تساعدنا في تحديد بصورة تفصيلية العلاقات السببية التي تربط بين الأفعال والمواقف الاجتماعية التي تمارس فيها تلك الأفعال. وإلى الآن يمكن القول بكل إطمئنان بأن باسوتر قدم لنا نظرية جزئية بالرغم من محاولاته بدمج التفاعلية الرمزية مع الوظيفية البنائية- أي العلاقة بين الفعل والنسق الاجتماعي، ومما لا شك فيه ظلت أعمال بارسوتر بتناقضاتها مصدراً لإلهام العديد من النظريات الحديثة التي ما فتئت تجتر أطروحاته أما بتعديلها أو البحث عن بديل لها ولذلك فهو يعتبر أهم منظري الحداثة ومنظر المجتمع الرأسمالي، وظلت أعماله من الموجهات الهامة للنظام الاجتماعي الليبرالي.
الخاتمة :
خلاصة القول فلسفة عصر التنوير ظلت هي المصدر الأساس للنظرية الاجتماعية الغربية الحديثة، والمفاهيم التي ترسخت في إطار تلك الفلسفة تمثل العوامل الرئيسية في التناقضات التي ظلت نظريات علم الاجتماعية تعاني منها حتى اليوم ومن أهم تلك التناقضات : التأكيد على الفصل بين الفرد والمجتمع، والثقة اللامتناهية في قدرات العقل البشري، وسمو الفكر الغربي واعتباره النموذج المثالي الذي يجب أن يسود ويحتذي ليقود العالم، واعتبار النظم الاجتماعية الفردية هي المعيار والمرجعية لتصنيف النظم الأخرى وهذا ما يعرف بالعرقية المركزية الأوربية. وكل ذلك رسخ الثقة في التجربة العقلانية الأوربية وعالمية حضارتها وثقافتها ونظامها الاجتماعي الذي يدعي الاستقرار والتوازن وكان هذا هو الفهم المشترك للنظرية الاجتماعية بشقيها ألصراعي والاجتماعي.
بعد الحرب العالمية الثانية برزت بعض التيارات النقدية لمعالجة التناقضات في الفكر الاجتماعي الغربي ولكن بالرغم من ذلك ظلت نظرية الاجتماعية أثيرة عقل التنوير ومبادئه العامة بما يمثل احد العوامل الهامة في استمرارية أزمة علم الاجتماع الغربي لأنه لم يتمكن من تجاوز فلسفة عصر التنوير بالرغم من تعدد التيارات النظرية التي تبدو متعارضة إلا إن هذا التعارض ظاهرياً وليس جوهرياً بمعني انه تعارض في أساليب التناول والطرح للمسالة الاجتماعية وليس في المرجعية.
نظريات ما بعد البنيوية والحداثة هي في الحقيقة إعادة قرأه مفاهيم عصر التنوير وتراكماتها اللاحقة التي خلفتها الماركسية التقليدية والفلسفة التحليلية البريطانية وعقلانية ماكسفيبر وبرزت الي السطح في علم الاجتماع نظريات اقرب للفلسفة منها للواقعية مثل علم الاجتماع الظاهراتي ومنهجية النظام الاجتماعي ونظرية التشكيل التي طرحت ثنائية البنية الاجتماعية وعادة قضية التشبيه مرة أخرى ولكن ليست تشبيهاً عضوياً وإنما تشبيه لغوياً. وعموما ازدهر التشبيه اللغوي في نظريات ما بعد الحداثة ولم تكتمل هذه المراجعات إلا بمناقشة الأطروحات الحديثة التي تشغل علم الاجتماع الحدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.