آثار برامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي على سوق العمل

الآثار الاجتماعية لسياسة التحرير الاقتصادي
30 أغسطس، 2016
مصادر تاريخ السودان ومؤرخيه
30 أغسطس، 2016

مركز التنوير المعرفي
ورشة : تداعيات سياسة التحرير الاقتصادي علي القطاعات المختلفة
آثار برامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي على سوق العمل
د. الناجي محمد حامد
المقدمة :
لاشك أن سياسة التحرير الاقتصادي التي شرع السودان في تطبيقها منذ مطلع التسعنات تحت ضغط أزماته الاقتصادية وتفاقم ديونه الخارجية وتراجع عائدات صادراته بسبب توقف صادرات الثروة الحيوانية إلى بعض الدول العربية وانخفاض الأسعار العالمية لبعض السلع الرئيسية في السودان مثل الصمغ العربي والسمسم والقطن، فأضحت الحاجة ماسة للقروض لدعم ميزان المدفوعات . فقد انطوت هذه السياسة على عدد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي أضرت وستضر بالاغلبية الساحقة من المجتمع السوداني بسبب الحصار الاقتصادي الذي شهدته البلاد وبسبب ما تمخض عن هذه السياسات من آثار مضادة لمعاني التنمية البشرية المستدامة، فإن هذه السياسات قد أدت إلى تغيرات وتحولات على مستوى التكتلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في أغلب الدول التي شرعت في تطبيقها، وخاصة في جوانبها التنظيمية التي بدأت فيها سياسة التخصيص وتطبيق برامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي(Stabilization and Structural Adjustment Programs) أو الاعتماد على قوى السوق، كآليات لتصحيح أوضاع اقتصاديات البلدان النامية والاقتصاد المخطط مركزياً( ).
وكذلك في جوانبها التقنية التي باتت في ظلها الآلة ووسائل الاتصال والمعلوماتية تضطلع بدور متزايد في العملية الإنتاجية، مع الانفتاح على اقتصاد السوق الذي يحدد مركز كل بلد من اقتصاد العولمة وقدرته التنافسية تبعاً لنصيبه من المعلومات والتكنولوجيا المتطورة.
وقد قادت كل هذه التحولات إلى انقلابات وتغيّرات سريعة ومستمرة في سوق العمل أدت إلى تراجع نمو الطلب، على القوى العاملة في نوعها وكمها وتوزيعها, في مختلف القطاعات المجتمعية الخدمية والإنتاجية.
وقد طرأت اليوم تغيّرات وتحولات كبيرة في الفكر المعاصر, من جهة أولى هناك تطور كبير في الوعي البيئي بفعل الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها البيئة العالمية في العقود الأخيرة. وانتقل الاقتصاد من إنتاج كثيف العمالة إلى إنتاج كثيف المعرفة، ومن إنتاج الوفرة في الحجم والعدد إلى إنتاج السرعة فأصبحت الميزة النسبية لأي دولة هي التراكم المعرفي وما يتوفر لديها من موارد بشرية ذات كفاءة وانتاجية عالية.
ولإصلاح أوضاع الاقتصاد السوداني المتدهور في ذلك الحين شرعت الدولة في تطبيق برامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي(Structural Adjustment Programs) لإنقاذ ما تبقى ووقف التدهور فضلاً عن الضغوطات التي تعرضت لها الدولة من قبل المنظمات الدولية، البنك وصندوق النقد الدوليين، إلأ أن هذه السياسات لم تقدم حلولاً مناسبة إلى سوق العمل في السودان،فماهي الآثار الاجتماعية لهذه السياسات على المجتمع السوداني؟ وماهي تداعياتها الحالية والمستقبلية على سوق العمل ومؤشرات البطالة؟
سمات وخصائص برامج الاصلاح الهيكلي:ـ
تؤكد أغلب الدراسات أن هذا التوجه بطبيعته توجه إنكماشي يبدأ بالتحكم في الطلب وبالتالي يقلل من فرص الاستثمار ثم من فرص العمل، كما أن غاية هذه البرامج موجهة لرأس المال في إهمال متعمد لعنصر العمل. وقد قصدت البرامج تخفيف عبء الأجور والرواتب بخفضها المباشر أو خفض القيمة الحقيقية لها أو زيادة عرض قوة العمل وبالتالي زيادة معدلات البطالة، وذلك رغبة في تقليص عجز الميزانيات العامة. والتخلص من الدعم الاقتصادي الذي تتحمله موازنة الدولة من جراء وجود وحدات انتاجية في القطاع العام تحقق خسارة. ويكون ذلك من خلال تصفية هذه الوحدات أصلاً أو بيعها إلى القطاع الخاص، أو العمل على إدارتها بعنصر أجنبي على أسس اقتصادية وتجارية لكي تحقق ربحاً، ويكون ذلك من خلال زيادة أسعار منتجاتها النهائية التي تقدم إلى السكان. زيادة أسعار مواد الطاقة وتغيير سياسة الدولة تجاه التوظيف ويكون ذلك برفع يدها تدريجيا من الالتزام بتعيين الخريجين الجدد من المعاهد الفنية والصناعية والجامعات والمعاهد العليا. وضرورة أن تكف الدولة عن التدخل في المجالات التي يمكن للقطاع الخاص أن يقوم بها، مثل مشروعات الصناعات التحويلية. مع المطالبة برفع فئات الضرائب غير المباشرة وتجميد الأجور والرواتب والحوافز للعمال والموظفين في الحكومة والقطاع العام( ).
عامة هناك خصائص جوهرية في هذه البرامج تنبثق منها كل الآثار السلبية التي تقف عقبة كؤود أمام تحقيق معدلات تنمية بشرية مستدامة.
1- الخاصة الأولى وهي الطبيعة الانكماشية للبرامج.
2- الخاصة الثانية وهي إنحياز تلك البرامج إلى مصلحة رأس المال.
3- الخاصة الثالثة وهي إضعاف قوة الدولة.
ونضيف إلى تلك الخصائص السلبية خصائص أخرى، أثرت على إمكانيات تحقيق تنمية بشرية في السودان وهي :
1- تدهور أحوال الفقراء ومحدودي الدخل.
2- زيادة معدلات البطالة وإهدار قوة العمل البشري.
3 – تدهور إشباع الحاجات الأساسية لمختلف الفئات الاجتماعية.
وعموما يمكن القول بأن إنتشار البطالة وسوء التشغيل وتزايدهما عبر الزمن، من أهم السمات والقواسم المشتركة في جميع بلدان العالم الثالث التي طبقت برامج التثبيت الاقتصادي والإصلاح الهيكلي( ).
وعلى هذا الاساس فإن إنعكاسات برامج الإصلاح الهيكلي على سوق العمل في السودان تمثلت في الآتي ( ) :
1) تزايد معدلات البطالة وسوء التشغيل، حيث تأثرت ثلاث فئات من العمالة بظروف سوق العمل الجديدة:
(أ) الداخلون الجدد لسوق العمل حيث مثل نقص فرص التشغيل أمامهم إحباطاً مس فئات عريضة من الشباب، ينذر بعواقب وخيمة.
(ب) حملة المؤهلات الجامعية ضمن الفئة السابقة بحكم مؤهلاتها والاستثمار الوطني في تعليمها وتكوينها وخاصة بعد تخلي الدولة نهائياً عن الالتزام بتعيين الخريجين وتجميد التوظيف الحكومي تكون عرضة لمخاطر عديدة.
(جـ) العاملون المتأثرون ببرامج التخصيص أو الخوصصة والتي ترتب عليها تسريح أعداد لا بأس بها من العمالة ” الإحالة للصالح العام “.
2) أدى إرتفاع الأسعار في الطاقة والنقل والخدمات عموما والمسلتزمات السلعية المحلية والمستوردة إلى زيادة تكاليف الإنتاج المحلية في مختلف القطاعات الإنتاجية وقد أثرت ذلك سلباً في الطلب على العمالة لمواجهة أعباء هذه الزيادة.
3) أدى خفض معدل نمو الإنفاق العام الموجه إلى الخدمات الاجتماعية الضرورية كالتعليم والصحة …الخ إلى خفض مواز في طلب الحكومة على العمالة المشتغلة في هذه الخدمات، الأمر الذي أدّى إلى تدني مستوى نوعية الخدمات المقدمة وخاصة في قطاع التعليم.
4) تقلص دور الدولة والقطاع العام في النشاط الاقتصادي أدى إلى تراخي في الاستثمار الحكومي في خلق طاقات إنتاجية جديدة تستوعب الأيدي العاملة العاطلة.
5) تأثير السياسة النقدية الجديدة التي إستهدفت الحد من نمو عرض النقود وكان لها تأثير بليغ في زيادة البطالة، فبدلاً من أن تتحول المدخرات الموجودة في الأوعية الادخارية( البنوك، شركات التأمين) إلى إستثمارات تخلق طاقات إنتاجية جديدة وطلباً إضافياً على العمالة، تحولت تلك المدخرات إلى التمويل الحكومي.
6) مثلت البطالة حرماناً من فرص الدخل وإشباع الحاجات الأساسية وأصبحت السبب الرئيس لانتشار الفقر سعة وعمقاً وتهميشاً اجتماعياً يهدد السلام الاجتماعي.
7) أثرت هذه البرامج على إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية وزيادة حراكها الأفقي، كما فرضت إعادة تدريب مكثف ومتواصل بالإضافة إلى التدريب على التكنولوجيات الجديدة .
8) أثرت هذه البرامج على مستوى التنمية البشرية عموماً وذلك بتقليص بند الإنفاق العام على الخدمات الضرورية كالتعليم والتدريب والصحة والتأمينات الاجتماعية والأجور إضافة إلى توسع القطاع غير المنظم (Informal Sector )( ).
ومن نافلة القول أن أشد البلدان فقراً وأكثر القطاعات فقراً في المجتمع، كانت هي الأكثر تضررا من جراء تطبيق تدابير برنامج التكيف الهيكلي. وأدى ذلك إلى زيادة نشأة الفقر وزيادة أوجه التفاوت واللامساواة.
وعموما يمكن القول بأن هذه البرامج أثرت في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، وخاصة إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية وزيادة حراكها الافقي، كما فرضت إعادة تدريب مكثف ومتواصل، بالاضافة إلى التدريب على المستحدثات التكنولوجية وزيادة معدلات البطالة وتوسع القطاع الهامشي.
إن الاضرار التي نجمت عن هذه البرامج أدت إلى بروز صناديق التشغيل والتنمية الاجتماعية في عديد من بلدان العالم النامي، وهي مثلت حلقة رئيسية في شبكات الأمان الاجتماعي لدعم برامج تشغيل الشباب، ونذكر بالخصوص في هذا المجال التجربة التونسية ( صندوق 26-26) التي كانت رائدة في هذا المجال، بل لعبت دورا كبيرا في توفير وخلق مواطن شغل لمختلف الشرائح الشبابية وخاصة حاملي الشهادت الجامعية.
آثار سياسة وبرامج الاصلاح الهيكلي على سوق العمل في السودان :
إن الخطورة التي تنجم عن برامج التثبيت والتكيف الهيكلي لا تتمثل فقط في جوانبها الاقتصادية فحسب، بل تتعداها لتشمل الجوانب الاجتماعية والإنسانية المختلفة، نظراً لضعف الضمانات الاجتماعية وغياب نظم البطالة وضعف الدور الذي تقوم به النقابات العمالية والمهنية في الدفاع عن حقوق العمال وإنما فيما تنطوي عليه هذه المشكلة من هدر في قيمة العمل الإنساني، خصوصاً وأن الظاهرة تمس بدرجات كبيرة ومتفاوتة الفئات الجامعية في سنِّ الشباب. بل زادت الطين بلة بإرتفاع معدلات البطالة والتضخم وزيادة معدلات الفقر في مختلف الاوساط والفئات الاجتماعية، ويرجع ذلك إلى طبيعة هذه البرامج التي تؤدي بالضرورة إلى المزيد من البطالة ( ) .
وقد تأثر سوق العمل في السودان بهذه السياسات تأثيرات متباينة باختلاف البرامج وفئات القوى العاملة( )، ويظهر ذلك بوضوح في تشغيل الشباب من حملة المؤهلات الجامعية. وقد انتشرت هذه الظاهرة بسبب برامج التكيف الهيكلي، خاصة بعد تخلي الدولة عن التزامها بتعيين الخريجين، وهو برنامج مسَّ الآلاف من الخريجين الجامعيين في السودان، وتعمقت الإشكالية أكثر بعد تطبيق سياسات إصلاح التعليم في ظل ثورة التعليم العالي وخاصة بعد دخول خريجي الجامعات الحديثة العهد إلى سوق العمل مما ضاعف من أرقام ونسب البطالة في مختلف التخصصات والمستويات التعليمية. وهو تحول لم تقرأ له سياسات تخطيط التعليم حساب عند صياغة خططها، مما ورط الدولة بكميات من البطالة المتعلمة كان الاجدر بها أن تضع لها برنامج لإعادة توجيهها. والسؤال الذي يطرح لماذا الإصرار في سياسات القبول على المواصلة في زيادة أعداد الطلاب من نفس هذه الكليات والتخصصات التي لايحتاجها سوق العمل،إضافة إلى الزيادة في نسبة الاستيعاب في الكليات القائمة سلفاً، بل بإنشاء جامعات وكليات جديدة تخرج نفس هذه الاختصاصات السالفة الذكر ؟
من جانب ثانٍ، يعاني موظفو الدولة ضغوطاً كبيرة دفعت بعضهم للانسحاب نتيجة تجميد الأجور والرواتب بقيمها الحقيقية أو الاسمية( ). وإزداد الأمر سوءا بعد تطبيق الحكومة لسياسة الإحالة إلى الصالح العام. وبذلك خسر المجتمع السوداني عموماً وسوق العمل خاصة حجم العطاء الانساني والانتاجي الذي كان من الممكن أن يقدموه لو لا تطلعهم. وهي بذلك تفترس الآن الآلاف من المؤهلين الذين تحملت الدولة في سبيل تعلمهم وتأهيلهم وتدريبهم حجماً ضخماً من موارد الدولة المالية والذي يعني تعطلهم في التحليل النهائي هدراً مباشراً لهذه الموارد، ومن ثم تصبح إنتاجية التعليم العالي في حالة تعطل هذه الفئات قريبة من الصفر، الأمر الذي أفقد التعليم العالي كقطاع خدمي والجامعة كمؤسسة تعليمية دورها الريادي ( ).
وعامة يمكن القول إن الانكماش الذي أدّت إليه برامج التثبيت والتكيف الهيكلي شمل جميع قطاعات وفئات المجتمع، مما أدى إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وإلى إرتفاع معدلات البطالة وخفض الأجور الحقيقية. مما زاد التفاوت الاجتماعي حدة وبالتالي تدهور درجة إشباع الحاجات الأساسية للغالبية العظمى من السكان، الذين يكونون أشد تعرضاً لمخاطر الفقر.
وهناك الآن كمٌّ هائل من البحوث والدراسات النقدية التي تتحدث عن الآثار السلبية لهذه البرامج ( ) وأغلبها تشير إلى تضخم القطاع الغير منظم(اللاشكلي) وتزايد مشاكله ليصبح إرتفاع معدلات البطالة وسوء التشغيل أمراً مؤكداً على الأمد القصير والمتوسط.
وفقاً لهذا الطرح، لقد بات من المؤكد حتمية تقبل آثاراً سلبية لبرامج الإصلاح الهيكلي على الجوانب الاجتماعية وقضايا سوق العمل وخاصة منها البطالة وضيق فرص العمل، والفقر، والتعليم والتدريب، والصحة والتأمينات الاجتماعية ووضع المرأة، وتشغيل الشباب، ومستويات الشغل حول شروط وفي ظروف الشغل…إلخ.
وقد ثبت، بأن لتلك البرامج تكاليف اجتماعية أضرت بمختلف القطاعات الاجتماعية. وفي هذا الصدد كتبت ” وأند تسنيغ” تقول ” ولما كان التكيف بالتالي يتضمن عادة تخفيفاً في مجموع الطلب، وتغيرات في الأسعار النسبية لعوامل الإنتاج والمنتجات، وتحولاً في تخصيص الموارد، فإن هذا يستتبع بالضرورة تكاليفاً، ممثلة في شكل تقليل الاستهلاك أو تخفيض الاستثمار أو الأبعاد المؤقت للعمل ” زيادة البطالة ” ( ).
1- سمات وخصائص سوق العمل في السودان:
إن سمات سوق العمل في السودان لا تختلف كثيراً عن سمات أسواق العمل وخصائصها في بلدان العالم الثالث عامة، وخاصة تلك الدول الأكثر فقراً منها. إن إحدى خصائص أسواق العمل المعروفة، في بلدان العالم الثالث هي أن معظم الأفراد يشتغلون في الزراعة والصناعات الأولية( ). إضافة إلى سيطرة القطاع العام على الاستخدام في سوق العمل، وضعف إستيعاب القوى العاملة في القطاع الخاص وضعف مساهمة المرأة في سوق العمل وضخامة القطاع اللاشكلي “الغير منظم”( ) قلة فرص العمل والهجرة من الريف للمدن إضافة إلى درجة عالية من حراك القوة العاملة بين الريف والحضر، وكذلك درجة عالية للقوة العاملة الماهرة خارج السودان ونمو أعداد خريجي الجامعات من ذوي الاختصاصات الاكاديمية العامة( ). وتنقسم أسواق العمل في السودان إلى قسمين: أسواق العمل الريفية وهي أسواق غير منظمة وأغلبها في المشاريع الزراعية وأسواق العمل الحضرية وهي تنقسم إلى قطاعين ، القطاع المنظم والقطاع غير المنظم( ).
وتبرز أهمية القطاع العام في مجال الاستخدام جلية للغاية، إذ أنه لازال يستوعب النصيب الأكبر من العمالة، رغم التحولات الاقتصادية وبرامج التخصيص، وتكمن الأهمية الاساسية لا في كونه مستخدماً رئيسياً، وإنما في دوره في تقييم الأجور وشروط الخدمة لسائر القطاعات الاقتصادية. إن مناقشة مسار سوق العمل الحضري في السودان دون ذكر شئ عن القطاع غير المنظم تصبح غير مكتملة وهناك العديد من الدراسات التي تعرضت إلى مناقشة سوق العمل غير المنظم) ). ويجب ملاحظة أن أي محاولة لتقييم حقيقة وتفاعل هذا القطاع ستجابه بمشكلة المصطلحات والتعريفات. حيث يشمل هذا القطاع نطاقاً واسعاً من الانشطة تتراوح بين الباعة المتجولين ومساحي الاحذية إلى أكفأ محلات الصيانة، فإن مكونات هذا القطاع تتفاوت جغرافياً وكذلك على مدار الزمن( ). ويجسد هذا القطاع كل العاملين لحسابهم وأولئك المستخدمين أفراد في القطاع الخاص لاتشملهم التشريعات العمالية والصناعية.
لاشك أن التشريعات والقوانين المرتبطة بالعمل تنهض بدور هام في جهود التشغيل التي تبذلها الدولة من أجل إحداث مواطن شغل إضافة إلى تثبيت العلاقات المهنية في مناخ من الثقة، لضمان ظروف مناسبة للشغل وبذلك يمكن استقطاب المزيد من الاستثمارات وتنمية فرص العمل. كما يمكن أن تسهم بعض القوانين أو غيابها في عرقلة الاستثمارات جراء ما تفرضه على المستثمرين والمشتغلين معاً. على سبيل المثال عدد ساعات العمل وتحديد أيام العطل ونوعية الضرائب. إن هدف القوانين المنظمة للعلاقات المهنية هو خلق مناخ اجتماعي ملائم للانتاج وهو ضمان للسلم الاجتماعي. إن العلاقة بين قوانين العمل من ناحية وبين التنمية البشرية من ناحية ثانية يمكن أن تحفز عملية التنمية كما يمكن أن تعوقها( ).
وقد ابرزت أحد الدراسات أن القطاع غير المنظم في الخرطوم كان متنوعاً وظاهرة متعددة الدرجات تشمل في مستواها المتقدم المؤسسات حسنة التأسيس التي تعمل في تجارة القطاعي وفي مستواها المتوسط مجموعة الصناعات الصغيرة والمؤسسات التجارية والخدمية التي تستخدم عدداً كبيراً من العمال وأخيرأً النشاط التقليدي للباعة المتجولين( ).
ولاتعود أهمية القطاع غير المنظم فقط إلى إمكانية إتاحته لفرص الاستخدام والعيش لعدد وافر من سكان الخرطوم، بل إلى إرتباطه ببعض القطاعات الاقتصادية الأخرى. يبدو أن كثيراً من الأشخاص يجمعون بين العمل في القطاعين المنظم وغير المنظم والذي يؤدي إلى إرتفاع نسبة دوران العمل والغياب في القطاع المنظم والحكومي منه خاصة. ويظهر هذا النمط بشكل واضح في السودان، حيث لا زالت الزراعة تستقطب أكثر من 54% من القوى العاملة النشيطة بينما يستحوذ قطاع الخدمات 21,1%. ويأتي القطاع الصناعي في ذيل القائمة بنسبة لا تتجاوز 6,1% حيث يسيطر القطاع الزراعي بشقيه التقليدي والحديث على استيعاب القوة العاملة مقارنة بقطاعي الصناعة والخدمات.
ومن خلال مسح القوة العاملة النشيطة لسنة 1996، نلاحظ بأن القوة العاملة النشيطة في السودان بلغ حجمها حوالي 16,6 مليون بمعدل نمو أكبر من معدل نمو السكان ( ). وفقا لذلك المسح بلغت نسبة القوة العاملة الريفية حوالي 68,4% من مجموع القوة العاملة، مقابل 31,6% للقوة العاملة الحضرية، بحيث يمكن القول معه بأن سوق العمل في السودان، لاتزال سوقاً تقليدية ريفية أكثر من كونها حضرية ذات طابع ذكوري. حيث نلاحظ إرتفاع نسبة الذكور من القوة العاملة النشيطة مقارنة بنسبة الإناث، حيث بلغت نسبتهم حوالي 69,9% ذكور مقابل 30,1% للإناث. ومن خلال الجدول التالي نلاحظ أنّ الفئة العمرية ما بين (25- 54) تمثل أكثر من ثلث القوة العاملة بنسبة بلغت حوالي 30 ,9% وهي أهم شريحة عمرية حيث أغلبهم ذكور من حاملي الشهادات أو من ذوي الخبرة العملية الطويلة.
ويعتبر القطاع العام، هو المشغل الرئيسي للقوة العاملة في السودان كما أن معدلات نمو قوة العمل تعتبر عالية جداً، إذ قدرت بمعدل 2,9% للفترة ما بين 1980 – 2000 ( ) وقد قسم البعض ( ) أسواق العمل في السودان إلى قسمين : أسواق العمل الريفية وهي أسواق غير منظمة، وأغلبها في المشاريع الزراعية وأسواق العمل الحضرية وهي تنقسم إلى قطاعين، القطاع المنظم والقطاع غير المنظم.
جدول رقم(1): التوزيع النسبي للقوة العاملة حسب العمر والجنس ووسط الإقامة
في شمال السودان ( + 15 ) لسنة 1996( ) .
الجنس الذكور الإناث الحضر الريف المجموع
العمر العدد % العدد % العدد % العدد %
15 سنة فأكثر 5209693 69,9 2246176 30,1 2358887 31,6 5096982 68,4 7455869
15 –4 2 1114792 60,1 741098 39,9 382283 20,6 1473607 79,4 1855890
25-45 3242627 70,4 1366531 29,6 1658454 36 2950704 64 4609158
55- 64 462175 82,8 95924 17,2 189290 33,9 368809 66,1 558099
65 فأكثر 390099 90,2 42623 9,8 128860 29,8 303862 70,2 432722
المجموع 10419386 69,9 4492352 30,1 4717774 31,6 1019364 68,4 14911738
* المصدر وزارة القوة العاملة 1966.
توزيع القوة العاملة حسب القطاع الاقتصادي:
لقد توزعت القوة العاملة حسب القطاع الاقتصادي في سوق العمل السوداني بنسبة 54% لقطاع الزراعة وهو ما يؤكد سيطرة القطاع الزراعي بشقيه المطري والمروى، التقليدي والحديث، على إستقطاب القوة العاملة النشيطة في سوق العمل، مقارنة ببقية القطاعات الاقتصادية الاخرى، حيث بلغت نسبة القوة العاملة بقطاع الخدمات حوالي 21.0% وحوالي 9,6% لقطاع التجارة والباعة في حين سجل قطاع الصناعة نسبة 6,1% فقط سنة 1996 ( ).
ونلاحظ من خلال الجدول التالي أن توزيع القوة العاملة حسب نوعية القطاعات كان كالاتي: أن أكثر من 97% من القوة العاملة في الريف تعمل بالقطاع الزراعي في حين بلغت نسبة القوة العاملة بالزراعة في الوسط الحضري حوالي 2,8% ، ومن ناحية ثانية هناك أكثر من 89,5% من القوة العاملة في قطاع البنوك والتأمين كانت لصالح المناطق الحضرية، مقابل 10,5% فقط لصالح القوة العاملة الريفية، وكذلك الحال بالنسبة لبقية القطاعات الاقتصادية الاخرى حيث نلاحظ إرتفاع مساهمة العمالة في المجتمع الحضري عنها في المجتمع الريفي في مختلف القطاعات بإستثناء القطاع الزراعي وهو مايشير إلى مركزية فرص العمل في المناطق الحضرية وخاصة العاصمة وهو مايعمق اشكالية النزوح الريفي.
جدول رقم (2): التوزيع النسبي للقوة العاملة حسب نوع القطاع الاقتصادي
والجنس والوسط الاجتماعي.
القطاع المجموع الذكور الإناث الحضر الريف
الزراعة 54 64,8 35,2 2,8 97,2
الصناعة 6,1 87,9 12,1 61,2 38,8
الكهرباء والغاز والماء 0,4 79,8 20 ,2 62,2 37,8
البناء والتشييد 2,7 97,8 9,2 65,9 34,1
التجارة والباعة 9,6 90,8 9,2 60,2 39,8
النقل والتحزين 4,8 97,2 2,8 60,1 39,9
البنوك والتأمين 1,1 76,2 23,8 89,5 10,5
الخدمات 21,1 70,6 29,4 64,0 36,0
• وزارة القوة مسح القوة العاملة لسنة 1996 ( ).

إنّ هذا التوزيع النسبي لقوة العمل داخل سوق العمل السوداني حسب القطاعات يعكس تباينا بين القطاعات الاقتصادية من ناحية وعدم توازن بين المجتمعين الحضري والريفي من ناحية ثانية. وهو مايعكس حقيقة خلل تركيبة الاقتصاد السوداني من ناحية، وحقيقة عدم التوازن التنموي بين المجتمعين الحضري والريفي من ناحية ثانية، وهو ما يؤكد ضعف مستوى الخدمات الاجتماعية وعدم توازنها بين الريف والمدينة ومن منطقة ريفية وإلى أخرى، وهو ما يؤكد ضعف مؤشرات التنمية البشرية في الأرياف مقارنة بالمدن وحتي بين المدن نفسها والأرياف من ولاية ولأخرى.
نلاحظ ذلك من خلال تدني نسبة مشاركة القوة العاملة الريفية في القطاعات الانتاجية الحديثة،الصناعة والخدمات والبنوك والتأمين .
وهو ما يشير إلى تدهور البنية الأساسية في الأرياف السودانية والغياب التام للمرافق الخدمية والصناعية، وهذا يؤكد صحة الفرضية القائلة بعدم التوازن التنموي بين الريف والحضر في أغلب ولايات السودان، وتكاد تكون العاصمة الوطنية الخرطوم هي المسيطر الوحيد على أغلب المرافق الخدمية والصناعية في السودان. وهو ما يبرر موجات النزوح الريفي المتواصلة نحوها وزيادة معدل الفقراء والعاطلين عن العمل، خاصة في أطراف العاصمة والقرى المجاورة لها. ووضع كهذا بالضرورة سوف يزيد من إشكاليات النزوح الريفي نحو المناطق الحضرية في السودان بحثاً عن فرصة عمل أفضل وغالبا مايتم اندماج هؤلاء في القطاع اللاشكلي أو الهامشي كباعة متجولين في الاسواق وغيرها من المهن الهامشية المنتشرة في المناطق الطرفية فضلاً عن الظواهر الاجتماعية السلبية كالتسول والتشرد وغيرها.
فمن خلال الجدول التالي، نلاحظ سيطرة ذكورية على مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو توزيع يثبت ضعف مساهمة المرأة عامة مقارنة بالذكور وإرتفاع مشاركتها في القطاع الزراعي خاصة، وهو مايؤكد إرتفاع مشاركة المرأة الريفية مقارنة بالمرأة الحضرية. إضافة إلى تدني نسبة مشاركة سكان الريف في قطاعي الصناعة والخدمات. وهي دلائل تؤكد عدم التوازن التنموي بين الريف والحضر في مختلف القطاعات الخدمية والانتاجية.

جدول رقم(3): توزيع القوة العامة حسب طبيعة القطاع الاقتصادي والجنس
والوسط الاجتماعي بالنسبة لعمر 15 سنة فما فوق في شمال السودان 1996( ).
القطاع الذكور الإناث الحضر الريف المجموع
الزراعة 64,0 35,2 30,5 69,5 54,0
الصناعة 87,3 12,7 61,3 38,7 6,5
الخدمات 80,8 19,2 63,5 36,5 39,4
* وزارة القوة مسح القوة العاملة لسنة 1996.

وفي سنة 1997 بلغ عدد الداخلين الجدد لسوق العمل حوالي 228 ألف نسمة من جملة المشتغلين الذين بلغ عددهم 6665 ألف وبلغت فرص العمل حوالي 145 ألف فرصة شغل، حيث بلغ معدل البطالة الكلي في تلك السنة حوالي 18,1% بنسبة 16,2% للوسط الريفي ونسبة 22,3% للوسط الحضري . وقدر إجمالي القوى العاملة النشيطة في عام 1998 بحوالي 8,3 مليون، فكان عدد السكان الريفين منهم حوالي 5,6 مليون نسمة، مقابل 2,6 مليون نسمة للسكان في الحضر، وبلغ عدد السكان الداخلين الجدد إلى سوق العمل في تلك السنة حوالي 235 ألف نسمة وبلغت فرص العمل في تلك السنة حوالي 147 ألف فرصة عمل بزيادة فرصتين فقط على سنة 1997.
ومن المفارقات الملاحظة في هذا المجال، لم تسجل البطالة زيادة ملحوظة حيث بلغ المعدل الجملي حوالي 18,6% بنسبة 16,3% للأرياف و 23,7% للسكان في الحضر( ).
جدول رقم (4): توزيع القوة العاملة في شمال السودان خلال الفترة 1986 – 1998 *
حسب وسط الإقامة بالألف.
المؤشر 1996 1997 1998
حضر ريف إجمالي حضر ريف إجمالي حضر ريف إجمالي
القوى العاملة 2448 5464 7912 2570 2570 8140 2698 5677 8375
الداخلين الجدد لسوق الشغل – – – 122 106 228 128 107 235
المشتغلين 1937 4583 620 1998 4667 6665 2058 4758 6812
فرص التشغيل – – – 61 84 145 60 87 147
العاطلين 511 881 1392 572 903 1475 640 923 1563
معدل البطالة 20,9 16,1 16,6 22,3 16,2 18,1 23,7 16,3 18,6
* الجهاز الإحصائي ومسح الهجرة والقوة العاملة 1996 حسبت عن طريق الاستكما * أخذت المشاركة الاقتصادية بنسبة ثابتة في 31,1 للحضر و 35,6 للريف حسب مسح القوى العاملة 1996 .

نلاحظ بأن المعدل الجملي للبطالة في تزايد متواصل بعد أن كان 16.6% في عام 1996 وصل إلى 18,6% في عام 1998. ونلاحظ من ناحية ثانية تزايد نسب البطالة بشكل واضح ومستمر في الوسط الريفي حيث تزايدت معدلات البطالة في الحضر من نسبة 20.9% سنة 1996 إلى نسبة 23,7% في سنة 1998. وفي المقابل لم تزد نسبة البطالة خلال هذه الفترة سوى0.2% فقط حيث كانت نسبة البطالة 16.1% في سنة 1996 بلغت في سنة 1998 حوالي 16.3% فقط بحيث لم تزد نسبة البطالة في الريف عام 1997 إلا 0,1% فقط ( ).
وعموما، تظل البطالة بكل أنواعها(البطالة الاحتكاكية، الهيكلية، الدورية، الموسمية ،المقنعة ،السلوكية) من أهم القضايا الاجتماعية التي تعكر صفو حياة الأفراد من حين إلى آخر( ). ولايغدو من سبيل المبالغة القول بأن الكثير من المشاكل الاجتماعية التي تواجه الشعب السوداني تعود بجذور عميقة إلى انتشار ظاهرة البطالة وارتفاع معدلاتها. فهذه الظاهرة تنعكس في تبعات سلبية على المجتمع السوداني في شكل جرائم بأنواعها وفي شكل إضطرابات نفسية وعصبية على المتعطلين وخاصة المثقفين منهم، وما إلى ذلك من مشاكل إجتماعية لا أخلاقية بين الأسر تصل إلى حد التفكك والانفصال والتشرد. كذلك فإن لهذه الظاهرة أثار عكسية ملموسة على مسيرة الاقتصاد الوطني فعديد الدراسات تؤكد على إرتباط ظاهرة البطالة بالتضخم( ).
فالبطالة هي هدر لمورد أساسي من موارد المجتمع، مما أضاع على المجتمع فرصة التمتع بإشباع الحاجات التي كانت ستوفرها تلك القوة العاملة الراغبة في العمل والقادرة على الانتاج.

-البطالة وسوء التشغيل:
عموما يمكن القول بأن البطالة تظل من أهم القضايا الاجتماعية التي يواجهها الاقتصاد السوداني، ولا يُعدُّ من سبيل المبالغة القول بأن الكثير من المشاكل الاجتماعية والأخلاقية التي يشهدها المجتمع السوداني في العشرية الماضية، تعود بجذور عميقة إلى إنتشار ظاهرة البطالة وسط الشباب. فهذه الظاهرة تنعكس في تبعات سلبية على المجتمعات وتطل عليهم في شكل تفكك أسري وجرائم بأنواعها وفي شكل اضطرابات نفسية وعصبية على المتعطلين وما إلى ذلك من مشاكل اجتماعية بين الأسر تصل إلى حالة التفكك والانفصال( ).
وقد عرف سوق العمل في السودان كل أنواع البطالة، من البطالة الاحتاكية (Fictional Unemployment) وهي الحالة التي يتعطل فيها جزء من القوة العاملة بسبب الانتقال أو الحراك والبحث بين الوظائف وهي حالة بطالة مؤقتة بسبب تطور ظروف سوق العمل ” التطور التكنولوجي ” وكذلك الانتقال من منطقة جغرافية إلى أخرى مثل نزوح سكان الأرياف للبحث عن عمل في المدينة بعد ترك العمل الزراعي والرعوي في الريف أو التخرج من مراحل التعليم والبحث عن العمل جديد أوالرغبة في وظيفة أفضل بعد الحصول على المؤهل وهكذا .
ولعل السمة الأساسية لهذا النوع من البطالة أنها مؤقتة، إلا أنها في السودان تطول مدتها إذ تفوق في بعض الأحيان الثلاثة سنوات. كما توجد كذلك البطالة الهيكلية (Structural Unemployment) وهي تعرف بأنها حالة تعطل في أجزاء من القوة العاملة بسبب تطورات تؤدي إلى اختلاف متطلبات هيكل الاقتصاد الوطني عن طبيعة ونوع العمالة المتوفرة( ).
ويعد هذا النوع من البطالة، منتشراً في سوق العمل السوداني كنتيجة للتحولات الاقتصادية التي حدثت بسبب النزوح الريفي إلى الحواضر وخاصة العاصمة، فمن الصعب على المزارع العادي أن يتحول إلى موظف إنتاج على آلة حديثة. كما أن سياسات التوسع في التعليم العالي، أدت إلى تخريج أعداد كبيرة من المتعلمين في تخصصات غير مطلوبة ولايحتاجها سوق العمل في السودان. مما فاقم من مشكلة البطالة الهيكلية، ليصبح طالب الهندسة الزراعية تاجراً في السوق أو العودة من جديد لتعلم حرفة أو مهنة للحصول على وظيفة مناسبة في أحد البنوك أو الشركات التجارية حينما يصبح الطلب أكبر على هذه المهن.
وعموما هذا النوع من البطالة منتشر وسط مختلف فئات الخريجين الجامعيين، ولا شك أن التحول هنا ليس مؤقتاً بل سيأخذ وقتا طويلا ًحتى يتمكن الطالب من الحصول على المؤهل الجديد مما يؤثر على المهارت والخبرات التي إكتسبها.
ودائما في نفس إطار البطالة يتميز سوق العمل في السودان بالبطالة الدورية والموسمية (Seasonal Unemployment) وهي إنعكاس للوضع الاقتصادي الحالي ويظهر النوع الأول من البطالة الدورية في فترات الركود الاقتصادي. أما البطالة الموسمية فهي مرتبطة بالقطاع الزراعي وبعض المنتجات التي تستهلك أساساً في أحد الفصول، الأمر الذي يزيد حجم الطلب على نوع معين من العمالة المستخدمة في ذلك الانتاج، حيث يختفي الطلب عليها عند انتهاء موسم الإنتاج، وهذا النوع من البطالة نجده بعد إنتهاء موسم الحصاد في القطاع الزراعي خاصة.
أما بالنسبة إلى البطالة المقنعة (Disguised Unemployment) ( ) ينتشر هذا النوع من البطالة في الاجهزة الحكومية والوزارات وفي شركات القطاع العام والمختلط بحيث يستخدم التوظيف هنا لحل مشكلة البطالة في المجتمع وكنوع من أنواع الارضاء السياسي.
إضافة إلى ذلك يعاني سوق العمل السوداني من أنواع أخرى من أنواع البطالة ظهرت حديثا وهي البطالة السلوكية (Behavioral Unemployment) الناتجة عن إحجام بعض العاطلين عن العمل من الانخراط بوظائف دنيا خوفاً من نظرة المجتمع والنوع الثاني البطالة المستوردة(Imported Unemployment)( )، وقد ظهر هذا النوع من البطالة في السودان بعد موجه اللاجئين من دول الجوار جراء الحروب الأهلية في تلك المنطقة وكذلك بعد ظهور واستخراج البترول ، مما جعل هؤلاء يزاحمون أبناء البلد على الوظائف المتاحة خاصة وأنهم يقبلون أجوراً أقل بكثير عما يمكن أن يقبله العمال المحليون، ومن هنا نشأت سلالات من البطالة نتيجة لقوة العمل العاطلة، والمستوردة من الخارج بفضل أثر المزاحمة والمرتبطة بقبول أجور متدنية بشكل أساسي.
إضافة إلى كل ذلك يعاني سوق العمل في السودان من سوء التشغيل أو التشغيل الناقص وينتشر نقص التشغيل في جميع مرافق الخدمة المدنية.
وعموما، يمكن القول، بأن سوق الشغل في السودان ملئ بشتى أنواع البطالة والتضخم ” توأمي السوء ” بمعنى أن هناك علاقة عكسية بين معدل البطالة ومعدل التضخم بمعنى أن هناك نوعاً من المعاوضة بين البطالة والتضخم ( )،إضافة إلى نقص التشغيل وضعف الإنتاجية وجميعها سمات تطبع مختلف أسواق العمل في السودان. والجدول التالي يوضح معدلات البطالة حسب الجنس والوسط الاجتماعي حيث نلاحظ إرتفاع نسب البطالة لدى الإناث مقارنة بالذكور في الوسط الحضري عنها في الوسط الريفي( ).
وبالتالي، لاجدال في أن لظاهرة البطالة وسوء التشغيل آثاراً إجتماعية عديدة تصب في تكاليف باهظة على المجتمع السوداني، بمختلف فئاته وأوساطه الاجتماعية، فهي هدر لموارد رئيسية في الاقتصاد الوطني في عصر أصبحت فيه الكفاءة البشرية أهم ميزة لاكتساب الاقتصاديات ميزةً تنافسية. بمعنى أن هناك جزءاً كبيراً من الطاقة اللازمة لإنتاج بعض السلع والخدمات أهدرت، مما أضاع على المجتمع فرصة التمتع بإشباع الحاجات التي كانت ستوفرها تلك القوة العاملة الراغبة في العمل والقادرة على الإنتاج.
وخلاصة القول يعاني سوق العمل في السودان من أزمة تزداد تفاقماً وشمولاً، لفئات من السكان، كانت بمنأى عنها مثل خريجي التعليم العالي من الجامعات والمعاهد العليا. وتكاد تكون هذه الظاهرة الاجتماعية الأكثر سوءا في السودان. وقد وصلت معدلات البطالة في السودان سنة 1998 حوالي 18,6% تاركة الملايين من العاطلين عن العمل في حالة بطالة هيكلية وسافرة وبضعة ملايين أخرى في حالة بطالة مقنعة وسوء تشغيل وتشغيل ناقص .

جدول رقم(5): التوزيع النسبي لمعدلات البطالة حسب العمر والجنس والوسط الاجتماعي.
المجموع ذكور إناث الحضر الريف الفئة العمرية
15 ,1 11,4 23,6 19,0 13,9 15 سنة فأكثر
15 ,2 11,3 23,6 18,1 13,8 15 – 64
28,4 22,2 37,6 40,9 25,1 15-24
10,3 7,5 16,9 12,6 8,9 25-54
12,1 12,3 11,2 18,6 8,8 55 – 64
11,4 11,9 6,1 33,4 14,0 65 فأكثر
* المصدر: وزارة القوة مسح القوة العاملة مسح الهجرة والقوة العاملة 1996

وقد كانت سياسات التنمية والتخطيط وإدارة تخطيط وتنظيم قوة العمل مسؤولتين عن تفاقم معدلات البطالة، إضافة إلى أن الحكومة تخلّت نسبياً عن مسألة التشغيل بعد تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي وبرنامج التثبيت والتكيف الهيكلي مما عمقت أبعاد مشكلة البطالة في السودان عامة وبطالة الخريجين الجامعيين بشكل خاص وهي لازالت في تزايد مستمر مما يشير إلى إرتفاع معدلات البطالة من سنة لأخرى.

4- تشغيل خريجي التعليم العالي:
حقق السودان إنجازات كمية كبيرة في ميدان التعليم العالي خلال هذه العشرية، إلا أن الإنجاز الكمي في مجمله في نهاية هذا القرن العشرين وبداية القرن والواحد والعشرين ، مازال متخلفاً بالمقارنة مع باقي دول العالم الصناعية ومع رصفائه في المنطقة العربية والإفريقية وخاصة فيما يتعلق بمسألة تشغيل هذه الكميات والاستفادة منها في سوق العمل.
وبالتالي فإنّ التحدي الرئيس، الذي يواجه المجتمع السوداني في السنوات القادمة، هو فك الاختناقات الناتجة عن عدم التوازن والتي تبدو جلية في تزامن نقص حاد في بعض التخصصات الجامعية وفائض من نوع آخر، بل نقص في بعض أنواع العمالة في إقليم أو في قطاع اقتصادي مع وجود فائض من نفس النوع في إقليم أو قطاع اقتصادي آخر ( ). وهذه علة من علل المركزية وغياب التخطيط التي كانت سائدة في العهود السابقة ومازالت إلى يومنا هذا رغم وجود تنظيم إداري قسّم السودان على إثره فدرالياً إلى تسعة وعشرون ولاية.
تذهب العديد من الدراسات حول أوضاع التشغيل وخصائص سوق العمل في البلدان النامية عموماً على أنها أوضاع حافلة بالمفارقات والتناقضات، مما يؤكد عند مستوى التعميم أن التنمية البشرية على رغم ما يقال عنها، تأتي في مراتب متأخرة من الاهتمام الجاد، وأن الاتجاه العام يشير إلى هدرها ومحاصرتها وتحويلها إلى بضاعة معروضة في سوق عمل مجزئ وإنقسامي وعشوائي وآلي ( ). أصبحت تختفي فيه قيم العدالة يوماً بعد آخر.
فقد أضحى البعد التراتبي حسب المكانة الاجتماعية في مختلف الحقول المجتمعية أكثر تأثراً بعملية توزيع فرص التعليم وفرص العمل، فأبناء الفئات الدنيا هم الأكثر تأثراً عند توزيع فرص التعليم وفرص العمل. فأبناء الفئات العليا هم الأكثر إنتفاعاً ودخولاً لكليات الطب والهندسة والصيدلة وغيرها من كليات النخبة المرغوبة في سوق العمل، كما أن ثمة مهناً أضحت وراثية قائمة على علاقات مصاهرة، وخصوصاً في القطاعات التي تنتج فرص دخل أفضل( ). إن هذا الوضع هو نتاج لتصادم عقلية السوق وتشجيع المبادرات الخاصة مع خصوصيات الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للبنى التقليدية، القائمة على معايير أهمها النسب والحسب بدل الكفاءة والخبرة اللازمين لنجاح وبلوغ مقاصد التنمية.
وعلى الرغم مما يتمتع به السودان من رصيد بشري ضخم وعظيم ومن إمكانية بشرية لمن هم في سن العمل ( 15 – 65 ) تجاوزت نصف السكان بقليل قدرت بحوالي 16 ,6 مليون في عام 1996( )، مما يشكل رهاناً مستقبلياً كبيراً في ظل المعدلات السكانية المرتفعة التي وإن بدت منخفضة نسبياً، فإنها لازالت مرتفعة تنبئ بزيادات مرتفعة في عدد طالبي الشغل، إستناداً إلى فتوة السكان وزيادة معدلات خريجي التعليم العالي. مما يدلل على هدر هذه الإمكانية ما نشاهده في محور توظيف الخريجين الجامعيين.
يعتبر القطاع العام في السودان عموماً والقطاع الحكومي والمختلط خاصة المشغل الرئيسي للخريجين الجامعيين في السودان. أما بالنسبة للقطاع الخاص لا زال بعد لم يلعب دوراً كبيراً في إستخدام وتوظيف خريجي الجامعات والمعاهد العليا( ) فهو لم يزل قطاعاً صغيراً ومحصوراً في قطاعات وأنشطة معينة لا تحتاج إلى تلك الأنواع من الاختصاصات الجامعية التي ما إنفك يخرجها التعليم العالي، من خريجي الكليات النظرية( ) خاصة في مجال بعض التخصصات الإنسانية والاجتماعية والدراسات الإسلامية وبعض من خريجي الكليات العلمية والتطبيقية مثل خريجي العلوم الزراعية والبيطرة( ). وتبرز أهمية القطاع العام والحكومي على وجه الخصوص في مجال الاستخدام جلية للغاية، إذ إنه يعتبر المشغل الرئيس والوحيد لأغلب خريجي التعليم العالي. حيث يوفر القطاع العام فرص عمل لأكثر من 23% من إجمالي القوة العاملة في الحضر. بيد أن الأهمية الأساسية للقطاع العام لاتكمن في كونه مستخدماً رئيسياً وإنما في دوره في تقييم الأجور وشروط الخدمة لسائر القطاعات الاقتصادية.
وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن سياسة تأمين الإستخدام لكل خريجي التعليم العالي والتي ظلت متبعة منذ عام 1966 حتى ألغتها الدولة مؤخرا في الأعوام القليلة السابقة.
إذ أن هذه السياسة لم تترك آثارها السلبية متمثلة في تضخم القطاع الحكومي فحسب، بل تعدته إلى قطاع التعليم العالي إذ زاد الطلب على التخصصات الأدبية والتعليم غير الفني على حساب التخصصات الأخرى مما نتج عنه آثارسلبية على الاقتصاد ككل.
فالنتيجة الحتمية لهذه الأوضاع عدم التوافق بين متطلبات المجتمع وبين نزعة الجامعة النظرية والفكرية.
إنّ إهمال الناحية العلمية والمهارات المرتبطة بها في معاهدنا وجامعاتنا هو الذي أدى إلى هذا الفصل النظري والعلمي. وأصبح من يختار العملي هو من يقصّر أو لايستطيع النجاح في المجال النظري. ويؤكد ذلك الفارق المعياري بين النظري والعملي في أذهان الناس( ). وهو الأمر الذي أدى إلى هذا التناقض في واقع الشغل. فكل الدلائل والمؤشرات تثبت استمرارية الواقع رغم علاته، إذ تشير إحصائيات تسجيل وإستيعاب الخريجين الجامعيين لعام 1997( )، إلى نفس الإشكال حيث بلغ إجمالي الخريجين المسجلين حوالي 4160 خريجاً بمجموع 2197 للذكور بنسبة 50.8%، ومجموع 1963 خريجة من الإناث بنسبة 47.2% بلغ مجموع الجامعيين منهم حوالي 2120 خريج وعدد 237 من خريجي المعاهد العليا وحوالي 1803 من خريجي المدارس الثانوية، حيث بلغت نسبة إستيعاب الجامعيين في تلك السنة حوالي 51.9%.
هذا ما يؤكد تزايد معدلات البطالة وسوء التشغيل من سنة لأخرى وجميعها مؤشرات تدعم إستمرارية إرتفاع معدلات البطالة خاصة بعد دخول خريجي الجامعات الحديثة إلى ميدان سوق العمل. ودائماً في نفس إطار تطور أعداد تشغيل الخريجين للفترة ما بين 1998 إلى حدود يونيو 2000 بلغت أعداد الخريجين المسجلين في لجنة الاختيار للخدمة العامة على التوالي حوالي 3116 خريجاً سنة 1998 وحوالي 5365 خريجاً سنة 1999% ومجموع 2282 خريجاً في حدود يونيو سنة 2000. حيث بلغ مجموع خريجي الكليات النظرية في قضون ثلاثة سنوات مجموع 5342 خريجاً بنسبة 49.6% مقابل 4667 خريجاً من الكليات العلمية بنسبة 43.6% وأخيراً مجموع 754 خريجاً للمعاهد العليا بنسبة 7% فقط. أما بالنسبة إلى مسألة الإستيعاب في سوق العمل، بلغت أعداد المستوعبين من الخريجين في سوق العمل مجموع 3412 خريجاً بنسبة 31.7% من مجموع خريجي الأعوام الثلاث.
حيث هناك قرابة الثلثين من الخريجين المسجلين في لجنة الاختيار للخدمة العامة عاطلين عن العمل أو يعملون في مهن ووظائف في القطاع الخاص الهامشي ضمن فئات العمال اليوميين والمختصين والباعة المتجولين. والجدول التالي يوضح تراجع نسب الاستيعاب في هذه الفترة الآنفة الذكر.
جدول رقم(6): تسجيل واستيعاب خريجي التعليم العالي حسب الجنس
للفترة ما بين 1998 و يونيو 2000.
السنة التسجيل 1998 الاستيعاب 1998 التسجيل 1999 الاستيعاب 1999 التسجيل 2000 الاستيعاب 2000
الكلية ذكور إناث المجموع ذكور إناث المجموع ذكور إناث المجموع ذكور إناث المجموع ذكور إناث المجموع ذكور إناث المجموع
العلمية والتطبيقية 877 879 1766 778 592 1370 909 838 1747 403 274 677 537 617 1154 375 375 750
الكليات النظرية 391 506 897 181 78 259 984 2429 3412 105 123 228 309 723 1032 12 22 34
المعاهد العليا 240 213 453 25 9 34 77 128 205 23 21 44 39 57 96 8 8 16
المجموع 1518 1598 3116 984 679 1663 1970 3395 5365 531 418 949 885 1397 2282 395 405 800
المصدر، وزارة القوة العاملة ، لجنة الاختيار للخدمة العامة وزارة القوة العاملة الخرطوم.

ونلاحظ من خلال هذا التوزيع النسبي أن نسبة إستيعاب خريجي الكليات النظرية والمعاهد العليا في تراجع متواصل أمام تزايد محتشم في نسب إستيعاب خريجي الكليات العلمية والتطبيقية. حيث وصل عددهم خلال السنوات الثلاث حوالي 2797 خريجاً بنسبة إستيعاب بلغت حوالي 59.9% من مجموع خريجي الكليات العلمية والتطبيقية ويمثل هؤلاء نسبة 26% فقط من المجموع الكلي لخريجي السنوات الثلاث المسجلين في لجنة الاختيار للخدمة العامة من مختلف الاختصاصات. وهو ما يؤكد أيضاً على أن نسبة إستيعاب خريجي الكليات العلمية لا زال ضعيفاً أيضاً مقارنة بأعداد المسجلين منهم في لجنة الاختيار والراغبين في الالتحاق بسوق العمل.
أما بالنسبة إلى خريجي الكليات النظرية المستوعبين بلغ مجموعهم حوالي 521 خريجاً بنسبة9.7% من مجموع خريجي الكليات النظرية المسجلين ويمثل هؤلاء نسبة 4.8% من مجموع الخريجين الكلي للسنوات الثلاث المسجلين في لجنة الاختيار للخدمة العامة.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن هناك تراجعاً كبيراً على مستوى نسب وأعداد الإستيعاب خلال هذه السنوات الثلاث الأخيرة. ما يؤكد إرتفاع معدلات البطالة بكل أنواعها وسوء التشغيل وسط الخريجين الجامعيين عموماً والإناث منهم خصوصاً، وخاصة خريجي الكليات النظرية والمعاهد العليا.
وهذا نستدل به على أن سوق العمل في السودان لم يعد يحتاج إلى خدمات هذه الاختصاصات والاصناف من الخريجين الجامعيين، إن لم يكن نهائياً على الأقل ليس كما كانت عليه في السابق. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال أي نوع من التعليم نريد؟ بمعنى لماذا هذا التوسع الهائل في هذه المجالات النظرية ؟
إنّ هذا التناقض يعود إلى سياسات الدولة إثر تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة، وما إنجر عنها من سياسات التخصيص (الخوصصة) وتحرير الاقتصاد. رأيناً سابقاً كيف أثرت هذه البرامج على مستوى الطلب في الاقتصاد الكلي بمختلف جوانبه وبالتالي إنعكس ذلك على مسألة التشغيل وتقلص فرص العمل الجديدة نتيجة للطابع الانكماشي لهذه البرامج.
إضافة إلى ذلك فإن التغيرات العالمية التي لوحت بظلالها على المنطقة العربية والأفريقية، عموما قد أثرت على سوق العمل السوداني خصوصاً، بأحداث تغيرات داخلية عديدة. وخاصة بعد إستخراج وتصدير البترول وظهور بعض الاستثمارات الأجنبية والمحلية الجديدة في قطاعي الصناعة والخدمات، تطلبت أنواع معينة من خريجي الكليات العلمية والتطبيقية. وبالتالي إقصاء الاختصاصات النظرية وتهميشها وكذلك بعض الاختصاصات العلمية التقليدية، التي أصبحت تعج بها أسواق العمل في السودان، خاصة بعد التوسع الهائل في التعليم العالي وزيادة أعداد مخرجاته.
لقد أقرت إحصائيات وزارة المالية ( ) تزايد عدد المشتغلين من حوالي 4.9 مليون في عام 1990 إلى 6.5 مليون في عام 1996 بزيادة حوالي 1.6مليون وظيفة خلال الفترة من 1990 – 1996. مما يشير إلى توفر حوالي 250 ألف وظيفة سنوياً بمعدل نمو سنوي 4.7% ، ونلاحظ هنا أن معدل النمو كان أكبر من معدل نمو السكان نفسه، إلاّ أنه يقل عن معدل نمو القوى العاملة مما يعتبر إضافة لرصيد البطالة. ورغم ذلك فإن معدل البطالة ظل ثابتاً من حوالي 16.5% إلى 16.6% خلال تلك الفترة *( ). أما الأعداد المطلقة للعاطلين فقد زادت من حوالي مليون إلى 1.4مليون. والجدول التالي يوضح تدفقات المشتغلين والبطالة للخريجين الجامعيين خلال عامي 1997 – 1998 ( ).

جدول رقم(7): تدفقات التشغيل والبطالة للخريجين خلال الفترة 1997 / 1998 ( بالألف ).
النسبة 1997 1998
رصيد حملة المؤهلات الجامعية * 537 567
النشيطون اقتصاديا ** 482 509
المشتغلون *** 342 352
العاطلون 140 157
معدل البطالة 29% 30,8%
* حسبت بافتراض التدفقات للخريجين حوالي 10 آلاف سنويا .
** حسبت بافتراض معدل ثابت للمشاركة والنشاط الاقتصادي 7 ،89% للخريجين .
*** حسبت على أساس معدل سنوي للتشغيل في حدود 10 آلاف .
من خلال أعداد الخريجين المسجلين في لجنة الإختيار للخدمة العامة ومقارنة بأعداد الخريجين الجامعيين في السنوات ككل تتضح لنا الهوة الكبيرة التي تفصل ما بين الواقع والمرتجى. ويتضح ذلك من خلال تزايد أعداد المسجلين في لجنة الإختيار مقارنة بأعداد المستوعبين في سوق العمل عبر هذه المؤسسة الاتحادية، مما يؤكد إرتفاع معدلات البطالة وسوء التشغيل من سنة لأخرى. وتزداد الهوة أكثر إتساعاً جراء سلبية القطاع الخاص ومحدودية دوره في إدماج الخريجين الجامعيين في الدورة الاقتصادية وتوليد فرص عمل جديدة. ونلاحظ ذلك من خلال إرتفاع معدلات البطالة التي وصلت حسب إحصائيات وزارة المالية في العرض الاقتصادي سنة 1997 حوالي 30,8% سنة 1998. وهو معدل مرتفع يثبت تأزم موقف التشغيل بالنسبة إلى هذه الشريحة المجتمعية الهامة وتفشي شتى أنواع البطالة وسوء التشغيل وسط هذه الفئات الجامعية التي صرفت الدولة من أجل تعليمها وتدريبها العديد من الموارد المادية، ناهيك عن القيمة المادية للخدمات الاجتماعية الأخرى. هذا ما يدلّ على تضاعف عمليات هدر الموارد بشقيها المادي والبشري في بلد يعاني خيبات أمل عديدة، من أجل تحقيق السلام والتنمية وحلم الوحدة الوطنية. مما أدى إلى تراجع مؤشرات التنمية البشرية على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
الخاتمة :ـ
خلاصة القول أن الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة صعبة تستوجب إعادة صياغة السياسات الاقتصادية وتعديل الاولويات الوطنية وإجراء تعديلات على توزيعات الاستثمار والموارد في القطاعين العام والخاص، حيث أن التوزيعات الحالية تتسم بعدم تتميز بانعدام التوازن الجغرافي والقطاعي. ومما سبق يتضح لنا أن السياسات الراهنة لبرامج التثبيت والتكيف الهيكلي ذات تأثير سلبي للغاية على مؤشرات التنمية البشرية ، فهي تزيد من درجة الحرمان البشري في إشباع الحاجات الأساسية( الغذاء، الصحة ، التعليم ، الاسكان…. الخ) وتؤدي إلى زيادة معدلات البطالة وتخفيض الأجور الحقيقية لقطاع عريض في المجتمع كما أنها تقود غلى تهميش دور الدولة في التنمية والنشاط الاقتصادي ، وتنقل صناعة القرار الاقتصادي من مستواه الوطني إلى مستوى المؤسسات الدولية ومانحي القروض. لكن هذه البرامج نجحت ، في الحقيقة في ماكانت ترمي غليه من أهداف جوهرية ، وهي زيادة مقدرة البلاد المدينة على دفع اعباء ديونها مستقبلا بعد أن تنتهي فترة إعادة جدولة ديونها وكذلك تهيئة المناخ المواتي لاستقبال الاستثمارات الأجنبية الخاصة المباشرة . غير أن النمو الاقتصادي وحده لا يؤدي تلقائيا إلى التنمية البشرية المستدامة والقضاء على الفقر.على سبيل المثال ، فإن البلدان التي يتم تصنيفها بحسب نصيب الفرد من الدخل في كثير من الأحيان تنزلق إلى أسفل سلم عندما يتم تصنيفها بحسب مؤشر التنمية البشرية . وعليه فإن هذه الدراسة ترى بأن هذه البرامج قد أثرت سلبياً على مختلف مؤشرات سوق العمل، في مستوى الاستخدام وفي مستوى الأجور الحقيقية وهبوط حماية العمل والتغير في أماكنه ومؤهلاته. ويمكن تلخيص هذه الاثار في النتائج التالية:
1.أثر الانكماش الاقتصادي الذي تسبب فيه تطبيق هذه السياسات على خسارة فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة بين مختلف الشرائح الاجتماعية
2.أثرت برامج التخصيص وانتقال الملكية على خسارة فرص العمل.
3.أثر تقلص الانفاق العام ودور الحكومة على الاستخدام في القطاع العام وخاصة على خريجي التعليم العالي والعام .
4.ارتفاع معدلات الفقر وتزايد نسق النزوح الريفي إلى المدينة أدى إلى انتشار القطاع غير المنظم الهامشي في وسط وأطراف المدينة.
5.أدت إلى انتشار ظواهر اجتماعية سالبة ومتعددة نذكر منها على سبيل المثال ظاهرة أطفال الشوارع وعمالة الأطفال واستغلالهم وخاصة في الاوساط الحضرية والتسول وغيرها.
6.سياسة حرية التجارة الخارجية أثرت على الصناعات المحلية وبالتالي على فرص العمل.
7.أثرت هذه السياسة على نوعية المهارات وأنواع المهن والتعليم والتدريب و بالتالي انتقال العمالة داخليا وخارجياً مما أدى إلى عدم الملائمة بين مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل.
8.تفشي ظاهرة سوء التشغيل أو التشغيل الناقص وذلك بالتحاق أعداد كبيرة من خريجي التعليم العالي بمهن لا تتلائم مع تخصصاتهم العلمية وشهاداتهم الأكاديمية.
عموما يرى بعض خبراء الصندوق والبنك الدوليين أن تعديل السياسات الخاصة بسوق العمل والخاصة بوقف التدخلات الحكومية والنقابية في العلاقة بين العامل وصاحب العمل مثل: تحديد الأجور الدنيا، سيؤدي إلى تشجيع أصحاب الأعمال على خلق المزيد من فرص العمل. وتحسين الانتاجية والكفاءة والمرونة في سوق العمل.
والملاحظ أن جميع المؤشرات والتحاليل والنتائج المتوصل إليها تؤكد بدون أدنى مجال للشك تراجع مؤاشرات التنمية البشرية في السودان وقصورها عن تلبية الحاجيات المجتمعية، في حين أن شعار التنمية المطروح هو تحسين مستوى العيش وتحقيق معدلات تنمية عالية وتوسيع الخيارات والفرص أمام الناس من أجل التنمية والنهوض الحضاري وكسب رهان المنافسة العالمية. وهو مايستدعي السعي نحو معالجة الآثار الاجتماعية لهذه البرامج على سوق العمل وذلك بتفعيل قيم التضامن والتكافل الاجتماعي عبر انشاء صناديق الدعم والتكافل وانشاء شبكات وشركات التمويل الأصغر لدمج الشرائح الاجتماعية الفقيرة والمهمشة في منظومة الانتاج وتوفير فرص العمل المنتج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.