المــؤرخــون الــهــــواة: إســهــــــامـات وإخــفــاقــات

إسهامات د/ أحمد عثمان في كتابة تاريخ السودان
30 أغسطس، 2016
إسهامات المؤرخ مكي شبيكة في كتابة تاريخ مملكة الفونج الاسلامية
30 أغسطس، 2016

ورشة عمل:
“إسهامات علماء السودان في كتابة التاريخ”
ورقة بعنوان:” المــؤرخــون الــهــــواة: إســهــــــامـات وإخــفــاقــات ”
إعداد: د.ميمونة ميرغني حمزة
كلية الآداب – جامعة النيلين
المقدمة
تثير هذه الورقة تساؤلاً كثيراً ما وضع على بساط البحث….. من يكتب التاريخ؟ ولعل دواعي هذا التساؤل هو الكم الهائل من المؤلفات التي تتكدس في أرفف المكتبات وتصنف في خانة كتب التاريخ ذلك لأن التركيز يكون على النص وليس على المؤلف بالرغم من أن منهج التاريخ يضع الأهمية بدرجة متساوية على النص وكاتبه. فإذا تمعن القاريء في بعض المؤلفات المعروضة قد يكتشف أن كتابها لا تربطهم علاقة أكاديمية أو مهنية بالتاريخ كعلم. وقد يقف حائراً لا يدري كيف يقيم هذه المؤلفات وإلى أي مدى يمكن الاعتماد عليها إذا رغب في الحصول على معلومات تاريخية؟ أو أراد تفسيراً لواقعة؟ هذه القضية لا تثار في إي تخصص أكاديمي آخر. بمعنى أن كتاب في الطب لابد إن يكون مؤلفه له علاقة بالدراسات الطبية، ومن يضع كتاباً في الحاسوب لابد أنه متخصص في هذا المجال، فإذن لماذا تجذب كتابة التاريخ أشخاصاً لا يقع العلم في مجال تخصصهم الأكاديمي أو المهني؟ في رأيي أن السبب هو الاعتقاد أن التاريخ لا منهج له، فكما نكتب رواية أو قصة أو ننظم قصيدة نستطيع أن نكتب عن حقبة تاريخية أو سلسلة أحداث تاريخية. وقد نجد العذر لهؤلاء فالتاريخ هو أقل العلوم منهجية بمعنى أن وسيلة الحصول على المعلومة -وهي أساس التاريخ- تبدو قاصرة فهي وسيط: شاهد عيان أو أثر مادي قد يعود لآلاف السنيين و لهذا مهما اجتهد المؤرخ فهو لا يستطيع أن يجزم بان المعلومة التي حصل عليها هي مطابقة لما وقع بعكس ما يحدث في العلوم التطبيقية حيث يمكن للباحث عن طريق المختبر ان يحصل في اي زمان و مكان على معلومة مطابقة بدرجة 100%و هذا يجعل كل الكتابات التاريخية قابلة للتشكك و بالتالي للمراجعة . و تفاديا للمزالق التي يمكن ان تضر بالتاريخ ، اجتهد المؤرخون لوضع ضوابط تحكم النص و كاتبه فلا يكفي ان يكون النص سليما باعتماده على أصول تاريخية بل لابد ان يتحلى الكاتب بصفات تجعله مصدر ثقة من حيث تأهيله الأكاديمي و أمانته و حيدته ، و لقد استفاد المؤرخون من الضوابط التي و ضعها علماء المسلمين لرواة الحديث النبوية فألف الدكتور أسد رستم كتابه” مصطلح التاريخ ” على نسق ” مصطلح الحديث” و ذلك من اجل تطبيق تلك القواعد على راوة التاريخ .
سوف أتطرق في هذه الورقة إلى نوعين من المؤلفات: الطائفة الاولى شهود العيان الذين كتبوا مذكرات ، و علينا دائما ان نسأل ما هو دافع الكاتب لوضع كتاب في التاريخ ، هل هو بغرض إثراء المعرفة التاريخية ؟ هل يسعى المؤلف لمكسب أدبي أم مادي أم يسعى للتقرب من الحاكم مثلا؟هل هي محاولة لتمجيد جهة ما او مذهب ما ينتمي له عرقيا او سياسيا او دينيا ؟ و لهذا تصبح شخصية المؤلف من الأهمية بمكان لتحديد قيمة ما كتبه .
بالنسبة للفئة الأولى هم اولئك المعاصرون لاحداث دونوها فى شكل مذكرات وهي بالتالي ذات قيمة حقيقية و تعود أهميتها الى كونهم “شهود عيان” و اقرب المعلومة التاريخية للواقعة هي المستمدة من الملاحظة المباشرة : بمعنى شاهدها المؤلف نفسه و هو في كامل ملكاته العقلية ودونها في زمانها و مكانها والتاريخ في الواقع هو روايات شهود عيان ابتداء من هرودوت –ابو التاريخ-الذي أصبحت مشاهداته على مدى سبعة عشر عاما هي مصدرنا الوحيد لتلك الحقبة .و سار على منواله من جاء بعده من الجغرافيين و المؤرخين و الرحالة و ربما لهذا السبب عكف المؤرخون فيما بعد على تحقيق كل هذه المؤلفات بصورة علمية حتى يمكن الاعتماد عليها كمصدر للتاريخ.الا ان اغلب ما دونه شهود العيان في شكل مذكرات عن تاريخ السودان لم يخضع للتحقيق و بالتالي علينا ان نتحفظ حول قيمتها المصدرية و أن نخضعها لبعض الضوابط : متى دون الراوي هذه الرواية ، اي بعد الحدث مباشرة او بعد فترة من الزمن واذا لم يدونها في حين وقوعها كيف استعاد المعلومات عنها ؟ عن طريق الذاكرة ؟ ام عن طريق وثائق لديه مثلا؟ ثم متى نشرت هذه الرواية بمعنى هل صاغها المؤلف بنفسه و اشرف على طباعتها ام قام بهذه المهمة شخص أخر؟ و نعرف حالات كتب معاصرون رواياتهم و لكنهم اشترطوا نشرها بعد الوفاة .. الجنرال الفرنسي شاتوبريان وضع عنوان مخطوطتة ” للنشر بعد القبر” …اذن من المهم ان نعرف ملابسات تجهيز الكتاب للنشر واذا كان بعد الوفاة هل ترك في شكل مخطوط ام مطبوع ؟ هل تعرضت أجزاء للحذف لسبب او اخر؟
هذه الروايات تعتبر ذات قيمة حقيقية بالنسبة للدول الغربية خاصة تلك التي يدونها الرؤساء و المسئولون و قادة الجيوش لأنها توفر معلومات من الدرجة الأولى فهم يبدأون في تدوين الوقائع في بداية استلامهم لمهامهم و بالتالي لا يتركون مجال للذاكرة و القارئ يدرك هذه الحقيقة و بالتالي يتلقف هذه المذكرات بلهفة كبيرة وقد ورد ان مذكرات” مارجريت تاتشر ” سنوات دواننغ ستريت”ظلت على رأس أكثر الكتب مبيعاً في أسواق بريطانيا لمدة عشر سنوات على التوالي.غير ان ثقافة تدوين الرؤساء لمذكراتهم بتلك الصورة المعروفة في الغرب غائبة عن العالم العربي فالرئيس يشرع في تدوين مذكراته بعد عقود من تركه المنصب و يعتمد على الذاكرة و قد تقدمت به السن فيضطر الى الاستعانة بمراجع و تفقد بالتالي الرواية ميزتها الأساسية كرواية شاهد عيان دونت في مكان الحدث و زمانه.
المجموعة الأولى تشتمل مذكرات بابكر بدري و مذكرات يوسف ميخائيل وقد أرخت لفترة المهدية و ما بعدها ثم المذكرات التى أرخت للحركة الوطنية بعد الغزو الإنجليزي.
مذكرات بابكر بدري:
يبدو ان بابكر بدري احتفظ بمدونات ووثائق أحساسا منه بأهمية ما حدث في الماضي وقد أوضح ان احتفاظه بهذه السجلات تمثل جهداً منه لكتابة التاريخ موضحاً أن التاريخ تكتب الحوادث منه العادية للفكاهة و غير العادية من الحقائق للإقتداء بها حسنا او قبحا”.
وقد عرض ابنه يوسف بابكر بدري هذه المدونات على الدكتور محمد فريد ابو حديد الذي أشار في المقدمة التي كتبها بانها مجموعة من المذكرات كتبها بابكر بدري بخط يده في العام1955م على امل ان يقوم بطباعتها ولكن القدر لم يمهله فكان ان تولى يوسف المهمة فنشر الجزء الأول في سبتمبر 1959م بينما كتب” ستيورت سايمز” مقدمة للجزء الثاني الذي نشر في العام1960م.
يبدأ الكتاب بالصورة التقليدية للسيرة الذاتية ، الميلاد ،دخول الخلوة تنقله بين المساجد لأخذ العلم فيها و عند ظهور المهدي قرر ان يسانده و كان عمره حوالي 19 عاما . اشترك مع الأنصار في معارك الجزيرة ابا و هاجر معه الى الخرطوم و بقى حتى فتح المدينة ثم سافر مع جيش عبد الرحمن النجومي الى الشمال و عاد مرة أخرى إلى ام درمان و بقى فيها حتى معركة كرري وان اشتغل في هذه الأثناء بالتجارة . في الجزء الثاني تناول حقبة الحكم الثنائي بوصف دقيق لدخول الجيش الغازي لام درمان و ما قاموا به من نهب و سلب للأموال و الذهب. يعود مرة أخرى للعمل التجاري ولكنه يتجه نحو التعليم حتى انه فكر في مدرسة للبنات و شرح باستفاضة تأسيسها و مناهجها و اورد أسماء المعلمات بها ولقد لاحظت ان الذين كتبوا عن تاريخ التعليم النسائي في تلك الحقبة اعتمدوا بشكل أساسي على هذه المذكرات .
أما مذكرات يوسف ميخائيل فقد جاءت بعنوان ” مذكرات يوسف ميخائيل التركية و المهدية و الحكم الثنائي في السودان” (شاهد عيان) و قد طبع للمرة الأولى عن طريق مركز عبد الكريم ميرغني بام درمان 2004 م و أعيدت طباعته في 2007م وقد قام بتحقيقه الدكتور احمد ابراهيم ابو شولة علما بان المخطط سبق ان حققه الدكتور صالح محمد نور للحصول على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة لندن وبالطبع لا توجد غضاضة في تعدد المحققين لنص واحد.
من اجل تحديد قيمة المخطط كرواية “شاهد عيان” نلاحظ ان اول حدث ذكره هو تعيين غوردون حكمداراً (حوالي1877) وكان عمر المؤلف حوالي 12 سنة بمعنى انه لم يكن في حالة وعي لما يدور حوله و بالتالي لا تغطي الرواية فترة التركية كما جاء في العنوان ، و على اي حال فان الحديث عن التركية لم يتعدى فصل واحد (الأول) من سبعة فصول وبما ان المؤلف كان في تلك السن الصغيرة فالمعلومات التي اوردها عن الحكم التركي انما عن بيئته المحلية و تجربته التي تضمنت معلومات تاريخية محدودة القيمة .
الفصول من الثاني و حتى السابع خصصها للمهدية الثورة و الدولة واذا استبعدنا بعد الأجزاء التي لم يكن شاهد عيان عليها فهنالك معلومات قيمة عن حصار الأبيض و الطريق الى الخرطوم و الحصار ثم تأسيس الدولة و مشاكل الخليفة عبدالله و علاقته بالأشراف و الحبشة وحتى معركة كرري . فالمعلومات هنا مستقاة من المشاهد المباشرة كونه كان ملازما للخليفة عبدالله . الفصل السابع الذي جاء بعنوان “يوسف ميخائيل و الحكم الإنجليزي و المصري” يمكن اعتباره كالفصل الأول ليس له قيمة تاريخية لان المؤلف نفسه غادر الى مصر و بعد عودته ركز على نشاطه التجاري دون التطرق الى الحكم القائم .
اللافت للنظر ان عنوان المذكرات و عنوان الفصول من وضع المحقق وبالتالي عدم الدقة في التطابق بين المحتوى و العنوان يتحمله المحقق و ليس الراوي ، الامر الثاني الذي ربما يثير بعض الشكوك ان هذه الرواية قد كتبت في العام1934م بناء على رغبة مفتش مركز كردفان
أ. ف. اقلن الذي تفاجأ بميخائيل محبوسا في السجن بسبب اتهام زوجته بصنع الخمور البلدية فقرر ان يرافقها الى السجن بعد ان افادت ان الخمر كانت له بسبب إصابته بمرض الربو ، فزوده اقلن بالدفاتر و الأقلام لتدوين مذكراته ور بما اشار عليه بالتركيز على المهدية بسبب رغبة البريطانيين في معرفة المزيد عن أحداثها .فخصص خمسة فصول من السبعة للمهدية و بدأ عملية التدوين في أغسطس و لكنه يشير باكتمالها في ديسمبر1934م بمعنى انها استغرقت حوالي أربعة اشهر و قد اعتمد على الذاكرة بصورة أساسية علما بان أول حدث ذكره قبل حوالي 57 عاما فعلى القارئ ان يقيم إمكانية الاعتماد على الذاكرة بعد كل هذه السنوات .
اما المجموعة الثانية من شهود العيان فهى تشمل شخصيات ساهمت فى الحركة الوطنية و ما بعدها و قد سجل بعضهم مذكرات نشرت فى ظروف مختلفة و لكنها تستخدم كمصادر لتاريخ تلك الحقبة علما بأنها لم تتحقق بطريقة علميه بعد.
الأمثلة التى سوف اعرضها تتضمن التالى :
1/ كفاح جيل الذي وضعه احمد خير و صدرت الطبعة الأولى فى حياة المؤلف و اعيد طبعه أيضا فى 1970م مع وضع مقدمه لمدثر عيد الرحيم دون تعديل فى المحتوى. وبما أن المؤلف ولد فى 1905م فيعنى انه أصبح مدركا لما يدور حوله خلال العقد الثاني من الاحتلال و بالتالي بدأت مذكراته بثورة 1924م موضحا بانه اعتمد على المعلومات التى افاد بها أعضاء الجمعية اذ أن الإدارة البريطانية احرقت كل وثائقها . ثم انتقل الى نشأة مؤتمر الخريجين(1937م) و تعتبر معلوماته هنا من الدرجة الأولى لأنه دونها في زمانها و مكانها كما ان ملاحق الكتاب لها قيمه حقيقية وهى تشمل وثائق المؤتمر ،الدستور ، اللوائح…. الخ. ثم تناول بالتفصيل احداث تلك الفترة حتى 1943م بالتركز على سياسة الإدارة البريطانية و أساليبها و دور الطائفية في الحركة الوطنية.
2/ ذكريات و مواقف فى طريق الحركة الوطنية السودانية 1924م-1969م لامين التوم و قد نشرته دار جامعة الخرطوم للنشر فى 1987م للمرة الأولى فى حياة المؤلف الذي اشار الى انه كتبه ما بين 1981م-1983م ( و هو فى حوالى السابعة و الستين من العمر) بمعنى انه لم يسجل الوقائع فى زمانها و مكانها و أن كان قد ذكر انه استعان باوراق و تقارير خاصة و فى بعض الحالات اعتمد على الذاكرة.
يبدأ الكتاب فى احداثه العامة بإضراب طلبة كلية غردون فى 1931م ثم ينتقل إلى مذكرة مؤتمر الخريجين (1943م) و رد السكرتير الادارى، بروتوكول صدقى بيفن،موقف الجبهة الاستقلالية و الاتحاديه بتركيز على نشاط حزب الامه فى مناهضة فكرة الوحده مع مصر: سفره الى ليك سكسس فى 1947م و جهود حزب الامه لقيام هيئة برلمانيه لتمارس التشريع و الرقابة و دور السيد عبد الرحمن المهدي فى هذا المجال، علما بان المؤلف لا يخفى انتماءه لحزب الامه الأمر الذى يلقى بظلال من الشك حول معلوماته عن نشاط الجبهة الاتحادية التى يصف مؤيديها بانهم “من انصاف المتعلمين” كما انه يقلل من نشاط الاتحاديين فى معركة الاستقلال عندما يشير صراحة ” لم أجد بين اوراقى و مدوناتى الى اى جهد للقادة الاتحاديين فى مرحلة مباحثات الحكم الذاتي ودستور الحكم الذاتي” وهو بالتالي يعتمد على قولة المناطقه ” الصمت حجه” فاذا لم يجد بين اوراقه ما يبين هذا الدور فيخلص بانهم كانوا متفرجين وهو استنتاج لا يقبله المؤرخ فربما هناك أوراق أخرى ذكرت هذا الدور.
تناول فى المذكرات الانتخابات الأولى مشيرا الى الدعم المالي لمصر للاتحاديين ( متجاهلا محاولات حزب الامه للحصول على دعم مالى من بريطانيا) و رغم انه تقلد مناصب وزارية فى الحكومة الائتلافية الأولى و الثانية عن حزب الامه لكنه لم يشر فى المذكرات لأحداث تلك الفترة.
3/ جانب من تاريخ الحركة الوطنية فى السودان وضعه عبد الماجد ابو حسبو وقد نشر فى 1987م بعد وفاته و يبدو أن الناشر هو الذى اختار العنوان. يذكر المؤلف انه بدأ فى كتابته قى 1970م و هو فى السجن بهدف تدوين التاريخ السياسي للسودان و بما أن الظرف لم يساعده فى الحصول على مراجع فقد كتبه من الذاكرة.
جاء تبويب الكتاب بشكل منهجى يسهل على القارئ متابعته و هو يقع فى اثنى عشر فصلا إضافة الى المقدمة و الملاحق. قسم الكتاب الى جزئيين: الاول فترة ما قبل الحكم الثنائي و بالتالي لا يمكن اعتباره رواية شاهد عيان و هو بالتالي بلا قيمه حقيقية وهو ايضا لا يتطابق مع العنوان.
يمكن اذن أن نقول أن الروايه تبدأ بالفصل الرابع و من الغريب اعتراف المؤلف بان هناك عوامل حدت من حريته لقول الحقيقة منها وجود شخصيات على قيد الحياة( لم يوضح كيف تؤثر هذه على قوله الحقيقة) وجود قوى قائمة تضغط عليه فى مجتمع ما تزال القبلية تلعب دورا مؤثرا فيه اضافة الى مشاركته فى الحركة الوطنية تجعله يتحفظ على بعض المعلومات حتى لا يدين نفسه ثم أن الانتماء لحزب مشارك فى الحركة الوطنية حد من حريته من قول الحقيقة. و لعل الاعتراف بكل هذه العوائق وتسجيلها تدفع الباحث الى استبعاد هذه المذكرات كمصدر للتاريخ جملة و تفصيلا.
4/ مذكرات خضر بشير” الحركة الوطنية السودانية الاستقلال و ما بعده”. يشير المؤلف الى انه قد فرغ من إعداد الكتاب في 1967م و لكنه لم ينشر الا بعد وفاته باكثر من عقد من الزمان و قد قام ابن اخيه بإعداد الكتاب للنشر دون الإشارة الى ما اذا كان المخطوط نشر بالحالة التى تركها المؤلف او أن اى تعديل قد ادخل سواء على المنهج او المحتوى، و عموما فان عدم مباشرة المؤلف على متابعة نشر الكتاب لا يحسب فى صالح الكتاب.
تناول الراوى تأسيس مؤتمر الخريجين ثم الجبهة الاتحادية التى كان احد اركانها و تابع النشاط الذى قامت به داخل و خارج السودان، و استعرض قيام مؤسسات الحكم البريطانية و نظرة الاتحاديين لها. تميز بإضافة مهمة و هى عرض أسماء الشهداء و الأسرى من السودانيين الذين اشتركوا فى حرب فلسطين 1948م حيث كان يعمل بالجامعة العربية. و قد تعرض للانتخابات الأولى و حكومة الازهرى واحداث مارس 1954م و حكومة السيدين و لعله الوحيد فى هذه المجموعة الذى تعرض لتجربته فى السلطة عندما شارك فى عضوية مجلس السياده1964م-1969م و لقد رافق الازهرى الى سجن كوبر بعد انقلاب مايو 1969م و لهذا تحدث عن الأيام الأخيرة من حياة الازهرى.
5/ مذكرات احمد محمد يس: نشره مركز عبد الكريم ميرغنى بام درمان فى 1987م و قد أشار المؤلف أن الهدف منه هو تدوين تاريخ الحركة الوطنية الذى شارك فيها. و لكنه اعترف بانه كتبه من الذاكرة و بعد أن تقدمت به السن و رجح أن تكون هناك أخطاء و هفوات ، و بالفعل لا يخلو من خلط و ارتباك و تكرار إضافة الى سوء التبويب مما جعل متابعة موضوعاته لا تخلو من مشقة. تعرض لنشاط الجبهة الاتحادية التى ينتمي اليها داحضا مزاعم المساندة المصرية المادية فى الانتخابات الاولى التى شهد بنزاهتها الخبراء الأجانب. لا يخفى رأيه فى حزب الامه و موالاته للإنجليز و انه قد صدم عندما خسر الانتخابات لان آماله فى تنصيب السيد عبد الرحمن المهدي ملكا قد تلاشت. وقد تعرض لحوادث مارس 1954م محملا مسئوليتها لحزب ألامه.
أن مذكرات شهود العيان اذن يمكن أن تكون ذات قيمة حقيقية و لكنها يمكن أن تفقد هذه القيمة فى حالة عدم تقييمها علميا و حسب قول المؤرخ لانجلو وسيويوس ” المذكرات التى كتبت بعد الوقائع بعدة سنوات و أحيانا عند نهاية حياة المؤلف قد ادخلت فى التاريخ أخطاء لا تعد و لا تحصى و لذا ينبغي أن نتخذ قاعدة هى أن ننظر الى المذكرات بارتياب خاص على انها وثائق من الدرجة الثانية على الرغم من تبديها بمظهر الشهادات المعاصرة” .
اما المجموعة الثانية فهى كتابات لمؤلفين لم يكونوا شهود عيان بل اعتمدوا على اصول تاريخيه مختلفة و ربما لدوافع ذاتية او موضوعيه منها :
1/ الحركة السياسية و الصراع البريطاني المصرى 1936-1953م من تأليف استاذ القانون فيصل عبد الرحمن على طـه و الذى اعيد طبعه بمركز عبد الكريم ميرغنى بام درمان عام 2004م و هو يقع فى اكثر من سبعمائة صفحة. اطلع المؤلف على كم هائل من الاصول التاريخية تشمل الوثائق البريطانية و غيرها من المراجع العربية و الأجنبية إضافة الى الصحف.
اوضح أن الهدف وراء تأليفه لهذا الكتاب انه يريد ازالة الشوائب التى علقت بشأن علاقة الجبهة الاستقلاليه بمصر جراء ما جاء فى بعض كتابات التاريخ الحديث غير انه لم يسم تلك الكتابات.
قدم المؤلف دراسة تاريخية بعيدة عن القانون من اجله جمع ما اعتبره ادله لتحقيق هدفه، و اذا بدأنا بالعنوان فمن غير الواضح ما المقصود بالحركة السياسية. فاذا كان المقصود ما تقوم به منظمات سياسية ( احزاب) فهذه لم تنشأ الا فى فترة متأخرة. قسم الكتاب الى سبعة اقسام ضم كل قسم عدة فصول.
القسم الاول الذى ضم ثلاثة فصول بدأ باتفاقية 1899 م وانتهى بثورة 1924م و لهذا يمكن اعتباره مدخلا للبحث ، يلاحظ هنا عدم التوازن بين الفصول فبينما يأتى الثاني فى خمسة صفحات يتعدى الثالث الاربعين صفحه وهذه الملاحظة تنطبق على كثير من الفصول. و هو يستخدم مصطلح ” فتح” بدلا عن غزو بصورة متكررة. كما فات عليه فى هذا الفصل أن التعديل الذى شمل اتفاقية الحكم الثنائي فى يوليو 1899م ينطبق على وادى حلفا و ليس سواكن فقط.
القسم الثانى الذى يضم سبعة فصول خصصه لمؤتمر الخريجين و أن تضمن فصلا عن تأسيس اول حزب سياسى و هو حزب الامه إضافة الى الحزب الجمهوري و ربما تركيزه على الحزبين حسب وصفه انها تطالب بالاستقلال و ليس الوحدة مع مصر.
القسم الثالث : يبدأ بالتمهيد للحكم الذاتى و لكنه يركز على بروتوكول صدقي بيفن و مرة اخرى معالجة موضوع واحد فى عدة فصول متفاوتة فى حجمها يؤدى الى التكرار احيانا . وقد ركز على دور السيد عبد الرحمن المهدي المناهض الى البروتوكول دون الإشارة الى تحالفه فى هذا الموقف مع الإداريين البريطانيين فى الخرطوم الذين هددوا حكومتهم باستقالات جماعية فى حالة تنفيذ البروتوكول.
القسم الرابع الذى تناول مؤتمر إدارة السودان 1947م إضافة الى موضوعات أخرى. الإشارة فى الفصل الاول عن أن مؤتمر جوبا اكد اختيار الجنوبيين لوحدة السودان هو مجرد استنتاج لان هدف المؤتمر لم يكن وضع هذه القضية على بساط البحث كما اقر روبرتسون فى مذكراته. يلاحظ فى هذا القسم التركيز على سلبيات الجهة الاتحادية بل انه اورد رأيا نسبه لخضر حمد يصف فيه الازهرى ” بالامعه” خلافا لما تلتزم به الكتابة التاريخية التى تتحاشى استخدام عبارات تقييميه لمواقف او أحداث و بصفة خاصة العبارات التى تطلق من شخصيات فى حق آخرين. وهو هنا يتحاشى الاشارة الى علاقة قادة حزب ألامه بالإنجليز الذين يشيرون لهم فى وثائقهم دائماً ” بالأصدقاء”.
القسم الخامس: الذى يتضمن تسعة فصول يتناول مرة أخرى موضوعات مختلقه من الصعب أن نجد رابط بينها و يلاحظ هنا الاعتماد الكبير فى التوثيق على الصحف او على مرجع واحد.
القسم السادس: الذي يضم ثلاث فصول بعضها مكرر في القسم الخامس مثل نشأة الحزب الجمهورى الاشتراكي و دور الولايات المتحدة الأمريكية. القسم السابع يتضمن سبعة فصول و التركيز على دور الجبهة الاستقلالية فى اتفاقية الحكم الذاتى و تقرير المصير عند سفر وفد الجبهة الى القاهرة للتباحث مع حكومة الثورة دون الإشارة الى أن وزارة الخارجية البريطانية هى التى اقترحت على الحكومة المصرية توجيه الدعوة للجبهة الامر الذى كانت ترفضه مصر فى السابق و لكنها رأت فى هذه الدعوة فرصة لكسب السيد عبد الرحمن المهدي الى صفها عن طريق مكاسب مادية او اذا صحت بعض الروايات عن طريق عرض منصب ” نائب الملك” عليه.
طبيعي أن السيد عبد الرحمن يخطر الإدارة البريطانية بالدعوة خشية أن تؤدى تلبيتها الى توتر فى علاقاته مع الإدارة و لكنه طمأنها بأنه لن يقبل بالتاج المصري على السودان تحت اى مسمى تماما كما ترغب الإدارة.
علينا أن نبحث فى ثنايا هذا الكم الهائل من المعلومات ما يساعد فى تحقيق الهدف الذى وضعه المؤلف هو أن الجبهة الاستقلالية لم تكن معاديه لمصر: قد نجد إشارات في القسم الثالث و الرابع تتحدث عن اتصالات او مفاوضات بين الجانبين غير أن ما يبدو من العرض انه مرافعة لتصوير الجبهة الاستقلاليه بأنها هى التي حققت للسودان استقلاله بالوقوف امام دعاوى وحده وادى النيل دون الاشارة الى الدور الخفى للإدارة البريطانية فحتى شعار” السودان للسودانيين”فقد طرحه غوردون للمرة الاولى فى 1884م و تلقفه ونجت فبما بعد و رأت فيه الادارة اكبر خدمه لأهدافها. ما جاء فى الخاتمه من دليل اضافى على نوايا الحركة الاستقلاليه بان حكومة عبد الله خليل الأخيرة (1958) طرحت مشروعات للتعاون مع مصر غير أن الانقلاب فأجاها خارج النطاق الزمني للبحث ، اضافة الى أنها افتراضيه و بالتالي لا قيمة تاريخية لها.
اما بالنسبة للجوانب الفنية فاضافة الى ما ذكر بالنسبة للتبويب فقد وثق المؤلف معلوماته بصورة كامله ربما بمبالغه غير انه استغل الهامش بصورة أساسيه لهذا الغرض ، اى لم يستفد منه فى شرح احداث او مواقع و نادراً ما عرف بالشخصيات الواردة فى البحث، ثم أن الالتزام بمنهج واحد فى تسجيل الهوامش من الضرورة بمكان فالغرض منه تسهيل مهمة القاريء الذى يريد الاستزادة من الأصول فاذا لم يكن هناك منهج واحد فى كتابتها فلا تخدم الغرض المطلوب، هناك ايضا أهمية للتمييز بين المصدر و المرجع.
الكتاب الثاني هو ” تاريخ دارفور عبر العصور” مؤلفه العميد (م) عبد القادر احمد ارباب. صدرت الطبعة الاولى فى 1998م عبر بنك الغرب الاسلامى. لم يحدد فتره زمنيه للبداية و النهاية. لم يوضح المؤلف الهدف من وضع الكتاب بدقة بل اشار الى انه اراد ابراز تاريخ دارفور للوجود و التعريف بالماضي. استعان المؤلف ببعض المراجع التى تناولت موضوع البحث و لكنه يبدو انه دون بعض الأجزاء من روايات شفوية.
اول ما نلاحظه على الكتاب الارتباك الشديد فى التبويب فهو يبدأ بمقدمه من صفحه واحده ثم ينتقل لما سماه الفصل الثاني ( باعتبار أن المقدمة هى الفصل الأول) . يأتي هذا الفصل تحت عنوان الكيانات التى حكمت دارفور ثم ينتقل الى الحديث عن تقسيم الكتاب الى جزئيين : الأول تاريخ دارفور عبر العصور( العنوان) و الجزء الثاني قبائل دارفور عبر العصور و كأن تاريخ دارفور منفصل عن تاريخ سكانها.
الفصل الثالث: تحت عنوان الكيانات القائمة منذ القدم ( يكرر بعض ما جاء فى الفصل الثانى).
الفصل الرابع : الدوافع الكامنة وراء فكرة محمد على باشا لفتح دارفور وهو زاخر بالمعلومات المتنوعة بينها نص خطاب السلطان محمد الفضل لمحمد على، علاقات دارفور مع جيرانها، الثورات ضد الحكم التركي و محاولات الادارة فرض نفوذها عبر ما سماه ” حكومات الظل” و يتعرض لثورات القبائل المختلفة: بنى هلبا ، الرزيقات ، الهبانية و لكن ما يقلل من قيمتها التاريخية عدم التوثيق. و من الغريب عدم افراده لفصل خاص بالمهدية بل عرض فقط الثورات الوطنية بدارفور فى عهد دولة المهدية. ملحقا هذا الجزء بالفصل الرابع حتى يصل الى إعلان الأمير يوسف قرض عصيانه على دولة المهدية و يعلن استقلال دولة دارفور المستقلة.
ثم ينتقل للفصل الخامس بعنوان الثورات الوطنية فى عهد المهدية و مرة أخرى ثورة البقارة في عهد المهدية ( بنى هلبا). ثم ملحق بهذا الفصل ثورة ابو جميره و يختمه ” على دينار فى عهد دولة المهدية”. ثم يتناول موضوعات مختلفة حتى يصل الى ثورة عبدالله السحينى 1921م، الحركة الوطنية بدارفور يورد قائمه بقيادات الحركة الذين تعرضوا للحبس و العقوبة من قبل السلطات الإنجليزية و هى معلومة قيمة.
الفصل السادس الإسلام فى دارفور وهو فى حوالي خمسة صفحات و لقد جاء فى الموقع الخطأ و معالجته باقتضاب شديد افرغته من محتواه.
من هذا العرض يبدو أن المؤلف لم يبذل اى جهد للتعرف على منهج كتابة التاريخ فجاء بهذه الصورة المرتبكة التي تقاوم اى محاوله للاستفادة من الكتاب. و لعل القضية المهمة هنا هو تجاهله التام لتوثيق المعلومات التى تصبح بلا قيمه تاريخية بل العكس قد تكون مضرة بالمعرفة التاريخية. ربما رأى المؤلف أن الحاق قائمة بالمراجع فى ذيل الكتاب تكفى لجعله كتاباً فى التاريخ عير أن هذه القائمة أحدثت أثرا عكسيا فهي تكشف عدم المامه بالأبجديات المتفق عليها فى كل التخصصات فى ترتيب مثل هذه القوائم.
و اشير هنا الى نقطه اخيرة فالمؤلفين غير المتخصصين الذين كتبوا فى تاريخ السودان غالبا ما يكون هدفهم ذاتيا و حتى ما تبدى من الشكل العلمي للعرض فعلينا أن نتخذ هذه الكتابات بحذر خاصة أن الكتابة فى التاريخ يجب أن تكون اوسع من قصرها على موضوع محدد او حيز جغرافي. فالتاريخ مثل النهر الجاري فما يحدث فى منبعه يؤثر على مصبه فلا يمكن معالجة قضية تاريخية كوحدة مستقلة بل لابد من النظر فى المحيط الاقليمي و العالمي للحدث وهو ما يغيب عن ذهن هؤلاء المؤلفين اما بسبب عدم الالمام الكافي بالأحداث التاريخية او بسبب قصور فى منهجية البحث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.