الانقلابات العسكرية التجربة التركية

الإنقلابات العسكرية في السودان
30 أغسطس، 2016
العسكر والحكم المدني: تجارب تاريخية
30 أغسطس، 2016

طارق محمد نور
المقدمة:
بعد اعلان الجمهورية التركية فى الربع الاول من القرن الماضى على انقاض الدولة العثمانية قام النظام الحاكم على قيادة عسكرية شمولية تبنت الادينية لدولة وارادت ان تنشئ دولة حديثة على غرار الدول فى اوربا و بالتالى وجدت العقيدة التى يقوم عليها الحكم الجديد مقاومة كبرى كان لابد لا اساطين النظام الجديد من وصفها بالرجعية و معادات الثورة و من ثم عمل بكل السبل على بت ذلك النوع من المقاومة من جذوره و الذى تطلب تغييرا تاما لتلك الحروف التى كتب بها ذلك الفكر بل و الدين اصلا.
بصورة اخرى يمكن القول ان دراسة موضوع الانقلابات العسكرية فى تركيا الحديثة لا ينفك عن المقدمات التاريخية لتلك المنطقة الجغرافية و لمؤثرات السياسة العالمية و التى كانت توضع اصلا مستهدفة تلك المنطقة شعبا و ثقافة و اقتصادا. و بالتالى بعد احداث التغيرات فيها اصبحت هذه المنطقة ايضا هدفا للسياسات العالمية و لكن من لون اخر. فبعد ان تغير الهدف الاستعمارى من احتلال مباشر الى مناطق نفوذ واستقطاب ثقافى و اقتصادى تشكل فيه الدول التابعة بما تريده الدول ذات السيادة و الريادة بما ملكته من نواصى القوة المادية و التكنلوجية و تفوقها الواضح الذى جعل تعاملها مع حركات التحرر و الانعتاق من ربقتها لا يحتاج الى تدخلها المباشر بل يقوم به العملاء و يمكن ان نخفف الكلمة و نسميهم بالاصدقاء الذين يقومون بالقضاء علي تلك الحركات فى مهدها ليظل النظام العالمى يسير و فق ما يريده السادة و بالتالى اصبحت القوى العسكرية فى العالم الثالث هى المفصل الاساسى فى ذلك. غير ان الغرب قد حسم و طد للديمقراطية عند شعوبه و اصبح التبادل السلمى للسلطة لشعوبه و رفاهيتها امرا ليس عليه جدال و اصبح الجزء الاخر من العالم تحت قطبية الاشتراكية التى تتبناها موسكو وبين هذا و ذاك اصبحت حكومات الدول ذات التبعية تتقلب بين الانظمة العسكرية التى تصادق الغرب او العسكرية التى تدور فى فلك منظومة حكومات شمولية تتبنى الفكر الاشتراكى. الى ان و صل العالم بانهيار الشيوعية الى وضعه الجديد الذى نعيشه الان.
و تركيا الحديثة بفكر الثورة التى قادها مصطفى كمال اتاتورك لم تكن فى معزل عن ذلك و لكن كانت لها خصوصياتها و التى تجلت فى ارثها التاريخى الكبير و انها لم تقع تحت الاحتلال كبقية دول العالم بعيد الحرب العالمية الاولى. و حتى نلقى النظر على هذه التجربة لابد من العودة قليلا الى اثر الجيش فى الحياة السياسية قبل ثورة اتاتورك قائد ثورة جمهورية تركيا الحديثة.
الدولة العثمانية و الجيش:
من المعلوم ان الاتراك عاشوا فى بقاع مختلفة من العالم الا ان ثقلهم فى منطقة اسيا الوسطى و التى هاجروا منها الى الاناضول التى تمثل القسم الاكبر من تركيا الحالية فى الجزء الاوربى. والتى اصبحت فيما بعد موطنا فعليا للاتراك. و اصبح الامر اكثر عمقا بقيام الجمهورية التركية فى عام 1923 . و هذه الهجرات التى قام بها الاتراك و مع دخولهم فى الاسلام فقد كانوا عنصرا اضاف الى المدنية الانسانية الكثير فقد اقاموا دولة السلاجقة الكبرى و دولة سلاجقة الاناضول و الدولة العثمانية ثم جمهورية تركيا الحديثة. و فى اقامة كل ذلك الارث التاريخى كانت القوة العسكرية الضاربة عاملا مؤثرا فى قيام الدولة و و صيانة اراضيها. فالعنصر التركي الذى استعانت به الدولة الاسلامية كانت اسهاماته الاولى فى الجانب العسكرى و كانت نتيجة طبيعية ان يلعب الجانب العسكرى دورا فاعلا عند السلاجقة او العثمانيين و الذين كانوا اصلا يسمون بسلاجقة الروم و الذين كانت دولتهم فى تخوم الدولة البيزنطية و الذين اعجبهم لقب غازى الذى خلعه عليهم السلاجقة لمواصلتهم الجهاد تجاه الدولة البيزنطية. و عندما قامت دولتهم على انقاض دولة السلاجقة كان العامل العسكرى هو الاقوى في توحيد المنطقة و من ثم مواصلة الغزو غربا ليجتاحو اوربا الشرقية و ينهو الدولة البيزنطية و يدخلوا الاسلام الى ربوع اوربا حتى ابواب فينا.
و قد اثر نظام الجيش حتى فى النظام الادارى المدنى فى الاماكن المفتوحة فكانت الوحدة الادارية الاساس تسمى سنجقا و التى تعنى اللواء. هذا اللواء او السنجق هو الذى يقوم على السلطة السياسية و العسكرية. و ان استطاع قائد اللواء ان يوسع اراضى الدولة بحيث يكون فيها عدد من السناجق تتوسع اداريا لتصبح ايالة او ولاية. و كان فى الاغالب الاعم ان تكون الطبقة الادارية من اصحاب السيف و القلم. اى من ذوى العلم و القيادة العسكرية. حتى ان الصدر الاعظم الذى كان بمثابة رئيس الوزراء يكون من هذه الطبقة.
و بالنظر الى التطورات التى مت بها الدولة العثمانية حتى نهايتها نجد ان الجيش كان عنصرا مهما فى التغيرات السياسية التى طرات على الدولة العثمانية. فان كان السلطان ياتى من ال عثمان دون منازع الا ان تغيير هؤلاء السلاطين و تغليب احدهم على الاخر كان للجيش دورا مهما فيه. و لا يخفى دور العسكر الجدد (ينى شريه او الانكشارية) فى ذلك. حتى ان ان مايعرف بحركة الاصلاحات العثمانية اول ماستهدفته هو المؤسسة العسكرية. و التى ارست نظاما عسكريا جديدا يعلى من العقيدة العسكرية الاوربية و الذى لعب دورا مؤثرا فى الاطاحة بنظام السلطان عبد الحميد الثانى العدو اللدود للغرب و صاحب الاصلاحات الاسلامية.
هذا الارث التاريخى للعسكرية العثمانية اهلها لان تاخذ بزمام المبادرة فى الحركة القومية ضد القوى الغازية بعد الحرب العالمية الاولى لتعلن وفاة الدولة العثمانية و قيام الجمهورية الحديثة على اسس جديدة اهمها الدولة و اللادينية السياسية و الشعوبية و التطور و المعاصرة و التسامح.
هذا الارث التاريخى ساعد قادة الجمهورية الحديثة على ارساء قواعدها طوعا و كرها. و من ثم ترجمة مبادئ الثورة فى دستور البلاد و مؤسساتها السيادية. و اصبح الجيش هو الحامى لتلك المبادئ الجديدة و حارسا لها.
جمهورية تركيا و الجيش:
بما قدمنا له يعد الجيش التركى عنصرا فاعلا فى بناء جمهورية تركيا الحديثة فى شتى مناحيها. و عمل القائمون عليه على تطوره فاصبح من اقوى جيوش المشاة فى العالم و له قوة بحرية و جوية لا يستهان بها ايضا.
كذلك كان لرجال الجيش التركى يد طولى فى تولى العديد من المناصب المهمة فى الدولة و فى حزبها الاوحد فى حياة مصطفى كمال اتاتورك . و قد عرفت الفترة الاولى لجمهورية تركيا بفترة الحزب الواحد لمن يؤرخون للديمقراطية فى تركيا و الذى ظل يحمل اسمه ذاك حتى اليوم “حزب الشعب الجمهورى” و هو الحزب الذى اسسه قائد الثورة و قاد الحياة النيابية فى تركيا منفردا حتى قيام الحرب العالمية الثانية.
و لما كانت الفترة الاولى للجمهورية تحتاج الى تثبيت اركان النظام فنجد ان الجيش التركى قد لعب دورا بارزا فى القضاء على الثورات الدخلية و التحركات الانفصالية داخل الدولة. حتى ان اقامة النظام خارج المدن الكبيرة لم يترك للشرطة وقامت به قوات الشركة العسكرية “الجاندرمة” و التى لها مراكز داخل و خارج المدن لاحتواء ما لا تستطيعه الشرطة العادية. و لها و حدات للنجدة و التى يمكن ان تستدعى حتى بواسطة المواطن ان رأى خطرا كبيرا.
و بالتالى يمكن القول ان الجيش التركى امتدت سلطاته بجانب الدفاع عن العدو الخرجى و تثبيت اركان الجمهورية الى حفظ الامن و حراسة الجمهورية بل و ممارسة السياسة بواسطة تولى بعض قادته المناصب القيادية فى الدولة و الحزب. و اعانهم على ذلك الارث التاريخى المقبول من المواطن التركى.
عند و فاة اتاتورك لم يكن الامر يحتاج الى كبير عناء فقد تولى الامر من بعده نائبه و زميله فى العسكرية عصمت اننو . و الذى تلقب بالقائد القومى. للتواصل المسيرة على نفس و تيرة اتاتورك بل و كان لعصمت دورا بارزا فى تطبيق بعض السياسات الادينية حرفيا و التى لم تطبق من قبل.
و قد ظلت الديمقراطية تمارس من خلال هذا الحزب الاوحد. و كانت هنالك محاولات ان تقام احزاب اخرى منذ عهد اتاتورك مثل حزب ” محبى الترقى الجمهوري” (1924-1925)و الذى ضم كبار العسكريين الذين استغالوا من حزب الشعب الجمهورى من امثال كاظم كره بكر و على فؤاد و جعفر الطيار . كذلك سمح اتاتورك لاحد معانيه بانشاء حزب اخر الا انه سرعان ما عدل عن رأيه و قام باغلاقه. كان ذلك الحزاب هو “حزب الجمهورية الحرة” (12\8 – 17\11\1930) . كذلك شهد عهد اتاتورك اول حركة مسلحة ضد الجمهوية بقيادة الشيخ سعيد بالاناضول .
و يمكن القول ان فى فترة اتاتورك (1923-1938) شهدت الغاء نظام الخلافة و وطدت للنظام الجمهورى. و لم تشهد تلك الفترة اى تدخلات انقلابية من الجيش لتغيير نظام الحكم فى عهد اتاتورك. بل كان الجيش هو حامى ذلك النظام و وسيلة لبسط الاستقرار على مدى خمسة عشر عاما.
و فى عهد عصمت اننو و نزر قيام الحرب الباردة بعيد الحرب العالمية الثانية و تبنى الغرب لنشر الديمقراطية فى العالم و جد نظام الجمهورية تحت قيادة عصمت اننو انه لابد من السباحة مع ذلك التيار ففتح الباب فى تركيا امام التعددية الحزبية. وقام على اثر ذلك “الحزب الديمقراطى” فى 7 يناير 1946 ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى نافس “الحزب الديمقراطى” الوليد “حزب الشعب الجمهورى” فمن الحزب المعارض الرئيس داخل البرلمان الى قيادة الحكومة فى الدورة الثانية للانتخابات ليحكم منفردا (1950-1960) و كانت هذه هى المرة الاولى فى تاريخ الجمهورية ان تحكم الدولة بحزب غير حزب اتاتورك. و يتحول حزب الشعب الجمهورى الى المعارضة.
و قد عمل الحزب الديمقراطى على اعطا المزيد من الحريات لا سيما فى مجال المعتقدات الدينية كما فتح الباب امام نوع من التعليم الدينى فى المدارس النظامية الامر الذى اثار حفيظة الحزب الجمهورى المعارض و الذى عمل على تهيئة المناخ امام انقلاب عسكرى بما قاموا به من مشاكل فى المدن الكبرى. لاسيما بعد اللجنة التى كونها المجلس فى التتحقيق فى المجموعات التى تشجع على الكراهية و اشاعة الفوضى و الانقسامات فى صفوف المواطنين و التى كانت ايدى حزب الشعب الجمهورى بينة فيها.
الانقلاب الاول على الديمقراطية (1960- 1965):
حكومة الاتحاد القومى MBK
لاسباب متعددة ادى الامر لانفجار الخلاف بين المعارضة و الحزب الحاكم كانت نتائجه بعض المظاهرات المختلفة فى استانبول و انقرة الامر الذى ادى لتدخل الجيش و الذى اعلن قائده انذاك البارسلان تركش فى يوم 27 مايو 1960 ان الجيش قد سيطر على مقاليد ادارة البلاد. نتيجة لذلك شكلت محاكمات قضت باعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس و الحكم بالمؤبد على رئيس الجمهورية جمال بيار .
وبدأت الحكومة العسكرية بعض الاجراءات فى تغيير الدستور ليتوافق مع عدم الانقلاب على افكار اتاتورك. كما قاموا بالتعديل فى كثير من القوانيين التى تقيد الانفتاح الاقتصادى.
و كان من اهم اهداف حكومة الاتحاد القومى العمل على حل المشاكل بالمبادئ التى جاء بها اتاتورك و ابعاد و اقصاء ما خرج الى الوجود من مظاهر الرجعية. و من ثم عمد رئيس الجمهورية البارسلان الى ضرورةتتحويل الحكومة بعد هذه الاصلاحات الى الحكم المدنى الديمقراطى.
أقام الانقلابيون بعد اعدام مندريس انتخابات شكلية في 15/10/1961، فنال حزب الشعب بقيادة انيــنو 173 مقعداً 36.7% ونال حزب العدالة بقيادة سـليمان ديميريل 158 مقعداً 34.7% ونال حزب تركيا الجديدة 65 مقــعداً، ونال حزب الفلاحــين الجمهوري 54 مقعداً.وبانتخاب صُوري اصبح الجنرال جمال غورسيل رئيساً للجــمهورية في 27/10/1961، مثلما أصبح انينو رئيساً للوزارة الائتلافية بعد الاتفاق مع سليمان ديميريل رئيس حزب العدالة، ففشلت الوزارة واستقالت في 1962. وشكل انينو حكومة ائتلافية مع حزب الفلاحين الجمهوري.
محاولة انقلابية فاشلة 1963:
وساءت الاحوال فقام الكولونيل طلعت آيدمير بمحاولة انقلابية فاشلة سنة 1963 أدت الى اعدامه سنة 1964، وساءت الاحوال، واجريت الانتخابات النيابية سنة 1965 ففاز حزب العدالة بقيادة ديميريل بغالبية 53% من مقاعد البرلمان، وشكل ديميريل الحكومة من حزبه وأصبح حزب الشعب في خانة المعارضة.
انقلاب عام 1971:
مات الرئيس جمال غورسيل سنة 1966، فانتخب رئيس الاركان جودت صوناي رئيساً للجمهورية، وحصلت الانتخابات سنة 1969 ففاز حزب العدالة وفشل حزب الشعب فحرك انصاره من العسكر فاستولوا على السلطة في 21/3/1971. وبعد ان خلت الساحة لحزب الشعب أعلن عن اجراء الانتخابات في اكتوبر سنة 1973.
انتخابات عام 1973:
نال حزب الشعب بزعامة بولنت اجاويد 158 مقعداً، وحزب العدالة بزعامة ديميريل 149 مقعداً، وحزب السلامة الوطني بزعامة نجم الدين ارباكان 48 مقعداً، والحزب الديموقراطي بزعامة بوظبيلي 45 مقعداً، وحزب الثقة بزعامة تورخان فيضي أوغلي 13 مقعداً، والمرشحون المستقلون ٦ مقاعد، وحــزب العمل القومي بزعـامة الطوراني ألب أرسلان توركش ٣ مقاعد، وحزب الوحدة العلوي مقعداً. وشكل رئيس حزب الشعب أجاويد حكومة ائتلافية بالاشتراك مع حزب السلامة بقيادة البروفسور نجم الدين ارباكان في كانون الثاني “يناير” سنة 1974 واستمر ذلك الائتلاف حتى 18/9/1974 حين قدم أجاويد استقالته التي قُبلت بعد ستة أشهر، وحلت محل حكومته حكومة ائتلافية برئاسة رئيس حزب العدالة سليمان ديميريل وضم الائتلاف حزبي السلامة والعمل القومي، فاستمرت حتى أجريت الانتخابات النيابية في ٥/٥/1977. فاز حزب الشعب الذي أيده الشيوعيون العلمانيون بـ 213 مقعداً، وتلاه حزب العدالة 189 مقعداً، وحزب السلامة 24 مقعداً، وحزب العمل القومي 16 مقعداً، وحزب الثقة ٣ مقاعد، والحزب الديموقراطي مقعد واحد، ونال المستقلون ٤ مقاعد.وقام أجاويد بتشكيل وزارة من نواب حزب الشعب فقط فلم تنل وزارته ثقة المجلس الوطني “البرلمان” فقدم استقالته جزاء فشله. وشكل ديميريل حكومة من ائتلافه السابق استمرت حتى شهر ديسمبر 1977، ثم استقالت. وفي يناي 1978 شكل اجاويد وزارة ائتلافية مع الحزب الديموقراطي، وحزب الثقة، والنواب المستقلين، وايده عشرة نواب من حزب العدالة ممن ينتسبون الى التيار المؤيد للعلمانية من ابناء المناطق الشرقية.وهكذا حصلت وزارة أجاويد على ثقة المجلس بأكثرية 231 صوتاً، وعارضه 129 نائباً، ومارست الوزارة اعمالها بطريقة متدنية للغاية، فاستقال عشرة وزراء من الحكومة التي استمرت على رغم الخلل وبقي أجاويد في الحكم، ثم حصلت الانتخابات الفرعية في ديسمبر سنة 1979.وجرت تلك الانتخابات لاملاء ٥ مقاعد نيابية فاز بها حزب العدالة و٣٣ مقعداً في مجلس الشيوخ ايضاً.وهُزِم حزب الشعب في الانتخابات، وتفوق عليه حزب العدالة، فشكل ديميريل حكومة من حزبه فقط ومنحه الثقة نواب السلامة والعمل القومي.

انقلاب كنعان افرين 1980:
بعد الفشل الذي جناه حزب الشعب لم يبق أمامه سوى التآمر مع العسكر لقلب نظام الحكم، وقاموا بالانقلب 12/9/1980 بقيادة الباشا كنعان افرين، الذي علق الدستور واعلن الاحكام العرفية في تركيا بعدما انتهت فترة رئاسة رئيس الجمهورية فخري كورتورك في ٦/٤/1980، وتولى الرئاسة بالوكالة رئيس مجلس الشيوخ احسان صبري جاغلايان، وعجز المجلس الوطني عن انتخاب رئيس جمهورية جديد بسبب ضغوط العسكر وفتن حزب الشعب وانصاره.
وبعد الانقلاب حُكمت البلاد حكماً عسكرياً ثم اصبح قائد الانقلاب كنعان افرين رئيساً للجمهورية. أصبح افلاس العلمانيين وعلى رأسهم حزب الشعب أمراً ملموساً، وصار فشلهم الانتخابي من الامور الحتمية، لهذا اتخذت المؤسسة العسكرية قراراً بتعليق نشاط الاحزاب ثم حلها، واصدر العسكريون ما سمي “قانون الاحزاب السياسية” في 24/4/1983، وبعده صدر قانون الانتخابات في 13/6/1983، وكان العسكريون قد أصدروا دستوراً جديداً في 12/9/1982، منح بموجبه رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة لم يتمتع بها أي رئيس جمهورية تركية قبل ذلك، وتضمن دستور 1982 نصاً صريحاً في المادة 13 على حظر الاحزاب الدينية والفاشية والاشتراكية، وبذلك تم حظر الاحزاب المناوئة لحزب الشعب والعلمانية، وجاء في المادة 96 من قانون الاحزاب ما يحظر استخدام مصطلحات “الشيوعية والفوضوية والاشتراكية والفاشية والقومية، والدين والعرق، واللغة والطائفة والمذهب” أو اي كلمات تعطي معاني مشابهة. وهكذا حلت احزاب المعارضة. هكذا تكونت الخريطة التركية جغرافياً وسكانياً ودينياً ومذهبياً وحزبياً. و نجد ان اوروبا قد دعمت الحكومة التركية ايضا على هذا الاساس فقبلت تركيا في الاتحاد الجمركي الاوروبي، وهذا ما اعتبره انصار التغريب نصراً.
فترة تورغت اوزال 1983:
و هي فترة حكم حزب الوطن الأم بزعامة تورغوت أوزال الذى صبغ الزعيم تورغوت أوزال هذه المرحلة بلون خاص حيث حوّل تركيا الى النهج اللبرالي في مختلف القطاعات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و سياسات التعليم و الاعلام و غيرها . و تورغوت أوزال يصنّف اسلاميا لبراليا حيث نشأ في عائلة كردية ذات تربية صوفية نقشبندية الأمر الذي ساعده في استقطاب العديد من هذه الجماعات حيث أسس حزب الوطن الأم في مايو 1983 ليحصل على الأغلبية المطلقة في انتخابات نوفمبر من العام نفسه، و يتسلّم السلطة من الجنرالات الانقلابيين. و نجح في تحقيق توازن بين حكومته و مراكز النفوذ في الدولة من القيادات العسكرية أو المؤسسات الكمالية نتيجة خبرته الطويلة في وظائف الدولة و البنك الدولي. و هذه الفترة عمقت الديمقراطية فى تركيا و قللت من خطر المفاجات الانقلابية. فنشط في عهده التعليم الديني و انتظمت معاهد الأئمة و الخطباء و الكليات الشرعية و سمح لطلاب المعاهد الدينية لأول مرة بالالتحاق بكليات الشرطة و الاكاديميات العسكرية، و كذلك فتح عهد تورغوت أوزال الذي الباب امام المصارف الاسلامية و ظهرت مجموعات اقتصادية تابعة لجماعات دينية مختلفة استثمرت في مجالات التجارة و الصناعة و الصحة و الاعلام و التعليم
و على اساس دستور 1982 جات الانتخابات في 24/12/ 1995 و التى جاءت بحزب الرفاه و حليفه الطريق القويم الى السلطة ليصبح الزعيم الاسلامى نجم الدين اربكان رئيسا للوزراء الامر الذى اغضب العلمانيين و دعاهم الى تحريك الازرع العسكرية ضد الحكومة المنتخبة.
احداث فبراير 1986(الانقلاب على الاسلاميين):
فاستخدم قانون 1982 بتفسير مواده على اساس ان اربكان يسعى الى تطبيق الشريعة و اعادة النظام الرجعى فحظر الحزب و ادخل اربكان و كبار معاونيه الى السجن و كذلك رئيس الوزراء الحالى رجب طيب اردغان و الذى منع حتى من ممارسة السياسة.
و بحظر حزب الرفاه و طرد بعض نوابه من البرلمان عهد بامر الحكم الى الحزب الثالث حزب اليسار الديمقراطى بزعامة اجاويد و الذى شكل حكومة ائتلافية من عدد من الاحزاب كانت ضعيفة الا انها تقوت بالعمل العدائى تجاه مؤسسات المسلمين و التضييق عليهم يدعما العسكر فى ذلك بل و و جت الدعم العالمى باعتبار الاحداث فى الشرق الاوسط فقد اهدى لها تسليم قائد حزب العمل الكردستانى لتدخل بذلك الرصيد الى انتخابات 1999 ليفوز حزب اليسار الديمقراطى باعلى الاصوات يليه حزب الحركة القومية ثم حزب الوطن الام و يشكلوا حكومة ائتلافية بزعامة اجاويد.
و نتيجة للتردى الاقتصادى فى ظل هذه الحكومة و الكوارث التى تعرضت لها تركيا من الزالازل و من ثم الكارثة الاقتصادية التى عصفت بالقطاع الصناعى و اثرت حتى على مستوى المعيشة. تطلع المواطن الى حل يمكن ان يكون قد ذاق طعم نظافة يده و جديته فجاءت انتخابات 2003 بفوز حزب العدالة و التنمية الوليد و الذى اسسه رجب طيب اردوان و الذى كان رئيسا لبدية استانبول الكبرى فى عهد حكومة الرفاه و عبد الله غول و عدد من الاسلاميين الذين انفصلوا عن حزب السعادة الذى هوامتداد لحزب الرفاه و الفضيلة.
و فى هذه الفترة عمد رجب طيب الى تدعيم الديمقراطية و حقوق الانسان بالسعى فى الاصلاحات التى يطلبها الاتحاد الاوربى فى القانون و الدستور فكانت بردا على الديمقراطية فى تركيا و ان كان العسكر قد لوح بالعصا حينما اراد حزب العداتلة ان يختار رئيس الجمهورية من داخل البرلمان فتعالت اصوات العلمانيين و العسكر فاجابهم حزب العادالة و التنمية بانتخابات برلمانية جديدة كان فوزه فيها ساحقا فاختير لاول مرة رئيسا للجمهورية من الاسلاميين الذين لهم تاريخا مشهودا. الا ان ذلك لم يرضى اساطين العلمانية فعمدو االى اساليبهم القديمة و بداوا بتحريك بعض الفتن التى تقود الى انقلاب الا ان حزب العدالة و من يقف معه من الصف الوطنى كشفوا تللك الالاعيب و قدموا كل من يقوم على ذلك بالقرائن الى المحاكم. وربما انه فى تاريخ تركيا الحديث لاول مرة تحدث اعتقالات فى صفوف العسكر و دهاقين الادينية السياسية وبرز ذلك الغضب فى خطاب زعيم حزب الشعب الجمهورى و الصحف الا دينية و بعض قادة الجيش الا ان الامر كان قد استند على جوانب قانونية محكمة فاضرت الاصوات المناهضة ان تقلل من حدتها. الامر الذى دفع الى القول انه لاول مرة فى تاريخ تركيا الحديث يستطيع حزب ديمقراطى الاستفادة من القوانين فى تحجيم الجيش صاحب الزراع الاقوى فى التغيير السياسى فى تركيا.
الخاتمة:
بذلك يمكن القول ان تركيا و على مدى تاريخها الطويل و الذى شهد ادوارا مختلفة للحياة السياسية كان الجيش من المؤثرات الكبرى على الحياة السياسية وعلى الرغم من وجود الدستور و القوانين التى تؤطر للتداول السلمى للسلطة السياسية الا ان التاريخ السياسى التركى قد شهد العديد من الانقلابات العسكرية. و يمكن النظر لذلك باعتبار انها لم تستطيع ان ترسخ القيم الديمقراطية التى تجعل الاحتكام الى صوت الاغلبية امرا طبيعيا كما يحدث فى الدول الغربية بل نجد ان الغرب نفسه لم يكن يريد لتركيا الديمقراطية التى يمكن ان تجلب الموروث الثقافى للاتراك الى حياتهم العامة. كذلك لم يرد الغرب لتركيا ان تنهج كما هو الامر فى اوربا الشرقية فى مواصلة دور الحزب الشمولى الواحد باعتبار ان ذلك يؤدى الى التمدد الاشتراكى فى المنطقة و كان دور تركيا بعيد الحرب الباردة يتركز فى ايقاف المد الاشتراكى من التمدد شرقا. و بين هذا و ذاك كان هنالك ابقاءا للاسلام تحت السيطرة و الحفاظ على توازن المنطقة التى فيها اسرائيل من اخترامات قد تؤدى الى خلل فى تكوينها يكون فيه خطورة على بقاء اسرائيل. و بذلك و جد قادة الادينية السياسية و كبار رجال الجيش ان مصلحتهم فى بقاء هذه البوصلة فى الاتجاه الذى اريد لها و حددوا الخطوط الحمراء و طرق التدخل عند الحاجة للمحافظة على ذلك بل و المحافظة على استمرارية مصالحهم التى لا تنفصل عن الخط المرسوم لتركيا و التى قد تكون خطوط بعض الاحزاب الوطنية تتقاطع معها.
الا انه يمكن القول ان الانقلابات العسكرية فى تركيا تختلف عن بقية الانقلابات فى العالم الثالث باعتبار انها تاتى تحت غطاء صيانة الدستور و حماية مبادئ الجمهورية و القضاء على الفوضى التى تعصف بتلك المبادئ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.