السودان خيارات الوحدة و الانفصال

المــؤثــرات العســـكــريـــــة علــى العمـــلــيــــة الســياســية فــي الســـــودان
30 أغسطس، 2016
الآثار الاجتماعية لإنعدام الأمن الاقتصادي
30 أغسطس، 2016

دائرة العلوم السياسية
د. سراج الدين عبد الغفار عمر
سؤال الوحدة و الإنفصال – الابعاد التاريخية

مدخل:
قبل القرن التاسع عشر إتخذ الجنوب إتجاهاً مغايراً في تطوره العِرقي و السياسي عن شمال السُّودان ، مما كان له كبير الأثر في العلاقات بين الشمال و الجنوب عندما إتصلا ببعضهما البعض في القرن التاسع عشر .
الا أنه و بالرغم من هذا التطور المنفصل فإن الجانبين كما يقول محجوب الباشا لم يكونا على إنفصال تام بل أن بعض العلاقات قد جمعت بينهما قبل الغزو التركي في القرن التاسع عشر خاصة ما يسمى بمناطق التماس .
و بإستثناء هذه الاتصالات المحدودة فإن الجنوب ظل في مجمله و حتى منتصف القرن التاسع عشر خارج نطاق الطرق التجارية التي ربطت شمال السُّودان بالشرق الاوسط من جهة ، و بغرب أفريقيا من جهة أخرى.
وقد كان للعوائق الطبيعية التي تمثلت في المستنقعات وكثافة الامطار و صعوبة البيئة و إنتشار ذبابة التسي تسي ، دوراً سالباً في جعل الاتصال بين الشمال و الجنوب في حدود ضيقة للغاية. و بالتالي ظل الجنوب معزولاً عن العالم الخارجي بصورة شبه كاملة، و على الرغم من أن بعض المؤرخين يرون أن جزءاً من آثار حضارة مروي قد أٌكتشف في عدد من دول وسط أفريقيا إلا أنهم يرون أنها لم تصل الى هنالك عبر جنوب السُّودان ، و إنما بطرق أخرى تفادت بصورة كاملة منطقة المستنقعات.
و يقول ماكمايل في ذلك ” أنه لا توجد أي مؤشرات عن تأثر قبائل جنوب السُّودان بهذه الحضارة العظيمة ” . و يؤكد على ذلك فرانسيس دينق من أن الدينكا لا يذكرون الا لماما في رواياتهم الشفهية إتصالهم بالاجناس الأخرى قبل القرن التاسع عشر، و يسمون الجنس الذي إتصلوا به قبل ذلك التاريخ باسم” لويل ” و يشير الى أن الحفريات أثبتت أن ” اللويل ” ، كانوا مهرة في صناعة الخزف الا أنه لا يمكن القطع بأصول اللويل أو موطنهم الأصلي سواء كان في شمال السُّودان أو غير ذلك .
الا أن أهم الاتصالات التي حدثت بين الشمال و الجنوب قبل القرن التاسع عشر ، كانت بين مملكتي الشلك و الفونج ، فقد ظهرتا معاً الى الوجود في القرن السادس عشر . حيث برزت الأولى تحت قيادة القائد الاسطوري نيكانق ، و بسبب الحدود المشتركة بين المملكتين فقد نشأ تنافس تحول في بعض الاحيان الى عنف خاصة في المناطق الحدودية ، وقد شكل الشلك تهديداً مباشراً لمملكة الفونج بغاراتهم عبر النيل الابيض بين القرنين السابع عشر و التاسع عشر و تمكنوا في بعض الاحيان من السيطرة على مدينة ( أليس ) أحد أهم مدن المملكة و التي تقع في موقع مدينة الكوة الحالية .
و تذكر بعض الروايات التاريخية أن الفونج إستعانوا بالسلطان بادي أبو دقن ( 1614 – 1642) ضد الشلك ، الا أن العلاقة لم تكن عدوانية في كل الأوقات، إذ أنها شهدت فترات من السَّلام و التعاون خاصة عندما يواجه الجانبان عدواً خارجياً مشتركاً . كما و أن بعض الآراء تؤكد أن أصل الفونج يرجع الى قبائل الشلك ، و نسبة لما ذكره الرحالة اليهودي داؤود رويني من وصفه لسنار عام 1522م إذ ذكر أن ( الملك عمارة دنقس أسود بسط نفوذه على السُّود و البيض على السُّواء) .
خلاصة القول أن العلاقة في هذه الفترة كانت محدودة ولم تترك أثراً في التكوين العِرقي و السياسي بين جنوب و شمال السُّودان .
وتعتبر بداية القرن التاسع عشر عند وصول جيوش محمد على باشا فيما يُعرف بالعهد التركي – المصري سنة 1820م ، يعتبر التاريخ الحقيقي لاتصال الشمال بالجنوب بصورة إدارية ، كما أنه أيضا تاريخ خضوع الجنوب لأول مرة لحكومة مركزية إدارية واحدة بسطت نفوذها الاداري على جميع أرجاء السُّودان ، و إمتدت سيطرتها حتى بحيرة فكتوريا و بذلك فُتح الباب واسعاً امام المغامرين والمكتشفين و التجار والرحالة للوصول الى غابات الجنوب الممتدة. المصادر التاريخية أفاضت في الحديث عن هذه الفترة حتى لم تترك وقائعاً مثل وصول الانسة تيرين و والدتها و شقيقتها من هولندا الى غندكرو في عام 1861م ، و ذهاب الشاعر الأمريكي السياسي بيار تيلور في عام 1851م ، الى كاكا، بجانب إكتشافات كل من سبيك و جرانت بمساعدة الجمعية الجغرافية الملكية و لقائهما بصمويل بيكر و زوجته في غندكرو ، و الذين أنهت أكتشافاتهم أي ( سبيك و جرانت و بيكر ) الجدل حول منابع النيل تلك التي أثارت إهتمامات أوروبا خلال مئات الأعوام . إذ تجمعت جراء كشوفاتهم الكثير من المعلومات عن الجنوب .
ولكن ما يهمنا في هذه الفترة المعاملة السيئة التي لقيتها قبائل الجنوب من الحكم التركي بغرض إكراهها على الطاعة من حملات تأديبية وحشية ، شملت ضرب الزعماء ، و قتل الأبرياء و خطف الماشية و المحاصيل عنوةً هذه الظروف جعلت من الطبيعي أن يرحب الجنوبيون بالمهدي و ثورته ضد طغيان الحكم التركي المصري.
الأمر الذي نمى الشعور بالوحدة الوطنية و المصير المشترك و قوى أواصر الترابط بين الشمال و الجنوب ، مما حدا ببعض أبناء الجنوب للاشتراك مع المهدي في قتاله ضد النظام التركي – المصري .
ولكن كما أيدت بعض قبائل جنوب السُّودان الثورة المهدية مثل مجموعات الدينكا و النوير و الشلك و غيرها وقفت القبائل الإستوائية بشدة في وجه جيوش المهدية التي أرسلها الى المنطقة بقيادة الأمير عربي دفع الله مما جعله ينسحب من الرجاف سنة 1897م ، الشئ الذي مكن البلجيك من توطيد حكمهم في المنطقة التي عٌرفت فيما بعد بمنطقة اللادو . وبذلك لم تتمكن المهدية من بسط نفوذها على كل أرجاء الجنوب .
و إن لم تستطع المهدية من ذلك إلا أن ظلالها قد إمتدت على كثير من أجزو ربطته بالشمال في ظل إدارة مركزية واحدة ، و إنحسر في عهدها نشاط الجمعيات التبشيرية و خلقت نوعاً من الوحدة في السُّودان . لكن مع إنسحاب جيوش المهدية من الرجاف في 1897م ، وكرري 1898م ، عاد الجنوب الى سيرته الأولى و أضحى مصيره معلقاً بيد الجيوش الإستعمارية القادمة من أوروبا من جهة شمال القارة أو جنوبها. و بدخول الجيش الانجليزي المصري فُتحت صفحة جديدة في تاريخ جنوب السُّودان و علاقته بالشمال . و ذلك لأن الإستعمار كما هو معلوم يستخدم أساليب متعددة و مختلفة للوصول الى تحقيق أهدافه القريبة و البعيدة ، ومن هذه الأساليب السيطرة العسكرية و القمع و الإستقلال و نهب الثروات الطبيعية ،و تجزئة و تفتيت الوحدة الداخلية من خلال سياسة ( فرق تسد) و التلاعب بالحدود ، وتشجيع التبشير الغربي و الإستيطان الأجنبي و فرض لغة المستعمر و ثقافته على البلدان المستعمرة .
و لأن الإستعمار كان يخشى احتمال قيام وحدة قومية تنتظم البلدان المستعمرة إتبع سياسة التجزئة ولقد نال السُّودان نصيب الأسد من هذه السياسة . على النحو الذي جرى على مسرح الاحداث في السودان وتناولته مصادر الدراسات السودانية .

تقرير المصير : جدل الوحدة و الإنفصال بين الشمال و الجنوب
حُظيت جدلية الوحدة و الإنفصال بمناقشات و تجاذبات متعددة في أجندة القوى السُّودانية و الاطراف المعنية بالشأن السُّوداني ، فقد إحتلت هذه القضية أولوية متقدمة في مفكراتها.
و تُعد مسألة تقرير المصير واحدة من أكثر القضايا تعقيداً و إثارة للجدل في السُّودان . و ذلك بجانب القضايا الأخرى المتعلقة بها ، مثل اللامركزية السياسية و الحقوق الثقافية و القومية و العلاقات العِرقية .
إن مبدأ تقرير المصير الذي بدأ مفهوماً سياسياً قد أصبح قبل نهاية القرن الماضي حقاً كاملاً في القانون الدولي . و لقد كان هذا المبدأ من وراء تفكيك الأنظمة الإستعمارية و بروز عُدة دول جديدة في العالم . إلا أن المعايير القانونية لهذا المبدأ لم توضع في ما يتعلق بممارسة هذا الحق في الدول المستقلة ، لاسيما عندما ساد إتجاه فكرة الإنفصال . فالقانون الدولي لا يسمح نظرياً ولا عملياً بفكرة تقرير المصير الإنفصالي.
إذ أن القانون لم يستخلص بعد وسيلة لانفاذ تقرير المصير في أجزاء الدول المستقلة، تاركاً الأمر برمته للدول المستقلة لإستخلاص طرق الاجماع السياسي حول هذه القضية وفقاً لقوانينها المحلية الخاصة . ففي غياب المواد الخاصة في المعاهدات الدولية ، يكون حق تحديد الوحدة القطرية شأناً خاصاً بسيادة كل دولة فالقانون الدولي الوضعي لا يقر حقاً للمجموعات القومية من أن تفصل نفسها ضربة لازلب من الدولة التي تكون جزءاً منها لمجرد الرغبة في ذلك. وقد تم تطبيق هذا المبدأ على جزر الآلاند التي تقع على خليج بوثينا الذي يفصل بين السُّويد ، فنلندا ، و يبلغ عدد سكان هذه الجزر 25 ألف نسمة تقريباً في عام 1920م ، 97% سويديون ، و كانت هذه الجزر جزءاً من السُّويد حتى عام 1809م ، عندما أٌلحقت بروسيا و معها فلندا . و فيما بعد أصبحت كلتاهما جزءاً من فنلندا الكبرى . و بقيتا تحت الحكم الروسي حتى عام 1917م . ففي اكتوبر من ذلك العام ( 1917) لدى سقوط الحكومة الروسية المؤقتة , أعلنت فنلندا إستقلالها, و أعلنت أن جُزر الالاند محافظة تابعة لها . و في الوقت ذاته , أعلن سكان الجُزر رغبتهم في الانضمام , و الإتحاد مع السُّويديين تأسيساً على مبدأ تقرير المصير . وقد أشارت عُدة إستفتاءات غير رسمية الى أن الأغلبية الساحقة من سكان الجزر يؤدون ذلك و تم طرح الموضوع رسمياً لعناية عصبة الأمم . حيث رأت لجنة المقرريين التي كُونت للفصل أن الأمر لا يدع مجالاً لتقرير المصير .
فالبنسبة للجنة المقرريين أن دولة فنلندا الجديدة كانت إمتداداً لمنطقة فنلندا الحاكمة ذاتياً التي تضم جذر الالاند . وعليه فإن سكان هذه الجزر لم يكونوا – شعباً – ولكنهم يشكلون – أقلية – و أوضحت اللجنة أن الاقليات لا يمكن أن تعامل بذات الاسلوب الذي يعامل به – الشعب – وعلى الاخص لا يخول لهم المطالبة بأي حق لتقرير المصير .
وافق مجلس عصبة الامم على تقرير اللجنة و الحقه بقراره الذي إعترف بسيادة فنلندا على الجزر .
تغيرت وضعية تقرير المصير بشكل فجائي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية من مفهوم سياسي الى حق قانوني منذ عام 1945م ، الا أن هذا التدرج قد شوهه الإستقطاب الحاد للحرب الباردة و المصالح المتضاربة للدول الغربية في مجابهة العالم الثالث.
وفي خلال كتابة مسودة ميثاقين عالميين حول حقوق الانسان اقترح الإتحاد السُّوفيتي تضمين فقرة حول تقرير المصير في هذين الميثاقين . وقد عارضت ذلك الدول الغربية التي لها ممتلكات إستعمارية كبريطانيا و فرنسا و بلجيكا متعللة بأن تقرير المصير ليس حقاً قانونياً ، بقدر ما هو مبدأ سياسي غامض يمكن الحصول علية عبر الوسائل غير القانونية وهو غالبا ما يفضي للانفصال .
وفي عام 1952م لجأ الإتحاد السُّوفيتي للجمعية العامة مصحوباً بالدعم التلقائي من الدول الآسيوية و الأفريقية و دول أمريكا اللاتينية التي أكسبته نصراً عندما أصدرت الجمعية العامة القرار رقم ( 4 ) الذي إعترفت بموجبه بحق الشعوب و الأمم من تقرير المصير بإعتباره حقاً إنسانياً أساسياً ، كما ذهبت الى أن المواثيق الدولية حول حقوق الانسان يجب أن تتضمن فقرة حول تقرير المصير .
أخيراً تبلور حق تقرير المصير في صورته العالمية ليعني في إطار الإستقلال : ( تبقى الوحدات التي لا تمارس حكماً ذاتياً داخل حدودها الإستعمارية المرسومة) . في الدول المستقلة : ( يكون الحق للسيادة الشعبية و الحكومة النيابية . كما أن حق التكامل الإقليمي يقع داخل هذا المفهوم) .
كما إرتبط حق تقرير المصير تاريخياً في الدول الأفريقية بإزالة الإستعمار فقط، فقد أعلن ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1963م ، في مقدمته : ( إن على الدول الأعضاء أن تعزز و تصون إستقلالها الذي كسبته بمشقة ، و كذلك سيادتها و تكاملها الإقليمي .
حق تقرير المصير في المناطق لا تمارس حكماً ذاتياً :
صنفت الجمعية العامة المستعمرات بأنها مناطق لا تمارس حكماً ذاتياً، و ذلك برغم المعارضة الغربية ، تحت الفصل التاسع من ميثاق الأمم المتحدة ، حيث أعدت قائمة بهذه المناطق من قِبل الجمعية ، كما أرغمت المادة ( 73 ) من الميثاق الدول الحاكمة أن تضع بانتظام امام السكرتير العام معلومات حول الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و التعليمية لتلك المناطق . ومن ثم خولت شعوب المناطق التي لا تمارس حكماً ذاتياً بأن تمارس حق تقرير المصير بموجب قرارات الجمعية العامة 1514 ( 15) و 2625 (25 ). ففي حالة السُّودان و بحكم القانون الدولي فإن الشعب السُّوداني مثلاً مؤهل لممارسة حق تقرير المصير في إطار السُّودان المستقل الواحد ، كما حدث بالفعل ، و أن المجموعات داخل البلاد كالجنوبيين ليسو مخولين لممارسة حق تقرير المصير منفصلين ، الا في حالة التراضي ، فقد أجبرت الجمعية العامة في حالات كثيرة السلطة الحاكمة لرد قرار يسعى لفصل أجزاء من المنطقة التي تمارس حكماً ذاتياً و ذلك للحفاظ على التدامج الإقليمي لذلك الكيان.
لقد كان رفض الجمعية العامة قراراً لفرنسا يقضي بإجراء إستفتاء لسكان جزيرة مايوت ذات الأغلبية المسيحية للانفصال عن أرخبيل جزر القمر و غالبيته مسلمون الذي يضم جزر آنجوان و الكومورو الكبرى و ماهيلي مثالاً لما ذكرنا .
وقد كانت النتيجة أن قرر سكان جزيرة مايوت الانضمام لفرنسا نفسها على الا يكونوا جزءاً من جمهورية الكومورو المستقلة ، الأمر الذي حدا بالجمعية العامة أن تبطل قرار سكان الجزيرة و تطلب من فرنسا الانسحاب عنها فوراً بإعتبار أن مايوت جزءاً من جمهورية جزر القمر ( الكومورو المستقلة ) . القانون الدولي لا يمنع الإنفصال المتفق عليه إجماعاً كما قلنا من قبل ، هنالك أمثلة لذلك من القرن الماضي ، مثل إنفصال النرويج من السُّويد 1905م و ايسلاند من الدنمارك 1944م و السنغال من إتحاد مالي 1960م ، و جامايكا من إتحاد جزر الهند الغربية 1991م ، و سنغافورة من ماليزيا 1965م ، و أخيراً أرتيريا من أثيوبيا 1993م ، . كما أن القانون الدولي يسمح أيضا بتذويب الدولة الواحدة التي تتصدع و تختفي لتخلفها دول جديدة لا تزعم إحداها بوراثة الدولة الأم على المسرح الدولي ، و مثال لذلك الإتحاد السُّوفيتي السابق و جمهورية يوغسلافيا السابقة ، إذ ستتمتع الدول الوليدة بإعتراف الجمعية العامة بها و بعضوية الأمم المتحدة في حالتي الإنفصال و الاختفاء .
إضافة الى ذلك فإن القانون الدولي يفرض الإنفصال في حالة أن بعض سكان الدولة المستقلة ذات السيادة ليس لهم تمثيل في حكومة البلاد ، حيث ينص قرار الجمعية العامة 2625 (25) على أن الوحدة الإقليمية للدولة تعتمد على وجود دولة تمثل كل الشعب وألا يسمح لأولئك السكان الذين لا يجدون تمثيلاً في حكومة البلاد بالإنفصال هذا برغم الجدل الكبير حول مدى هذا الشكل من الإنفصال .
أن مجموعة من الدارسيين يؤيدون الرأي القائل بأن الاضطهاد يبرر الإنفصال بناءاً على هذه النظرية فإن القانون الدولي يقر بمجموعة معالجات تتراوح ما بين حماية حقوق الفرد الي حقوق الأقلية ، و إنتهاءاً بالإنفصال علاجاً جزرياً عندما يصبح أمر الحقوق شأناً دولياً . لكن محاولات عُدة لتعريف حجم الاضطهاد الذي يصبح كافياً لتقنيين الإنفصال ، كما أن معايير الاضطهاد التي تقنن الإنفصال يجب وضعها .
و حتى هذا التفسير الواسع لهذا الحق الجدلي في المطالبة بالإنفصال لا يبرر الإنفصال على أساس المعايير العِرقية ، التي لا يمكن إعتبارها أسباباً كافية للمجموعة العِرقية التي تريد حكماً ذاتياً هكذا .
وفي عام 1967م ، واجهت الجمعية العامة أولى دعوى انفصال على أساس نظرية الاضطهاد عندما أعلنت بيافرا إستقلالها عن الإتحاد النيجيري و طالبت بالاعتراف ، بعد أن أكدت أن حق تقرير المصير متاح لكل شعب يعاني ضيماً . لذا لها حق الإنفصال . و لكن الأمم المتحدة رفضت حجة بيافرا للاعتراف بها على أساس نظرية الاضطهاد و قبلت حجة نيجيريا . في أن حق تقرير المصير يعني ببساطة إزالة الإستعمار من المناطق التي لا تحكم ذاتياً.
إذن فالقانون الدولي لم يستخلص بعد وسيلة لانفاذ تقرير المصير في أجزاء الدول المستقلة ، تاركاً الأمر برمته للدول المعنية لإستخلاص طرق الاجماع السياسي حول هذه القضية وفقاً لقوانينها المحلية الخاصة . وكان على السُّودانيين أن يتمعنوا في ما حدث لكوسوفو بحسبانه إعلاناً أخيراً في الوضع الحالي للقانون الدولي . إذ أن جيش تحرير كوسوفو قد نجح في إستصراخ الآلة العسكرية لحلف – الناتو – لتسديد ضربات جوية ضد يوغسلافيا ، مما أدى للقذف الجوي المنظم على المنشأت المدنية و العسكرية ، على نطاق البلاد و لمدة سبعة و سبعيين يوماً متواصلة . و برغم هذا لم يستطيع حلف – الناتو – أن يفرض إرادته على يوغسلافيا ولا موافقته على إستقلال كوسوفو أو إنفصالها و في العاشر من يونيو 1999م ، وبعد تبني قرار مجلس الأمن رقم – 1244 – إستطاع الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبدان مليوزفتش أن يزهو يومها فخراً بأن الأمم المتحدة قد كفلت الوحدة القطرية للبلاد . و إن كانت يوغسلافيا التي ضمنت وحدتها القطرية الا أنها لا تستطيع أن تمارس سيادة على كوسوفو بعد هذا فالالبان إستطاعوا أن يحققوا حكماً ذاتياً ، الا أنهم لم يستطيعوا تحقيق هدفهم فقد صرح زعيمهم السياسي حاسم تازى بمرارة يوم 21 يونيو 1999م بان جيش كوسوفو لم يتنازل عن هدفه الرامي للإستقلال ، فالترتيبات التى انفذها قرار مجلس الامن رقم – 1244- قد خلقت وضعاً لم يرض الصرب او الالبان . فالصرب لن ينسوا الضربات الجوية العشوائية التى طالتهم ، كما ان الالبان لن ينسوا حملات التطهير العِرقى المكثفة التى شنتها اقسام الجيش اليوغسلافى والشرطة الصربية أثناء القصف . فلو ان الصرب والالبان إنصاعوا لصوت العقل ولجأوا الى الوفاق السياسي لما تسببوا في هذه الخسائر المأساوية في الارواح والممتلكات ولكسبوا وأنجزوا أكثر مما جنوه الآن من خسائر .
فقد حاولت مجموعة الاتصال في مفاوضات رامبولين الحصول على موافقة يوغسلافيا لاجراء إستفتاء في المستقبل في كوسوفو لتحديد وضعها السياسى الحقيقي . ولو وافقت يوغسلافيا وقتها على ذلك لساهمت في تقطيع اوصالها بنفسها وهذا ما رفضت يوغسلافيا ان تقدم عليه ، وعندما تم الإتفاق على التسويه النهائية أسقط موضوع الإستفتاء . فالإنفصال يقتضى توافق رغبات الطرفين بحسبانه عملاً سياسياً يستند للاجماع الذي يقرر طبقاً للقانون المحلى لكل دولة وبانسجام مع الارادة السياسية الحرة لكل الاطراف .
واذا ما نظرنا الى واقعنا السياسي وفقاً لجدلية. تقرير المصير فإننا نجد ان الحياة السياسية في السُّودان قد إتخذت منعطفاً جديداً بعد توقيع إتفاقية فرانكفورث عام 1992م بعد أن كان التاريخ السياسي للسودان المستقل يسعى في إتجاه البحث عن دستور للبلاد فلقد كانت تلك الإتفاقية التى وقعها د.على الحاج نيابة عن حكومة السُّودان ود. لام أكول نيابة عن الحركة الشعبية لتحرير السُّودان اول آداة تؤكد على تقرير المصير بإعتباره حقاً للجنوبين.
وبرغم عدم وضعها موضع التنفيذ إلا انها نجحت بفضل تواؤم الآراء في خلق سلسلة من الترتيبات السياسية جعلت من مفهوم تقرير المصير موضوعاً أساسياً . فميثاق الخرطوم وإتفاقية الخرطوم للسلام وإتفاقية فشودة وإتفاقية كوكادام وإعلان اسمرا ونداء الوطن بجيبوتى وإعلان مبادرة الايقاد كلها الزمت القوى السياسية الجنوبية والشمالية بضمان تقرير المصير للجنوبيين.
واضحى واضحاً اليوم أن النضال السياسي والعسكرى في السُّودان بدا يتمحور حول هذا المفهوم الجديد.
ورغم أن خيار الإنفصال قد قالت به جميع هذه الإتفاقيات إلا أن الاحزاب الشمالية قد اكدت على ان الهدف الجوهري لتقرير المصير هو إضفاء الوحدوية على البلاد لكن الاحزاب الجنوبية تبدو منتبهة لعدم إسقاط خيار الإنفصال رغم انها لاتؤيده صراحة.
فمبدأ تقرير المصير لايبدو واضحاً في معناه ومداه ، رغم أنه يوضع على رأس الأجندة القومية السُّودانية . يؤكد على أن الاجماع هو الطريق الوحيد الذي يبقى لصياغة أمة واحدة ولمساعدة السُّودانيين على النهوض من تحت الرماد، هذا اذا وضحت الاوجه القانونيه والسياسية لهذا الموضوع بحيث لا يسهل نقضها ثانية. من الواضح ان كل القوى السياسية في السُّودان ، على الاقل غالب القوى السياسية قد وقعت إتفاقيات ثنائية أو متعددة من نوع أو آخر تعترف فيه بحق تقرير المصير بالنسبة للجنوب ويورد الدكتور بيتر نيوت كوت جدولاً يوضح فيه إلتزامات القوى السياسية المتعددة بحق تقرير المصير.
جدول رقم (1)يوضح إلتزامات القوى السياسية المتعددة بحق تقرير المصير :
ملاحظات المستفيدون المباشرون الاطراف او الموقعون اسم الإتفاقية التاريخ
لم يستخدم اصطلاح ( ح ت م) بوضوح ولكن الكلمات اشارات أنه المقصود
الجنوبيين الحركة الشعبية وفصيل الناصر و حكومة السُّودان د. لام أكول و د. على الحاج إتفاقية فرانكفورث 25 يناير 1992
سكان جنوب السُّودان داخل حدوده منذ1/1 1956 الحركة الشعبية والحركة الشعبية كما مثلها د. جون قرنق و د. ريال مشار بالتناوب
إعلان واشنطن اكتوبر 1993
اعد بواسطة اربعة أعضاء في لجنة ( الايقاد) للسلام في السُّودان سكان جنوب السُّودان وآخرين الحركة الشعبية و الحركة الشعبية المتحدة و حكومة السُّودان إعلان المبادئ
أشارة الفقرة الثالثة من الإعلان الى حق تقرير المصير 20 مايو 1994
رفضت ضم سكان جبال النوبه والانقسنا في مشاورات (ح ت م) السُّودانيون الحركة الشعبية و حزب الأمة إتفاقية شقدم وافقت على تقرير المصير لسكان جنوب السُّودان ديسمبر 1994
تعديل إتفاقية شقدم والتأكيد على وحدة السُّودان الشعب السُّودانى كل أطراف التجمع الوطني الديمقراطي المعارض و القوى السياسية إتفاقية اسمرا ديسمبر 1994
فعلاً تقدمت حركة إستقلال جنوب السُّودان الموجودة في الجنوب للانضمام للتجمع الديمقراطى المعارض لأن يدعم ( ح ت م) للجنوب . ولكن رفض الطلب الجنوبيين وكل السُّودانيين عشرة فصائل معارضه سياسية وشخصيات مستقله وطنيه إتفاقية اسمرا المتعلقة بالشئون المصيرية . تأكيد (ح ت م ) ، للجنوب ومده لسكان جبال النوبه والانقسنا اذا لم يتوفر الإتفاق على سودان موحد

يونيو1995
إجهاض هذه الإتفاقية هو درس في الاساليب المحبطة للإتفاقيات في السُّودان الجنوبيون ستة فصائل جنوبية وتشكيلات سياسية مع الحكومة السودانية إتفاقية الخرطوم للسلام الفصل السابع الفقرة 10تختص بممارسة (ح ت م ) بالنسبة لسكان جنوب السُّودان

21/ أبريل1997

الجنوبيون الحركة الشعبية الفصيل المتحد د/ لام اكول وحكومة السُّودان ممثله في نائب الرئيس آنذاك الزبير محمد صالح إتفاقية فشودة سبتمبر1997
اول إتفاقية ثنائية مع قائد شمالي يعترف بـ ( ح ت م ) للجنوبيين الجنوبيون حكومة السُّودان وحزب الامة إتفاقية جيبوتى 1999
النقطة الرابعة في (م ت ) عامة وإدانة الحكومة لمحاولة التنصل من التزاماتها تجاه هذا الحق في الإتفاقيات السابقة الجنوبيون ممثلو الحركة الشعبية ( باقان اموم وياسر عرمان ) وممثلا المؤتمر الشعبى الوطنى عمر الترابى والمحبوب عبد السلام مذكرة التفاهم (م ت ) بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبى (م ش) 20/2/2001
يقترح الإعلان أيضا إجراءات عاجلة لتوحيد الجبهه الداخلية الجنوبيون وسكان المناطق المهمشة الحركة الشعبية / الجيش الشعبي وقوة دفاع الشعب السُّودانى الموقعون هم د/ جون قرنق
ورياك مشار إعلان نيروبى 6يناير 2002
* يرمز لحق تقرير المصير في هذا الجدول بالأحرف ( ح ت م )
ونضيف الى ذلك توقيع الحكومة السُّودانية والحركة الشعبية لتحرير السُّودان على عملية تقرير المصير في اتفاقية نيفاشا .
واذا حاولنا إستعراض آراء القوى السياسية المختلفة بالسُّودان حول مفهومها لتقرير المصير ومآلاته في إطار جدل الوحدة والإنفصال نجد ذلك على النحو التالى:
الحكومة السُّودانية :
فحكومة السُّودان في عهد نظام الانقاذ التى وافقت على مبدأ تقرير المصير إبتداءاً من إتفاقية فرانكنفورث مع الحركة الشعبية – فصيل الناصر – في 25 يناير 1992م ، مروراً بإتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل 1997 ، مع سته فصائل جنوبية التى اطلقت على نفسها ( جبهة الانقاذ) واخيراً مع الحركة الشعبية – الفصيل الرئيس – في نيفاشا في 2005م،
ترى الحكومة إن تقرير المصير هو حقاً سياسياً لحل المشكلة ويجب أن يفضى في نهاية المطاف الى وحدة طوعية بين الشمال والجنوب.وفي أدبياتها المنشورة عرّفت حكومة السُّودان حق تقرير المصير كما جاء في القانون الدولى ، وأشارت الى أن حالة التحرير من الإستعمار لا تنطبق على جنوب السُّودان باى حال من الاحوال ، كما أن وصف شعب مضطهد ومحروم من المشاركة في السلطة لا ينطبق أيضا ، وتأسيساً على ذلك فإن تقرير المصير المذكور في الدستور ينبغى ان يفهم على أنه اعطاء الجنوب وضعاً مميزاً في نظام الحكم بحيث يرتضى ذلك الوضع أبناء الجنوب من خلال إستفتاء عام . فالموقف الذي تراه الحكومة منشوراً في كتيب مطبوع هو أن يفضى تقرير المصير الى ( الوحدة من خلال صيغة تضمن عدالة توزيع السلطة والثروة ومرعاة الخصوصية الثقافية والدينية للجنوب )

الحركة الشعبية لتحرير السُّودان :
الحركة الشعبية الفصيل الرئيس ظلت هى الأخرى في مأزق بالنظر الى موضوع حق تقرير المصير لجنوب السُّودان فمن المؤكد انها بدأت في العام 1983م ، بالتزام صارم بسودان موحد ،جديد ، إشتراكى وديمقراطى . لكن بعد سقوط نظام منقستو في إثيوبيا برزت التناقضات الداخلية في الحركة للمقدمة ، احد اهم هذه النتائج كان الانتشار والافصاح العلنى للاجندة الإنفصالية والتحريرية. داخل الحركة الشعبية نفسها مما ادى في نهاية المطاف لانشقاق الناصر الشهير على نحو ما ورد في تلك الفترة . مما جعل الحركة تؤكد في مؤتمرها الوطنى الاول 1994م على الاتى:
(1- 2-7) (إن هدف الحركة الشعبية لتحرير السُّودان هو التدمير الكامل للنظام القهرى للسودان القديم وبناء سودان جديد علمانى ، ديمقراطى) عادل وحر.
( 2- 2-7) تلتزم الحركة الشعبية لتحرير السُّودان بالقتال للحصول على حق تقرير المصير لسكان السُّودان الجديد بعد إنهيار حكم السُّودان القديم أو في أى محادثات سلام مع الحكومة القائمة آنذاك في الخرطوم .
فيما بعد أصبح مطلب تقرير المصير يتم طرحه في كل مداولات الحركة الشعبية مع الأطراف الأخرى على نحو ماذكرناه آنفاً ، الا أن معظم المحللين و الخبراء لم يستطيعوا القطع بتحديد وجهة جون قرنق زعيم الحركة الشعبية ، بصورة نهائية فتارة يطالب بما يسمى ” السُّودان الجديد ” في إطار من الوحدة الإقليمية للبلاد ، و أخرى يؤيد فيدرالية تضمن له هيمنته على الجنوب، و ثالثة يدعم فكرة الكونفدرالية ، و رابعة يتمسك بحق تقرير المصير و قبول نتيجته التي من الراجح أن تفضي الى الإنفصال و بطريقته المعروفة في المراوغة السياسية . كان خطابه السياسي يتلون بمختلف ألوان الطيف السياسي وفقاً للدائرة التي يتحدث اليها أو يتناقش معها .
ويؤكد على ذات المعنى د. بيتر نيوت كوت عندما يتحدث من أن بعضاً من كبار قادة الحركة الشعبية كانوا يتحفظون عند الحديث العلني عن حق تقرير المصير لسكان الجنوب . وفي بعض المنابر خصوصاً في مصر و ليبيا ، كان هؤلاء القادة يتفادون تأكيد مرجعية حق تقرير المصير . و أن تأيدهم للمبادرة المصرية ، الليبية المشتركة في سبتمبر 2000م ، و التي حذفت بوضوح أية إشارة الى حق تقرير المصير للجنوب و إقامة حكم علماني في السُّودان ، يمكن النظر اليها كأسلوب تجنب تكتيكي .
فيما يؤكد البعض أن جون قرنق ينتسب للمدرسة التي تؤيد السُّودان الموحد الذي تهيمن عليه القوى المتآلفة من الافارقة . لكن الجنوبيين يعولون على إلتزاماته المكتوبة والشفهية لتقرير المصير ، ويلزمونه بالتمسك بها . فعند هؤلاء أن معركة قرنق في السُّودان ليست معركة جنوب وإنما هى معركة هوية تتدثر بالمناطق المهمشة و الاثنيات غير العربية متمنطقة ظاهرياً لسودان جديد و شعارات علمانية و ديمقراطية و إشتراكية ، حيث تنبه الى ذلك السيد بونا ملوال أحد أبرز المثقفين الجنوبيين الى أن قرنق يقود الجنوبيين الى معركة لا تتصل دوافعها بالجنوب و مشكلته بقدر ما تستهدف التعلل و التزرع بالجنوب لتغيير نظام الحكم و الهوية في الشمال . طالب بونا ملوال بالتوجه مباشرة الى ممارسة حق تقرير المصير و الإستقلال و ذلك في افتتاحية في مجلة ( سودان ديمقراتيك غازيت ) لشهر يونيو 2000م في لندن . و كان بونا ملوال في السابق قد طرح تعايش الشمال و الجنوب ضمن نظامين في دولة واحدة في كتابه ( الشعب و السلطة في السُّودان ) الصادر في العام 1981م .
اما موقف قرنق الحقيقي من نظامين في دولة واحدة أو الكونفدرالية فهو في نظر هؤلاء موقف تكتيكي يأتي على هامش مناوراته لغرض سودانه الجديد ، حيث سبق لقرنق أن مد حدود خريطة الجنوب الجغرافية الى مناطق شمالية حتى خط عرض 13 شمالاً ، وصعد من مطالبته بتقرير المصير الى مناطق الانقسنا و أبيي و جبال النوبا و دفع اليها بقواته حتى إضطر نظام الانقاذ لأن يعقد معه إتفاق وقف اطلاق النار في جبال النوبا تحت إشراف أمريكي – سويسري في بلدة بورغستوك في سويسرا بتاريخ 19 يناير 2002م، كما إنتزع إعتراف التجمع الوطني الديمقراطي السُّوداني المعارض بادخال أي المناطق الثلاثة في حق تقرير المصير و ذلك فيما عٌرف بمؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا بتاريخ 23 يونيو 1995م .
توجهات الحركة بعد نيفاشا:
تجدر الاشارة الى أن آخر محاضرة عامة قدمها د. جون قرنق في واشنطن عندما استضافته الجامعة الامريكية بواشنطن مساء الاحد الخامس من يونيو 2005 ابرزت خطاباً سياسياً متزناً اتسم بالواقعية و احتفى بالسلام و اكتسى بمفردات التصالح ونبذ الحرب و تضميض الجراحات حيث خاطب طبيعة المرحلة و تحدياتها و التطلعات المترجاه من انفاذ اتفاق السلام وبيّن مكاسب الجنوب من الاتفاقية و التي حصرها في النقاط التالية :
أ. اكبر انجاز حققته الاتفاقية لجنوب السودان هو حق تقرير المصير حيث وضع ذلك الحق تحدياً للحكومة و للنخبة في الشمال، وهى انها اذا ارادت ان تحافظ على وحدة السودان لابد ان تجعلها وحدة جاذبة وذلك بتطبيق الاتفاقية و تأسيس سودان المساواة و العدل و اعطاء الجنوبيين حقوقهم و الا فإنه بعد ست سنوات سيجد الجنوبيون أن الانفصال هو الخيار الأمثل إذا شعروا بانهم ما زالوا يرزحون تحت الظلم و التهميش و الاحساس بأنهم مواطنين من الدرجة الثانية .
ب. تحديد الحدود الفاصلة بين الشمال و الجنوب وذلك لأول مرة في تاريخ السودان.(1)
ج. سيمتلك جنوب السودان بموجب احكام الاتفاق سلطات حقيقية لأول مرة في التاريخ ولن يكون الجنوب تحت رحمة النوايا الطيبة لحكام الشمال. إذ ستدار البلاد على اساس دولة بنظامين هذا فضلاً عن أن رئيس حكومة الجنوب نائب رئيس الحكومة الاتحادية .
د. وجود جيش مستقل لجنوب السودان باعتباره ضمانة رادعة ضد الاخلال بالاتفاقية
هـ. وجود مصادر و مواردمستقلة لجنوب السودان حيث تتوفر له اربعة مصادر للتمويل وهى :
1. 50% من موارد البترول المنتج في الجنوب
2. 50% من العوائد غير البترولية
3. العائدات الضريبية التي تفرضها حكومة الجنوب
4. الدعم الدولي
و. سيشارك الجنوب ولأول مرة في الحكومة المركزية مشاركة فاعلة من خلال 10 وزراء اتحاديين و 11 وزير دولة سيتم التوزيع على اسس قطاعية ( 3 وزارات سيادية ، 3 وزارات اقتصادية ، 4 وزارات خدمية )
شهدت علاقات الحركة بشريكها المؤتمر الوطني عمليات شد وجذب كان التلويح بالانفصال هو العصا التي ترفعها الحركة حتى بلغت ذروتها عندما نسب الى الفريق سلفاكير تصريحه المشهور عندما خاطب المصلين في كنيسة جوبا في نوفمبر 2009 م :” إن مهمتي تقضي بقيادتكم الى استفتاء 2011م إن هذا اليوم قريب جداً ، و أنا على ثقة بأننا سنشارك فيه ” و أضاف مخاطباً المواطن الجنوبي ” عندما تصل صندوق الاقتراع سيكون الخيار خيارك هل تريد التصويت للوحدة لتصبح مواطنا من الدرجة الثانية في بلدك ؟ الخيار خيارك” و تابع ” إذا اردت التصويت للاستقلال فستصبح عندئذٍ شخصاً حراً في بلد مستقل سيكون الخيار خيارك وسنحترم خيار الشعب”
ويرى ادوارد لينو ان سلفاكير يعكس ما يدور في اذهان الجنوبيين الآن ، ومضى أنهم يرون أن الاوضاع الحالية صالحة للانفصال أكثر من أي شئ آخر ، بينما يرى فرانسيس دينق أن الانفصال قد لا ينهي بالضرورة أزمة الهوية الوطنية للجنوب ويطالب بالوحدة و الحفاظ على الهوية .
فيما يرى المراقبون للسياسة السودانية أن الحركة و قادتها غيروا من لهجتهم الانفصالية بعد الاتفاق الذي تم مع الشريك الآخر و الذي بموجبه تمت اجازت قوانين الاستفتاء و قانون أبيي وغيرها من القوانين التي كان مختلفاً حولها مؤخراً.
فيما يؤكد البعض أن هذا موقفاً تكتيكياً للحركة وليس تحولاً في موقفها تجاه الوحدة بدليل أنها اخذت من المؤتمر الوطني ما تريد فيما يتعلق بالقوانين التي تساهم في عملية الانفصال في اشارة الى قانون الاستفتاء الذي يسمح للجنوبيين بتقرير مصير الوحدة و الانفصال بنسبة ضئيلة ( 50+1) و تعسفها في مشاركة ابناء الجنوب النازحين بشمال السودان .
الممارسة العملية للحركة تؤكد توجهها الانفصالي وكان آخرها عدم سماحها لطلاب الولايات الجنوبية بالمشاركة في الدورة المدرسية المقامة خلال هذا الشهر بالفاشر عاصمة ولاية شمال دار فور
رحيل جون قرنق وأثره على الوحدة و الانفصال
اشار تقرير مجموعة الازمات الدولية الصادر في 9 أغسطس 2005م الى أن الحركة الشعبية فقدت الزعيم و المنظر الذي تفاوض على الكثير من بنود اتفاقية السلام الشامل وكان يتمتع بمنزلة فريدة في اوساط الشماليين كسياسي قومي ، و يتمتع أيضاً بالمعرفة و بالنفوذ الادبي للتفاوض المباشر مع النظام . ونظراً للقرارات الكبيرة التي لم تنجز بعد وللسلطات الكبيرة التي آلت الى الرئاسة هناك شك كبير عما إذا كان سلفاكير أو أي مسئول آخر في الحركة سيكون قادراً على الاستمرار في حراسة وتنفيذ اتفاقية السلام دون تعقيدات .
يبيّن التقرير الى أن تأييد قرنق ” لسودان جديد ” موحد مؤسس على المساواة و العلمانية و الديمقراطية – واحداً من أعظم الثروات القومية في مقارنة حادة مع المطالبة الواسعة النطاق بالاستقلال بين غالبية الجنوبيين بما فيها الحركة الشعبية .
شهادات قرنق كوحدوي منحته مصداقية فريدة لتطمين السياسيين الشماليين من ان وحدة طوعية كانت ممكنة اذا تم اصلاح حكم الخرطوم وفي نفس الوقت تؤمن وتؤيد حق تقرير المصير في الجنوب . في هذه المسالة الحاسمة فإن قرنق ببساطة لا يمكن ان يحل محله أي شخص آخر.
يُنظر الى سلفاكير كانفصالي مع انه منذ ترقيته اعلن تأييده لاحتمال سودان موحد. عُدة قياديين بارزين في الحركة من امثال باقان اموم و نيال دينق نيال ودينق الور يتمتعون بصلات قوية مع الشمال و التجمع الديمقراطي وكما قرنق يعتبرون كلهم وحدويين ولكن تعوزهم الشرعية القومية التي كان يتمتع بها الزعيم الراحل.
اجتاز قرنق الجنوب و ساعد في تسويق الحركة الشعبية على المستوى القومي بتوقيع اتفاقية السلام الشامل وتحويل الحركة الشعبية لحزب سياسي. ولكن بعد رحيله تم تمييع الحماس للقومية السودانية وعاد مفهوم ان الحركة الشعبية انما هي حركة سياسية جنوبية بالدرجة الاولى ، وهو اتجاه يبدو انه قد تأكد بتكتيكاتها في أواخر مراحل مفاوضات السلام وما يجري على الساحة السودانية اليوم ، واصبحت الحركة الشعبية في وضع صعب بين منح اولوياتها للوحدة ام الانفصال.
فجون قرنق و الذي كان سقف طموحاته الشخصية يتجاوز الجنوب للتطلع الى حكم السودان الموحد كان يمكن ان يرجح كفة الوحدة ، لكن من المؤكد أن طموحات قادة الحركة الحاليين لا يتجاوز سقفها عاصمة الجنوب ، بدليل ان النائب الاول لرئيس الجمهورية لم يقم بزيارة أي من الولايات الشمالية عدا المناطق الثلاثة المشمولة باتفاقية نيفاشا كما انه يقضي معظم وقته بجنوب السودان ، ولم تبرز للحركة أي مساهمة جوهرية في القضايا القومية الاقتصادية منها و الأجتماعية عدا الجدل السياسي حول القوانين . مما يؤكد حقيقة ان الحركة الشعبية حسمت أمرها واختارت خيار الانفصال .

التجمع الوطني الديمقراطي :
إن التجمع الوطني الديمقراطي الذي ضم قوى المعارضة السودانية الشمالية من قبل برئاسة مولانا محمد عثمان الميرغني ، مثله مثل القوى السياسية السُّودانية الأخرى ، أقر بتقرير المصير بالنسبة لجنوب السُّودان في إطار إيجاد حل لهذه القضية و وقع ، في هذا الشأن إتفاقية أسمرا المعروفة بمؤتمر القضايا المصيرية ، إضافة الى إتفاقيات ثنائية لبعض أحزابه مثل حزب الأمة قبل الإنفصال عن التجمع عندما أقر ذلك في شقدوم على النحو الذي ذكرنا. ومن السخرية بمكان أن الموضوع الرئيس الذي تتفق عليه القوى السياسية الان هو حق تقرير المصير ، والذي يفضل غالبية تلك القوى بتأخيره الى أجل غير مسمى في الوقت نفسه . لكن بعض الأخوة الجنوبيين ينظرون الى قبول أحزاب التجمع بتقرير المصير لجنوب السُّودان ، جبال النوبا ، و الانقسنا في إستفتاء تحت إشراف دولي بعد فترة انتقالية لمدة أربعة سنوات بعد سقوط نظام الانقاذ ، كأمر تكتيكي أملته ضرورة النضال المشترك مع الحركة الشعبية و أن تلك الأحزاب من الممكن أن تنكص عن هذه الوثيقة حال الوصول الى السلطة في الخرطوم ، نتيجة لموقف آخر غير الذي خطط له في إعلان اسمرا ” . و في ذلك يقول بيتر نيابا أحد قادة حركة التمرد و كتابها ، في كتابه (سياسات التحرير في جنوب السُّودان ، و جهة نظر داخلية) ، : ( يجب أن لا نستكين بحسبان أن الجلابة بمحض إرادتهم سوف يدعون الجنوبيين و شأنهم ، سيفعلون ذلك فقط عندما يتأكدون من أنهم لن يستطيعوا الاحتفاظ بالجنوب دون مجازفة . بفقدان السلطة في بقية الشمال ، يجب على الحركة الشعبية أن تكون مستعدة للقتال ضد حلفائها في التجمع الوطني الديمقراطي في أي وقت مستقبلاً ، و ما يجب عمله الان هو تهيئة عقول المواطنين لذلك الاحتمال ).
فهو يعتقد أن هذا الاحتمال نابع من أن الجبهة الإسلامية القومية ، الأمة ، الإتحاد الديمقراطي يمثلون المصالح السياسية – للجلابة – و أن إمكانية تحالفهم مرة أخرى وارد . لكنه ينظر من ناحية أخرى الى أن التجمع الوطني ليس منبراً مناسباً لقيام سودان علماني ، بل منبر ملائم للتجزئة السلمية وتكوين كيانين منفصلين ذوى سيادة ،مثل الذي حدث في تشيكوسلوفاكيا بعد إنهيار الإتحاد السُّوفيتى وتكوين جمهورية – الشيك ، وجمهورية – السلوفاك ، وان تحالف الحركة الشعبية يجب أن يٌبنى على أهداف واضحه ومقبولة لدى المواطنين في جنوب السُّودان .
الاحزاب الجنوبيين المكونه لجبهة الانقاذ:
إرتكزت القضية المحورية لهذه الأحزاب قبل تحالفها مع الحكومة السودانية علي أن خيارها الرئيس هو إنفصال الجنوب كما هو معلن في ادبياتها وتصريحات قادتها السياسيين ،حيث يقول السفير الأمريكي دونالد بيترسون أنه التقى في قرية تدعى (أولانق) برياك مشار وزملائه ( قبل عودة بعضهم للحركة الشعبية مرة أخرى) وأن مشار أوضح له أنهم في هذا الفصيل لن يتنازلوا عن الفصل التام لجنوب السودان عن شماله وأنه أوضح له أيضا إختلافه مع جون قرنق الذي يسعى-حسب تعبير مشار _الى مجرد تغييرات أساسية في العلاقة بين شطرى القطر ، كما أن أسس التسوية التي قامت عليها إتفاقية الخرطوم للسلام الموقعة مع هذه الأحزاب أقرت بحق الجنوب في تقرير مصيره بعد فترة إنتقالية مدتها أربعة سنوات ، و إن كانت هذه الأحزاب و الحكومة السودانية قالت بأن خيار الوحدة هو الأصل في الإتفاق ، إلا أن الانفصال خيار يظل وارداً إذا تم إستفتاء أبناء الجنوب .
على صعيد آخر نجد أن زعماء جبهة الانقاذ الذين انضموا الى المؤتمر الوطني ، تقترب آراؤهم بل تتطابق أحياناً مع الحكومة السُّودانية ، لعملية تقرير المصير ، حيث يشير د. رياك قاى كوك رئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية السابق في ورقته التى قدمها في مهرجان إستقلال السُّودان الذي اقيم بدبى في الفترة من 2- 8 فبراير 2003م ( ادى الفهم الخاطئ لمطلب الجنوب بالفيدرالية في السابق ، الى تعامل الحكومات الوطنية مع ملف الجنوب بحس أمنى وإعتٌبر مطلب الفيدرالية بمثابة الدعوة الى فصل الجنوب ، ولكن نظام الانقاذ إستطاع بعد منحه للفيدرالية بالجنوب أن يحقق رغبات أهله وبدلاً من أن يعزز ذلك دعوة الإنفصال وسط الجنوبيين ، أدى الى تمتين أواصر الوحدة الوطنية بين الجنوب والشمال بقسمة السلطة والثروة و الآن نلاحظ العديد من الدوائر ، تقع في نفس الخطأ الأول بإعتبار أن حق تقرير المصير دعوة للانفصال .
إن رفع الجنوب والحديث – لرياك قاى – لشعار حق تقرير المصير ، يأتى لتحقيق الوحدة الطوعية من خلال المشاركة الفعليه في إتخاذ هذا القرار ، وعدم الاحساس بالتغييب في هذا الأمر . ولعل ما تم إنجازه الان في إتجاه الوحدة ، مؤشر يستدعى المراهنة عليه ، فلأول مرة ينخرط الجنوبيون والشماليون في حزب واحد ( المؤتمر الوطنى ) بعد أن نبعت الثقه بينهم ، ففى السابق ، كان الجنوبيون في أحزاب جهوية خاصه مثل ( يوساب) وجبهة الجنوب والتجمع السياسي لجنوب السُّودان والشماليون كانوا في أحزابهم التى لا تستوعب المسيحيين مثل طائفة الانصار والختمية و الاخوان المسلمين .
ويؤكد د. رياك قاى أن إتجاه النازحين الجنوبين الى الشمال وليس الى كينيا أو يوغندا أو اثيوبيا يؤكد حقيقة عدم وجود مشكلات بين أبناء الجنوب و الشمال تستدعي الإنفصال ، و أن ما يحدث هو بفعل أيادى لا ترغب للسودان أن ينهض و يتطور . و خير دليل على السلام الاجتماعي الذي يٌعاش بين أبناء السُّودان ، إننا لم نسمع عن مشكلات تحدث بين الجنوبيين و الشماليين في المناطق التي نزحوا اليها ، بل يحسون أنهم جزء من المجتمع الجديد الذي إنتقلوا اليه .

آراء جنوبية و شمالية أخرى حول الموضوع :
فيما يلي نستعرض بعض آراء السياسيين الشماليين و الجنوبيين حول تقرير المصير و في هذا الإطار لابد أن نبدأ بأحد أهم السياسيين الجنوبيين الذي لعب دوراً هاما في إتفاقية أديس أبابا وهو السيد أبيل ألير . و الذي وجه رسالة مفتوحة في اكتوبر عام 1995م ، مع أربعة من رفقائه السياسيين الجنوبيين الى حكومة الانقاذ الوطني ، القوى السياسية السُّودانية ، القوات المسلحة و الحركة الشعبية لتحرير السُّودان ، و لخص رؤيته في أن :
1. تجتمع هذه القطاعات في مؤتمر دستوري لبحث الخيارات المناسبة لأنهاء الحرب في البلاد.
2. إقامة حكومة إنتقالية و وقف إطلاق النار
3. منح الجنوب حق تقرير المصير بعد إستفتاء عام .
4. الاشارة الى المناطق المهمشة ( أبيي و جنوب كردفان ) ثم قدم أبيل ألير مبادرة أخرى في يونيو 1999م ، تضمنت:
– ضرورة تحقيق السلام و المحافظة عليه
– حق تقرير المصير لجنوب السُّودان
– فترة إنتقالية مداها عامان بعدها يتم إجراء إستفتاء في جنوب السُّودان و أبيي ، و حدد الرقعة الجغرافية لجنوب السُّودان بأنها الأراضي الكائنة منذ 1يناير 1956م ، بالاضافة الى أبيي و أنقوك.
– تكوين إدارة إنتقالية في جنوب السُّودان يتم تشكيلها من قبل الحركة الشعبية فقط .
وقد ردت حكومة السُّودان على هذا المقترح في نقاط عٌدة أهمها :
– إن المشروع أكثر تشدداً من كل مقترحات الحركة الشعبية
– أن المشروع لم يقدم أي تصور لوحدة السُّودان .
كما إنتقد الإستاذ غازي سليمان المحامي طرح الإستاذ أبيل ألير قائلاً ( مؤسف جداً أن يطرح الأخ أبيل ألير البرنامج الذي يتم الترويج له الآن في الولايات المتحدة مما يمزق وحدة السُّودان ، إن الجنوب هو الضمان الوحيد لوحدة السُّودان و إذا إنفصل سوف تتحول بقية البلاد الى دويلات صغيرة .
الى ذلك فإن د. فرنسيس دينق السياسي الجنوبي و الذي شغل منصباً رفيعاً بالأمم المتحدة ممثلاً للأمين العام للنازحين في العالم ، يرى أن الحركات الجنوبية المتنوعة التي قادت الصراع في الجنوب ترى أن الشماليين يريدون أن يتولوا بأنفسهم مقاليد الأمور في الجنوب مما جعل الأغلبية من الجنوبيين يرون ان الإنفصال أصبح أمراً ضرورياً و حتمياً . مبيناً أن أهداف الحركة الشعبية لتحرير السُّودان الحالية . هي خيار الوحدة ، ولكن في ظل سودان جديد خالٍ من التفرقة أو العنصرية أو سيادة دين أو ثقافة. وأنه من خلال اختلاط العناصر الجنوبية وغير العربية بالشمال يحدث التماذج وتنتهي الفوراق ، ولن يحدث ذلك الا بالتفوق العسكري من قبل الحركة التي تعتقد أن التماذج والانصهار لا يمكن تحقيقها في فترة قصيرة . و أشار الى أن الناس يرون أن قيادات الحركة الشعبية تسعى لحرب طويلة الأمد مع أهداف خفية نحو الإنفصال مضيفاً أن الحقيقة في رأيه تكمن بين الاثنين ، و يضيف فرانسيس دينق أن الإنفصال و إن كان هو الخيار الأول للجنوبيين الا أنه لن يكون مقبولاً دولياً خصوصاً في أفريقيا . مما جعل الحركة الشعبية ترفع شعار القتال من أجل العدالة و المساواة و تحرير كل السُّودان وهو ما يفتح لها طريق القبول الدولي و الإقليمي . وهو هدف تكتيكي ، خاصة عندما تحالفت مع التجمع الوطني و ضمت بعض العناصر من القبائل الشمالية ، ولكن على صعيد الميدان وجد الجنود أنفسهم يحاربون من أجل أجندة أخرى هى الإنفصال . مضيفاً أن من بين الأثني عشراً قائداً في الحركة الشعبية الفصيل الرئيس نجد ثلاثة منهم وهم د. رياك مشار ، د. لام أكول و قوردن كونق قد أنفصلوا في أغسطس 1991م ، مطالبين بفصل الجنوب .
و يعتقد فرانسيس دينق أن رؤيته لحل المشكلة تتمثل في خيارين
الأول : التوافق و الوصول الى صيغة للتعايش يقبل بها الطرفين .
و الثانية : الإنفصال ثم محاولة العمل على مد جسور التواصل بين القطرين على أساس المصالح الاقتصادية و الأمن الإقليمي و العمل على بناء الثقة وفق أسس جديدة للتعاون لا تقوم على هيمنة طرف على الآخر .
ثم يأتي د. حيدر إبراهيم مدير مركز الدراسات السُّودانية ليصف حق تقرير المصير لجنوب السُّودان سواء المطروح من جانب الحكومة أو التجمع الوطني الديمقراطي بأنه إرتداد و رجعة عن الحقيقة الثابتة مشيراً الى أن العودة بعد أكثر من أربعين عاما من الإستقلال لمسألة تقرير المصير للجنوب ، تعتبر دليل عجز تتحمل مسئوليته كل القوى السياسية السُّودانية بلا إستثناء منذ الإستقلال حتى الآن . إن مبدأ تقرير المصير حق إنساني ولكن ينبغي أن يمارس في ظروف عادية ، لو كان قد مورس هذا الحق عام 1955م ، و لكان حينذاك الإنفصال أمراً طبيعياً و عادياً ، ولو كانت النتيجة حينذاك الإنفصال لكان السُّودان قد تجنب الكثير من الخسائر و الكوارث البشرية و المادية أما الآن فيعتبر جريمة يتحمل مسئوليتها الجميع ، و أتصور أن الطرفين سواء الحكومة أو الحركة في حالة إنهاك من تبعات الحرب ، و أن الإتفاق على حق تقرير المصير بينهما ، يمكن إعتباره إستراحة محاربيين أو فرصة لترتيب الأوراق و جزء من المناورات يقوم بها الطرفان و لكنها لعبة سياسية غير مأمونة .
و يضم عقد الرفض لتقرير المصير الدكتور عبد اللطيف البوني ، الذي يؤكد بعد أن إتفقت الحكومة و المعارضة الشمالية على خيار تقرير المصير بعد التضحيات الجسام التي قدمها الشمال في سبيل الوحدة مع الجنوب ، أصبح هنالك خيارين : إما أن يصر ( أي الشمال ) على الاحتفاظ بالجنوب و يدفع تلك الفاتورة الباهظة أنفساً و أموالاً ، أو أن يترك الجنوب و ينتظر مع الآخرين المخاطر المتوقعة فإنطبق عليه المثل ( خيار أم خير لا هو خير ولا الموت أخير) اما الشاعر الرقيق الناصري ، أبو آمنة حامد فيبدأ إعتراضه مخاطباً السُّودانيين بقوله : ( أسمعوا جيداً…. إن منح تقرير المصير للجنوب هو بداية تمزيق هذا الوطن ).
و يسلك ذات الطريق القطب الإتحادي أمين الربيع إذ يقول ، ( إن الحديث الذي يدور حول تقرير المصير للاخوة الجنوبيين سوف ينال من قدرات الأمة السُّودانية و يضعف رصيدها المقدس من العزة و السيادة و الكرامة الوطنية ، لأن دماء الالاف من الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الأرض و العِرض ، و أن كفاح الشعب السُّوداني و صبره و مثابرته على مدى أربعين عاما من الشدة و العذاب ، كل ذلك ما كان يكافأ بهذه النهاية الحزينة و ينتهي الى هذا الوضع الكئيب .. و يتساءل في نهاية حديثة المنشور لصحيفة الرأي العام السُّودانية – يا ترى هل هنالك فرصة لحل الأزمة برمتها حتى يسلم هذا الجيل من لعنة الاجيال القادمة و حساب التاريخ؟ .
و كان طرح الحركة الشعبية للكنفدرالية في مفاوضات نيروبي 1997م ، قد أزعج حليفها , التجمع الوطني الديمقراطي الذي أحس بدوره أن الطرح يحمل في داخله بذرة الإنفصال من العمل على تعزيز خيار الوحدة الوطنية ,وقد تجلى لامتعاض التجمع و رفضه لهذا الطرح من شتى التصريحات الصادرة من كبار أقطابه و أحزابه و كان أبرز ذلك ما جاء على لسان القطب الشمالي أحمد السيد حمد الذي أوضح أن ما أتى به قرنق الى إيقاد من طرح كنفدرالي ليس هو رأي المعارضة ، بل هو خروج على مقررات أسمرا و إتفاقيات المعارضة و التجمع يرفض تماما ” الكونفدرالية القائمة على نظام دولتين مستقلتين و نحن كإتحاديين أية خط بهذا المعنى مرفوض بالنسبة لنا ” .
أما حزب الأمة فيرى أيضا أن طرح الكونفدرالية يتعارض مع مقررات أسمرا 1995م ، في تحديد الحدود بين الشمال و الجنوب ، و يتعارض معها في المطالبة بذلك قبل تقرير المصير .
أما الإستاذ عبد الجليل النذير الكاروري الإسلامي البارز يذهب الى القول بأن ( الأفضل للإسلاميين أن يناقشوا أمر الجنوب بهدوء حتى إذا إختار تقرير مصيره بعيداً عن السُّودان الشمالي فلا نبكي عليه ، كما بكي العرب الأندلس بل أكثر ، و الأفضل للإسلاميين أن يقولوا أردنا أن نوقد شموع الهداية في الجنوب ، فإذا رفضها تلاميذ الكنائس و حرضوا أهلهم على رفضها و ساقوهم الى القتال فيكفي ما قدمه الإسلاميون من تضحيات .
و على ذات المنوال جاء طرح المهندس الطيب مصطفى وزير الدولة بوزارة الاعلام الذي يعد من أبرز المنادين و المطالبين بفصل الشمال عن الجنوب ، إذ يرى أن الفجوة بين الأثنين كبيرة ، معترفاً بأن هنالك إستعلاءاً عرقياً ولكنه على حد قوله موجود في كل العالم ، و إعتبر أن عناصر الوحدة بين الشمال و الجنوب ضعيفة ، و وصف الحديث عن ظلم الشمال للجنوب بأنه فرية .
إعتبر السيد الصادق المهدي في محاضرة القاها في الجامعة الأمريكية في القاهرة في 20 أبريل 1997م ، أن ” هنالك شروطاً لوحدة السُّودان ، و إذا قبلها الجميع ، فستكون للسودان عندئذ فرصة لبعض الوحدة ، محذراً من أن ” الحرب إذا إستمرت لوقت طويل فستؤدي الى تفكك السُّودان ، و إذا فشلنا ( في الوحدة) فسنواجه المصير المحتوم .. و عنده أن أية بديل سيكون أفضل من الحرب ” في إشارة الى الإنفصال .
فيما يعتقد د. فاروق كدودة القطب البارز في الحزب الشيوعي السُّوداني إن إنفصال الجنوب كارثة للجنوب و الشمال على السُّواء ، مشيراً الى أن مناطق التماس و الجنوب زاخرة بالمواد الطبيعية ، ففي حالة إنفصال الجنوب يفتقر للبنيات الأساسية و الموارد البشرية المدربة وهى ضرورية لإستقلال تلك الموارد و أفضل مثال على ذلك دولة نيجيريا فهي من أكبر الدول المنتجة للبترول لكنها من أفقر الدول الأفريقية نتيجة لعدم وجود متطلبات بما فيها القدرات البشرية .
و يشير د. غازي صلاح الدين عتباني مستشار رئيس الجمهورية للسلام في حوار له مع موقع ( Islamonline ) من أنهم ينظرون الى الإستفتاء حول تقرير المصير بعد الفترة الانتقالية المحددة بستة سنوات ، بإعتبار أنه تحدى للسودان و للإسلام بصفة عامة ، و قال ” إن الغرب حاول أن يدفع الجنوبيين الى فهم أن الإسلام يصادر حقوقهم و مهمتنا الآن أن نثبت لهم عكس ذلك . لأن الإسلام عندما إنتشر من الجزيرة العربية نظرت اليه الشعوب التي آمنت به فيما بعد مثل أمبراطوريات الروم و الفرس بإعتباره ديناً حررهم من العبودية ، و بالتالي فنحن نسعى خلال الفترة الانتقالية أن نرسخ هذه الصورة في ذهن أخواننا في الجنوب حتى يختاروا طوعاً الوحدة مع الشمال ” .
و أضاف د. غازي صلاح الدين في أول رد فعل حكومي على الدعوة لانفصال الشمال عن الجنوب التي دعا لها عدد من أبناء الشمال في الصحف السُّودانية مؤخراً ، دعا القوى الدولية و الجنوبية التي تعرقل مسيرة السلام الى عدم الإستخفاف بهذه الدعوة التي وصفها بأنها : تعبير عن ضيق الشمال للإستغلال المبالغ فيه لقضية الجنوب لاضعاف السُّودان ” و قال د. غازي أنه شخصياً لا يؤيد التيار الداعي لفصل الشمال لأنه يرى أن التسليم بهذه الدعوة تعبيراً عن الهزيمة .
كما دعا د. خالد المبارك الكاتب السُّوداني و الاكاديمي بالجامعات البريطانية في ندوة مركز دراسات السلام و التنمية بجامعة جوبا التي أقامها تحت عنوان ” السلام في السُّودان و مآلات تقرير المصير ” فقد دعا الى عدم الخلط بين أفكار اليمين المتطرف و الحكومة الأمريكية ، و طالب باحلال السلام بأية ثمن ” حتى و إن كان عبر تقرير المصير ” و توقع أن تؤدي ممارسته للانفصال .
فيما انتقد الإستاذ عبد الله دينق نيال القيادي الجنوبي بحزب المؤتمر الشعبي، الحديث عن فصل الشمال عن الجنوب و وصفه بالعاطفية ، مشيراً الى أن المجتمع السُّوداني ما يزال تحت التأسيس و أشار الى أن الوحدة ممكنة . داعياً لاتاحة الحرية و العدل قيماً تسود .
اما أنجلو بيدا أحد أبرز القيادة بجنوب السُّودان و نائب رئيس المجلس الوطني (البرلمان ) حالياً ، يشير الى أن طرح الإنفصال غير مقبول ، لأن المستعمر حسب رأيه إذا كان قد رأى فائدة من ذلك لفعله ، وهو في رأيه أي الإنفصال شئ سئ يجب الا يتحدث الناس عنه لأنه مثل من يقفز في النار ، و قال أن تقرير المصير عمل سياسي حيث أن الجنوب في سنة 1947م ، لم يطالب بالإنفصال بل كان يتحدث عن الفيدرالية ، و لكن ظهر حديث الإنفصال عندما رفض الشماليون إعطاء الجنوب حقوقه المتمثلة في الفيدرالية، مؤكداً أن خيار الإنفصال يجب أن يكون آخر الخيارات لأنه خيار الأقلية بالجنوب ، مشيراً الى أن مشاكل الجنوب تتمثل في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و المشاركة في السلطة
سخر استاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم الدكتور صفوت فانوس من خلال مداخلته في الندوة التي اقامتها صحيفة الراي العام في الاسبوع الاخير من العام 2005م . و التي استضافت فيها قادة الحركة الشعبية بعد رحيل قرنق و الذين أكدوا في تلك الندوة تمسكهم بخيار الوحدة : ( أظهر السادة المتحدثون من الحركة الشعبية حساسية ضد الانفصال ، ودافعوا عن الوحدة باعتبارها خيار الحركة ، لكن في النهاية فالحركة هى التي طلبت حق تقرير المصير ، وكما قال المصريون ” مافي ناس أدوهم حق تقرير المصير قالوا ما عايزين نفصل نفسنا ” ليست هناك سوابق تاريخية أن أية مجموعة اعطيت هذا الحق وتنازلت عنه ، وربما يكون المصريون يشيرون في ذلك لتجربة السودان الذي اعطى هذا الحق في السابق فاختار الشعب السوداني الانفصال ، القضية ليست عاطفية ، فحين تحصل أية مجموعة على حق تقرير المصير تضمن السيطرة على الدولة ، و الدولة هي العامل الأول و المهم في عملية توزيع الموارد فلماذا تتنازل أية مجموعة عن هذا الحق ؟).

الموقف الأمريكي :
جون دانفورث – بين الإنفصال و الوحدة:
يعرض السفير الأمريكي السابق في السُّودان دونالد بيترسون في كتابه السُّودان رؤية من الداخل ) الى حقيقة مهمة عن سياسة الولايات المتحدة تجاه أفريقية عموماً و السُّودان على وجه الخصوص إذ يقول ( قاد ضعف الاهتمام التاريخي تجاه أفريقية من قبل الرؤساء الأمريكيين ، الى إعطاء دور كبير للمختصين في الشئون الأفريقية في عملية رسم السياسة تجاهها و بخاصة أؤلئك العاملين في مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية ، بيد أن الرئيس و مستشاري الأمن القوميين كانوا يتطلعون في بعض المواقف و الأزمات بدور مباشر في رسم هذه السياسات خاصة في أيام الحرب الباردة ، أما الآن وقد إنتهت الحرب الباردة منذ عام 1990م ، فلم يعد لأمريكا أية إهتمام إستراتيجي بالسُّودان ( فيما عدا الاهتمام بالمعنى السلبي حيث مثل السُّودان وكراً للمنظمات الإرهابية الإسلامية حسبما ذكر السفير و نظراً لأن الاهتمامات لادارتي الرئيسين بوش الأب و كلنيتون كانت مركزة على مشاكل دولية أخرى ، أضطلع مكتب الشؤون الأفريقية بالدور الحاسم في وضع السياسات تجاه السُّودان ، كما أدت السفارة الأمريكية في الخرطوم دوراً هاما من خلال التحليلات و التوصيات التي كانت تبعث بها الى هناك .
على ضوء ذلك يعد تكليف مبعوث خاص للسودان من الرئيس الأمريكي تطوراً جديداً في سيإستها تجاه السُّودان ، وهو ما تلاحظه من خلال المفهوم الجديد للعلاقة بين البلدين و التي تطورت من سياسة الاحتواء الى سياسة فتح الباب و الحوار مع الحكومة القائمة ، وقد أحدث دانفورث بعد جولاته ثقباً في جدار هذه العلاقة ، من خلال إستعراضنا للتقرير و التداعيات التي أعقبته .
و الواقع أن التقرير جاء حصيلة للمناقشات التي أجراها جون دانفورث خلال زيارته للمنطقة في خضم إهتمام أمريكي واضح بالمسألة السُّودانية و الرغبة في الاطلاع على تفاصيلها الدقيقة عن كثب . بخلاف الرؤية السابقة التي كانت أثيرة في معظم الأحيان لتقدير بعض الهيئات و المنظمات التبشيرية و جماعات الضغط ، خاصة العاملة في مجال المساعدات الانسانية التي إنحازت مواقفها الى جانب الحركة الشعبية ، و قادت حملة تشهير على السُّودان في الحقل الانساني . لذلك حرصت الحكومة و المعارضة و غالبية القوي السُّودانية الأخرى على الحوار مع دانفورث ، وقد إستشفت بعض المصادر السُّودانية عدم إمتلاك واشنطون لرؤية محددة للتعامل مع السُّودان .
فقد أختلطت الملفات و تداخلت القضايا ، مما خلق نوعاً من الضباب ، الوضع الذي يفسر التذبذب في الاجندة الأمريكية خلال الفترة الماضية ، حيث كانت الرؤية الأمريكية السابقة تجنح الى إنفصال جنوب السُّودان و تكوين دولة مستقلة . و كان الخيار المفضل للخارجية الأمريكية على أقل تقدير هو إنشاء دولة – بنظامين – مصحوباً بنوع من الاشراف الدولي على الترتيبات . فالشاهد أن هنالك إهتمامات قوية متضاربة داخل واشنطن ، بعضها يهدف لتغيير إتجاه سياسة الولايات المتحدة كلية.
ففي تلك الفترة نجد أن لجنة واشنطن الخاصة بحرية الاديان ، قد عرضت تقريرها عن السُّودان يوم 29 أبريل 2002م متزامناً مع تقرير دانفورث في سلسله من التوصيات الشاملة الجافة والتى قدمت للدوائر المناهضة للحكومة السُّودانية في واشنطن ، وهذا قصد له أن يتزامن مع تقرير دانفورث حيث يقوم المعلقون بالنظر فيهما سوياً حيث أوصت لجنة حرية الاديان بان تتمسك الولايات المتحدة بإعلان مبادئ الايقاد مشتملاً حق تقرير المصير للجنوب ، وحذر تقرير الحكومة الأمريكية من أنها ستواجه تحدياً كبيراً في ترويج أيه تسوية مقترحه لهذه الدوائر لا تحمل في طياتها فقرة واضحة لتقرير المصير ، إذ أنها ستتهم ببيعها للجنوبيون مدى الحياة لدولة الشمال المهيمنة ، بإعتبارهم مواطنين درجة ثانيه ، الشئ الذي يجعلهم عرضة للإسترقاق والاسلمة ، وبهذا تكون قد اكملت صفقتها مع الخرطوم والقاهرة للمهام الإستراتيجية العظمى.
وسط هذه الاجواء قدم دانفورث تقريره ، والذي يهمنا فيه الفقرة المتعلقه براية حول الوحدة والإنفصال والتى جاءت تحت البند بـ – تقرير المصير – ( شهد الجنوبيون سوء المعاملة على أيدى الحكومات في الشمال بما فيها الاضطهاد العِرقي و الثقافي و الديني ، كما قيدت تلك الحكومات الإستفادة من الموارد القومية ، فأية إتفاقية سلام يجب أن تتعاطى مع الظلامات التى يعانيها الجنوبيون الذين طالبوا بحق تقرير المصير وسيلة لحماية أنفسهم ضد الاضطهاد ، ولكن هناك رؤى مختلفه عماذا يعنى بتقرير المصير في مستقبل السُّودان.
فالرأى القائل بان تقرير المصير يشمل خيار الإنفصال لهو راى مودع في إعلان مبادئ الايقاد ويؤيده كثير من السُّودانين ، وعلى أية حال ، فإن حكومة السُّودان ستقاوم الإنفصال بشدة وسيكون من الصعوبة البالغة تحقيقه ، لكن الرأى الأكثر جدوى وتفضيلاً كما أعتقد لتقرير المصير ، هو الذي يؤكد على حق شعب الجنوب في أن يعيشوا تحت ظل حكومة تحترم دينهم وثقافتهم ، فمثل هذا النظام يتطلب ضمانات داخلية وخارجية مشددة تجبر الحكومة على الالتزام بالعهود الواردة فى مفاوضات السلام ووضعها موضع التطبيق).
هاجمت العديد من الدوائر السياسية الجنوبية تقرير دانفورث لاعتراضه الواضح على فصل الجنوب فيما يتعلق بتقرير المصير ، وكشفت حركة التمرد عن جانب من هدفها في هذا السياق ، فقد أصدرت في الرابع من مايو 2002م بياناً وصفت فيه إستبعاد تقرير دانفورث لحق تقرير المصير بانه ( إهانه لكافة القوى السياسية السُّودانية ). وأضاف البيان أن المبعوث الأمريكي (تجاوز مهامه وفرض رؤاه على المتفاوضين ) والواضح أن تقرير دانفورث وضع الحكومة والمعارضة تقريباً في حرج حيث تزايدت في الاونة الاخيرة معالم تأييد حق تقرير المصير على نحو ماذكرناه آنفاً وبصورة غير مسبوقه تحت تفسيرات متباينه لهذا الشعار ، معظمها أكد أنه لا مفر من تطبيقه في السُّودان ، والمثير أن تقرير دانفورث إستبعد هذا الخيار تماما ، مما يطرح تساؤلات عدة بشأن طبيعة الحسابات التى فرضت على القوى السُّودانية تاييده سلفاً . في إعتقادى ان مجموعة من التقديرات السياسية والحزبية أسهمت بدورفاعل في زيادة الاجماع على خيار تقرير المصير ، في مقدمتها رغبة الحركة الشعبيةالتي تحالفت أو تحاورت مع غالبية القوى في تدشين هذا المطلب الذي وجد قبولاً باشكال و صور و أسانيد مختلفة .
و الحاصل أن إستبعاد شبح الإنفصال من تقرير دانفورث حقق هدفاً مهماً للحكومة السُّودانية في مجال الحفاظ على وحدة البلاد الإقليمية ، لكنه إنطوي على تكلفة سياسية عالية ، فأية إتفاق مع الحركة الشعبية بشأن مستقبل الجنوب يتضمن مشاركتها في الحكم ، على الخيار النهائي لشكل الوحدة الطوعية أو القسرية ، فإن الحكومة مطالبة بمجموعة من الضمانات كعاملٍ حاسمٍ في الوصول الى إتفاق سلام ناجح . كما أن التقرير إقترح آنذاك ( إنشاء لجنة خاصة ترفع تقريرها الى مجلس الأمن ) بمعنى أن هنالك قيوداً دولية تراقب أية إتفاق سياسي ، ( وهو ما حدث فيما بعد عند توقيع اتفاقية السلام الشامل ) ، و هى إشكالية كرست ملامح التدويل التي بدأت مع إتفاق حماية المدنيين في جبال النوبا الذي وُقع في مارس 2002م ، فمن الواضح أن الحكومة الأمريكية أصبحت الآن اللاعب رقم واحد في شأن القضية السُّودانية و التسوية المرتقبة ، وقد ظهرت ملامح ذلك في الضغط الذي مارسته على الحكومة و الحركة حتى تم توقيع إتفاقية ميشاكوس و نيفاشا و مابعدها من جولات متلاحقة تلت ذلك.
كما أن الأطراف الأخرى خاصة الأوروبية و دول الجوار و التي كانت تدعم رأي حركة التمرد و الأوساط الجنوبية الأخرى التي تفضل خيار الإنفصال ، عادت و غيرت من رأيها بعد تقرير دانفورث و أصبحت تتحدث ذات النغمة الداعية الى وحدة السُّودان .
حيث أبلغت بريطانيا عبر مبعوثها ألن قولتي هيئة قيادة التجمع المعارض ، مقترحاً يدعو لعقد مؤتمر الفرقاء السُّودانيين بحضور أطراف من الولايات المتحدة و دول أوروبا بعد الدمج بين مبادرتي الايقاد و المشتركة ، و دعا قولتي الذي إجتمع بهيئة القيادة في القاهرة أطراف النزاع لتجاوز عقبة تقرير المصير ، و عدم ربط إلتقاء الأطراف السُّودانية بالتوصل الى إتفاق بشأنها . و أكد قولتي حسب المصادر أن الجهد البريطاني يسير مهتدياً بتقرير جون دانفورث.
في ضوء المعطيات السابقة يمكن القول ، أن تقرير دانفورث يظل تقريراً سياسياً ليس من الضروري تطبيقه ، فقد تكون هناك حسابات أخرى داخل بعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة ، و المثير أنه يبدو متوافقاً في بعض أجزائه الظاهرة مع تقرير ، مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية في واشنطن الذي صدر في فبراير من عام 2001م ، لاسيما الشق النفطي و آليات الإستفادة منه و ملف الوحدة .. حيث أشار تقرير مركز الدراسات الي صيغة ( دولة واحدة و نظامين ) في السُّودان التي يمكن الوصول اليها من خلال القراءة المتأنية لبروتوكول ميشاكوس الذي وُقع في ذلك الوقت . إن هذا التقرير يؤكد إستمرار التباين بشأن وسائل التعامل مع الملف السُّوداني في الاداراة الأمريكية ، فعلى الرغم من إستبعاده لخيار الإنفصال الا أن بعض الأصوات اليمينية لم تتوقف عن المطالبة به . علاوة على أن زيادة أهمية النفط السُّوداني في التقرير تشير الى إحتمال ممارسة الشركات الأمريكية ضغوطاً جديدة لفتح الباب أمام إستثماراتها في السُّودان و إنهاء القطيعة الحالية .
وفي إطار الضغوط الأمريكية على السُّودان و دعم الجانب التفاوضي لحركة التمرد، و بضغط من الجماعات اليمينية أجاز مجلس النواب الأمريكي في سبتمبر 2002م ، قانوناً سمى ( قانون سلام السُّودان ) جاء بعد إسترداد القوات المسلحة لمدينة توريت ، إذ أن القانون يضع قيوداً على الحكومة السُّودانية ، إذا رأي الجانب الأمريكي أنها تعرقل المفاوضات فأصدر عليها حزمة من العقوبات من بينها خفض التمثيل الدبلوماسي ، منع السُّودان من إستخدام عائدات النفط ، في شراء السلاح ، فضلاً عن إصدار قرار من مجلس الأمن يحظر تصدير السلاح للخرطوم. الشئ الذي أعده المراقبون في إطار سياسة الجذرة و العصا. ولكن عندما تواصلت المباحثات فيما بعد على نحو ما جرى . أعلن السيد جفِ مللينغتون القائم بالاعمال الأمريكي لدى الخرطوم في فبراير 2003م ، أن هناك شعوراً حقيقياً لدى واشنطن و المجتمع الدولي ، بأن الطرفين الحكومة و الحركة – أكدا عزمهما على وقف القتال ، و الوصول الى تسوية عن طريق المفاوضات من جهته أكد روجر و ينتر نائب مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الذي زار الخرطوم في ذات التاريخ ، أن واشنطن غيرت سيإستها في السُّودان مع مجئ إدارة الرئيس جورج بوش لصالح تقديم العون و المساعدات للسودانيين في جميع أنحاء البلاد ، بعد ما كانت مقتصرة على المتاثرين بالحرب الأهلية في جنوب البلاد ، أو النازحين من الجنوبيين في شمال السُّودان . مشيراً الى أن الشأن السُّوداني مثّل أولوية لدى الرئيس بوش ، و مثار إهتمام شخصي بالنسبة له ، و إعتبر وينتر أنه ما من بلد آخر في أفريقيا يحظى بالاهتمام الذي يجده السُّودان لدى الأمريكيين ، وعزا هذا الاهتمام الذي وصفه بأنه ( مدهش ) ، الى أن السُّودان أكبر أقطار القارة الأفريقية ، و لإعتبارات إستراتيجية و للشراكة الاقتصادية المتوخاة ، و أضاف وينتر أن الاهتمام الأمريكي بالسُّودان ، و الذي وصفه أيضا بأنه ( فوق العادة)، يركز على قاعدة واسعة و قطاع عريض ، يشمل البيت الأبيض ، السُّود ، الجمهوريين ، و الديمقراطيين ، اللبراليين و اليمينيين المسيحيين و غيرهم ، معتبراً ان المحصلة النهائية للاهتمام الأمريكي بالسُّودان ، ستتعزز بتحقيق السلام ، و ستواصل واشنطن مساعداتها للبلاد و التي تعد الآن هى أكبر متلقٍ للمعونات التي تقدمها لأية بلد أفريقي ) . وقال أن واشنطن قدمت ما يربو على مليار و ثلاثمائة مليون دولار مساعدات إنسانية للسودان ( في إطار برنامج شريان الحياة ) منذ عام 1989م للمتأثرين بالحرب في جنوب البلاد ، وقدمت في العام الماضي وحده ( مائة و خمسة و خمسون مليون دولار ، صرفت 12 مليون دولار منها في شمال السُّودان .
تؤكد المصادر السياسية أن الولايات المتحدة الامريكية ابلغت الحركة الشعبية بواسطة مبعوثها الحالي قريشون انها مع وحدة السودان لان قيام دولة في الجنوب في الوقت الراهن تحيطه العديد من المخاطر ، كالصراع المتوقع بين مكوناته الداخلية و انعدام البنيات و المقومات الاساسية مما يجعلها عرضة لأن تكون افقر دولة في العالم .
وخلاصة القول فإن الموقف الأمريكي الحالي يخلص الى نتيجة مغايرة وهى أن إنفصال جنوب السُّودان لن يخدم المصالح الأمريكية في أفريقيا . و بخاصة في القرن الأفريقي و منطقة البحيرات . و ذلك للأسباب الآتية :
أ. تقتضي المصالح البترولية الأمريكية في السُّودان الإستقرار و الإطار الوحدوي للبلاد حيث أن :
– بترول السُّودان لا يوجد فقط في جنوب البلاد ، بل يحتوي الشمال و الشرق و الغرب على إحتياطي كبير ، ومن ثم تقتضي المصلحة الأمريكية التعامل مع السُّودان وحدة واحدة.
– تتجه الولايات المتحدة في الألفية الجديدة الى ربط بترول السُّودان بالبترول الموجود في غرب أفريقيا في تشاد و أنجولا و خليج غينيا . لتكون بذلك شبكة بترولية ضخمة تصل الى المحيط الأطلسي ، حيث يضخ مباشرة الى الولايات المتحدة ، مما يعد بديلاً مناسباً لبترول الشرق الأوسط و يجنبها خطر الاعتماد الكبير عليه ، و بما يحتويه من مشكلات سياسية و عسكرية و بيئية أصولية إسلامية تعتبرها الولايات المتحدة الخطر الأكبر على مصالحها حاليا. و نجاح هذه الخطة مرهون بوجود أنظمة قوية و مستقرة .
– وإنفصال الجنوب ، لا سيما إذا إنتقلت العدوى الى الدول المجاورة ، سيهدد المنطقة باضطرابات قد تؤدي الى التشرذم و تعوق السياسة الأمريكية . هذا بجانب المصالح الأمريكية الاقتصادية الأخرى غير البترول في منطقة البحيرات و القرن الأفريقي .
ب. إنفصال جنوب السُّودان سيؤدي غالباً الى أحد أمرين ،
– إما أن يتحالف الشمال المسلم مع مصر ، فيدعم بذلك الوضع الإقليمي المصري في أفريقيا و الشرق الأوسط .
– أو أن يصبح دولة أصولية في نظر أمريكا و بؤرة للتطرف الديني ، تهدد دول الشرق الأوسط و بعض الدول الأفريقية الشمالية و الشرقية ، و الحالتان تتناقضان مع الإستراتيجية الأمريكية و أهدافها في المنطقة.
وعلى الرغم من هذا المؤشر العام ، علينا أن نضع في إعتبارنا أن سيناريو الإنفصال ما زال وارداً ، فمن الصعوبة بمكان في العلاقات الدولية التكهن بمسار مستقبلي محدد ، فالمعطيات المتاحة تكون دائماً جزئية ، كما تتحرك الأحداث في حالة السُّودان على وجه الخصوص . و بسرعة كبيرة ، و المناورات السياسية للاطراف كثيراً ما تفاجئنا بمواقف جديدة ، قد تقلب الموازين ، هذا بالاضافة الى بعض الفصائل الجنوبية التي تريد الإنفصال و يؤيدها في ذلك بعض قوى المجتمع المدني في الولايات المتحدة و اليمين المتطرف في مجلس النواب.
على المستوى الإقليمي :
كما هو معلوم فمصر لها موقف رافض لمبدأ حق تقرير المصير للولايات الجنوبية ، و حججها في ذلك أن :
أولاً: تطبيق هذا المبدأ سيؤدي حتماً الى الإنفصال
وثانياً: ان الإنفصال إذا حدث سيهدد مباشرة تدفق مياه النيل الى مصر
ثالثاً : أن الشمال يمكن أن تتشكل فيه حكومة إسلامية أصولية لا تتفق و التوجهات المصرية في هذا الإطار .
من أجل ذلك وغيره فإن مصر إستشعرت الخطر الذي يشكله لها مبدأ تقرير المصير و ألقت بكل ثقلها الدبلوماسي على الصعيدين العالمي و العربي من أجل العمل على وحدة السُّودان ، مما أثار قدراً من الارتياح في أوساط الحكومة السُّودانية ، وكان للمشاركة النوعية و الواسعة للحكومة المصرية في احتفالات السُّودان بعيد إستقلاله السابع و الأربعيين . بوفد ضم أمين عام الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر و وزير الاعلام صفوت الشريف مع نخبة من أبرز القيادات السياسية بينهما د. على الدين هلال وزير الشباب و الرياضة و د. مصطفى الفقيه رئيس لجنة السياسة الخارجية بمجلس الشعب المصري و غيرهم ، ففي ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل حيث أُقيم الاحتفال أعلن رئيس الوفد أن مصر مع خيارات الشعب السُّوداني في شماله و جنوبه على درب الوحدة القومية و الإستقرار و السلام و التنمية ، و أن ما يجمعه و الشعب المصري من الأواصر و لحمة المصير الواحد أقوى و أكثر صموداً في مواجهة التحديات ، تلك كانت مؤشراً له دلالة على رغبة مصرية في تجاوز مرارات الماضي و فتح صفحة مستقبلية تحقق المصالح المشتركة .
كما تجلى ذلك في الموقف الذي إتخذته الجامعة العربية من دعم لوحدة السُّودان ، ليس بعيداً عن تحرك الدبلوماسية المصرية . و تجدر الاشارة هنا الى إيجابية تحرك الجامعة العربية الأخير نحو تفعيل صندوق تنمية جنوب السُّودان ، فلا شك أنه يشكل بداية طيبة لسياسة عربية نرجو أن تتحول الى إستراتيجية دائمة ، يكون هدفها على المدى الطويل الاهتمام بكل السُّودان . وكان السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية قد خاطب الاجتماع الافتتاحي المخصص لبحث تنمية جنوب السُّودان الذي دُعيت له مؤسسات التمويل العربية بمبادرة من الجامعة العربية ، قد أكد في فاتحة الاجتماع ( أن موضوع تنمية جنوب السُّودان ، هو مسئولية جماعية عربية للاسهام في تحقيق وحدة السُّودان ، وجعل وحدة التراب السُّوداني جذابة لجميع أبناء شعبه من منطلق المصلحة المشتركة . وقال أنه أوضح فيما سبق أن قدرات الحكومة السُّودانية بمفردها لا تمكنها من تنفيذ خطة لتنمية جنوب السُّودان لجعل الوحدة جذابة ، ومن ثم فإن موضوع التمويل العربي ما يزال جوهرياً من أجل المحافظة على الوحدة السُّودانية ، و أضاف موسى أن الاهتمام بالمسألة السُّودانية لتحقيق الوحدة هو نهج جديد للجامعة العربية في تناولها للقضايا الوطنية و المساعدة في علاج المشاكل بعيداً عن الشعارات التي أثرت سلباً على العمل العربي المشترك ).
تواصل اهتمام الجامعة العربية بدعم برنامج التنمية بالجنوب في إطار سعيها لعامل الوحدة جاذبة إذ دعت الى مؤتمر للمنظمات غير الحكومية العربية لمؤتمر عُقد بالخرطوم في الفترة من 8-9 مارس 2003م و أصدر إعلاناً أسماءه نداء الخرطوم طالب فيه المؤتمرين الدول العربية لإعفاء ديونها على السُّودان مع إنشاء محفظة لتمويل مشاريع المنظمات التطوعية العربية لتتمكن من إنفاذ برامج التنمية الاجتماعية التي تشكل حسب رأي المؤتمر عصب الاندماج و الوحدة الوطنية السُّودانية كما طالب الصناديق العربية للتنمية و البنوك بتوفير الدعم العاجل و اللازم لانجاح ذلك البرنامج .
الا أن جهود الجامعة العربية اصطدمت بالواقع السوداني المتمثل في تفجر قضية دارفور التي اصبحت القضية المحورية للتحرك العربي بصفة عامة و المصري بصفة خاصة ، وانزوت قضية الجنوب لتأتي في سلم الاولويات في المرتبة الثانية . و اعتقد أن مشكلة دار فور اثرت تأثيراً بالغاً حتى على الاجندة الوطنية التي تجعل من الوحدة جاذبة.
وعلى العصيد الإقليمي الأفريقي نجد أن دول الجوار ترى أن إنفصال الجنوب سيكون له أثراً سلبياً أيضا إذ سيشجع مجموعات كثيرة مماثلة في تلك الدول المجاورة مثل سكان شمال أوغندا و كينيا ، الصومال ، شرق الكنغو و شرق أثيوبيا ، و يضع سابقة خطيرة في القارة ضد مبادئ الإتحاد الأفريقي بجانب زيادة التوتر في المنطقة وهى تعاني أصلاً من عدم إستقرار يحاول قادة العالم . و من خلال الأمم المتحدة وضع حد له ، هذه الدول نفسها تعاني ذات المشكلات نفسها و هى التعددية العِرقية و الاجتماعية و الثقافية ، و غياب العدالة في توزيع الثروة و السلطة ، و التي وصلت أحياناً الى حد الحرب الأهلية كما يحدث الآن في الكونغو الديمقراطية ، إضافة الى الحالة اليوغندية و الاشتباكات المستمرة بين الحكومة و المعارضة ممثلة في جيش الرب في الشمال على الحدود السُّودانية ، بجانب اثيوبيا التي تعاني من تمرد الجماعات العِرقية خاصة الأورومو الذين يشكلون عُدة فصائل عسكرية تطالب بحقوقهم .
ومن ناحية أخرى قد يؤدي إنفصال الجنوب الى هجرة أعداد كبيرة من المواطنين نتيجة لعدم الإستقرار ، و في هذه الحالة ستتحمل دول الجوار الأفريقي ، أعباء إقتصادية إضافية ، علاوة على المشكلات الاجتماعية للمهاجرين . وقد صرح زعماء تلك الدول في أكثر من مناسبة أنهم مع وحدة السُّودان ومن ثم يمكن القول أن البيئة الإقليمية المحيطة بالسُّودان ، لاترى مصلحتها في إنفصال الجنوب ، و إن كان بعضها لا يود أن يرى السُّودان دولة قوية حتى لا يحدث ذلك خلل في توازن القوى بالإقليم .
هنالك أسئلة حتمية لا بد منها في خاتمة الإستطلاعات التي أوردناها للآراء المختلفة حول الوحدة و الإنفصال إذ يجب علينا أن ندرس و ندقق بعناية إن كان الإنفصال سيؤدي الى السلام و الإستقرار المطلوب ، و عما إذا كانت مشاكل الإنفصال أقل أم أكثر من المحافظة على الوحدة ؟ و أخيراً وهو الأهم – إن كان الإنفصال قابلاً للتطبيق من الناحية العملية .
يجب الدكتور كمال عالم في مقال له حول تقرير المصير ، إن هنالك أسباب كثيرة تجعل من الإنفصال عملية معقدة و غير عملية و ستؤدي الى خلق المشاكل أكثر من تقديم الحلول . كما أنها لن توصلنا الى السلام و الإستقرار المنشود و يمكننا أن نقسم ذلك الى عدة عوامل :
1. العوامل الديمغرافية :
– فالترابط و التداخل السكاني يعتبر أهم رابط للجنوب و الشمال و أية محاولة للفصل ستؤدي الى عواقب و خيمة ولن تسهم في إستقرار البلاد . فقبائل البقارة و بقية قبائل التماس من الرزيقات و المسيرية و الحوازمة مروراً بالصبحة و غيرهم أي من أقصى الغرب الى أقصى الشرق تمتلك الملايين من الأبقار و الضأن و الماعز و تأخذها في فصل الجفاف جنوباً بحثاً عن الكلا و الماء الى شمال بحر الغزال و أعالي النيل ، هذه الرحلة السنوية المعلومة تمثل بالنسبة لهذه القبائل و المجموعات مسألة حياة أو موت و أية محاولة لعرقلتها أو منعها ستؤدي حتماً الى نشوب نزاع مسلح بين الجانبين .
– النازحون الجنوبيون الذين يقدر عددهم بحوالي نصف مليون جنوبي في الشمال و في مناطق مختلفة من حلفا في الشمال و الى نيالا في الغرب و الروصيرص و بورتسودان و كسلا في الشرق و أواسط السُّودان ، فمن غير المتوقع اذا تم الانفصال رجوع كل هؤلاء الى الجنوب بل أن أفضل التقديرات ترجح ألا يرجع من هؤلاء إلا الثلث ، لأن معظمهم قد تم إندماجه في اقتصاد الشمال و يتطلب الأمر فقط مساعدتهم و تدريبهم لتحسين ظروف إستقرارهم ، فإذا حدث الإنفصال لن يقبل هؤلاء بالتحول الى لاجئين في دولة الشمال .
– كذلك هناك مخاوف حول سلامة و أمن الطرق القليلة التي تربط بين الشمال و الجنوب ، كما أن الجنوب ليس لديه القدرة على استيعاب تدفق اعداد كبيرة من العائدين اليه.
– هنالك حقيقة مهمة في الصراع الحالي ، فالنزاع لا يقتصر فقط على حرب بين الجيش السُّوداني و الحركة ، بل يوجد نزاع جنوبي – جنوبي كبير ، . و على الرغم من أن البعض يقلل من هذا الموضوع ، الا أن القبائل الجنوبية ترى أن قبيلة الدينكا تريد أن تكون لها السيادة على أرض الجنوب دون الآخرين الأمر الذي تقاومه القبائل الأخرى و خاصة قبائل النوير و الشلك و المنداري و التبوسا و الزاندي و بقية القبائل الإستوائية بصفة عامة ، و كيف أن هذه القبائل طالبت بالحاح بتقسيم الجنوب الى ثلاثة أقاليم لكسر هيمنة الدينكا في مطلع الثمانينييات .
– إن النزاع الجنوبي – الجنوبي من الخطورة بمكان لدرجة أن إحدى الدراسات تقدر أعداد الذين فقدوا حياتهم في النزاعات القبلية خلال الفترة من 1983م – 1993م ، يفوق عدد الذين فقدوا حياتهم في الحرب بين الجيش السُّوداني و الحركة .
– بل إن البعض يعتقد أن العديد من أبناء ” دينكا بور ” و ” كونقور” قد إنضموا في بداية التمرد في عام 1983م على أساس الحصول على السلاح لرد إعتداءات قبيلة ” المورلي ” حيث إمتص هذا الحشد أكثر من عشرة آلاف من شباب بور في مراكز تدريب الجيش الشعبي يومها ليس بقصد الأجندة القومية و لكن لتسوية الخلافات المحلية مع جيرانهم من المورلي أو النوير .
– تركت هذه الشروخ و غيرها من الأمثلة بصماتها على علاقة قبائل الجنوب و أصبحت هنالك العديد من الثارات التي إنتظر أصحابها الفرصة المواتية للتصفية.على نحو ما جرى على مسرح الاحداث في جنوب السودان خاصة في مناطق جونقلي و غيرها من اقتتال بين القبائل الجنوبية المختلفة ، مما حدا برئيس حكومة الجنوب سلفاكير ان يضع تحديات الامن الداخلي على رأس اولويات حكومته للعام 2010 .
الأمر الذي لا جدال فيه أن إنفصال الجنوب سيؤدي الى نزاع مستقبلي خطير . ومما يزيد الطين بله أن النفط يقع في منطقة قبيلة واحدة و هي النوير ، و قيل أن أحد قادة النوير حدث بعض أصدقائه أنه لا يصدق أن الدينكا و المندكورو يتنازعون حول بترول النوير.
2. العوامل الجغرافية و الاقتصادية :
الى جانب العوامل الديمغرافية هنالك عوامل جغرافية و إقتصادية تجعل من الإنفصال أمراً معقداً أيضا و غير عملي . فنهر النيل و روافده من العوامل الموحدة المهمة و في جانبي الحدود بين الشمال و الجنوب تقطن قبائل لا تتقيد بالحدود الجغرافية في ترحالها و في سبل كسب عيشها ، و من الصعب وضع حدود جغرافية فاصلة بين الإقليمين مع هذا التشابك السكاني مما سيؤدي الى نزاع حدودي من السهل أن يتطور الى نزاع مسلح جديد . إن محاولة ترسيم الحدود على أساس عرقي – على أقل تقدير – أمرغير مرغوب فيه ، وهو حتماً غير عملي.
ومن العوامل الاقتصادية المهمة النفط – فحقوله الحالية تقع في الجزء الجنوبي من الشمال و الجزء الشمالي من الجنوب ، بينما كل البنى التحتية في الشمال من خطوط الأنابيب الناقلة و المصفاة و خلافه . و يقدر إستنفاد الاحتياطات المؤكدة على أساس مستوى الانتاج الحالي في حوالي عشرة سنوات على أكثر تقدير مما يعني عدم جدوى أي إستثمارات إضافية في بنية تحتية جديدة ، خاصة و أن موقع الحقول يبعد كثيراً عن المنفذ البحري . كل هذه العوامل ينبغى أن تجعل من النفط عامل توحيد و ليس تفريق و الأجدى الإتفاق على تقسيمه بعدالة مثل الثروات الأخرى في البلاد بحيث تستفيد منه مناطق إنتاجه مع الحكومة الفيدرالية .
بجانب ذلك فإن الجنوب في حالة الإنفصال سيكون دولة مغلقة ليس لها منفذ بحري مطل على العالم و هى تقع في منطقة وسطى . مما يجعلها عُرضة للمساومات في إطار البحث عن ذلك المنفذ و تقع تحت رحمة من يوفر لها ذلك ، فخير لأهل الجنوب الوحدة مع الشمال وفقاً لمعطيات جديدة في العلاقة .
يتضح مما سبق أن الحقائق الديمغرافية و الجغرافية و الاقتصادية كلها عناصر توحيد و تجعل إنفصال الجنوب أمراً غير عملي على الاطلاق . هذا الى جانب ما سيخلفه من مشاكل إجتماعية و سياسية . كما أنه من الواضح أن الإنفصال سيؤدي الى خلق مشاكل أكثر مما يقدم لنا من حلول ، ولن يوصلنا حسب هذه المعطيات الى السلام و الإستقرار المنشود بل سيؤدي الى توسيع النزاع و نقله الى مناطق جديدة و بأجندة جديدة و مواجهات جديدة .
و بإستعراضنا للقانون الدولي و السُّوابق التاريخية لعملية تقرير المصير و قراءة واقع دول الجوار و الرأي الأمريكي بإعتباره رأياً محورياً في عالم ما بعد ” سبتمبر ” بالاضافة الى وجهات نظر السياسيين السُّودانين من أبناء الجنوب و الشمال و المواقف المعلنة للحكومة السُّودانية و الحركة الشعبية بفصائلها المختلفة .
و على الرغم من أن المعطيات الجغرافية و السياسية و الاقتصادية ترجح كفة الوحدة ، الا أن عملية انفصال الجنوب أمراً غير مستبعد ، فالشارع الجنوبي يطالب بحق تقرير المصير لأنه يرى أنه لم تتاح له فرصة الإختيار الحر ، من خلال المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار و لديه إحساس بأنه مغيب في هذا الأمر . هذا ينقلنا للسوال المهم ، إذا كان الإنفصال ليس حلاً كيف يمكن أن نجعل من حق تقرير المصير وسيلة لتحقيق العدل و التنمية للجنوب ؟.
الا أنه من الأهمية بمكان تبنى إستراتيجية لسودان يتحقق فيه العدل و المساواة بين المواطنين و تكون المواطنة هى الأساس في الحقوق الدستورية ، سودان تتحقق فيه الحرية و تبسط فيه قيم الشورى و الديمقراطية ، و تتحقق فيه المساواة بين مواطنيه بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية أو العِرقية أو الجغرافية أو الثقافية و تتوزع فيه السلطة و الثروة بعدالة بين أقاليمه المختلفة مع إعطاء الأقاليم الاقل نمواً حظاً أوفر في التنمية و يقر فيه بأن للجنوب وضعاً خاصاً.
إن متطلبات العولمة ومعطيات العصر و الواقع يفرض وضعاً جديداً يجب على الشعوب و الأمم تشكيل تكتلات وفضاءات بشرية ، تحمي بها مصالح واستراتيجيات هذه الشعوب في ظل حمى التكتلات الكبيرة التي تريد الهيمنة على كوكبنا وهذا يتطلب التكيف و التوليف بين مصالح الشعوب و الأمم مع بعضها البعض في بوتقة واحدة بمعطيات عصرية منصفة ، تجنب اصحابها التنافر و التناحر ويضمن لها الاستمرارية .
النخب السودانية التي ادمنت الفشل سوف تواصل هوايتها في الدولتين ولو انقسمت بشرعية جديدة ، فلذا يجب السعي لايجاد جيل جديد يؤمن بأسس ومبادئ المساواة و الاخاء ، قادر على بناء علاقات اجتماعية وثقافية متعايشة ، ادراك وفهم الاعتقاد و التدين بصورة مستنيرة في اطار الاحترام المتبادل ، كبح جماح المغامرين و مأرب الانفصاليين و يعمل الكل في فضاء السودان الموحد من اجل مستقبل افضل لأجيالنا.(1)

كلمة أخيرة :
قال الير لياك : ( عضو المجلس الوطني ) عبارة بليغة “نقتسم الوطن ولا نقسم الوطن

المصادر:
1. Ad-Dirdeiry Mohamed – Ahmed – Self – Determination – An Approach. For Building A Sudanese nation –Nairobi – January 2002 – p. 16
2. Dr. Peter Nyot kot – the politics of Self Determination in the Sudan (Between strategic admission and tactical Avoidance) p. 4-6
3. رئاسة الجمهورية – إستشارية السلام – الخطة العامة للسلام و الوحدة – مبادئ و موجهات ( 2002- 2005 ) كتيب منشور – 2002م ص ، 21
4. محمد أبو الفضل – مقالة صحفية – تقرير المبعوث الأمريكي للسودان – قراءة في المضمون و تحليل للنتائج – وكالة الاهرام للصحافة – نشر بترتيب مع صحيفة الرأي العام السُّودانية – بتاريخ 18مايو 2002- العدد ( 1707 )
5. محمد أبو القاسم حاج أحمد – مقالة – السُّودان مخطط قرنق الإستيلاء على الدولة وليس إستقلال الجنوب – مقال صحفي – الصحافي الدولي – 9 سبتمبر 2002م السنة الثالثة – العدد (862 )
6. P.A.Nyaba – the Politics of Liberation in South Sudan – An Insider’s View – Nairobi, Kenya – June 1997 – p. 176
7. Donald Petterson Inside Sudan – political Islam, conflict, and catastrophe- west view press – U. S. A. Colorado – 1999 – p. 53
8. ريال قاي كوك – تحديات السلام في السُّودان في ظل المتغيرات الدولية الراهنة – ورقة مقدمة لمهرجان إستقلال السُّودان بدبي – 2-8 فبراير 2003م – ص 3
9. الإستاذ بول دينق شول – جنوب السُّودان من دعوة الفيدرالية الى تقرير المصير – ورقة مقدمة الى ورشة عمل حول السلام في ظل المتغيرات الإقليمية الدولية – جامعة جوبا – مارس 2003م ص 2
10. الطيب مصطفى ،الى متى يظل جنوب السُّودان عائقاً امام إنطلاق الشمال مقال صحفي ، صحيفة ألوان – بتاريخ 24 يناير 2003م ، العدد ( 2379 )
11. عايدة العلي سرىّ الدين – السُّودان و النيل – بين مطرقة الإنفصال و السندان الاسرائيلي – دار الافاق الجديدة – بيروت – ط1 – 1998م ، ص 280
12. فاروق كدودة ، حوار صحفي ، صحيفة ألوان ، 22 فبراير 2003م ، العدد ( 2403 )
13. غازي صلاح الدين عتباني ، حوار صحفي ، صحيفة أخبار اليوم ، بتاريخ 22 فبراير 2003م ، العدد ( 3997 )
14. صحيفة الصحافي الدولي ، تصريح صحفي غازي صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية للسلام ، بتاريخ 20 يناير 2003م ، العدد ( 968 )
15. صحيفة الصحافي الدولي ، ” السلام في السُّودان و مآلات تقرير المصير ” ندوة مركز دراسات السلام و التنمية بجامعة جوبا ، تغطية صحفية ، بتاريخ 20 يناير 2003م ، العدد ( 968 )
16. أنجلو بيدا نائب رئيس المجلس الوطني ، ملف السُّودان ما بين الوحدة و الإنفصال ، حوار صحفي ، صحيفة ألوان – بتاريخ 20 يناير 2003م ، العدد (2375)
17. Francis M. Deng – War of Vision – Conflict of Identities in – the Sudan – the Brooking Intuition Washington, D.C.1995. p. 20
18. تقرير دانفورث الى جورج بوش – الصحافي الدولي 16 مايو 2002م ، السنة الثالثة ، العدد 766 – ترجمة سيف الدين عبد الحميد ، ص 3
19. لقاء مع غازي صلاح الدين عتباني مستشار رئيس الجمهورية للسلام – بمكتبه بالخرطوم – 1 مايو 2002م
20. قولتي يدعو التجمع لتجاوز عقبة تقرير المصير ، تصريحات صحفية ، صحيفة الرأي العام ، بتاريخ 29 مايو 2002م العدد ( 1718 )
21. واشنطن مرتاحة لمردود جهودها في قضيتي السلام و الاغاثة بالسُّودان تصريحات صحفية ، صحيفة الصحافي الدولي ، بتاريخ 24 فبراير 2003 ، العدد 992
22. إجلال رأفت (كاتب مصري ) ، حق تقرير المصير لجنوب السُّودان .. هل يعادل الإنفصال ، صحيفة الصحافي الدولي ، بتاريخ 26 يناير 2003م العدد 973 ( نقلاً عن الاهرام المصرية)
23. يوسف الشريف (كاتب مصري ) ، عودة الوعي المصري لأهمية السُّودان ، مقال صحفي ، الصحافي الدولي– بتاريخ 26 يناير 2003م العدد 973
24. إفتتاح إجتماعات الجامعة العربية بالقاهرة ،حول تنمية جنوب السودان ، خبر صحفي أخبار اليوم – بتاريخ 18 فبراير 2003م ، العدد ( 2993)
25. شارك الباحث في مداولات المؤتمر بصفته عضواً جاء ممثلاً لمنظمة العون الانساني و التنمية – أحد المؤسسات الطوعية العربية العاملة في جنوب السُّودان
26. صحيفة الرأي العام، مقال بقلم د.كمال عالم/ تقرير المصير : هو تطلع للعدالة والتنمية أم للانفصال، بتاريخ 19 فبراير 2003م العدد (1979م) ص 8.
27. The British – Sudan Public Affairs Council – The SPLA. Fit to Govern? School Of Oriental and African Studies – University Of London – 1998, P
28. لقاء مع السيد بول ليل – أمين عام الأنيانيا (2) السابق وأحد قيادات قبيلة النوير – الخرطوم- 3 مارس 2002م .
29. لقاء مع العميد كلمنت واني وزير التجارة بمجلس تنسيق الولايات الجنوبية زعيم قبيلة المنداري – الخرطوم – ديسمبر 2002م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.