الحكم الاتحادي( الفدرالي) واخماد الفتن الأثنية

تداعيات الأوضاع السياسية على الأمن الاقتصادي
30 أغسطس، 2016
النظام الاتحادي بين التماسك القومي والتفكيك الإقليمي الأطر النظرية وواقع الممارسة
30 أغسطس، 2016

الحكم الاتحادي( الفدرالي) واخماد الفتن الأثنية : إضاءة مقارنة لبعض التجارب العالمية والافادات المستخلصة منها:
أ.د. الهادي عبدالصمد
]أستاذ العلوم الادارية ، جامعة أم درمان الاسلامية
تمهيد:
الأثنية ظاهرة إنسانية لا يمكن التغافل عنها في حقل الدراساتالسياسية والادارية. ذلك لأنها ظاهرة الانتماء الى أصل”عرقي”Race فهي من مكونات المجتمعات البشرية ولا تخلو منها أية دولة مهما اتسمت بالقومية Nation –State ولعلنا لا نجد دولة ذات نقاء عرقي Ethnic Purity الا نادراً. والصورة المثلى لدولة تتسم بالتجانس العرقي لم تتحقق على أرض الواقع في عالمنا المعاصر، ما عدا استثناءات لا ترقى الى مستوى الدراسة المقارنة لقد كشفت الدراسات الحديثة أنه من بين 150 دولة مستقلة خضعت للدراسات المقارنة خلال الأعوام 1970-2000 لا توجد سوى 15 دولة تتمتع بالتجانس السكاني المطلق(1).
والسؤال الارتكازي هو: هل تشكل التعددية الأثنية خطراً ماحقاً على استقرار الدولة ومسارها التنموي؟؟ أم أن ظاهرة التعددية الأثنية يمكن تجاوزها ويمكن تاسيس الدولة على قاعدة المجتمع المتحد، المتماسك؟؟ وأيا كانت الإجابة كيف عالجت الدول المختلفة ظاهرة الأثنية في هيكلها السياسي والإداري وبنيتها الاقتصادية؟؟ لماذا نشأت صراعات دموية بين الكيانات الأثنية في دول كنا نحسبها أنموذجاً ساطعاً للتقدم والنمو والتحضر، ناهيك عن دول خرجت من براثن الحكم الاستعماري ، فانتشرت فيها نفس الصراعات الدامية؟
نبسط في هذه الورقة مفهوم (الأثنية) وتبيان علاقاتها بالاستقرار السياسي في الدول ذات التركيبة الأثنية المعقدة ثم تبين أنواع الحكم السائدة في العالم المعاصر ونرى أي منها أكثر تناسباً مع المجتمعات المتعددة أثنياً، ونطرح طرائق معالجة النزاعات التي تنشأ من جراء التعددية الأثنية ونأخذ أمثلة من دول أصابت نجاحاً وأخرى منيت بالإخفاق لاستخلاص إفادات لمستقبل الاستقرار والمرشد السياسي في عالم اليوم.

والدول الأنموذج التي اصطفيناها تظهر تبايناً في تركيبتها الثقافية ونظم الحكم فيها وموقعها الجغرافي وهي : نيجيريا ، ماليزيا ، بلجيكا ،والسودان
مفهوم الأثنية والجماعات الأثنية :
أكسر الدارسين الذين أسهموا في تعريف مفهوم الأثنية ينتمون إلى علمي الاجتماع Sociology والأجناس Anthropology لاختصاصها بدراسة الإنسان من حيث أصوله العرقية وحراكه الاجتماعي.
ولم يأبه علماء السياسة والاقتصاد والإدارة لهذا المفهوم حتى خمسينات القرن الماضي حيث استعرت نيران الفتن العرقية –الأثنية وأحدثت آثاراً سالبة على الاستقرار السياسي والاقتصادي. ساعتئذ توجه الدارسون في العلوم الاجتماعية بصفة عامة نحو ظاهرة الاثنية ،كل فيما يليه من قضايا تشكل محور دراسته.(2)
والمجموعات الأثنية Ethnic هي عدد من الأفراد( قل عددهم أم كثر) ينتمون إلى سلاسة عرقية واحدة ، وتظهر على سيماهم مميزات تفرقهم عن الآخرين كلون البشرة وشكل الأنف وتكوين الشعر واللغة والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك.
ونحن نستبعد الدين الذي يعتبره بعض الدارسين جزءاً من المفهوم الأثني لأن الأثنية ذات شأن بالجينات البشرية الأمر الذي لا يتوافق مع مفهوم الدين. وقد حدد بعض المهتمين بدراسة الأثنية أربع سمات للمجموعة العرقية:
1) الانتماء المشترك : والذي يشكل عاملاً هاماً في تكوين الجماعة من خلال التاريخ الطويل المشترك لأعضائها.
2) التفرد الثقافي: من حيث التقاليد الموروثة والعادات والمعتقدات التي يؤمن بها أفراد الجماعة.
3) العضوية الإجبارية: بمعنى أنه لا خيار للفرد في الانتماء الى مجموعة أثنية محددة ،حسب رغبته ، وإنما يحصل على عضويته في الجماعة بحسب المولد.
4) الجهوية: حيث تتركز المجموعة الأثنية عادة هي منطقة جغرافية محددة داخل أقليم الدولة( الوحدة السياسية الأكبر).
أن ما يعنينا هنا هو “الذاتية الأثنية” Ethnic Identity وهذه تعضد الأصرة السلالية والتمسك بالهوية أو كما عبر عنها أرنولد داشكفسكي بالشعور بالانتماء الجمعي وتقاسم سمات تجسد تميزها Shared sense of peoplehoot(3). غير أن مناط الأمر ليس الاستمساك بالهوية بل هي توظيف هذا الاستمسال لمآرب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وصيروتها متكأ خلفياً ينظر عليه سلوك الجماعة الأثنية في مقابل الجماعات النظيره أو في مقابلة الدولة على ساحة المعترك السياسي.
علينا أن نوطن أنفسنا على ( الطبيعة الأثنية) على أساس أنها (مركونة) في جبلة الخلق، فلا موثل عن التعامل معها من باب الواقع اليقيني، ومن ثم البحث عن “ديناميكيتها” ومظاهرها وآثارها ، عوضاً عن غمض العين والنظر اليها كظاهرة اجتماعيةمن أوابد القديم المهجور.
التنوع في بيئة الانسان: حقيقة الحياة وناموس الكون.
التنوع في بيئة الإنسان: حقيقة الحياة وناموس الكون:
الكون الذي نعيش فيه كتاب مفتوح، تتألف عناصره البشرية والمادية من خلال تمازج بديع في الأحوال والأصباغ والأشكال، فتبدو صورته زاهية آخذة بالألباب. هكذا نطق القرآن العظيم (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ* وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر الآية 27-28).
تفصح هذه الآيات الكريمة من محكم التنزيل عن صورة زاهية، ارادها الله لتكون مصدر معرفة والهام ويقين. فبدأت بإنزال الماء من السماء، واخراج الثمرات المختلفة الألوان ثم أن الجبال تتباين في ألوانها كذلك، فالصخور الصلدة تتمايز ما بين احمرار رنان زرقة باهتة واخضرار بهيج وبنفسجية طاغية، وما إلى ذلك من تموجات ألوان الطيف البديع. فلا يوجد لون واحد للصخرة الواحدة وإنما الجدد أي الطريق والشعاب البيض في درجة اللون والتظليل فتتداخل وتتمازج، وتلك ذات اللون الأسود الشديد السواد، وأخرى ذات أسود خفيف، وهكذا. ومن المعروف أن للتربة والبيئة أثراً قوياً على صفات النباتات الطبيعية والكيماوية، فمنها الأبيض والأحمر، ومنها الحلو الحامض حتى وإن زرعت في بقعة واحدة وسقيت من ماء واحد. فالأحياء المختلفة تحتاج إلى عناصر معينة لغذائها، وبالتالي تتأثر بها ألوانها. ولعل سر إعجاز هذه الحقائق القرآنية يرجع إلى اخراج مختلفة الألوان والمذاق بالرغم من أن شجرها روي من ماء واحد. وكذلك خلق الجبال مختلفة الألوان مع أن أصلها واحد، هو مادة متجانسة التركيب، أصل معينها باطن الأرض.
والمقطع من الآية الكريمة يشير إلى ذات الحكمة الإلهية الكامنة في اختلاف ألوان البشر وتركيبة أجسامهم وأشكالهم. فكلمة (كذلك) تعبر عن التماثل بين التنوع من والمقطع من الآية الكريمة يشير إلى ذات الحكمة الإلهية الكاملة في اختلاف ألوان البشر وتركيبة أجسامهم واشكالهم. فكلمة (كذلك) تعبر عن التماثل بين من الكائنات النباتية والدواب والأنعام، والتنوع في بني الإنسان، رغم أن الناس جميعاً مخلوقون من جنس التراب، من صلصال كالفخار، وأن اختلاف الألوان لا يظهر في النطف التي ينشأ منها الإنسان، وإنما هي دقائق وأسرار لما تستبين للدارسين بعد(1) فالخصائص الوراثية تحافظ على فطرة الأشياء واستمرارها.
وإذا كانت اختلاف البقاع ينبت نباتات شتى ومتنوعة وذات طعوم مختلفة، فإن اختلاف الناس لوناً وشكلاً وأمزجة وطباعاً واستعداداً وقابليات تتأثر بالمنشأ رغم أنها واحد، ولكن خواص المنشأ (تتشكل) إلى درجة معتبرة اختلاف الأفراد والجماعات فيتمايزون تبعاً لذلك، فتجد قوماً في بقعة ذات مناخ حار مفرطي الانفعال وتتحكم في مسلكهم الشهوة الغضبية، بينما نجد أقواماً في بلاد بادة بطيئي الاستجابة لمؤثرات خارجية ولديهم قدرة كبيرة على ضبط النفس أمام مؤثرات الانفعال. وبالتالي تتكيف حياة الجماعات البشرية وتتشكل – جزئياً على الأقل-بتلك المؤثرات البيئية ويتبدى التنوع الملحوظ في أنماط حياتهم وكسب عيشهم وعلاقاتهم بالأحياء والأشياء(2).
إن الذين يدركون الحكمة من وراء هذا التنوع وآثاره ومظاهره هم العلماء الذين أمنوا بربهم،وبقلوب بصيرة، فارتبط علمهم بالإيمان لا ينفصم عنه. وإذا كان العلم هو مجموعة متسقة من الحقائق المتصلة بالتقدم في مجال استكشاف الطبيعة (العالم المشهود) من حيث المكونات والظواهر والقوانين والخصائص، فإنه قائم كذلك على منهج معين في البحث والتنقيب والتجريب والتجريد لوقوف على أسرار الكون ومحاولة فهم الحكمة البالغة المودعة فيه. لابد من الالتزام بمنهج صارم في هذا المسعى. غير أن الاكتفاء بالمشاهد من الكون يخفي علينا كثيراً من العلم، لأن في الكون عناصر نقف عليها بالاستبصار، بل نتلقاها من لدى خبير عليم، “علم الغيب، فلا يطلع علي غيبه احد”، مهما استخدمنا من طرائق المعرفة وسبل البحث والتقصي. والإنسان يعلم ما يبصر يشاهد من أشياء وأحداث وعلاقات بينها، وأنالأعيان المشاهدة هي الموضوع الأول للعلم. ولكن هنالك مصدر أخر للعلم، وهو الخبر مما يتنزل على الناس منخلال الرسالات، ومن نظر للعيان التي تشاهد.(3) ولا يكتمل العلم الحقيقي إلا بالمصدرين للقصور الفطري في طبيعة الإنسان الذي لا يدرك ما وراء الحواس، فالعلم لا يتأتى إلا بالماوجة بين المصدرين: المشاهدة والخبر.
وقد اخبرنا العلي القدير أن التنوع بين البشر من حكمة الخاق: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات الآية 13) فالأصل الإنساني واحد لا يتجزأ ولا يتعدد بتعدد الأجناس والألوان. وكل الناس ينتمون إلى شجرة واحدة تنتهي في ىدم، وآدم من تراب الأرض، منهما تنشأ أجسامهم وتتغذى بها، وعناصر التكوين البشري تجعل ألوانهم وسحناتهم متباينة، فتتباين تبعاً لذلك أمزجتهم وطرائقهم في عمارة الأرض وثقافاتهم نحو الخير تلاقيهم على درب العمل الإنساني العام وتدافعهم نحو الخير، وفي النهاية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات الآية 56).
التنوع والبيئة:
غير أن هذا التنوع وفي الألوان والسحنات والأشكال الجسدية (طولاً وقصراً وغير ذلك) يرتبط بالبيئة المحيطة بالإنسان،وبكل ما يوجد بين السماء والأرض (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) (الروم الآية 22). فالتساوق بين آية السموت والأرض استكمل بالتنوع اللغوي واللوني بين الناس. لابد أن يبين ذلك علاقة بخلق السموات والأرض فاختلاف الأجواء على سطح الأرض واختلاف البيئات ومنشأ ذلك من طبيعة وضع الأرض الفلكي، ذو علاقة باختلاف الألسن والألوان مع اتحاد الأصل ووحدانية المنشأ.
وقضية اختلاف الألسن والألوان واراتباطها بخلق السموات والأرض قضية ايمانية محضة، فلا أحد يدري كنه هذا الارتباط وعليته غير أن الراسخين في العلم والمؤمنين بقدرة الله تعالى القاهرة يعلمون أن هذه آية من آيات الله التي لا يدركها البشر، فقد استبان عزهم عن فهمها رغم استخدامهم الدؤوب لكافة الضروب المناهج البحثية وطرق الاختبارات ووسائل التقصي والتحليل(4) فذلك مبلغهم من العلم، وما أوتي الإنسان من العلم إلا القليل، ذلك لأنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، ومعرفتهم قاصرة على آيات الكون المشاهد. غير أن معرفتنا نحن كمسلمين تقوم على مبدأ التناصر والمشاهدات الكونية. فكما أن الكون يحتوي على معلومات تشهد على وحدانية الله تعالى وعلى أصل الوجود وبقائه وفنائه، فإن الوحي الذي يتنزل على الرسل لهداية الناس وضبط حركة المجتمع يحمل أيضاً معلومات عن الكون المادي تهدي مسار العقل وتصوبه. بل أكثر من ذلك فإن تأصيل المعرفة لدى المسلم ينبغي أن يبدأ بمعلومات الوحي في عملية البحث في أسرار ومكوناته أو في المجتمع الإنساني وحركته.
والإسلام دين الفطرة، وفكرة الإنسان قائمة على التوازن بين عنصري التكوين البشري: حفنة الأرض ونفخة الروح (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) (سورة الحجر الآية 28-29). وعلى هذا فإن بداية التكوين البشري هي مادة الأرض، ومادة مصير الجسدي هي الأرض أيضاً (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى). وقد حصر العلماء العناصر المكونة لجسد الإنسان فوجدوها ذات العناصر التي تتكون منها ذرات الأرض: الفسفور والكربون والكبريت، الحديد الكاليوم، وغيرها. ولعل في هذا مغذى عميقاً وحكمة بالغة في أن يكلف هذا المخلوق المزدوج التركيبة بعمارة الأرض الت نشا منها، إذ أن الملائكة لاتستطيع ذلك بطبيعة خلقهم من نور، والجن مخلوقون من نار، والدواب والأنعام مخلوقة من تراب ليس فيها نفخة ربانية. فيبقى هذا المخلوق المتفرد قادراً على عمارة الأرض بحكم صلته التكوينية منها، وبموجب الروح المودعة في كيانه والتي تؤهله للتدبر والتفكر والتسامي على الأرض بالبصيرة والعقل.
وقد تكون الأرض يبباً في اختلاف الألوان، ولكن ليس بالقطع المبين، لأننا نجد أناساً يختلفون لوناً وفي ذات الوقت ينتسبون إلى ذات الأرض التي عاش عليها أجدادهم، وقد نجد تنوعاً في الأسرة الواحدة والسلالة الواحدة. وقد يكون المناخ (كحرارة الشمس والبرودة) سبباً جزئياً، ولكننا نجد أقواماً يعيشون في مناخ واحد ويتباينون لوناً وشكلاً وسحنة. وعلى كل فلم يعد من المجدي البحث وراء اختلاف الألوان والأشكال بعد أن أوصلنا العلم إلى طريق موصد في هذا المجال، وعلينا فقط أن نتبصر الظاهرة التنوعية وآثارها في الحياة عامة وفي سلوكيات الأفراد والجماعات خاصة(5).
إن الألوان والاختلافات العرقية ليست فواصل قطعية في علاقات المجموعات البشرية، ولكنها استخدمت كثيراً – لأسباب عديدة- لإذكاء التنوع بين المجموعات انفاذاً لسياسات ومقاصد آنية، مع التيقن أن مصدر التنازع قد يكون اقتصادياً (الضيم في توزيع المواد المتاحة) أو بسبب الجاه والسلطة كالاستحواذ على مراكز النفوذ أو الاعتبار الاجتماعي ولم يجد الدارسون الثقاة مسوغاً عقلانياً يربط اللون أو الاصل السلالي بالخصومات التي تترى في علاقات البشر اذا ما استبعد عنصر الاختلاف حول الموارد الاقتصادية أو مراكز السلطة والجاه إن اللون صفة على جسد الانسان وليس موضوع دراسة وإنما يمثل الانسان نفسه موضوع الدراسة بما جبل عليه من حركة وما يعتمل داخل صدره من أفكار وما تتبدى فيه من سلوكيات تضفي الحيوية والمعنى للوجود البشري على الارض فالعلم لا يبني على القشور والسحنات وألوان الجلد وانما ينبني على أصول الأشياء وماهيتها وكهنها وحركتها وصدق رسول الاسلام حي قال(إن الله لا ينظر الى صوركم وألوانكم ولكن ينظر الى قلوبكم) والقلوب هي مناط الرشد والفهم(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) (ق الآية 37) والقلب موطن العلم والتبصر في الأمور.
التنوع الثقافي وتدرج الولاءات :
الثقافة هي طريق ونهج الحياة يشكلها شعب ما في سعيه الجماعي للعيش ولايجاد صيغة ليتوافق بها وبيئته ككل. إن الثقافة تتكون من حصيلة ما يكون لذلك الشعب من فن وعلوم ومؤسسات اجتماعية بما في ذلك مجموعات(نظام) معتقداته وطقوسه الدينية وأعرافه إن ثقافة مجتمع ما تعكس الموجودات المادية والأخلاقية والروحية الى جانب المعرفة واللغة والفن والمهارات وسبل التفكير وأنماط السلوك ومختزن التجارب المكتسبة عبر القرون.
في ضوء هذا المعنى الشامل للثقافة نشير الى أن لكل شعب أو جماعة داخل قومية ثقافة خاصة ومن هنا يأتي الحديث عن الثقافة الأوربية والثقافة العربية والثقافية الافريقية . غير أنه ليس من الضروري أن تكون هذه الثقافات منفصلة وقائمة بذاتها تماماً على الأرض فهنالك القتارب بين الثقافة الأمريكية والثقافة الأوربية والتقارب بين الثقافتين العربية والافريقية بحكم أن غالبية سكان إفريقيا يتحدثون العربية ويدينون بالاسلام.
ومن الخطا ن نقرر أن الثقافات تظل على تميزها وتجمد في قواب محدودة طول العصور إن الثقافيات تنمو وتجدد وتتلاحم وتتماذج واذا لم يكن الأمر كذلك فليسي هنالك معنى لعمية التغير الثقافي أو التمثل الثقافي Cultural Assimilation فالأمر عندئذ أنه ليس هنالك فواصل بين الثقافات وانما هنالك تمايز وتفرد بينها ولكنها في نهاية الأمر تصب في مجرى واحد وتثبت هذه الحقيقة معظم الدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية المعاصرة الا تلك التي اصطبغت بالصبغة الأوربية ذات المنحى الأنطوائي على ثقافة الغرب ففي جميع المجتمعات نلاحظ تشابهاً واضحاً بين العناصر الثقافية والأبنية الاجتماعية ابتداء من اشدها بساطة وسذاجة حتى أكثرها تعقيداً وتشابكاً في الدين والفن وكثير من المظاهر السلوكية والتصورات الجمعية الأخرى وما الاختلاف الا اختلاف درجة وليس اختلافاً في الأصل والنوع بمعنى اختلاف في المظاهر والتفاصيل والاساليب والأهمية الوظيفية التي تؤديها التصورات الثقافية في حياة الأفراد والجماعات بحسب اختلاف التركيبة الاجتماعية.
وما اهتدى اليه الدراسون حديثاً من تشابه العناصر الثقافية يعزز ايمان المسلم الذي يعتقد في سنة الله في خلقه من حيث الاصل وتشابه المخلوقات ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) (الملك الآية 3) وفي ذات الوقت لابد أن تتمايز فهي ليست صوراً باهتة مشوشة ومتطابقة تماماً بل هي متمايزة مثلما يتفق الجنس البشري ويجتمع أفراده في التركيب البيولوجي وفي الهبات البيولوجية الا أنه في نفس الوقت المتمايز فكل فرد هو كل متميز عن الآخر بحيث نستطيع أن نتعرف بوضوح الى جوانب التميز والتطابق مع بقاء الأصل وهو الوحدانية وما هو موجود على مستوى الأفراد يوجد على مستوى الجماعات ومن حصائل الدراسات الاجتماعية نتبين الاتفاق بين المجتمعات الدينية والاجتماعية والتصورات الجمعية مثل الموت والحياة والفن والأدب وغيرها كما تبين بين الثقافات والمناطق الثقافية Cultural Regions بل بين الجماعات المحلية والصغيرة على مستوى المجتمع المحلي الواحد ولهذا تبدو لبعض العناصر الثقافية توزيعهاً جغرافياً محدوداً ويبدوا لأخرى توزيعاً وانتشاراً متسعاً الى حد كبير أو ربما يصل انتشارها الى درجة الكلية أو العالمية وهنا نتفق هذه الجزئية من خلق الله مع جزئية خلق الكائنات الحية الأخرى التي تتشابه في خلاياها التكوينية حتى لتبدو وكأنها خلية واحدة ولكنها تختلف وتتمايز رغم أنها تؤدي وظيفة خلية واحدو فوجود الاضطراد والنظمية في الظواهر الطبيعية مع وجود استثناءات حتى وان كان هناك تساوق طردي مع وحدانية الأصل الثقافي العام للانسان مع وجود الاستثناءات هنا وهناك لحكمة اقتضاها الخالق ويقف الانسان حائراً أمامها وحينذاك نسمع مصطلحات الظاهرات فوق العلمية أي تلك التي لا يستطيع العلماء تفسيرها لأنها لا تخضع القانون لا تسير على النظام المضطرد مثلما يحدث الآن في ظواهر الاتصالات الاثيرية والكهرباء فوقف العلماء أمام آثارها ونتائج تفاعلها دون أن يصلوا واحد وفق المقتضى الايماني السليم والاصل هو وحدانية الخلق والوجود المتعدد لقيام بالوظيفة الواحدة الاساسية وهي الخلافة في الأرض كما سوف نوضح في صفحات قادمة.
إن نشأة الجماعة الانسانية من المنظور الاسلامي يضع اطاراص قوياً لتفسير وحدانية الأصل واختلاف الثقافات فلم تخلق الجماعة كاملة ودفعة واحدة ففي البدء كان خلق أدم ثم حواء وينتشر الجنس البشري بعدئذ فخلق الله بدا بالزوج والزوجة ثم تتابع الى درجة المجتمع الكبير( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بتين وحفده) النحل الآية 72, فالقرأن لم يقرر الفردية الكاملة بدرجة لا تجعلنا نقرر الجمعية ولم يقرر الجمعية بدرجة لا نستطيع تصغيرها الى الفردية وانا قرر بتوازن التصغيرية التي أدت الى التكبيرية والتكبيرية التي أدت الى التصغيرية.
فالبدء بالتزاوج الشرعي وبالهام من الله تعالى ثم انتقلت البشرية الى المجتمع الكبير عن طريق الرجال والنساء الذين بثوا على ظهر أدم عليه السلام ولم يترك بعد النشأة هذه على غير هدى وانا تاوثق معهم على عقد ينطوي على ربوبيته المطلقة(واذ أخذ ربكم من بين آدام من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بل شهدنا الأعراف الآية 172 وعلى هذا ولد الانسان مفطوراً على العباد لله الأحد وهذا هو معنى الفطرة أو الدين عموماً( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) (الروم الآية 30) اذن الأصل في بدء الخليقة هو ايجاد النفس الواجدة( يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) (النساء الآية 1) ثم أوجد من النفس الواحدة(أدم) زوجاً وخلق منها زوجها ثم اقتضى أمره التكاثر (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) (النساء الآية 1) وعليه فان سلم الانتماءات البشرية يبدا من الأسرة المكونة من الزوج والزوجة والأبناء وقد اصطلح القرآن على هؤلاء بالأهل( انما يريد الله أن ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) الأحزاب الآية 33) (والأهل يتساكنون في بيت واحد وآصرتهم قوية بحكم تفرعهم من أب واحد ثم يأتي الرهط وهم الأقربون نسباً مصاهرة للرجل وأهله وقد يتخذون عصبة قليل لا تقل عن العشرة وقد يتخذون عصبة قليل لا تقل عن العشرة وقد لا تتجاوز الأربعين( تسعة رهط يفسدون) (النمل48) (ولولا رهط لرجمناك) ( هود91) فاذا كثر أفراد الرهط صاروا عشيرة( وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء 214 وأزواجكم وعشيرتكم (التوبة24) فاذا اجتمعت عدة عشائر في مكان واحد وتصاهروا صاروا قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على البعض تناصروا وتآزراً وتكافلاً والعرب تقول تقبلت فلاناً أي تكفلته والاقبال على البعض ينطوي على المودة ( إخواناً على سرر متقابلين) (الحجر الآية 47) وذلك وصف أهل الجنة بعد أن سويت نفوسهم على النقاء.
واجتماع عدة قبائل بينهم آصرة مساكنة أو اسباب عيش يتشكل منها القوم والأمة مجموعة أقوام متجانسة أو على الأقل ترتبط بعوامل قوة تميزها عن غيرها وقد يكون معنى شعب صنو للقوم أي مجموعة قبائل.
إن يراد هذا التدرج الائتماني يبصرنا بحقيقة المجتمع البشري من نشأته ومساره بعيداً عن تخيلات وتوجهات غالبية الدارسين الاجتماعيين الذين يزدرون بالقبلية وتستبطن كتاباتهم نظرات احتقارية لهذا المكون الاساسي فالكثرة منهم يربطون التكوينات القبلية بالتخلف خاصة في العالم الثالث ويرونها مرحلة بدائية ستزول بعامل الزمن والتطور وقد عبر أحدهم عن مفهومهم القبلية على النحو التالي:
The stereotype that a “tribe” refers to a primitive band is widely
Accept …. A tribe is a small, relatively primitive, very cohesive bad of relatives. It is one or more clans, descended from one legendry ancestor, originally observing one common shrine, speaking one common language, though perhaps not the same dialect, and enlarged by assimilated peoples.
وعدم المصداقية والتجرد العلمي الذي صحاب هؤلاء الدارسين يتبدى في ظهور نعرات عصبية مستندة على تكوينات قبلية في بعض الدول الأوربية رغم التطور الاقتصادي الهائل كالحال في بلجيكا وألمانيا وغيرها مما أفاضت فيه دراسات حديثة والتناقض الظاهر في الدراسات الازدرائية للقبلية يتعزز بالمقولة الشهرية :
يطلب الانس حثيثاً ويسعى للتآلف مع الأخرين لأنه خلق ضعيفاً(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفاً)(النساء الآية28) ومن هنا كان العمران البشري وبناء الحضارات يقوم على القوة المستندة على الاجتماع حول محور تعاضدي سواء اتخذت شكل القبلية أو غيرها ولم يشهد التاريخ أن حضارات سادت دون أن تسندها عصبية من نوع ما خاصة رابطة الدم لأن هذا من اسباب العزة والتدافع وطلب التميز كما قامت الحضارات على امتلاك وسائل النصر على الآخرين أي امتلاك السلطة لأنه بدونها لا يستطيع أفراد قبيلة أو نوع أن يتميزوا على غيرهم وتكون لهم الشوكة والمنعة بل أكثر من ذلك شهد التاريخ تنظيم الجماعات البشرية بالسلطة الآخرة مثل قوة وحكمة شيخ القبيلة الذي يسود قومه برجاحة عقله وفطنته وقوته الجسدية والفكرية ومهما يكن من شيء فان التنظيم الاجتماعي الذي يقوم على العصبية والولاء القبلي السلالي كان من أقدم أنواع العمران البشري وكان القادة الطبيعيون هم باسطوا الأمن والاستقرار والطمأنينة فير ربوع أرضهم وهم الحكام الذين ينظمون شئون الحياة ويذعن لهم الآخرون ممثلين لارادتهم ومشروعية سلطانهم وهكذا عرف التاريخ البشري الحكومة في صورة بسيطة ثم تطور مفهومها بحسب الارتقاء من التكوينات الصغيرة الى التجمعات الكبيرة والأمم العظيمة.
إن الكاتب ينأى عن الأخذ بما تعارف عليه الاجتماعيون بعزوفهم عن الأصل السلالي وتركيزهم على العنصر الاجتماعي في التكوينات البشرية فالاتجاه ذو الغلبة في الدراسات الأنثرولوجية الحديثة ينزع نحو تأكيد البعد السوسيولوجي لمفهوم العرق والانتماء القبلي ويستحي من ذكر البعد البيولوجي الا لماماً فعندما تعرف القبيلة بأنها مجموعة اجتماعية من نوع بسيط تتلكم لهجة واحدة لها حكومة واحدة وتتحد في رد الفعل( السلوك في المواقف) نجد التغافل التام على البعد البايولوجي أو السلالي ولعل الخطأ الذي تردى فيه الكثيرون هو اعتقادهم بأن العرق (Race) مفهوم بيولوجي بحت فهم يركزون على الصفات الجسمانية وفق معايير وصفية وقياسية معينة.
أما علماء الانتروبولوجيا فانهم يؤكدون على الجانب الاجتماعي وجانب التفاعل الثقافي والاجتماعي في مفهوم العرق فالاشتراك في اللغة والتساكن والآمال والمصالح والوجدان هي اساس الانتماء العرقي(Ethnic Idntification) عندهم ويقيني أن المكون السلالي (او البايولوجي) للقبيلة كوحدة اجتماعية أساسية ف تكوين المجتمعات ذو أهمية خاصة فان الانسجام والتماسك والتعايش والتناصر بين ابناء القبيلة انما ينبعث أساساً من الاحساس السلالي العرقي: أعنى انحدار أفراد الجماعة من سلف واحد: رباط الدم والرحمية والقربى ولكن رغم ذلك فان عوامل التساكن في اقليم واحد والتفاعل الاجتماعي والثقافي والاشتراك في الاصل العرقي( عامل الانحدار الأسري) وخصائص الجماعة تقوى كثيراً آصرة الانتماء للجماعة فاذا كان الاقليم ذا خصائص جغرافية معينة ممتزجة بخصائص الجماعة القاطنة فيه وتشكل جزئياً سماتهم وسلوكهم ونمط علاقاتهم بالآخرين فان الانتماء العرقي يتأطر(إقليمياً) وهنا تبرز الإقليمية Regionalism صنوا للانتماء العرقي لتشكل هوية الجماعة واتجاهاتها السلوكية وعلاقتها بالأخرين. ولأهمية البعد الاقليمي في العلاقات الأثينية نفرد لها الفقرة التالية من هذا الفصل .
التنوع الثقافي والاقليمية:
إن واقع الحياة قد استوجب أن يكون لكل جماعة بشرية ارضاً تنشأ ويترعرع أفرادها بين حناياها فالله سبحانه وتعاىل قد جعل الأرض مهاداً للبشر( ألم نجعل الأرض مهاداً) (النبأ الآية 6) أي حضنا دافئاً يضفي عليهم الحماية مع وجود الجبال لتثبت هذا الحضن فلا يترج (والجبال أوتاداً) (النبأ الآية 7) إن الأرض قد اعدت لتلقي الحياة الانسانية وحضانتها واعداد الانسان للملاءمة مع البيئة والتفاهم معهاً.
ولا نذهب مع السواد الأعظم من علماء الجغرافيا حين يقررون أن الانسان حيوان أرضي أو جغرافي بموجب الارتباط بالبقعة الأرضية التي ينشأ فيها ويتغذى من ترابها ولكننا نقول إن الانسان يحب الأرض التي احتضنته أول الأمر ويظل يكن لها الانتماء قدر معلوم ونقر أيضاً أن الحياة تفاعل بين الانسان والارض ولذلك فان شكل الأرض وطبيعتها وموقعها ومناخفها ومواردها تؤثر في اسلوب المعيشة وفي تكوين طبيعة البشر ومزاجه وصفاته وخصائصه في بداية تكوينه وتشكل الى حد كبير طباعة وسلوكه ونظرته للاشياء والأحياء الأرض وعاء يتشكل فيه الانسان عنتد مولده فيرتبط به وجدانياً وحين غادر رسول الاسلام مكة مهاجراً التفت الى الأرض أو البلدة التي احتضنته أول حياته قائلا:والله إنك لأحب البلاد الى واقتران حب الأرض في القران بحب النفس وارد في عدة مواضع منها(اقتلوا أنفسكم أو اخرجو من دياركم) (الممتحنة الآية 8) (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم)(الممتحنة9).
لقد عهدت البشرية الانتماء الاقليمي منذ بدء الخليقة. ولكن تزايد الاهتمام بالكيان الاقليمي داخل حدود الدولة الواحدة أو المناطق الثقافية داخل الأمة الواحدة يرجع الى الانتفاضات العرقية منذ أوائل الستينات من القرن العشرين خاصة في البلدان النامية وبروز النعرات العرقية المتحيزة جغرافياً أي تطابق الحدود الجغرافية لمنطقة ما مع حدود الكيان العرقي ذوي الأصل السلالي المتميز أو آصرة الرحم أو الثقافة عموماً بما ذلك الآصرة الدينية ).
لقد تناول علما السياسة والاجتماع والجغرافيا والادارة وعلم الأجناس مفهوم الاقليم كل من منظوره الخاص واهتماماته الدراسية، وكلن الخيط المشترك بين هذه الدراسات هو وجود قواسم تحدد طبيعة الاقليم من حيث الخصائص وأهمها:
1) تميز طبيعي من حيث نوع الأرض( جبلية ،سهول ،وديان ..الخ).
2) نوعية السكان من حيث الأصل السلالي والنسيج الثقافي الذي يفرقهم عن الآخرين بما ذلك المعتقد الديني.
3) تمثل ( أو تشابه) السحنات والوان البشر وهيكلة أجسامهم(طولاً وقصراً وغيرها) بحيث تشكل هذه فواصل واضحة عن الآخرى.
4) تاريخ مشترك عاشة القوم في المنطقة فيشكل ذلك محور تراثهم ومحط اعزازهم.
5) تستبطن المنطقة في احشائها موارد معلومة وعلى سطحها ثروات متميزة عن المناطق الأخرى كالغابات أو أنهار تفصلها عن بقية الأقاليم أو وجود ثروات باطن الأرض داخل حدودها الجغرافية تستوجب اهتماماً خاصاً.
هذا وليس بالضرورة أن تجتمع هذه المقومات الخمسة في منطقة واحدة لتصير إقليماً له ذاتية خاصة فيمكن اجتماع اربع منها أو ثلاث واقواها اثراً في تكييف الاقليم هي عوامل العرق والذاتية الثقافية والدينية والخاصية الطوبوغرافية( خصائص الأرض) وغالباً ما تتآلف هذه لتشكل هوية الاقليم وتفرد واعتزاز أهله به.
إن ثورة الاتصالات قد اثرت كثيراً في محو الحدود الفاصلة بين القوميات الثقافية الصغيرة والكيانات الاقليمية المتميزة مثلما أثرت بشكل متعاظم على التلاقح بين أمر الأرض في عصرنا هذا ولكن يظل الشأن الاقليمي وقضية استيعاب الاقليم المختلفة بغض النظر عن خصائصها في بوتقة الدولة الواحدة محور سياسات ودساتير وأنظمة الحكم والادارة على مدار زمن طويل ولا نحسب أن للقضية حل نهائي مثلما مثل كافة القضايا الاجتماعية المتصلة بحياة الانسان وحاضره ومصيره بيد أن الأمر الهام هل ضرورة الاعتراف بالذاتيات الاقليمية خاصة تلك ذات العمق الثقافي (السلالي الديني) وابعاد النظرات الازدرائية تجاهها مثل نظريات التقوقع الاقليمي Parochialism وغيرها واستبدال ذلك بنظرية الوحدة داخل اطار التنوع Unity within ثم وهذا أكثر أهمية والحاحاً ضرورة التسامي بالتفكير والاعتقاد وراء حدود العرق والجغرافية الى الاستمساك بوشائج الايمان بوحدة الانسانية واعلاء قيم العدالة وبسط العقيدة الصحيحة التي تعلوا فوق الانتماءات اللصيقة بالانسان:
(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة الآية 24)
إدارة التنازع الناشيء عن “الجبلة” الأثنية:
الإدارة في مضمونها الأشمل هي التوظيف الأمثل للموارد المتوفر لتطيب الحياة،فقد تكون هذه الموارد مادية ، كالمال والمكونات الكونية (الكبحار والأرض والأنهار والغابات) أو بشرية تنطوي على قدرات أفراد المجتمع ومكامن طاقاتهم الجسدية والعصبية والعقلية، والحياة الطيبة لا تكون الا بتوظيف هذه المكونات تخطيطاً وتنظيماً والتحسب لمآلات الناتج من كل ذلك. ولذلك يحق علينا أن نصطلح على عملية توظيف أي لا نشاط بشري قاصد ومرئية نتائجه بالادارة Management ولا نحصر المصطلح في حقل المنشآت التجارية التي عهدنا على استخدام المصطلح لوصف مفردات نشاطاها.
تأسيساً على هذا ، فيمكننا بقدر من الاطمئنان والقناعة العلمية أن نبسط مفهوم(إدارة التنازع) Conflict management على كافة أنماط تنظيم العلاقات الأثنية وديناميكية التفاعل بين “الحركة الأثنية” Ethnic Dynamics والسلطة السياسية ،وبينها وبقية مكونات المجتمع(لمنظمات المجتمع المدني) وننأى عن مصطلح”الصراع” – رغم ايماننا بوجوده- تخفيفاً على الأذهان وتهدئه للنفوس، حتى يتنزل المصطلح برداً وسلاماً على العلاقات المستدامة بين الكيانات الأثنية() والتنازع يظهر الاختلاف في المصالح والاتجاهات والرؤى، نقيضاً للصراع الذي يستبطن التخاصم وغليان الدم في العروق واظهار السلوكيات العدائية والتباغض المفضي الى الفتنة والاقتتال(4) وهذا هو المفهوم الذي استيقنته أذهان الدارسين في مجالي السياسة والادارة منذ أوائل ستينات هذا القرن حتى يستجلوا المتغيرات والعلل الكامنة وراء(التنازع) وارجاعها الى “الأطماع” في الموارد وقسمتها بين مكونات المجتمع ، صحيح ان وراء ” الأطماع” الغيرة الأثنية Ethnic jealousy والتي تغذى الشعور بالحرمان النسبي Relative Deprivation على قاعدة Zero- Sum- qain التي تحكم قسمة معطيات الأرض والموارد المصاحبة، ولقد جأرت عدد من الجماعات الأثنية القطانة داخل الكوردون الجغرافي للدولة المركبة اجتماعياً من الاختلال في توزيع عائدات التنمية ، بل في عدم استقامة التوازن أصلاً، وبموجب تجذر ذلك الشعور بالضيم تحول كل قضية الى مشكلة عرقية وتهميش Marginalization وأن كانت العلة الباطنة Etiology اقتصادية أو غير ذلك من مسببات موضوعية ولكن بصيرة الجماعة الأثنية يصبيها العمى فتشهر العداء الساخر أو الاقتتال الماحق، ولعل الجماعات المكبسلة إقليماً Reqional Encapsulated Groups هي الأكثر حمية للقتال من الجماعات ذات الانتشار الأفقي رفعة الدولة Horizontally Retraces group .
الاحتواء المؤسسي للتنازع الأثني:
هناك ثلاثة أنماط (patterns) (المؤسسية)لاحتواء التعددية الأثنية لكي ينعم المجتمع بسلام وأمن دائمين.
النمط الأول: مؤسسة التمييز الايجابي:
ويصلح هذا النط للمجتمعات التي تنتشر فيها الجماعات الأثنية أفقياً على رقعة الدولة، ويتوزع أفرادها بصورة تجعلهم أقليات منبثة من جسم المجتمع دون أن تتركز في أقاليم محددة .
فهم يعيشون بنسب متفاوتة جنباً الى جنب مع جماعات متجانسة عرقياً Ethnically Homogeneous وقد تتآلف عوامل تاريخية على هضم بعض الحقوق لهذه الأقليات في مقابل ما تتمتع به الأغلبية التي تتسيد امر الحكم والاقتصاد هنا تتجه الدول في هذا النمط على تدابير( انتقائية) واسترضائية بتخصيص بعض الموارد لاصلاح شأن الجماعات المهضومة وتحديد كوتات من الخدمات وحصص الاستيعاب في التعليم والتوظيف وما الى ذلك حتى تردم الهوة بين الأقلية والأغلبية.
ثانيها: التخويل المؤسسي جغرافياً للسلطة:
الجماعات التي اتخذت خلال قرون خلت مناطق أقاليم محددة موطناً للبقاء والتكاثر السلالي والتناصر في النحو ومقابلة عاديات الزمان نسميها الجماعات المتناظرة مكانياً Aggregates- Spatio فهذه ذاتيات إقليمية تعتز بمكان سكانها وترتبط ثقافتها بالأرض التي نشأت فيها ، فيختلط “الدم بالأرض” وتتصلب الارادة السكانية حتى تغدو بل تضاهي إرادة الانتماء للكيان الأعظم- الدولة القومية هنا تقتضي الحكمة السياسية تحويل سلطة الحكم الى بؤر الانتماء الجغرافي (5) بحيث تدير الجماعات الأثنية شئونها بذاتية تتساوى وتتقارب مع “الاستقلال السياسي” وتماثل دويلات متميزة داخل كيان سياسي أشمل ترتبط بخيط سحيل يطلق عليه الكونفدرالية Confederate .
النمط الثالث: التوازن الدستوري التعادلي( الفيدرالية):
أن اتخاذ النمط الثاني أعلاه قد يفضي الى ذهاب ريح الدولة اذا تصاعدت حدة العصبيات الاقليمية وتعاظم التحاسد بينها وتملكتها دافعية الاستحواذ على أرضها بعيداً عن أيه(قوامة) من سلطة أعلاه. وقد نجد صيغة التعادل(التوازن) في نمط ثالث يجمع بين التخويل الدستوري والقوامة المركزية للسلطة القومية في حاضرة البلاد تجسيداً لمقصد “الوحدة في التنوع” ويتحقق هذا في نظام الحكم الفيدرالي الذي يبسط السلطة أفقياً بخلق وحدات جغرافية ذات صلاحيات دستورية واسعة في اتخاذ القرارات وفي ذات الدول يضمن تماسك الدولة واستقامة أمرها بسلطة مركزية ذات مرار. هذا ما عهدنا على تسميته بالفيدرالية.
ونظام الفيدرالية قد أخذ بالألباب خلال القرن الماضي في عدد من الدول اتجهت كثير من الدول نحو الحكم الفيدرالي لمعالجة اشكاليات الدولة المركبة من عدة قوميات حتى تجد(منفذاً قانونياً) تستطيع تلك القوميات من خلاله التعبير عن ذاتيتها وتحافظ على هويتها الثقافية وتنمي(ارضها) بقدرتها وارادتها.
فالفيدرالية اسلوب حكم ومنهج إدارة يتم بموجبه نقل كامل لسلطات الحكومة من حاضرة البلاد الى وحدات جغرافية تأوى داخل كوردونها (حدودها) مجموعة من السكان ذوي تجانس عرقي أو ثقافي وذوي مصالح مشتركة ارتبطت بذلك الحيز الجغرافي ماضياً وحاضراً ومصيراً وتبعاً لهذا فالفدرالية نوع من اللامركزية اسميناه اللامركزية السياسية في أو التخويلية لأنها وضع دستوري
لأنها وضع دستوري يقوم على توزيع الوظائف الحكومية المختلفة: التشريعية والتنفيذية والقضائية. بين الحكومة المستقرة في العاصمة وحكومات أخرى في الوحدات الجغرافية المكونة للدولة المركبة(91).

[size=medium][font=Simplified Arabic]والطابع العام للفدرالية سياسي فهي توزيع أفقي جغرافي راشد لمراكز اتخاذ القرار السياسي توزيعاً ينشأ أساساً عن علاقة تعاقدية دستورية تنساب من سلطات السيادة العليا الى الوحدات المضطلعة بالتصريف الذاتي للسلطات التنفيذية والتشريعية في نطاقها الجغرافي المحدد. وتأكيداً على خاصية تلك العلاقة التعاقدية في النظام الفدرالي يذهب المختصون في النظم السياسية لتفصيل القول حول التكييف الدستوري للدولة الفدرالية التي هي كيان متحد يضم عدداً من الولايات التي تفني سيادتها وشخصيتها الدولية في الدولة المركبة الأمل ولهذا فلا يمكن تصور السيادة الكاملة للولايات على غير الحال في العلاقات القائمة بنظام(الاتحاد التعاهدي) حيث تبقى لكل دولة شخصيتها المتميزة.
ولئن كانت الولايات الأعضاء تفقد سيادتها في المجال الخارجي فانها على العكس تحتفظ بجانب كبير منها في المجال الداخلي فيكون لكل ولاية أو دويله دستور خاص وقوانين خاصة ومجالس نيابية خاصة ومحاكم خاصة وجهاز اداري … الخ، ولكن الدول الأعضاء لا تحتفظ بكامل سيادتها الداخلية بل تفقد جانباً منها لمصلحة دولة الاتحاد المركزية فالى جانب الهيئات المحلية والقوانين المحلية الخاصة بكل دولة من الدول الأعضاء تقوم هيائت أخرى تابعة لدولة الاتحاد المركزي ويكون لها سلطانها المباشر على الاقليم والرعاية في الولايات المختلفة.
وكل تلك الاختصاصات المحلية والفيدرالية يتم تفصيلها بمتقضى مقررات الدستور الاتحادي وما يتم اقراره بالدستور لا يتم الغاؤه أو تعديله الا باجراء دستوري وعلى ذلك فان الدولة الفيدرالية تمنح جنسيتها لجميع رعاياها في الوحدات(الولايات) الأعضاء الذين هم جميعاً رعاياها ولها في العموم شخصية دولية واحدة تحتكر التمثيل الدبلوماسي وابرام المعاهدات الدولية واعلان الحرب الا أن طائفة من الدول الفيدرالية في عالم اليوم سمحت دساتيرها للولايات الداخلة فيها بإقامة شكل خاص من التمثيل الدبلوماسي مع العالم الخارجي كما سمحت بابرام المعاهدات والاتفاقيات ذات الطابع التجاري والاقتصادي.
وبينما يعتبر اقليم دولة الاتحاد في كليته اقليماً لكافة الرعايا. الا أن دواعي الانضباط الأمني والاداري وغير ذلك قد تدعو حكومات الولايات الى استصدار تراتيب محلية تقنن الهجرة والاقامة والعمل ونحو ذلك لغير رعايا الولاية ويتميز الاتحاد الفيدرالي بحشد كبير من الخصائص التي سترد لاحقاً ف يمظانها.
ويعرف البروفسير دانيال الأزار(Danel Elazar) الفيدرالية على أنها( نمط الترتيب السياسي الذي يربط الوحدات السياسة الصغيرة بالنظام السياسي العام من خلال توزيع السلطة بين الحكومة الكبرى والحكومات الصغرى على نحو يكفل حماية السلطات الخاصة لكلا الحكومتين ويمكنهما من الاسهام في آلية اتخاذ القرار وفي الفيدرالية تتراوح حجية الرابطة الدستورية بين الدولة الاتحادية والولايات الداخلة فيها بين القوة والضعف فبينما نجد الصيغة الأمريكية الفيدرالية قائمة على حتمية الاتحاد ومؤكدة على عدم مشروعية الاستقلال التام لأي من الولايات نجد الدستور السوفيتي ظاهرياً على الأقل يسمح بالانفصال لمن اراد من الجمهوريات المكونة له.
فالفيدرالية نظام سياسي يتميز باحلال علاقات التعاون مجمل علاقات التبعية بمعنى أن الوحدات( سواء اسميناها مقاطعات أو أقاليم أو ولايات) تتمتع بسلطات اصلية كذلك فليست الولايات هي مرتبة أدنى من الحكومات القومية وليس هنالك تدرج رئاسي مفرط بحيث تكون القيمة القانونية لأعمال الوحدات اقل من القيمة القانونية لأعمال ونشاطات الحكومة القومية.
وتاسيساً على هذا فالمواطن في الدولة الفيدرالية يخضع لسلطتين متساويتين في الشرعية السياسية وعليه أن يتمثل لهما معاً وفق ما يقتضيه القانون والنظام العام والسلطتان يتطابقان ارضاً ويختلفان مجالاً كما عبر عن ذلك الكاتب الأمريكي كارل دوتش.
ومهما صغر حجم الولاية أو قل سكانها فان سلطتها ووضعيتها الدستورية لا تنتقص ولا تضار فالتساوي بين الوحادت اللامركزية سمة اساسية للحكم الفدرالي.
وقد حارت البرية في تحديد الاطار الجغرافي للولاية او الاقليم ولم يتفق أولو النهي حول معايير موضوعية وذات سريان عمومي لتحديد التخوم لكل ولاية وهذا أمر تزداد أهميته حين ندرك ما ينطوي عليه مسألة الحدود الاقليمية من مهام تشريعية ومالية وادارية ففي محور اقتسام السلطة والثروة نجد أن هنالك شبه اتفاق حول أحقية الحكومة القومية في معالجة النزاع الذي قد ينشأ حول حدود الولايات بقصد صيرورة الحكومة القومية بؤرة الجذب الوطني المستديم وتكون لها اليد العليا في مثل هذه المسائل التي تعلو على الاعتبارات الاقليمية المحضة.
ولا يوجد في عالم اليوم نموذجاً مثالياً معيارياً يمكن أن يؤخذ جملة بخصائصه وتطبيقاته فكل دولة تأخذ السمات العامة للفدرالية وتشكل نظامها وفقاً لوضعيتها الخاصة.
فالفدرالية صيغة تعادل بين دعوات التميز الجغرافي والذاتية والاقليمية ودعوات( الوحدويين) الذين يرون ضرورة تأمين الحد الأدنى من تماسك الدولة حتى لا ينفرط عقدها وتذهب ريحها فهي معادلة دقيقة بين رغائب الداعين لتمدد النفوذ السياسي القومي ورغائب أولئك الداعين الى اسلام قدر من خصائص الاستقلال السياسي لأجل اللقاء الوطني. هذا في أحوال التركيب الفيدرالي القائم أصلا على دمج كيانات سياسية كانت فيما مضى وحدات مستقلة كالولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا وكندا. أما في احوال النظم الفيدرالية حديثة التكوين – كالهند ونيجيريا وما صار اليه السودان حالياً فان الخيار الفيدرالي هو الترتيب الأخير المتبقى من خيارات الحكم الجامع الذي يؤسس على فرضية بناء الأمة اذا أريد لتلك الأمة أن تنهض مستظلة بسقف وطني مشترك فالنمط الاتحادي في الدول الأخذة حديثاً به نشأ بدافع ملحاح مؤداة أن الانتماءات العرقية والعشائرية والثقافية ذات البعد المحلي تفوق في قوتها انتماءات التوجه الوطني الأشمل.
وتمكن قوة الفدرالية فيما نسميه(بالسلطات المتبقية Residue powers) ومجال ممارستها ونشير هنا الى اسلوبين لتقسيم السلطات والاختصاصات بين الحكومة القومية وحكومات الولايات أو الاقاليم اسلوب الحصر الحصر(Enumerated method) وبموجبه تحدد سلطات المركز بصورة واضحة ثم يترك فيما عدا ذلك للحكومات في الولايات واية اختصاصات تنشأ بمرور الزمن بموجب وضع طارئ يكون من اختصاص الولاية أو من هنا جاءت لفظة(Residue).
والاسلوب الآخر هو الأسلوب المفتوح open Method)) وبمقتضاه تحدد أولاً سلطات واختصاصات الحكومات في الولايات ثم يترك ما عدا ذلك للحكومة المركزية فكل أمر مستحدث أو طارئ أو ليس له نص صريح أو ضمني في الدستور يعالج مركزياً.
وجلى أن الدولة التي تتبع الأسلوب لاأول تصبح أكثر فيدرالية من تلك التي تأخذ بالأسلوب الثاني ذلك لأن حصر سلطات المركز قيد عليها ويترك المجال متسعاً أمام الولايات لمعالجة كل أمر أخر وفي زماننا هذا حيث التغيير السريع في شئون الناس والمتغيرات والمستحدثات أكثر من الثوابت فان اطلاق يد السلطات الاقليمية لكل ما تأتي به الأيام وحظر تدخل الحكومة القومية في ذلك اعلاء لقيمة الولايات واعتراف بقدرتها على مواجهة المستجددات ومهما يكن فالمسأةل كلها نسبية لأنه قد يحدث أمر عصى لا تستطيع الولاية مواجهته (مثل حدوث كارثة أو زالزال) فتضطر الحكومة الفدرالية (القومية) الى أخذ زمام الأمر ومواجهة الجديد بتدابير ادارية وسياسية ومالية تفوق قدرة الولاية وامكانياتها ومصداقاً على ذلك فان دستور الولايات المتحدة قد احتفظ(بالسلطات المتبقية) لحكومات الولايات غير أنه اضاف أن الحكومة الاتحادية مسئولة عن( تحقيق الرفاه العام)(Welfare) للشعب الأمريكي وتحت مظلة هذا النص فان الحكومة الفدرالية تجد مندوحة للقيام بأعمال داخل حدود الولايات بمقتضى حرصها على (تحقيق الرفاه الاجتماعي).
ولعل أبرز خصائص الفدرالية أن الحكومة القومية لا تستطيع أن تعدل في وضعية الولايات(الأقاليم) الجغرافية بتبديل حدودها مثلاً فالدستور يضفي حصانة قوية للولاية كمظهر من مظاهر( السيادة الجزئية) وفي ذات الأوان لا تستطيع اية ولاية أن تنفصل من الدولة الأم وتستقل بنفسها واذا ارادت السلطة القومية تعديل الدستور لتقليص سلطات الولايات أو تعديل حدودها أو أي أمر أخر فهذا يقتضي موافقة الأمة كلها بأغلبية عظمى ووفق اجراءات معقدة تمنع التعديل اكثر مما تيسره ولذلك فكل دساتير الدول الفدرالية دساتير جامدة Rigid بمعنى صعوبة تعديلها مقابل ما يجري تسمية بالدساتير المرنة Flexible التي يمكن أن تعدل بسهولة كبيرة وأغلبية عادية في المجلس التشريعي.
وسلطة التشريع المالي من اقوى صلاحيات الولاية في الدولة الاتحادية فالولاية تستطيع استدرار المال من جمهورها وفق تشريع ضريبي تسنه الهيئة التشريعية المحلية وتكون للتشريعات الضريبية هذه قوة القانون تماثل القوة التي تصاحب القانون القومي فتحكم به المحاكم وتطبق نصوصه كاملة غير منقوصة وفي هذا تعزيز لسلطة الولاية على الجمهور واشعار للجمهوري بأن حكومتهم ذات سلطان واسع لا يقل عن سلطات الحكومة القومية مما يقوي مشروعية سلطة الولاية.
واخيراً فان الحكم الفدرالي يعطي الصلاحية كاملة للولاية لتقسيم ارضها الصغيرة لأغراض الحكم المحلي فتنشي الولاية بارادتها الحرة وبتشريع داخلي وحدات الحكم المحلي وتحدد اختصاصاتها وماليتها وغير ذلك من شئون محلية وحقيقة الأمر فان الحكم الفدرالي يضعف الى حد ما الحكم المحلي لأن الحكم المحلي الذي يستمد قوته وسلطاته من دستور الدولة اقوى من الحكم المحلي الذي يستمد تلك القوة والصلاحيات من حكومة الولاية ففي النمط الأول فان استمداد السلطة يكون من الدولة صاحبة السيادة العليا أما النمط الثاني فالحكم المحلي يعتبر(دويلة) ذات سيادة جزئية بالطبع اقل شأنها وأخف وزناً من الناحيتين السياسية والدستورية.
إن الدعوة للحكم الفدرالي ليس أمراً جديداً على الساحة السودانية فمن مؤتمر جوبا عام 1946 وعلى مدار الأربعين عاماً الماضية ظل السودانيون يقلبون وجوههم في السماء هل نطبق حكماً فدرالياً أم نستمسك بالدولة الموحدة أم تتخذ امراً وسطاً منزلة بين المنزلتين؟
لكن ينبغي أن ندرك ان الدولة الموحدة لا تعني بالضرورة التماسك القومي وصلابة البنيان السياسي والاداري والاقتصادي وفي ذات الوقت فان الاتحاد الفدرالي لا يعني بالضرورة التفكك وتقطيع أوصال البلاد فكل وضع مزاياه ومثالبة والكياسة السياسية تكمن في ادارة التعدد داخل اطار الوحدة والقوامة بالقسط في توزيع السلطة والثروة وأعمال العقل المفتوح لمواجهة المتغيرات من خلال الشورى المؤسسية واعلاء قيمة الآراء مهما كانت طبيعتها وصبغتها.
وفي ظروف الزمان فان أوجب موجبات الفدرالية يمكن ايجازها فيما يلي:
أولاً: الضرورة السياسية والاجتماعية لتطوير الحكم الى صيغة أكثر مدى في اضفاء كينونة ذاتية للاقاليم وكف يد المركز عنها دستوراً. نقلة نوعية جادة معتبرة في السودان السياسي والاداري الضمانات الكافية لاستمراريته ولمواجهة المتغيرات التي يمكن أن تعصف به.
ثانياً: الضرورة الأمنية ونشر لواء السلام في ربوع السودان أن قضية السلام هي قضية انسانية ودينية ووطنية من الدرجة الأولى فقد أكدت عليها الشرائع الانسانية على اختلافها واعتبرتها أساساً لوجود مكرس لخدمة الانسان والارتقاء به قال تعالى:(يا ايها الذين امنوا أدخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين) وورد في الكتاب المقدس ( المجد لله في الأعالي وعلى الارض والسلام بالناس المسرة) والسلام في منتظور الاستراتيجية الدولية الراهنة خط عمل أساسي يؤكد على سعي دولي لتخفيف ترسانة السلاح وتهدئة بؤر النزاع والمناطق الساخنة والوصول الى تسويات للحرب غير المسببة.
ولعل ما قاله جوزيف لاقو قائد حركة التمرد الذي رسم الاتفاقية مع الرئيس السابق جعفر نميري في مذكرة رفعها الى نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش في مارس 1985 قدراً من الصدق أن نظام اللامركزية يقلل مناطق الاحتكاك والشقاق لأنه في داخل الجنوب نفسه مشاكل عرقية لم تعالجها اتفاقية أديس أبابا. ولكنه يعتقد ان الطريقة التي طبقت بها اللامركزية في السودان قد ادت الى تاكل اتفاقية أديس أبابا. فالترتيب الذي تم التوصل اليه في أديس أبابا في عام 1972 يبدوا أكثر ديمقراطية من ذاك الذي ظهر في قانون الحكم الاقليمي لسنة 1980 والجنوبيون يفضلون الالتزام بما كان مرتبا لهم وأن يحصلوا على اللامركزية الناتجة عنه.
ثالثا: ارساء قاعدة صلبة للتنمية القومية مرتكزها التخطيط والتنفيذ الموضعي ولا يتم هذا الا بقامة التنمية المتوازنة في صميم الخطط القومية وبتحفيز الجهد الاقليمي الذي يطور بيئة الاقليم وينمى مقدراته.
لقد الدراسون ونحن معهم فيما وصلوا اليه أن مبدا التخطيط القومي والتنفيذ الاقليمي اصبح من أوابد القديم المهجور تركته الدول الآخذة بأسباب النمو المتوازن والتقدم المئتد وراء ظهرانيها لقد آن الأوان أن تأخذ الاقاليم زمام أمرها فتخطط وتقرر وتنفذ خاصة وأن كثيراً من ابناء الاقاليم قد أوتوا نصيباً موفوراً من العلم والدراية بالتخطيط واسباب التنفيذ فليسوا بحاجة لأن تملي عليهم الخطط من سدنة الدواوين الأعليين في الخرطوم أو تكون وزارة التخطيط صاحبة القوامة التخطيطية عليهم فهم أهل مكة وهم أدرى بشعابها ومن يعرف الشعاب تستبين له الدروب فلا يضل ولا يزيغ.
رابعاً: ضرورة الانتماء الثقافي والحضاري وتحديد الهوية لشعب السودان سواء في موطنه الصغيرة( الاقليم أو الولاية) او على نطاق الوطن الأشمل لقد ظل قادة التمرد منذ عام 1955م ينادون بالصوت الجهر أنهم يريدون تحديد هوية الشعب لاسوداني هكذا قال العقيد جون قرنق لصحيفة الاتحاد الظبيانية في مارس 1986 يريد أن يحدد السودانييون توجههم الثقافي هم عرب أم أفارقة أم ماذا وهذه الدعوة برزت بعد زوال عهد نميري عند الانتفاضة الشعبية (ابريل 1985) لقد تميزت مظاهر الفعل السياسي في السودان بانفجار ضخم في أدوات التعبير السياسي حيث ناهزت الأحزاب السياسية الستين الآن عدداً ولدى الكثير منها منابر عدة للاتصال الجماهيري وطفت من مجموع هذه التقاسيم جماعات تميز نفسها من خلال اداة الخطاب العام يكونها أحزاب أفريقية فهي لا تنفك تدع منبراً يتاح لها الا وضربت على عنصر الانتماء الثقافي الأفريقي وفي مجتمع اختار لنفسه بعد الدينقراطية والمنهاج الليبرالي المنفتح لا قيد على أحد أن يختار من قبل الانتماء والهوية ما يشاء ولكن تميز هذه الكيانات السياسية بشكل انتقائي بصفة الأفريقية دفع بعض الدارسين الى طرح سؤال مركزي: هل نعتبر بمفهوم المخالفة أن الكيانات الأخرى العاملة على المسرح السوداني لا تمت الى الأفريقية ؟
الاجابة بالقطع كلا فالمجتمع السوداني(هجين) من ثقافات شتى دون فواصل حائطية بينها.
وقد اكدت البشرية في علاقتها الدولية الراهنة ضرورة الالتقاء الثقافي فان كان ذلك واجباً يتزايد تحت مطرقة الالحاح في المحيط الدولي فهو في اطار الدولة القطرية الواحدة أوجب واكثر الحاحاً ففي الاطار الدولي لم تنشأ المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم(اليونسكو) الا امتثالاً لذلك الهدف.
ولا تكا تتأمل بامعان في هياكل المنظمات الاقليمية حتى نجدها أجهزة يناط بها مهام التزاوج الثقافي الذي ان وجد في ابعاده الايجابية تكون الخواتم اضافات ثرة لحركة التمدن الانساني وان وجد في أبعاده السلبية فلا يعدو الناتج أن يكون تلفيقاً شائها لا يلوي على شيء.
إن اثارة المسألة الثقافية في سياق الحديث عن المسألة السودانية أمر شديد التلازم لأن كثيراً من الكيانات السياسية ذات المنشأ الجنوبي تسعى لتميز نفسها على أنها كيانات أفريقية الثقافة واقتضاء الخطاب يقر في الذهن أن الافريقية هنا اريد لها أن تنشأ في مقابل الكيانات الأخرى التي تتميز بمعايير أخرى اسلامية وطنية وحدودية … الخ ولكنها لا تردف نعت الأفريقية قرين اسمائها لا لأنها تتجرد من الانتماء الثقافي الأفريقي ولكن لاعتبار ان الانتماء الأفريقي من مسلمات الخصائص السحنية للانسان السوداني.
فالثقافات يمكنها أن تطرح نفسها في المجرى القومي العام خالية من مضامين الزهو ونزعات الاستكبار فهذا يثري دون ريب المجموع الحضاري ونقل لاقيم الرشيد من محابس الاطار الاقليمي الخاص الى الرحابة الوطنية المامولة ويكن الخيار الأوفق لكل دولة اذا تعددت ثقافات وأعراض موطنيها هو أن تتكامل فيها قيم الوحدة وتتجانس فيها الأركان القطرية( الشعب والاقليم والسلطة) فاذا لم يتم الانصهار الكامل والوحدانية (Integration) فلا ضير من أن يتحقق التكامل والنماذج وما لا يدرك كله لا يترك جله كما يقول الفقهاء الاعلام.
والحكم الفدرالي الذي تم تطبيقه في السودان سوف يعالج مسألة الاحتفاظ بالهوية الثقافية لأقاليم السودان أكثر مما فعل نظام الحكم الاقليمي الحالية وقد اقر مؤتمر الحوار الوطني عام 1990بان الاهتمام بتطوير الثقافات المحليةوتطوير اللغات واللهجات والاهتمام بخلق جسور التواصل والتفاهل عبر هذه الأقنية الوطنية أو المحلية وتطوير التعليم وعن طريق هذه اللغات والثقافات والخصائص هو من أهم هوم الوطن.
أن الفيدرالية حالياً أقوى دستورياً وقانوناً من الاقليمية السابقة فقد تقرر أن يكون من اختصاص الولاية اصدار قوانين وتشريعات تنظم المعاملات في اطار رقعتها. مستمدة من المصدرين الأساسيين للتشريع في السودان وهي الشريعة الاسلامية والعرف ويجوز للولاية استثناء نفسها من المواد التشريعية ذات الصبغة الدينية كما أن قوانين الأحوال الشخصية التي تشمل الزواج والمعاشرة والطلاق والأبوة والميراث بحكم خصوصيتها وتاثيرها على كيان الأسرة واستقرارها تخضع للدين والعرف الذي يتبعه الزوجان.
وفي هذا النص معالجة للمشكلة القائمة في السودان والمتعلقن باعتراض الكثرة من أبناء الاقليم الجنوبي على تطبيق الشريعة الاسلامية بصورة عامة على ارجاء البلاد وهذا من دواعي الحكم الفدرالي اذ أنه لم يكن ممكناً في ظل النظام اللامركزي التفويضي مهما كانت قوته اذ يكون له اختصاص قوي مثل هذا بحكم أن الحكم الفيدرالي هو نظام شبه سياسي وطابعه العام اداري (Unitary State).
أن تعددية الأوضاع القانونية أمر فيه جدال داخل السودان وعلى نطاق العالم المعاصر بيد أننا نجد كثرة من الأنظمة الفدرالية (مثل الولايات المتحدة ويوغسلافيا وسويسرا والمكسيك) قد اتخاذ التعددية القانونية منهجاً لاضفاء كينونة ذاتية أكثر عمقاً للولايات المكونة للدولة الفدرالية ونعلم اليوم أن عدد من المجموعات العرقية تطالب(بالاستقلال القانوني) ليصاحب الاستقلال الاداري حتى تستكمل الولايات (او الأقاليم في الدول الموحدة) حريتها في التشريع الاقليمي بما لا يناقض التشريع القومي ففي نيجيريا يتمتع اقليم الهوسا بسلطة التشريع في مجالات الأسرة والرعاية الاجتماعية وغيرها بحكم الصبغة الاسلامية للاقليم داخل الدولة الاتحادية واليوم يطالب مسلمو الفيلبين في جزر (منداناو) ( حوالي 10% من سكان الدولة) بكيان قانوني مميز لجزر يستند على الشريعة الاسلامية الغراء.
وخلال السجال السياسي المستمر الذي يشابه ما نصطلح عليه في علم الادارة بالتفجر الذهني Brain Storming طرحت احدى الفعاليات السياسية المؤثرة رؤية قويمة للتعددية القانونية حيث جاء في احدى أدبياتها (تكون بعض الأحكام القانونية اقليمية السريان اعتباراً لارادة دينية غالبة في منطقة تباين الارادة الدينية الغالبة في الوطن اجمالاً وفي أمور يمكن أن يرد فيها الاستثناء من السريان العام للنظام القانوني لا نزولاً عن الرادة الشخصية للفرد أو الأسرة بل تغليباً فيها للاتجاه العام في المنطقة فلكل سلطة تشريعية في اقليم غالب سكانه من غير المسلمين أن يستثنى الاقليم من السراين العام للقوانين القومية بالنسبة لأي حكم تجريمي أو عقابي وأن يسن مكانه أي قانون يراعى العرف أو الدين الغالب في الاقليم).
وما يقال عن التعددية القانونية يمكن أن يرد في مجال التعليم والاعلام والارشاد وكل أمر يمس الكيان الاجتماعي للاقليم ويراد له أن يبرز الهوية المميزة لشعب الاقليم وخصائصه الثقافية دونما مساس بالكيان العام للسودان كدولة ذات سيادة والقارئ للأدبيات المنشورة في مجال التعليم والاعلام والثقافة ( تحت عنوان التعبير عن التنوع الثقافي) يجد رؤية صائبة في الاتجاه الصائب.
خامساً: ضرورة التغيير وأخذ معطيات الواقع الدولي في الحسبان ونحن نختص لانفسنا نظم الحكم والادارة فالسودان ليس جزيرة معزولة في بحر لجي بل هو كيان سياسي واجتماعي يعمل في نسق مع الدول الأخرى في الاطار العالمي فيتاثر بما يجري فيها سلباً او ايجاباً وفي معظم دول العالم اليوم حدثت تبديلات مرئية كبيرة في خارطتها السياسية ونظم إدارتها ولكننا ظللنا ندور حول الاقليمية والمحلية منذ أن أكمل الحكم البريطاني هندسة المديريات التسع واستمرت على حالها خلال التسينات ثم سميت اقاليم فيما بعد وكلما أردنا اصلاح النظام الاداري ضخ دم التغير والفعالية فيه نجد أنفسنا في اطار المديريات نفسها ولم يكن تقسيمها عام 1974 الى وحدات اصغر بذي جدوى.
أن العالم كله بعيد النظر في القوالب التي تواضع عليها بل أن عدداً من الأنظمة في يومنا هذا تغير نفسها بقوة تشابه الزلزال وعله ذلك أن السلطة الحاكمة تجمد على قالب واحد وتنسج مصالحها حوله ولا تستجيب لرياح التغيير الا اذا هبت عاصفة شديدة قد تقتلع النظام من قواعده فلماذا ينتظر المرء مثل هذه الحالة؟ أن المعطيات الدولية والداخلية تستوجب تغيير الخارطة الادارية وقد حان الوقت لصناعة سياسة بارعة التصميم بحيث ينشأ نظام جديد في ضوء المتغيرات البادرة وخير للمرء أن يستخدم المعطيات بحرية بدل أن يؤخذ على كره.
كل هذه دواعلي ملحة حصرناها في خمسة وهنالك المزيد فالفدرالية تنظيم مؤسسي تجري من خلاله تيارات التكامل الوطني بدلاً من قوالب المؤسسات الممركزة في التراتيب الادارية الدستورية للدولة الموحدة والتي لم تعد جاذبة لغالبية الشعب السوداني .
اضاءة على نماذج فيدرالية :
أن عدد الدول التي اتجهت منحى الفيدرالية يتزايد عاماً بعد آخر لما في ذلك من سجايا وتهدئة لنفوس الأثنيات التي ظننا نحن الدراسون – أن التحضر Urbanization والحداثة Modernization سوف يذوبان العصبيات الأثنية ويكون الناتج مجتمعات متجانسة هذا لم يحدث بل أن الحداثة نفسها قد زادت من حدة النزاعات بحسب قانون المقارنة التراكمية لمستوى التنمية Discrepancy – commutation elfect.
وسوف نسلط ضوءاً وان كان خافتاً – على بعض التجارب العالمية ولن يسمح لنا حجم الورقة بالاكثار من عدد البلدان، فحسبنا أربعة،اثنان منها تجربتان ناجحتان، وأخريتان دون ذلك .
التجربة النيجيرية:
هذا نموذج يحمل في طياته ابرز عوامل الاخفاق في تطبيق اللامركزية التخويلية(الفيدرالية) أسفر صبح الاستقلال في نيجيريا عن دولة عظيمة المساحة كثيفة السكان(ثمانون مليون)،ثره الموارد ، متعددة الأثنيات وعلى سدة حكمها رجال ذوي بأس شديد (كرزمات) شكلوا رموزاً سياسياً التفت حولها أول العهد مجموع الشعب بحسبانها التجسيد الوطني للسيادة والعزة والفخار بعد رحيل المستعمر( احمد بيلو، أبوبكر تفاوا) ولكن ما لبثت هذه الرمزية أن توارت وراء حجب الزمان بانقضاء الآجال أو بالشيخوخة أو الاعتزال السياسي. كانت هذه الرموز السياسية صمامات تماسك مؤقتة فجر الاستقلال .ولكن ما لبثت الخلافات أن اشتجرت وتعمقت بين الأثينات الى المدى الذي فتت عصر الدولة وأدى الى انفصال جزء منها الى حين (1968-1970) ودخل العامل الديني حلبة الصراع فزاد النيران اشتعالاً. غير أن التفاضل التنموي ،Differentials in Development.
كان العمال المحوري لبروز الفتنة الأثنية، ولم تغن الدساتير المبشرة بالحقوق المتساوية والمواطنة والعدالة فقد بقيت نصوصاً دون ان تتنزل على أرض الواقع كما لم تغن الثروة البترولية عن استمرارية بؤر الفقر والعوز على أرض نيجيريا على خلفية ضبابية الخطط التي يرسمها القائمون في مجلدات زاهية الألون دون برامج محددة لانزالها على حياة الناس فيما اسماها أحد الدارسين (تخطيط بدون تنمية) planning Without Development (9)
إن التجربة النيجيرية تعاني من حدة العصبيات القبلية فالنظام الفيدرالي قد نسجت خيوطه على التقسيم القبلي بحيث تتوافق التخوم الادارية مع الاقليمية القبلية الأمر الذي يجعل السياسات التنموية مقيدة بالحدود الأثنية ، وبالتالي فان الرشد الاقتصادي الموضوع Substantive Rationality يتزاور خلق الرشد الرضائي Satisfying Rationality ولن ترضى أية أثنية بأقل ما تحقق لأثنية أخرى وان كانت مقومات نجاح مشروعات التنمية معدومة لديها (10).
التجربة الماليزية:
فاذا انتقلنا سريعاً من غرب أفريقيا الى شرق آسيا ابتغاء المقارنة الموحية، لوجدنا لوحة مختلفة تعكس واقعاً اجتماعيا وسياسياً جديراً بالدراسة المتأنية فدولة ماليزيا مركبة من ثلاث أثنيات : المالي Malay وهي الأغلبية (60%) والهنود ثم الصينيين ، بنسب مئوية متقاربة ولكل من هذه المجموعات ثقافتها ومعتقداتها الدينية وأغراضها ونمط حياتها.ولكنهم جميعاً يتساكنون بسلام على أرض الدولة بتوافق دستوري ينص على “تشجيع الانتماء للوطن الجامع” ورسم سياسات لتعزيز البنية الثقافية”(11) ويسود الاستقرار في ولايتها الثلاثة عشر المكونة للنظام الفيدرالي وأهم ما يميز هذا النظام:
1) هناك نوع من السلام الاجتماعي بين الأثنيات المختلفة ، خاصة بعد أن عالجت الحكومة قضيا التنمية المتفاوتة في الأقاليم وأنصفت الأغلبية المالاوية التي كانت تعيش مستوى متدن من العيش والكسب،بينما تعيش أقليتان الهندية والصينية مستوى معيشياً مرتفعاً. هذه النصفة رسخت وئاماً مرئياً.
2) أنها دولة يسود فيها نظام متعدد الأحزاب، كما أن تكوين الأحزاب فيها يتوافق مع التركيبة الأثنية رغم خطورة ذلك ولكن طبيعة الأسيوين عامة تميل نحو الهدوء واللين. وقابليتها للعنف ضئيلة، فلا مظاهر للاقتتال خلال العقدين الأخرين، والمظر البادي هو كما وصفه كاتب متخصص في الشأن الماليزي هو Cultural Approachment (تقارب ثقافي) (12)
3) أن مفهوم الماليزيين للدين رحب ،فهم أبعد ما يكونون عن “العقائديين” بالمعنى السائد في الدول العربية بل يقصرون الدين في التعامل والمناصحة والسوك الشخصي أكثر من كونه مذهبياً للحكم والاقتصاد وضبط المجتمع.
4) يستمسك الماليزيون بعصم التقاليد الأسيوية والقيم الاجتماعية المتجرزة في المجتمع وهذا مدعاة للوحدة التلقائية فهم يطيعون الكبار ويمتثلون للحكام وسوى في سلوكهم السياسي ما يمكن تسميته الامتثال الزرائعي pragmatic compliance .
أن هذه الخصائص وتلك السمات حولت دولة ماليزيا الفيدرالية تخطو بثبات نحو تحقيق ميثاقها الاقتصادي( ماليزيا) Malaysia 2020 ميثاق تستوعبه فحواه كل الجماعات الأثنية والشرائح الاجتماعية الفاعلة والأحزاب السياسية والكيانات الدينية فهو بمثابة – كما قال أحد ولاة الولايات – الكتاب الثالث بعد القرآن الكريم وموطأ الامام مالك(13) وقد شرح مهاتير محمد عند زيارته للسودان قبل عامين القواعد الاقتصادية للفيدرالية التي حولت الولايات الثلاثة عشر الى خلايا اقتصادية حية وعمق الرضا الاجتماعي بين السكان فلا احتراب بئيس ولا مشاكسة مقيتة.

النموذج البلجيكي :
ظللنا حيناً من الدهر نحسب أن الحداثة والتحضر والرقي الاقتصادي كفيلة بتذويب الأثنيات هكذا بشر فلاسفة الحديث بعد الحرب العالمية الثانية () ولكن المسار السياسي لدول أوربا والقارة الأمريكية والجنوبية لم يعضد هذا الظن والأمثلة من ايرلندا الشمالية وكندا والبرازيل وغيرها تقف شاهداً بارزاً على دحض فرضية أن الحداثة تضائل التنازل الأثني.
ففي بلجيكا لم تخمد نار النزاع بين مجموعتين الفلمتش والوالوونز Flemish and Walloons أكبر مجموعتين أثنيتين ،الا عام 1962 عندما تم تقسيم الدولة الى اقليمين في نظام فيدرالي ذي سلطات واسعة لكل اقليم وعلى أثر ذلك خبت نار الفتنة العرقية حتى يومنا هذا وقد خلصت معظم الدراسات التي أجريت المسألة البلجيكية الى الآتي:
1) أن النقاء العرقي( الأثني) لا يمكن تحقيق في عالم اليوم ، فلا تستطيع انشاء ( حظائر أثنية Ethnic Enclaves على ارض الدولة بحكم الحراك الاجتماعي الموسم به العقدين الماضيين.
2) أن حدة التنازع الأثني قابل للتصاعد غض النظر عن المستوى المعيشي للسكان ودرجة النمو الاقتصادي ، لأن القضايا الاجتماعية الناشئة عن حركة النمو سرعان ما تلبس اللبوس الأثنى( حتى النزاعات في مجال الرياضة والمسرح والموسيقى)
3) لابد من الإهتمام بالعلاقات الأثنية الجمعية Communal linkages أكثر من العلاقات الفردية ، المواطنة العامة هي اساس الحقوق والواجبات ولكن لابد من استصحاب الحقوق الجمعية بنفس الدرجة والتركيز.
4) إن أدارة التعددية الأثنية في اطار الحكم الفيدرالي تستوجب تقوية مستوى الحكم المحلي واثراء العلاقات الاجتماعية في هذا المستوى صعوداً الى المستوى الاقليمي ثم تتويجاً بالمستوى القومي .
5) من الصعوبة بمكان تصور احترازات ضد قصر النظر الثقافي (Mayopia) في التعامل والتواصل الأثني بين المجموعات Cultural transaction مهما كان المستوى التعليمي في المجتمع أي ليس هنالك تناسب طردي بين درجة التعليم والوعي من جانب والنسق الاجتماعي Social Harmony من الجانب الأخر.
6) إن انقصال جزء من الدولة من أجل الذاتية الأثنية في اطار سياسي دستوري قبل التسوية السياسية ، لا يضمن التعايش الايجابي والمستمر بين الكيانين المستقلين وانما تتوتر العلاقات في غالب الاحيان بالذكريات الماضية التي يختزنها أعضاء الهوية الأثنية، وقد تتغذى باتجاهات واستراتيجيات سياسية لدول أخرى ذات مصلحة في الابقاء على العداء القديم.(هولندا في الحالة البلجيكية).
7) النظام الفيدرالي للحكم والادارة ليس بسماً أوحداً وثابتاً لادارة التنازع الأثني Not Ulimate Solvent وانا هو على أحسن الفروض اطاراً دستورياً للتوافق الاجتماعي والتحاور المستدام في شئون الدولة متحوراً حول القرار المحلي (الاقليمي) والمشاركة الشعبية والاعتراف بالتنوع الأثني وكلما = تسارع الحراك السكاني بين المجموعات الأثنية باختراق الحدود الجغرافية،زاد التفاعل الايجابي وتحقق السالم الاجتماعي.
النظام الفيدرالي السوداني(1994-2010):
ظل السودان يبحث عن دستور دائم لارساء قواعد للحكم منذ حصوله على الاستقلال السياسي عام 1956 فلم يزد سعيه المتعثر في ظل التطور السياسي المرتج الا خيالاً.
والنظام الاتحادي( الفدرالي) الحالي جهد محمود ولكنه منقوص فقد أنشأ أربع مستويات للحكم : قومي(اتحادي) حكم ذاتي متميز للجنوب، سلطات ولائية ثم سلطات محلية(ضامرة).
هذا التدبير السياسي جعل نظام الحكم في السودان مهتزاً، غير متناغم Asymmetrical ،مما يؤدي الى احادث شرخ جديد في العلاقات الأثنية ، اذ بدا الشعور بالغبن في شمال السودان ( ذي الثقافة العربية الاسلامية) ينمو بأثر الابتزاز السياسي الذي نتج عن اتفاقية نيفاشا 2005.أن الاحساس لدى عرب ومسلمو الشمال بأن التفاضل في تقسيم السلطة والثروة بحسب الاتفاقية والتي صارت دستوراً للبلاد ، بات صادقاً رغم أن المال الذي تدفق مدراراً على الجنوب لم يحفظ الأمن ولم يحقق نمواً ملحوظاً كما أن التشققات والتشرذم داخل الجماعات الأثنية في الجنوب صرف قسطاً مقدراً من الموارد لاطفاء الحرائق القبلية( الأمن والشرطة) واشياء أخرى إن تبدو لنا تسؤنا).
لقد آمن السودان بضرورة ارساء قاعدة الحكم الفيدرالي،وغدت دون ريب عقيدة مهنية لدى الاداريين والاقتصاديين ، ناهيك عن سدنة السياسة واعلام الفكر أن الطرح الوحدوي عوضا ًعن التمويل السياسي يستند الى مسوغات جرئية ولكنها غير منسقة مع الاتجاه العام، وأبرزها :

خاتمة المقال:
إن الدول المربكة ثقافياً (Multi- Ethnic) تعيش زماناً يمور بالغليان ، وتهددها دعوات الانفصال والتجزئة،وان لم يكن ذلك فالاحتراب المفضي الى الخسران المبين.
بيد أن الأمر يستوجب قيادة سياسية فاعلة تؤمن بما تقول. نحن في السودان ونتسم بعقلية مزدوجة:
مركزيون في سلوكنا الاجتماعي ، ونحمل في ذات الأوان أفكاراً متقدمة في نظرتنا لادارة الدولة. هذه الثنائية المتناقضة Paradox تضعف دون ارتياب قدرتنا على النهوض بالسودان سياسيا واجتماعياً ولعلني أتفق مع زميلي دكتور فرانسيس دينق في مقولته التي أطلقها عام1974 بأن النظام اللامركزي يصاب بالشلل العضوي من جراء الانسياب المركزي المستتر( Political Osmosis) ومصداق ذلك أن اللامركزية الاقليمية (1981-1986) يشوبها الانسياب التحكمي من خلال( الحزب الحاكم) الممثل لقوى الشعب العاملة.
والفيدرالية الحالية (1994-2005) يشوبها التحكم الانسيابي من خلال”الوعاء المأمول والجامع لأهل السودان”وقبضة القوامة المركزية المالية على الموارد وحرية القرار. ما لم تنفك من هذا الاسار فان السلام الاجتماعي والائتلاف الأثني سيظلان سياحة ممتعة في الخيال الجامح.

إحالات مرجعية

1)Hunt,Chester L. Ethnic Dynamics (the Dorsey Press,Illiomois.1998.)
2) Dashefsky ,Arnold , Ethnic Identity In Society(London Nllay College Press)1979) P45.
3) Humt,Chestr L. Ethnic Dynamic,Op.cit,p62
4) Easman .Milton,The Management Of Communal Conflicts NowYork The Free prass 1995.P15.
5) أ. د الهادي عبدالصمد: التنظيم الدستوري لادارة التنوع الثقافي في السودان،(اصدار مركز الدراسات الاستراتيجية،1998) ص 16-22.
6) أ.دالهادي عبدالصمد: السودان بين الاقليمية والحكم والفيدرالي (الامارات العربية المتحدة، مطبعة العلاقات الثقافية) 1990.
7) Lauer ,Robert H.,Perspectives On social change .(Boston Allyn &Bacon .Inc)1975 P14.
8)Myrdal ,Gunnar ,The Asian Drama :An Enquiry Into the Poverty Of Nation (London the University Of London)P92.
9) Waldavisky ,Aron ,Planning And Budgeting in Poor country (NowYork Johns Wiley & Sons 1989.p44
10) د. بهاء الدين مكاوي: الصراعات الأثنية في أفريقيا (المركز العالمي للدراسات الأفريقية – الخرطوم – مطابع العملة السودانية ،2007).
11) Shank Retenda . Malaysia :The Asian Giant (London) Press 2002.
12) King ,Robert (Ed.)Attitudes .Conflict and Social policy (NewYork) Academic Press .1995p120.
13) هذا حديث مع حاكم ولاية سارواك أثناء زيارة الوفد السوداني لافتتاح أسبوع السودان الثقافي في ماليزيا برئاسة كاتب هذا البحث1996م.
14) Hunt ,L Ethnic Dynamics (op.cit)
15) Deng Awur Wenywire The Search for a Permenant Constitution In the Sudan ,In Hasshan M.Salih,(ed.) Federalism in the Sudan U.Of K.press1995.
16) هذا الفصل مأخوذ بجملته من كتاب الباحث :التنظيم الدستوري وادارة التنوع الثقافي في السودان الصادر عام 1990،الخرطوم ، مركز الدراسات الاستراتيجية.
17) د.عوض السيد الكرسني :الفيدرالية في السودان (مطبوعات مركز الدراسات الاستراتيجية الخرطوم1998)228-230.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.