فلسفة التاريخ في الخطاب القرآني من منظور الابتلاء الإلهي

فلسفة التاريخ بين ابن خلدون و(فيكو)
30 أغسطس، 2016
مفهوم فلسفة التاريخ
30 أغسطس، 2016

إعداد الدكتور : محمد مجذوب محمد صالح
مدخل تمهيدي :- تطرح هذه الورقة مفهوم الإيمان والتوحيد، وما يرتبط به من مفاهيم أخرى،كمفاهيم فلسفية، بديلة لفلسفات التاريخ التي عرفها الفكر البشري الوضعي. فنحن نقرر ابتدءاً ومن الناحية المنهجية ؛ القول: بأن كل صياغة عامة لفلسفة التاريخ ولا بد وأن تنطلق من موقف قبلي مسبق. سواءً أكان ذلك الموقف معلناً، أو غير معلن، مصرحاً به أو غير مصرح من قبل صاحبه. بيد انه يظل حاضراً دائماً على مستوى التصور والتحليل، وهذا ما نجده عند أولئك الفلاسفة الذين يؤكدون على أنهم ينطلقون من منطلق علمي في تحليلهم للتاريخ. فماركس – مثلاً- نجده في التحليل النهائي ينطلق من منطلق مسبق يتصور فيه التاريخ البشري مجتمعاً من دون طبقات ، ثم يشرع في فلسفة للتاريخ من خلال تلك المقولة المسبقة ، وكذا الحال مع “أوغست كونت” الذي ينطلق من تصور مسبق للمجتمع يعبر عن سيادة الفكر الوضعي في المرحلة الأخيرة التي ينتهي إليها قانون الأحوال الثلاث في التطور التاريخي . وكذا ورقتنا فهي فتنطلق هي الأخرى من موقف مسبق أساسه دلالات الخطاب الإلهي باعتباره نقطة معرفية تقع خارج التاريخ يكون النظر إلى التاريخ من خلالها. بيد أنها النقطة التي تتمتع بصفة الإطلاق والخلود والكلية والعموم، وهي الاعتبارات الراجعة إلى إعجاز الخطاب القرآني . وعلى هذا فما يميز فلسفة التاريخ المطروحة هنا في الورقة كونها لا تنطلق من رؤية ذاتية تشكل عائقاً معرفياً أمام البحث العلمي الراشد، بيد أنها تنطلق من الخطاب الذي يعطي ضمانة علمية مهمة في بناء فلسفة التاريخ وفي بناء كل معرفة أخرى تعصم صاحبها من الخطأ، فالخطاب يحدد الهدف من التاريخ، ويضع الإطار العام ،ويوضح سنن الصلاح والفساد، كما يشرح النهاية والمآل والمصير .
فمنهج الورقة على هذا ليس منهجاً تجريبياً أو تاريخياً ينطلق من التاريخ ليدرس التاريخ، ولكنه في المقابل لا يهمله؛ لأنه يدرس وقائع التاريخ من خلال دلالات الخطاب المعصومة من الخطأ، والمستوعبة للوقائع، والمتجاوزة لها في آن واحد. فالمنهج الذي نوظفه منهج يقرأ التاريخ من خلال دلالة الخطاب القرآني، باعتبار أن الإيمان بالقران ليس مسألة أخلاقية وعقائدية فحسب؛ بل هي فضلاً عن ذلك مسألة معرفية. ذلك أن الانطلاق من الخطاب الإلهي في تصور التاريخ ودراسته – تعطي الدارس قدرة أكثر على إدراك الحقيقة التاريخية ، في مقابل الزيف والظنون والفروض التي تصدر عنها فلسفات التاريخ التي تتحول وعلى المستوي العلمي إلى ايدولوجيا سرعان ما يتم تجاوزها وتجاهلها. وبالنتيجة تنهار كل فلسفة للتاريخ بنيت على ذلك الأساس الرخو والمائع. فالايدولوجيا مهما كانت فهي من صنع الإنسان ، وهي غالباً ما تعطي نتائج ظنية إن لم تكن باطلة ، وكثيراً ما تعيق البحث العلمي الرصين. في حين أن النظر إلى التاريخ من خلال مرجعية الخطاب الإلهي، مما يعطي الصواب والحق اللازمين؛ باعتبار أن دارس التاريخ من خلال الخطاب – لا يكون سجيناً للحظة تاريخية ما داخل هذا التاريخ أو ذاك ، بل هو يتجاوز اللحظة التاريخية ويعلو عليها ليتصور الأهداف في المستقبل. وليتبين إمكانات الحاضر وعيوبه. أما ذلك التجاوز الذي تعطيه الفلسفات التاريخية لصاحبها فهو تجاوز زائف سرعان ما يكشف التاريخ نفسه خطأه وبطلانه. من هنا فإن الانطلاق من الخطاب هو الشرط الرئيس للحصول على معرفة علمية لفهم حقيقية الواقع التاريخي؛ لأنه لا يمكن صياغة عقلانية لفلسفة التاريخ، إلا بالوقوف على نقطة خارج التاريخ الإنساني نفسه تمكن من النظر إليه ككل لا كأجزاء أو فترات تاريخية بعينها . وهو الموقف الذي يمكن عالم التاريخ وفيلسوفه من تجاوز حدود المستقبل لينتهي إلى طرح مسألة الغاية من التاريخ ونهايته.
والمعني إن فلسفات التاريخ المختلفة مهما كانت درجة صحتها وجودتها في تفسير وشرح الوقائع التاريخية، فإنها تظل قاصرة عن الإحاطة بجميع التفسيرات الممكنة لظاهرة التاريخ الإنساني بعامة، ولذا اتضحت ضرورة التماس رؤى وتصورات عن الحياة والإنسان والتاريخ من الوحي وبواسطته،
كما هو الحال في النظرية التركيبية للتاريخ عند اشبنجلر ؛والنظرية الجدلية للتاريخ عند هيجل ؛ونظرية التقدم عند فولتير التاريخ ، مؤكداً والتنويريين عموماً؛ونظرية العناية الإلهية في الفلسفة المسيحية .؛ ونظرية التحدي والرجع عند تونبي . ؛نظرية المراحل هند مالك بن نبي ؛ ففي ذلك إن سائر فلسفات التاريخ الوضعية المفسرة لنشأة التاريخ البشري وأصل الحضارات واتجاه التاريخ العام والتراكيب والتقدير الداخلي والسنن التي تحكم الحركة التاريخية تبدو متهافتة متعارضة، ابتداءً من أفلاطون مروراً بابن خلدون وانتهاء بتوينبي، وهي تضع إجاباتها عن ذلك السر التاريخي المبهم والغامض. لأنها جاءت تبحث عن فلسفة للتاريخ من نسيج علاقات التاريخ البشري ذاته، أي من داخله،
فبتحليل نهايات المدرسة الأفلاطونية وامتداداتها في تفسيرها للتاريخ، نجد أن بعض تياراتها يصدر عن رؤية شاملة تشرح الحياة وغاياتها والنشاط الإنساني وبواعثه. وكيف أنها ترددت بين تصور التاريخ في عالم المثل عند أفلاطون إلى الفلسفة القدرية عند اللاهوتيين وما عانت منه من مشكلات القضاء والقدر ، وبتتبع سير خطاها في فلسفة التاريخ وحالاتها نري كيف توافقت وكيف تناسخت في أحيان ؛مما يفسر كيف نشأت على أعقاب فلسفة القدر فلسفة التنوير، التي نادت بفكرة التقدم كتصور شامل للتاريخ البشري وما تمخضت عنه من تيارات داخلية نادت بالتقدم العلمي تارة وبالتقدم المادي تارة وثالثة عندما عدلت فكرة الحياة كمبدأ للتاريخ. وكيف كان جاء رد فعل هذه الفلسفات من الدين المسيحي قوياً وعنيفاً، مما انتهى بها إلى المذاهب اللاغائية التي لا ترى للحياة وللتاريخ هدفاً وغاية. لتعود أحوال فلسفة التاريخ عند المدرسة الأفلاطونية، لتنقلب عائدة مرة أخرى إلى الدين وإيضاح مدى ضرورته في شرح وتصور وصنع وتركيب التاريخ الإنساني والتاريخ. وكيف أن فلسفة التاريخ عند هذه المدرسة قد قطعت رحلتها الشاقة الطويلة لتعود وتقرر ما نفته بالأمس عن ضرورة الدين وأصالته في الفلسفة التاريخية؛ وهو ما انتهت إليه فلسفة التاريخ الغربية عند توينبي، وكيف عادت الدعوة قائمة إلى الارتباط بين الغيب والشهادة، وبين الأخلاقي والعالمي، وبين المثالي والواقع ملحاً وضرورياً.
ويتضح التفسير المادي للتاريخ أكثر ما يتضح مع بن خلدون وما تفرع عنه من اتجاهات حديثة. ففلسفة بن خلدون للتاريخ نفسها هي عندنا بمثابة فلسفة مادية تاريخانية تنطلق من التاريخ وتنظر وإليه ،أكثر منها فلسفة متجاوزة للواقع تقدم الحلول إليه من منطلق متجاوز للتاريخ. وما ذلك إلا لأن بن خلدون قد تفلسف في اجتماع بدأت أمارات الانحلال والتدهور تعلو وتظهر فيه،وهو الذي استند في استنتاجاته إلى دراسته لأحوال الحضارات التي كانت حاضرة في زمانه، كحضارات العرب والبربر و الفرس، والسريانية، والقبط، والروم، والفرنجة، والترك، وغيرها، ولو أن ابن خلدون نظر إلي واقعه من الخارج، بمعنى من مصدر خارجي كالخطاب القرآني مثلاً، ونظرته إلى تأصيل أصول التاريخ لكان قدم خدمة علمية كبيرة وهو صاحب تلك الإمكانات الهائلة في حين استخدامه لآيات القرآن جاء استخداماً تبريراً وصفياً لحالة عصره، ولم يستخدمه استخداماً تجديدياً إبداعياً يمكنه من استخراج عناصر نظرته في التاريخ الإنساني تكون هي المثال الأعلى التي تسعي التاريخات البشرية لبلوغه وتحقيقه أيا كانت هذه التاريخات عربية أو عجمية .
إذ الملاحظ إذن أن فلسفة بن خلدون يظللها قانون العصبية والذي هو صدى لواقع عصرها الذي كتبت فيه، عصر بداية الانحطاط للحضارة الإسلامية، فقانونه عن الحركة التاريخية جاء حديثاً مركزاً عن قانون العصبية ،بيد أن العصبية قانون فاسد دائماً ما يعمل بفاعلية أكثر لحظة انهيار الحضارة وأفولها لا لحظة ازدهارها ونهضتها التي تكون بعامل من سنن الإيمان والتوحيد ، وهي السنن التي لم يأبه لها كثيراً ابن خلدون، الأمر الذي أوقع فلسفته للتاريخ في التاريخانية ومن هنا كان إعجاب فلاسفة الوضعية به، هذا الوضع الذي أوقع ابن خلدون في تناقض شديد، ذلك لما أراد أن يتحدث عن أسباب الملك والنهضة بحديثه عن الدين فهو يقرر في معرض شرحه لنظرته: أن العرب البدو لا يحصل لهم الملك إلا في حالة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة. والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة فقل ما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يجعلهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة والوازع عن التحاسد والتنافس. فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبايعهم إلى القيام بأمر الله ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذ بمحامدها ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق ثم اجتماعهم حصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق والهدى بسلامة طباعهم من عوج الملمات وبراءتهم من ذميم الأخلاق، وإلا ما كان لخلق التوحش القريب المعاناة المتهيئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى وبعده عندما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الملمات فإن كل مولود يولد على الفطرة .
فابن خلدون هنا يجعل من الدين – مثلاً – ظاهرة يتقبلها المجتمع لحاجة تقتضيها العصبية والسياسة والملك، في الوقت الذي يجعل الدين من العصبية خادمة له وفي وظيفته. فالمستوى الحقيقي للسياسة والملك والسلطات التي تقتضي أن يكون السائس وازعاً بالقهر، ولا يكون ذلك إلا ببزوغ رسالة دينية، فالمجتمع الوحشي الطبيعي قد تنقلب أحواله فيصير سياسياً، وذلك بأثر عقيدة دينية جماعية. إذن فالرسالة الدينية هي التي تقلب الوضع عند ابن خلدون فيحدث التجاوز من مستوى المجتمع الطبيعي إلى مستوى المجتمع الإنساني “فإذا كان منهم النبي أو الولي الذي يبعثهم إلى القيام بأمر سلطة الله ويؤلف همتهم لإظهار الحق قام اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك ، فالعقيدة الدينية عنده هنا ليست مجرد نظام للعقائد أو المعاملات،بل هي تؤدي رسالة تسعى إلى تحقيقها جماعة ما، آنذاك فقط تكون وسيلة هذا المجتمع الطبيعي قد بدت حتى يصير مجتمعاً سياسياً، فالسياسة يعتبرون إليها بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصيغة دينية، فعنده أنه لا سبيل إلى المجتمع الطبيعي لكي يصير مجتمعاً سياسياً، إلا عن طريق الدين حين يكون دعوة ويرجع مدللاً على دعواه إلى التاريخ خاصة تاريخ العرب. فهو يعد بدو العرب هم مثال المجتمع الوحشي أو المجتمع الطبيعي بإطلاق. منبها إلى أن حلمهم وإيمانهم بدعوة الإسلام قد انتقل بهم المجتمع الطبيعي إلى المجتمع الإنساني، فتنقلوا بذلك من الترحال إلى الاستقرار،ومن الندرة إلى الترف، ومن الرئاسة المعنوية للقبيلة إلى إقرار نظام الملك وتأسيس السلطات.
ويبدو أن الظرف التاريخي الذي كتب فيه ابن خلدون مؤلفه، وهو واقع بداية اضمحلال التاريخ الإسلامي قد أثر عليه في كتاباته، فإذا اعتمد ابن خلدون وهو يدشن نظريته على ذلك الواقع مستنبطاً منه نظريته فلا شك أنه لا يرى إلا عوامل انحلالها وعلى رأس تلك العوامل العصبية، فقرر أنها القانون الحقيقي للتاريخ، ومن الجهة الأخرى، فإن اعتماد ابن خلدون على استقراء معرفته للتاريخ من خلال التاريخ العربي وحده، دون الاعتبار لمعارف الخطاب ودوره في معرفة العوامل المحركة الأخرى للتاريخ مما أضعف كثيراً من فائدة نظرية العصبية كفلسفة للتاريخ. والحق أنها الإشكالية التي تسعي رؤيتنا لتجاوزها فلا تعتمد على الواقع الإسلامي المنحط في الحاضر، بيد إنها تسعى لإصلاحه بالاعتماد على مرجعية القرآن الكريم والحديث الصحيح، والذي يقرر فيها كيفيات قيام التاريخ الراشد ،من خلال مقولات الإيمان، الأمر الذي يجنبنا الاستقراء من المجتمع الإسلامي الراهن في توضيح الصورة المثالية للتاريخ. وإذا كان ابن خلدون قد رجع إلى القرآن فهو إنما رجع إليه ليقرر وليقرأ فيه الواقع التاريخي لا العكس.
بيد أن الأهمية العلمية الكبيرة لفلسفة التاريخ عند ابن خلدون، تكمن في كونها أخذت في دراسة الظاهرة الإنسانية والتاريخية من منطق دراسة مركبة متشابكة، مستخدمة في ذلك الاستقراء ،بدل القياس الجزئي الذي كان يوظفه علماء الفقه الإسلامي، فهو بذلك يكتشف أداة ومنهجاً في الثقافة الإسلامية لفقه المسألة الإنسانية،لم يكن معروفاً عند المسلمين كمنهج له خصوصيته وأسسه ومناهجه وماهيته الخاصة، بالقدر الذي كان له على يد ابن خلدون الذي أشار إلي ذلك بنفسه، فقد زعم أنه قد اهتدى إلي الأس الذي يقوم عليه التاريخ الإنساني ، وأنه قد فعل بالتاريخ ما فعله المعلم الأول أرسطو بالمنطق ، وهو الأس الذي يعمل على تنظيم أمور التاريخ الإنساني وشئونه،كي ينعم بالاستقرار ويمنع الفوضى مما يدفع الفرد إلي العمل ومن ثم يحقق ذاته .مقرراً وبصورة جازمة أن التاريخ ما هو إلا فن عظيم، يقول: أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تداولتها الأمم والأجيال وتشد إليها الكاتب والرحال، وتساوي في فهمه العلماء والجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول السوابق من القرون الأول ،تنمو فيها الأقوال وتضرب فيه الأمثال وتطرف فيه الأندية إذا غاضها الاحتفال وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلب فيها الأحوال واتسع للدول المجال والنطاق وعمروا الأرض حتى نادي بهم منادي الارتحال وحان منهم الزوال. فابن خلدون بذلك ينظر لوقائع التاريخ ويجعل منها فناً، وهو الأمر الذي لم يكن ملحوظاً من قبل عند طائفة المؤرخين المسلمين والأهم من ذلك عند الفقهاء الذين يعنون بشؤون الإنسان بصورة أكثر جزئية.وحري بالفقه الإسلامي أن يدرس الظاهرات الإنسانية عن طريق فقه مركب يعرض للجزئيات،ولكن في سياق كلي يعرض للسنن ينظر ويحقق ويفسر سلوك للكائن البشري في كليته وعمومه، عن طريق مدخل تاريخي يجعل الهدف من دراسته هو وقوف الأجيال الحاضرة على أحوال الماضي، كي يعتبر هؤلاء بمعرفتهم لهذه الأحوال في سعيهم لبناء حاضر اجتماعهم ،ذلك أن الحاضر يبنى على الماضي واللاحق يؤسس على السابق، فالتاريخ تواصل وتكامل بين الماضي والحاضر.
والحق إن الفلسفات المادية في رؤيتها للتاريخ ولفلسفته عرضة لجملة من الانتقادات نجملها في الأتي .أولاً :- إن سائر الفلاسفة الوضعيون يشتركون في كونهم ينطلقون من منظور تاريخاني عند نظرهم للتاريخ، فقد لا نخطئ التقدير إن قلنا إنه وقبل اشبنجلر نجد أن ابن خلدون قد دفع بمفهوم العصبية-كمفهوم تاريخاني- دفعة جبارة جاعلاً منها قانوناً يقف وراء حركة التاريخ. إلا أن ابن خلدون يظل أكثر رحابة من الفلاسفة الذين جاءوا من بعده، إذ إنه يقرر أكثر من عامل لعلة حركة التاريخ ونشأة الحضارات، فدوماً ما يلفت الانتباه إلى أن بعض العوامل تكون في بعض الوقائع التاريخية أشد أثراً من البعض الآخر، إلا أن العصبية تظل عنده هي العامل الحاسم، فعنده أن ظفر جماعة بجماعة يقوم على أوجه مختلفة من القوة في العصبية الظافرة إلى تجانب أدوار تالية للطبيعة والبيئة والعوامل المادية. فابن خلدون يدفع بالحتمية إلى أقصى حدها من وراء دافع العصبية،يقول : أعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية،وليس وقوعها عندها باختيار،إنما هو بطبيعة الوجود وتركيبه،ومن ضرورية التاريخ التنازع لاختلاف الأغراض، فالاختلاف يؤدي إلى سيطرة القوى، فالتاريخ والعصبية بمثابة المزاج المتكون، والمزاج المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر، فلابد من غلبة أحدهما وإلا لم يتم التكوين. وعلى هذا فابن خلدون يقدم عامل العصبية باعتباره العامل الحاسم في حركة التاريخ والتاريخ، ولكنه لا يهمل العوامل الأخرى في التاريخ .
ثانياً :- إن دعوى دورة الحضارات كما تعارف عليها فلاسفة التاريخ من الماديين ، ليست بالدعوى الخالدة والمطابقة لكل الأوضاع. بل هي قد تكون دعوى قاصرة ولا معنى لها في بعض الأوضاع، ذلك أنه بالإمكان لحضارة ما أن تتجدد باستمرار،فتجدد من روحها وفكرها وبوعي، فلا تغشاها غاشية الركود والتأخر، بل تظل دوماً تتكامل نحو المطلق، والمتعالي بتجديد تدينها ومنهاجها، وعندئذ لا تعترضها عوارض التدهور طالما بقي الغالب على السنن الفاعلة داخلها هو سنن النهوض لا سنن السقوط. وهو الوضع الذي يجد فيه التاريخ نفسه في اتجاه صاعد نحو المثال، وفيه تظل الجهتمعات متدرجة من دائرة الإسلام، والذي يعني جماع الفرائض والأصول السياسية والتاريخ والاقتصاد المشروعة في الدين، والذي به يتم أساس البناء الحضاري نحو دائرة الإيمان، الذي يحوي جماع دائرة الإسلام ويتجاوزها نحو مثال الإحسان، الذي يظل مفتوحاً نحو المطلق، فإذا سار التاريخ على هذا النحو متجدداً دوماً فإنه بلا شك مترقٍ وباستمرار. وذلك يرجع كما تقرر إلى أن للتاريخ قوانينه التي لا تحابي أحداً ولا تجامل أمة مهما كانت، وهذه السنن أشبه بالمقدمات التي تلزم نتائجها، وأيما حضارة إذا ما التزمت شروط التجدد والمدافعة والتمكين، فإنها لا محالة سابقة وسامقة، وإذا سلكت حضارة أخرى دروب الانحدار والتجمد، فإنها ساقطة لا محالة ولا يشفع لها ادعاؤها أنها تدين بدين أو برسالة ما. وفلاسفة التاريخ عبروا عن هذه السنن بعبارة الدورات الحضارية كما يبدو ذلك واضحاً عند بن خلدون وتوينبي وابن نبي. بيد أن ما قدمه هؤلاء عن شرح حالة الهبوط في التاريخ الإنساني ليس كافياً في شرح الطريقة التي تقوم بها الحضارات، فمثلاً عن منحي توينبي لحضارة بدأت تتجمد وتتجه نحو الهاوية، يحتاج إلى منحى آخر يشرح كيف يكون التاريخ في حالة نمو وازدهار، وهو ما حاول ابن نبي توضيحه في منحى الروح، العقل، الغرائز.
ثالثاً:- إن الوضع الذي يغلب فيه على الحالة الحضارية، اختلاط وتعادل عوامل السقوط والصعود في آن واحد داخل التاريخ المعني،وهو الحال الذي يكون فيه التاريخ في حالة فوضى واضطراب بشكل شامل وعام ،وهي حالة انتقالية مرحلية، فإما أن يظهر مجددون مصلحون يحملون لواء التجديد،ويؤصلون أسباب النهوض ويعالجون عوامل السقوط،ومن ثم تواصل المجتمعات أفراحها ومسراتها،وإما أن تغلب حالة الفوضى ويتدهور الحال العام للحضارة،لتنقلب إلى وضع ثالث هو وضع التدهور والاضمحلال،وفيه يكون الأمر على حال معكوس،بمعنى أن ينتقل التاريخ نحو فوضى أكبر وتهور أشمل ، وحينها لا يمنعها مانع من أن تزول وتضمحل ،وتتحول إلى عبرة وعظة تاريخية.
رابعاً:- من الملاحظ أن الظروف التاريخية التي يكتب فيها الفلاسفة فلسفاتهم تكون حاسمة في تحديد محتوي هذه الفلسفة أو تلك .فابن خلدون مثلاً في نظرته لفلسفة التاريخ، وتقريره قانون العصبية كمحرك لها،وقع رهينة ظروف بداية انهيار التاريخ الإسلامي وهي حالة مشابهة للظروف التي كتب فيها الفيلسوف توينبي فلسفة لتاريخ الحضارة الغربية وتحلل واقعها. مما جعله ينادي بأعلى صوته على ضرورة ظهور دين جديد تتجاوز به الجبتمعات الغربية الاضطرابات التي تعانيها، ويقرر أن المخلصين المبدعين يكادون يكونون محصورين في الأنبياء والرسل، ولكن هل سيأتي رسول جديد يخلص التاريخ الغربي والعالم بأسره من انحطاطه ؟! وإذا كان المسيحية التي يرى توينبي في روحها أملاً في مستقبل مشرق لا تملك بسبب تحريفها إمكانيات ذاتية لتقدم مثل هذا الحل إلا أن الآمال تبقى معلقة – مع استحالة بزوغ نبي جديد ورسول جديد- على إمكانية تجديد كل دين لروحه وعقله وباستمرار إلا أن توينبي يبقى هو من جاهر وسط الفلاسفة الغربيين بأولوية الدين ـ وهو الأمر المستغرب وسط الفلاسفة الغربيين ـ إلا أنه قد عاد بالظاهرة التاريخية لا إلى الدين، ولكن إلى مبدأ آخر هو التحدى والرجع، فهو يتخذ من مبدأ التحدي والاستجابة مبدأ وحافزاً ما ورائياً لحركة التاريخ، بمعنى إنه قد اتخذ منه طريقة علمية موضوعية لمعرفة القانون الذي يسير به التاريخ الإنساني.
إلا إنه وإلى جانب نقد فلسفات الاتجاهات المختلفة للمدرسة الوضعية وفهمها للتاريخ، فانه يمكننا أن ندافع عن الاتجاه الإسلامي وفلسفته للتاريخ والذي ينطلق من مذهب يوحد بين الفكر والواقع فهو يعترف بأهمية المادة وضرورتها، إلا أنه لا يستند إلى المادة وحسب لمهمة إعطاء تصور عن الإنسان والطبيعة والعالم،فهو لا يعطي البداية إلى الفكر باعتباره سابقاً للمادة أو يعطي الأسبقية إلى المادة باعتبارها سابقة للفكر ؛ ليقع تحت طائلة إشكالية العقل /المادة ،التنمية /التخلف،… الخ بيد أن التصور الإسلامي يعطي الأسبقية إلى هداية إله فوق الكون خارج عن الأفكار والأشياء أبدي وخالد هو الله تعالى، وهو الخالق للكون وللحياة وبواسطة الأنبياء والرسل تأتينا منه المعرفة والعلم والرؤية الصحيحة، وبالتالي وبواسطة التنزيل يصدر إلينا تصور كامل لقضايا التاريخ البشري وفلسفته وغاياته واتجاهاته العامة وتركيباته الداخلية. وقد كان لمثل هذا التصور انعكاسه المباشر في التاريخ الإسلامي الأول، إذ كان اجتماع المدينة الأول اجتماعاً ذا مواصفات أخلاقية، لا تعكر صفوه المشكلات الكلامية وكان اجتماعاً ذو نسق اجتماعي وديني صلب متمسكاً بالشعائر الدينية المفروضة من قبل الله تعالى بواسطة الرسول ، وتعتبر الشعائر هي علامة وآية الانتماء للمجتمع المسلم فهو تصور لتاريخ وراع أكثر منه لتاريخ حكماء أو فلاسفة. الأخلاق فيه أخلاق حارة صافية آتية للتو من السماء بواسطة الخطاب، والدافع من وراء التمسك بالإيمان فيه دافع من الخوف والرجاء المتعلق بالجزاء الأخروي، اجتماع قائم على المبادئ الأخلاقية التي تدور حول الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والاستخلاف في الكون، وفلسفة التاريخ فيه كان مركزها وباعثها الجزاء الأخروي؛ إلا أن هذه المدرسة هي الأخرى قد طرأ عليها طارئ البعد عن الدين الحق الخالص الذي كان قائماً على أيام النبي  وخلفائه الراشدين. أي أن فكرة التاريخ هنا ترتبط ارتباطاً نهائياً بفكرة الإيمان بالله الذي يعطي معنى الوجود، فيتوحد عندئذ المادي بالروحي، والغيبي بالمحسوس ؛فيأخذ معنى الحياة الأمل والرجاء وانتظار الجزاء من الله، في مقابل العبثية والعدمية والشك والمأساوية التي انتهت وتنتهي إليها غالب مقولات فلسفة التاريخ الغربية.
والحق إن بناء الفلسفة الإسلامية للتاريخ سواء أكان التاريخ الخاص أو العام ، تنطلق من كونها فلسفة تنظر إلي الواقع التاريخي من إطار مرجعي يقبع خارج التاريخ وخارج الواقع نفسه ،وبالتالي فهي فلسفة في أصلها منقطعة عن الظلال المادية، والتاريخ فيها يقع تحت طائلة علاقة متسامية مع الله تعالى، وفق مسارات الإيمان والكفر، التوحيد والإشراك،وبهذا البعد فان فلسفة التاريخ في التصور الإسلامي فلسفة تعتمد في تعريفها الأساسي : “على طبيعة علاقة التاريخ بالله، وهي العلاقة التي يحمل الإنسان فيها المسئولية الكاملة”، ففلسفة التاريخ على هذا هي فلسفة التوحيد وسنن الصلاح في الأرض، في مقابل تاريخ الإشراك وسنن الفساد فيها، الأول يمثله تاريخ سنة الأنبياء والرسل من لدن آدم حتى محمد ، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين من المؤمنين ومن وراءهم المجددين وهم في ذلك أمة واحدة، هي أمة التوحيد،يقول تعالى: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” {الأنبياء/92}. أما التاريخ الثاني فيمثله تاريخ الانحراف والإشراك بالله والرسالات الإلهية، وإتباع آراء الآباء والعصبيات والقوميات والتبعية للغرب. ولقد كانت الفلسفة الإسلامية في تجليها التاريخي إيمانية في بداياتها، إلا أنها قد عانت لاحقاً مشكلات من نوع آخر ،لاسيما بعد أن اختل التوازن الداخلي فيها بين الروحي والمادي والمثالي والواقعي، فوجدناها تارة تجنح نحو الإسراف في استخدام العقل في فهم مسائل الدين عند أهل الكلام والفلاسفة ،وتارة تجنح نحو الحتمي والقدري عند ابن خلدون، وتارة تجنح نحو الباطني والرمزي والغامض عند أهل التصوف، فاختل بذلك نظامها الداخلي وانتهى توافقها المعروف. فما هي تلك السنن التي تفلسف التاريخ وفقاً للتصور الإسلامي؟. وما هي ارتباطاتها ودلالتها النهائية؟؟.
يقرر الخطاب القرآني من منظور السنن ما يوضح ويبين حركة التاريخ البشري بصفة عامة، وهو إذ يقرر ذلك لا يضع أساس حركة السنن في التاريخ على أساس حركة دائرية مغلقة أو حركة في اتجاه خطى، وإنما في تصور حركة ذات وجهة معينة مرتبطة بإتباع منهج الشريعة المنزلة ،تبدأ وتنتهي بالله تعالى ثواباً أو عقاباً. من هنا فإن السنن ومعرفتها هي الطريق اليقيني لمعرفة مسارات حركة التاريخ التي تتخذ صيغاً وأشكالاً متنوعة، بحسب طبيعة فعلها وأثرها في التاريخ البشري. والسنة تتخذ شكل “القضية الشرطية”، التي تربط بين حادثين أو أكثر من الحوادث على ساحة التاريخ الإنساني، فتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء، بحيث إنه متى ما تحقق الشرط تحقق الجزاء. وعلاقة الجزاء بالشرط في هذه السنن، هي من علاقة مجعولة ، ومن جملة هذه السنن في حركة التاريخ سنة التدين والإيمان بالله ،ومعناها الفطرة الإلهية التي خلق عليها الإنسان، وهي أهم السنن علي الإطلاق كما يتقرر في فصل الفطرة ،والتي بواسطتها يكون التجدد التاريخي القائم علي الإيمان،كما في قوله تعالى: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ” {الأعراف /96}، ففي الآية نجد أن التدين والإيمان سنة تاريخية تربط بين أمرين: هما الشرط وجزاؤه. فالشرط هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح ،وإتباع منهج الله في التاريخ، المتمثل في قوله تعالى : “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ”. أما الجزاء فهو التجدد التاريخي، والانفتاح على الخيرات والبركات من السماء والأرض، يقول تعالى: “لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ” فالآية المباركة تبين أن هناك قانوناً اجتماعياً تجري عليه حياة البشر المادية والروحية، ويتحرك بواسطته تاريخ الأمم على الأرض،وهي سنة الإيمان الذي يعد وسيلة لفتح بركات السماء والأرض .
وفي مقابلها نجد سنة الفساد التاريخي القائم علي الكفر بالله ونعمه ، فالتغيير نحو الأسوأ سنة أخرى، تشرح كيف يتفكك التاريخ، نتيجة لفقدان الغاية والمغزى الحقيقي للتاريخ، يقول: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ” {الرعد /11} ويقول تعالى: “ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” {الأنفال /53}. فالآيتان تربطان بين تغييرين، يمثلان الشرط وجزاءه. في الآية الثانية، الجزاء يمثل قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ…الآية ،والشرط يمثل قوله تعالى:  حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ  فمتى ما تحقق الشرط، وهو حصول التغيير في نفوس القوم تبعه الجزاء، وهو حصول التغيير العام في واقعهم. فما يقع على القوم يترتب علي ما يكون منهم، ويجيء لاحقاً له في الزمان بالقياس إليهم.وعلى هذا فإن سلب النعمة من الكافرين ونزول العذاب عليهم هو سنة وقانون ،وإذا ما توافرت هذه الشروط حصل الجزاء ،فالأصل أن الله يضفي نعمه على خلقه: ثم إذا شكروا يزيدهم من فضله،يقول تعالى: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ” {إبراهيم /7} ثم لا يغير ما بهم من نعمة إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من شكر النعمة إلى جحودها: “وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ” {النحل /112}. إن السنن التاريخية بهذا المفهوم، تظهر مرتبطة بإرادة الإنسان وفعله، وبالتالي فهي تلعب دوراً كبيراً في توجيه نتائج أفعاله وحركته في الحياة. وإن معرفة الإنسان الكاملة بهذه السنن، تمكنه من التحكم في نوع الجزاء الناتج عنها. فعندما يكون جزاء أي سنة أو قانون لا يتفق مع مصالحه وأهدافه، يستطيع الحيلولة دون وقوعه بالامتناع عن توفير شروطه. ومن أمثلة السنن التي تناولها الخطاب القرآني بالتوضيح نأخذ الآتي:-
أولاً – نلاحظ أن الخطاب القرآني يعرض لمفهوم أساسي في حركة التاريخ ويقرره كسنة في التاريخ وهو مفهوم الابتلاء، ويظهر كسنة عاملة في التاريخدون ارتباط بقيمة خاصة لصلاح هذا التاريخ أو ذاك، بل هو حالة امتحان يسعى كل اجتماع بشري للتعاطي معها، إما بتجاوزها في طريق نجاحه وفوزه، وإما بالسقوط فيها، يقول ابن منظور: “الابتلاء الاختبار والتجريب، أي اختبار وتجريب لارادة الإنسان، اختيار يميز الله به من يستحق الجزاء ومن يستحق الحساب، يقول تعالى: “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا *وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا”{الكهف/8}، ويقول: “فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ” {الفجر 15/16}، ويقول : “قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” {آل عمران /154}، ويقول: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”{الملك /2}، فالآيات تقرر أن الابتلاء اختبار وامتحان لأفراد التاريخات البشرية ،وهو يحمل معنى غيبياً أخلاقياً مسبقاً ، وهو يكون في الخير والشر سواء .
إن الابتلاء على هذا هو قانون القوانين في التاريخ البشري،وهو الذي يجعل لحياة المجتمعات والأفراد معنى ومغزى وغاية للوجود. والابتلاء يقتضي أن يكون هناك موضوع يختبر فيه الإنسان. والموضوع،هو المتاع المبذول للناس في الأرض لعمارتها،والاختبار في هذه الموضوعات هو سؤال جوهري، يتشعب شعاباً شتى، ولكنه في أصله واحد: هل يلتزم الإنسان في تناول هذا المتاع بما جاء في الخطاب الإلهي ؟.وكل ما جاء في الكتاب والحديث من أوامر ونواه وأحكام وتوجيهات مبينة لما أنزل الله في شأن هذا المتاع في مجالات الحياة المختلفة،السياسية والتاريخية والاقتصادية…الخ أم يتبع الهوى والشهوات؟ سواء كان هواه الشخصي أو هوى طائفة وحزب من البشر، أو هوى البشر جميعاً .وإذا كان هذا هو الشأن في خلق الإنسان وابتلائه، فإن مجرد الاستحواذ على العطاء الرباني ليس في ذاته معياراً من معايير الوجود البشري الرئيسة، إنما المعيار الرئيس هو: ماذا فعل الإنسان بالعطاء الرباني الذي حصل عليه . وعلى هذا فإن الابتلاء ليس دائماً أمراً سيئاً يبرر به الفشل في ساحات التاريخ. بل يمكن أن يكون الابتلاء للعمل الحسن كذلك ، فالابتلاء ينصرف إلى الخير انصرافه إلى الشر فكلاهما ابتلاء من الله تعالى للإنسان في التاريخ،وهو على هذا القانون يحكم إلى جانب القوانين والسنن الأخرى التي تتجه بها الحياة، قال تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”{الأنبياء /35}. يؤكد ذلك قول النبي  في إن الابتلاء حالة شرطية في حالتي الخير والشر: يقول يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن أعوذ بالله أن تدركوهن، لن تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلونها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ،ولن ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم ،ولن يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولن ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتفكروا فيما أنزل الله عز وجل الله إلا جعل بأسهم بينهم شديداً. إن الحديث يقرر أن الابتلاء شرط في علاقات التاريخ، فإذا وقع الشرط وقع جوابه ،فلا انفكاك بينهما. وعلى هذا فالابتلاء يحمل في ذاته معنى غيبياً ،فضلاً عن كونه شرطاً اجتماعياً، فلا يؤخذ كمبرر للفشل في بعض جوانب الحياة التاريخية تحت اسم مفهوم الأزمة، كما فهمت بعض الاتجاهات في الفكر الاسلامي.
والمعني ان الابتلاء سنة شرطية في التاريخ البشري ،ينطبق على الخير انطباقه على الشر ،فاذا وقع الشرط وقع جوابه فلا فكاك بينهما . وهو إلى ذلك لا يطابق مفهوم الأزمة في الفكر المعاصر التي تأخذ الطابع السلبي كما هو معلوم ،فإذا نجح التاريخفي اجتياز هذا الابتلاء وذاك كان الفوز، يقول تعالى : “يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا”{الأحزاب/71}، ويقول : “أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”{يونس 62/65}، ويقول : “وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ” {النور /52}.
للابتلاء صور وأشكال ومظاهر،فمن مظاهره، أولاً: ابتلاء التفضيل، وهو سنة التفاوت بين أفراد البشر، كما في قوله تعالى: “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ”{الأنعام /165}، ويقول: “انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً”{الإسراء /21}، ويقول: “وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ” {النمل /71}. والمعنى أن الله جعل الغنى والفقر والجعل، ابتلاء يعنى التبدل والتغير من حالة الفقر إلى الغنى والعكس، فالله تعالى قد جعل التفاضل في الرزق سنة في المجتمع البشري، فهناك الأغنياء وهناك الفقراء ،ومن الخطأ في الفهم الذي يؤدي إلى نتائج مدمرة على الصعيد التاريخي، السعي لإلغاء ذلك التفاضل بين الأفراد ،وذلك بتحريض الفقراء ومساواتهم بالأغنياء. بيد أن التغير المادي للفرد وللمجتمع مرهون بمدى الكسب والعمل، ومرهون بمقدار الزكوات التي يخرجها الأغنياء للفقراء. فالتفضيل إذن سنة فعلية محققة الوجود بين أفراد البشر، لتفاوت درجاتهم في المواهب والاستعداد، في الخلق والرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم، وفي المواقع الجغرافية والتاريخية والسياسية.والآية الثالثة واضحة الدلالة، إذ لو كانوا كذلك ،وكان كل واحد واجداً لما يملكه غيره، وفاقداً لما يفقده غيره، لم تكن بينهم بالطبع علاقة البعض بالبعض، فأفراد الجنس البشري مختلفون من حيث القابليات والإمكانيات،وقد فضل الله بعضهم على بعض في المواهب بدرجات، وربما يفضل البعض على البعض في مواهب أخرى، وبذلك أصبح كل فرد محتاجاً إلى الآخرين ،ومنساقاً إلى عقد الترابط معهم، وعلى هذا الأساس بنيت الحياة التاريخية المترابطة .وعليه فإن هذا التنوع والتفاوت بين البشر، يمثل سنة من سنن الله تعالى في توزيع الأدوار والمهام فيما بينهم، لتستمر عجلة الحياة في اتجاه تكاملي نحو تحقيق خير الجميع.
ومن مظاهر الابتلاء إجزال العطاء لجميع البشر مؤمنهم وكافرهم . وليبلوهم أيهم أحسن عملاً: “كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً”{الإسراء 20/21}. فالله لم يخص فريقاً منهم بالعطاء دون فريق، لأن سنة الابتلاء يومئذ تنتقي، بينما هي من الغايات الرئيسة في خلق الإنسان كما وضح. سوى أن الحصول على هذا العطاء هو ذاته له سنن التسخير المتقدمة. لكنها مبذولة من عند الله ابتداء ، بيد أن تحصيلها يحتاج إلى جهد يبذله الإنسان، فالتقويم التاريخي لا يكون بمقدار العطاء الذي حصلت عليه أمة من الأمم،وإنما بطريقة التصرف في ذلك العطاء، بمعني هل التزم التاريخبسنن الصلاح ؟ أم سار على سنن الفساد ؟ ومن هنا تختلف الصورة في الحياة الدنيا عن الصورة في الآخرة، يقول تعالى: “مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ”{هود 15/16}. فهاتان نهايتان مختلفتان لأفراد يبذلون جهداً للحصول على متاع الحياة الدنيا المبذول من الله للجميع، ولكن النهايتين من سنن الله. فإما أن يصيبهم الهلاك في الحياة الدنيا بعد فترة من التمكين، وإما أن يؤجل لهم العذاب إلى الآخرة ويدعهم لمتاعهم الأرضي يستمتعون فيه بقدر ما يجتهدون. ولكن العبرة في السنة ليس بمقدار العطاء الذي حصلوا عليه إنما بالطريقة التي يتصرفون بها إزاء ذلك العطاء، فهنا الابتلاء الحقيقي الذي ينالون عليه التقدير النهائي، وتلك نتيجة لا تبديل لها ولا تحول فيها، إنما يقع الاختلاف في المدة التي تسبق التدمير.. أي في فترة الإملاء ، يقول تعالى: “وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ”{الحج /48}. ويقول: “فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ”{الأنعام /44}، ويقول: “قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ”{الأنعام /47}، ويقول: “ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ”{الأعراف /95}، ويقول: “وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ *فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ”{الأنبياء 11/12}.
هذا المفهوم يستدعي القول بسنة الأجل، وهي تأتي بمعنى الميقات، وهي سنة تعمل في التاريخ،فبدون الوقت لا مجال هناك لظهور اجتماع ما ،فهو يمكن أن يكون عاملاً للتجدد إذا ما وظف لحل المشكلات وتجاوز الابتلاءات بهداية الله تعالى المنزلة في الكتاب،كما يمكن أن يكون عاملاً في تجمد التاريخإذا ما لم توضع له اعتباراته. فهو سنة فاعلة ومفصلية في مجال التاريخالإنساني.فكل حضارة في التاريخاحتاجت لزمن ما حتى تبلور وتظهر فكرتها الأصلية. فالفكرة الإسلامية مثلاً احتاجت إلى ثلاثة وعشرين عاماً حتى فعلت فعلها التاريخي المعروف، وعلى هذا فالوقت والأجل سنة توضع في الاعتبار عند تناول خطو التاريخوالحضارة. فالآجال على هذا تحيلنا إلى اعتبارية وأهمية الوقت في البناء التاريخي حتى تؤدي فكرة ما تنتجها في الواقع، قال تعالى: “وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ”{الأعراف /34}. ويقول: “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ”{النحل /61}. ويقول: “وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ”{الحجر 4/5}، وعلى هذا فالوقت والزمن مهم في التاريخ، بل هو إحدى السنن التي بدونها يستحيل فعل اجتماع بل حتى تصوره. إن الزمن له أهمية قصوى في دراسة حركة التاريخ البشري،سواء بالنسبة للأمم أو الحضارات، فمفهوم “الأجل” الذي طرحه الخطاب القرآني ، إنما يشير به إلى مسألة التوقيت في عمر الأمم والحضارات، تلك المعلومة التاريخية المكتوبة سلفاً في علم الله تعالى، على ضوء الأعمال والممارسات التي يقوم بها البشر، فالتوقيت عنصر أساسي يرصد كل فعل تاريخي يحدث على الأرض، لذلك دخل بعداً أساسياً في حركة التاريخ.
هذا من جهة ومن جهة اخري؛فإن مفهوم ابتلاء التفضيل يستدعي القول بسنة التسخير، يقول تعالى : “أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ”{الزخرف 32/33}، فحسب الخطاب القرآني يتقرر بوضوح أن سنة التسخير سنة عامة في الكون وفي التاريخالبشري ، يقول تعالى : “اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ *وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ”{إبراهيم 32/34}، وكما سخر الله تعالى الكون للإنسان، سخر كذلك الإنسان لأخيه الإنسان، يقول تعالى: “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”{النحل 10/14}، فالآيات تقرر أن تفاوت درجات الأفراد في التاريخالبشري بعضهم لبعض أمر مطلوب لقيام التاريخفلكل فرد عمله وتخصصه في التاريخ، وهو مفضل فيه ومسخر لتأسيس التاريخ، بينما هو ذاته مُفَضَّل عليه في أعمال وتخصصات أخرى، وعلى هذا فإنه ليس هناك تفاضل معياري مطلق وثابت لفرد على فرد ،وإنما التسخير يعني مدى القدرة على المجاهدة والكسب، بالتالي يعني تكامل جهود الأفراد والمهن المختلفة في التاريخالبشري، وعلى هذا وكما أن الكون مسخر للإنسان كذلك مسخر لأخيه.والمعني إن سنة التسخير، في الخطاب القرآني تظهر السنن التي تحكم التاريخ البشري ،فتفاوت وتنوع الناس في مقدرتهم سنة كذلك يقرها الخطاب القرآني تحت مفهوم التسخير بعضهم للبعض الآخر،وهو أمر مطلوب لقيام التاريخ،فلكل فرد عمله وتخصصه وهو مفضل فيه ومسخر للتاريخ،بينما هو ذاته مفضول عليه في أعمال وتخصصات أخرى. فالآيات تقرر والحال على هذا أنه ليس هناك طبقة أو فئة سيدة بإطلاق أو مسودة بإطلاق وليس هناك تفاضل معياري مطلق لمهنة على أخرى، إنما التسخير يعني تكامل الأعمال والمهن المختلفة في التاريخ،وفي كل الأحوال فإن الفرد مهما كانت مهنته فهو لا يرجو رحمته من مهنته فحسب ،وإنما يرجو برحمة الله التي هي خير وأبقى وأدوم. فإماطة الأذى عن الطريق وهي وظيفة محتقرة في نظر البعض وذات أجر زهيد ،هي ذاتها أحد شعب الإيمان، الذي يمثل القضية المركزية في التصور الإسلامي .
كما إن مفهوم التسخير يستدعي هو الآخر سنة “الجعل” المعبرة عن المشيئة الإنسانية ، فباستطاعة الإنسان إعادة تجديد عناصر الكون “المسخر “له لتنتج أوضاعاً أخرى في حدود ما تسمح به السنن الخلقية ،وهي الحقيقة التي يناقشها الخطاب القرآني تحت معنى مفهوم الجعل، يقول تعالى: “قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا”{الكهف /95}، ويقول: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” {الحجرات /13}، ويقول: “أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ” {النمل /62}. فالآيات تقرر أن الجعل كسنة عامة في التاريخ البشري معناها مدى القدرة على إحداث التجديد المستمر لواقع التاريخ،وقد ورد مفهوم الجعل باشتقاقاته كثيراً في الخطاب القرآني كما تقدم ذكره، بمعنى إعادة تجديد أمر ما ليخرج في صورة وهيئة أمر آخر مختلف، في حين أن الآيات لا تقرر مفهوم الجعل مطابقاً لمفهوم الخلق، فالجعل لا يعني الخلق ،إذ الخلق ثابت ومستقر ولا يقدر عليه إلا الله تعالى، بينما الجعل تجديد وإعادة تجديد لأشياء الكون ،ويشترك في قدرته الإنسان مع الله تعالى. فعلى سبيل المثال ،فإن الله تعالى قد جعل الناس شعوباً وقبائل بعد أن لم يكونوا كذلك، يقول تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”{الحجرات /13}، يقول الطبري في تأويلها: “جعلناكم متناسبين ، يناسب بعضكم نسباً بعيداً وبعضكم يناسب بعضاً نسباً قريباً فالمناسب النسب من لم ينسبه أهل الشعوب” . وعلى هذا فإن جنس بني آدم مجعول في شعوب وقبائل مختلفة ،وهذا الجعل أحد سنن الله في الخلق ،يستحيل معه توحيد البشر في شعب واحد أو قبيلة واحدة ،وبالتالي فإن مسألة تذويب قبيلة ما وشعب ما بالقوة واضطهاده أو استئصاله، ضرب من الفساد في الأرض وفي التاريخ،والمطلوب دوماً السعي للتعارف بين الشعوب والقبائل ،فلا عصبية عرقية ولا أفضليه إثنية في التاريخ الإنساني.

ومن أنواع السنن ،ابتلاء الاختلاف بين الناس ،وهو سنة في الخلق ،ومعناه أن الناس مبتلون بالاختلاف في الدين والمعتقد،وبالتالي فلا يحق لأهل ملة إكراه أهل ملة أخرى للدخول في دينهم كرهاً، يقول تعالى: “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”{البقرة /256}، فالقرآن يقرر هذا الاختلاف في الأديان، يقول تعالى: “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” {هود 118/119}. بمعنى لا يزالون مختلفين في الدين، يقول الطبري :”المعنى أنه لو شاء ربك يا محمد لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على ملة واحدة ودين واحد، أي لجعلهم مسلمين كلهم ،وهم لا يزالون مختلفين في أديانهم إلا من رحم ربك فآمن بالله وصدق رسله ولم يختلفوا في توحيد الله ،وما جاءهم من عنده” ؛وبالتالي فلا يحق لأهل دين وملة إكراه لأهل دين وملة أخرى للدخول في دينهم وملتهم،ومعنى الأمة في الدين إن مقصدهم واحد هو إقامة الدين.وعلى هذا فإن التنوع الديني والعقائدي ابتلاء في التاريخ البشري. ولكن الخطاب القرآني، وكما يعترف بسنة الاختلاف بين الناس في الدين – إلا أنه في ذات الوقت يدعو إلى تجاوز ابتلاء الاختلاف بالاحتكام إلى الكتاب، يقول تعالى: “فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً” {النساء /59} ويقول: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”{البقرة /213}.فحسب هذه الآيات وغيرها، يتقرر أن محل الاختلاف والابتلاء هو الرسالة المنزلة ،فالكتاب قد حوي حلولاً لتلك المعضلات التي تثير الاختلاف والمنازعات بين أفراد المجتمع ،كقضايا التوحيد والتشريع والسيادة والولاية ونحو ذلك ،وعلى هذا فإن الناس يظلون مبتلين بالاختلاف على الدين الحق ، بعد أن جاءهم العلم المنزل في الشريعة،وبالتالي فإن التنوع الديني والعقائدي أمر معترف به في التاريخ البشري،لكنه ابتلاء يمكن تجاوزه بالوحدة عند الاحتكام إلى الكتاب المنزل من قبل الله تعالى ،أو قد يكون السقوط فيه ،فيكون الفشل وذهاب الريح ،يقول تعالى:”وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” {الأنفال /46}.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى،فإنه عندما يشتد الابتلاء فإنه يتحول إلى فتنة، وهنا الفرق بين الفتنة والاختبار ؛لاعتبار أن الفتنة هي أشد مستويات الاختبار وأبلغه ،وأصله عرض الذهب على النار ليتبين صلاحه من فساده. ومن هنا قالوا: فتنتُ الذهب في النار إذا اختبرته فيها لتعلم أخالص هو أم مشوب، ودلالة ذلك أن الفتنة هي ذلك الاختبار الأصيل، أي الشديد، وليس كل اختبار فتنة، وإنما هو الاختبار القوي البليغ ، وهو بهذا المعنى مرتبط بإرادة المختبر ومقصده ، وعلى أية حال فإن الاختبار كلما كان أشد كان أقدر على تجلية الحقيقة وإبرازها. يقول تعالى: “وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ”{المدثر /31}، من هنا يتضح مفهوم الفتنة في المفهوم القرآني الذي باعتباره الابتلاء العظيم البليغ ،وهو في ذلك نوع مركز من الابتلاء . فعندما يشتد الابتلاء ويزداد ،يتحول عندئذ إلى فتنة، يقول تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” {الأنبياء /35}، بيد أن مفهوم الفتنة مفهوم مجرد، لابد من مادة للاختبار ،فضلاً عن وسائل تحقيق الفتنة بحق صاحبها المبتلي بها. ويبدو أن الأنبياء عليهم السلام أكثر من غيرهم تعرضاً إلى هذا النوع من الفتن الصعبة. قال تعالى: “وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ”{البقرة /124}. ولم تكن الكلمات سهلة أبداً….هذا ما نعرفه من قصة إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: “إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى” {طه/40}، وموسى قلبته الفتن الصعاب، فتنة عبر فتنة، سلسلة من البلاءات الربانية الصعبة.
وعلى هذا فإن الابتلاء قانون رباني شامل ومستمر، وكلما ظفر الإنسان بالإيمان والفوز ،فإن فتنة جديدة تكون في انتظاره،فإذا آمن إنسان ما مثلاً بالله تعالى،ونجح في ابتلاء الإيمان والكفر ، وأقرّ بالتوحيد والإيمان، فإن هذا لا يعني انتهاء سنة الابتلاء ،بل تتحول إلى فتن متتالية، أي سُنة الفتنة،أهمها فتنة النبوة والمعجزة، وتصديق الأنبياء والرسل ، لقد كان الإسراء برسول الله  فتنة واضحة، فهو عمل معجز، يدعو إلى التفكير في حقيقته وفي أبعاده وفي دلائله الكبرى. فالقرآن ،وعصا موسى، وطبيَّات عيسى الخارقة، وسفينة نوح وغيرها من معجزات الأنبياء والرسل، إنما هي “فتن”، يقول تعالى : “وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا”{الفرقان /20}، فهي تضع الإنسان في مواجهة مصير حاسم، لا يتردد بين الإيجاب والسلب، وهي بلا ريب تؤدي إلى الخير والشر على قدم سواء ، فإذا تم التعامل معها وفق منطق عقلي واع،فإنها تؤدي إلى الخير وإلى الإيمان بالله تعالى وبنبوات الرسل الكرام على مر التاريخ أو إلى عكسه ، ودليل ذلك أن المعجزة كما تكون دليلاً علي صدق المدعي، فهي أيضاً دليل حسي واضح على وجود الله تعالى. يقول تعالى: “وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شئتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ”{الأعراف /155}. والرجعة كانت من دلائل نبوة موسى “عليه السلام” بشكل وآخر، لاسيما وقد كانت حدثاً عظيماً، يقول تعالى: “وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ” { الدخان 17/18} . ويبدو أن الفتنة هنا إشارة إلى معجزات موسى عليه السلام التي كرمه بها الله لاختبار قومه بني إسرائيل، بدليل “وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ…الآية “؛إن المعجزة ابتلاء، امتحان، اختبار… فتنة، وفي الواقع أن الإيمان بالله سبحانه – يؤول إلى الاعتقاد بالنبوة وباليوم الآخر، ولكن الله يهدف إلى توكيد هذه الدلائل حتى على مستوى الحس، والمعاجز تقوم بهذا الدور الرائد. وإذا كان الإيمان هو آلية استيعاب ابتلاء الإيمان بدرجة غالبة على الإرادة ،فإن استيعاب فتنة المعجزة تحتاج إلى التصديق والإرادة .لأن الإيمان بالله هو الآخر يستوجب حالة إرادية خاصة،فتكون الفتنة للظالمين اختباراً أيستمرون على الظلم ،أم يدخلون في حياض الإيمان، ويقول: “أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ”{الصافات 62/65}، ويقول: “فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ”{الزمر /49}، ويقول: “وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ”{البقرة /102}. ولكن من يدخل في الإيمان، يكون عرضة للفتنة والاختبار الجديد، بل إن الفتنة تكون بمستوى أشد في مجال النبوة،ولذا كثير من الناس قد ينتكس بالمرحلة الثانية من مسيرة الفتنة، وهناك آيات كريمات تؤيد هذا المعنى؛ يقول تعالى: “وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا”{الإسراء /60}.
ويقول: “إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ” {القمر /27}.ويقول: “قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ” {الانبياء 108/112}. ويقول: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”{الحج 52/54}.ويقول: “لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” {النور /63}. ويقول: “وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا”{الفرقان /20}.ودلالة الآيات ان مجرد القول بالإيمان لا يكون كافياً ،كأن يقول إنسان “آمنت” بالله لفظاً ، والقول فتنة في حق صاحبه، لأنه معرض للاختبار ، وعليه أن يفتتن حتي يدلل على ادعائه. يقول تعالى: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ” {العنكبوت 2/3}، إنها فتنة جديدة، مادتها اختبار الأقوال ، إذ قالوا “آمنا”، والله يريد امتحان هذا الادعاء ، ومن الطبيعي إذا كانت مادة الفتنة هي هذا القول، أي “آمنا” ، فإن وسيلة امتحانه هو التكليف بما يقتضيه الإيمان. وإن الموقف الصحيح من هذه الفتنة الجديدة هو التماهي الفعلي مع تكاليف الإيمان، فالذين قالوا: آمنا بالله والنبي واليوم الآخر، ينبغي أن يعملوا بأوامر الله والرسول، ويعملوا بما يشرعه الدين، وقد اختبر الله أصحاب هذا القول عبر تاريخ الأنبياء ليتبين الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.أما وقد دخل الإنسان الإيمان، فإنه يتعرض إلى فتن أخرى، مهمتها الكشف عن مدى هذا الإيمان، فتن تكشف عن مستوى وحقيقة الإيمان،والفوز في هذه الفتنة أو تلك ،يكون بالالتزام بالهداية الإلهية في شأن الفتنة المعينة بالطاعة والتسليم، وفي الخطاب القرآني الكثير من الحالات التي تجسد هذا الاختبار، نذكر بعضها،على النحو التالي:
أولاً- فتنة الولاء، يقول: “وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ”{الانفال /73}، ويقول: “وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا”{الأحزاب /14}. ويقول تعالى: “وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” {الأنفال /25}. أي: واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالمين خاصة، تتعدى إليكم جميعاً، وتصل إلى الصالح والطالح. فهي سنة إلهية تتحدث عن عقاب دنيوي، وليس عن عقاب أخروي، تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أمة عن طريق الظلم والطغيان، وهذه النتيجة لا تصيب الظالمين من أبناء المجتمع وحدهم، بل جميع أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم، وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم. ويقول: “وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ *وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ”{البقرة 190/193}. ويقول: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”{البقرة /217}. ويقول: “وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ”{المائدة /71}. ويقول: “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ”{الأنفال 39/40}.فالآيات في ذات السياق والنطاق والهدف هدف الابتلاء وشدته، بغرض الفرز والتمييز. وإنها طريقة أخري للابتلاء الصعب ، فالآيات موجهة إلى المؤمنين، والمقصود أو غاية الفتنة فرز الصابرين من بين المؤمنين كنماذج راقية، ذلك لأن من الناس من يرسب في الفتنة، فيخسر كل شيء، يقول تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ” {الحج 11/12}، ويقول: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ” {العنكبوت /10}.
ثانياً- فتنة المال والولد: يقول تعالى: “فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ”{الزمر /49}، ويقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ”{الأنفال 27/28}. ويقول تعالى: “وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى”{طه/131}. ويقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ”{التغابن 14/ 15}، فالآيات موجهة إلى المؤمنين….وقد نزلت عندما تشاغل بعضهم عن الجهاد بحجة الأموال والولد. فالدنيا دار ابتلاء وفتنة وامتحان للمؤمنين، فأراد الله أن يجعل بعضهم فتنة لبعض على العموم في جميع الناس، فالصحيح فتنة للفقير والفقير الصابر فتنة للغني؛ معنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه،والمال والأبناء في أصل خلقهم فتنة وهكذا .
ثالثاً- فتنة النعمة، فهي بأشكالها المختلفة فتنة، يقول تعالى: “وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا”{الجن 16/17}، إن الآيات تقرر هنا أن الفتنة كحالة شديدة من حالات الابتلاء في التاريخ، وهو المعنى الذي يقرره حديث الرسول الذي رواه أبو الدرداء: “يا ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد ،وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وقرأ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة. فالنصوص تقرر أن العوامل النفسية كالغيرة والحسد والتغابن والغرور، إذا لم تعالج بهدي الدين الصحيح فإنها عوامل ضارة تهدد مخزون الطاقة التاريخية العامة، الأمر الذي يجعلها معول هدم لا معول بناء. أما فتنة العلم ونعمته فقد تحدثت عنها آيات سورة آل عمران، يقول تعالى : “هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ” {آل عمران /7}. والمعنى أن الإنسان وقد استوعب فتنة الإيمان، فإن الفتنة ابتلاء سارٍ، وفي كل مرحلة تؤدي دورها المناسب، والنجاح في اختبار العمل يفتح مشروعاً جدياً للفتنة، إنه مشروع تجذير الإيمان ، وكل فتنة من هذا النوع تؤهله لفتنة أشد. يقول تعالى: “وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ”{آل عمران 140/142}، قال الراغب: “أصل المحص: تخليص الشيء مما فيه من عيب. يقال محصت الذهب ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث.فالتمحيص هاهنا ،كالتزكية والتطهير ونحو ذلك من الألفاظ”. ويقول تعالى: “… يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ”{آل عمران /154}. وإذا كان المقصود في الآية المؤمنين كما هو الظاهر، فإن المعنى هو التزكية والتخليص. ومن هنا يظهر هذا التعاقب الموضوعي بين الابتلاء والتمحيص، فكأنما الثاني نتيجة للأول، ومن الطبيعي أن هذا الاقتران ليس على سبيل الوقوع الحتمي، وإنما هي تجربة قد يخفق بها الإنسان المبتلى أو ينجح. بيد أن التمحيص هنا هو ابتلاء الرحمة لا ابتلاء الغضب، وابتلاء الاصطفاء لا مجرد الاختبار، ذلك أن حمل الأمانة لا يصلح له كل الناس. والسبيل إلى ذلك مزيد من الابتلاء . يقول تعالى: “مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ”{آل عمران /179}، وهو السبيل للتمحيص والإعداد كذلك.ذلك أن المؤمنين المختارين لحمل الأمانة لن يحسنوا حملها حتى تتصل قلوبهم بالله،بمزيد من الفتن والتمحيصات، ويتعلق المؤمن بالله وحده ، فعندئذ يستطيعون أن ينفذوا هذا التوجيه الرباني: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا”{النساء /135}، والابتلاء والتمحيص والفتنة ،هي طرق الإعداد لذلك كله.وعندئذ يتم له التمحيص، ويتجرد لله، فيحمل الأمانة على استواء.
ومن أنواع السنن ؛سنة المدافعة: وتأخذ سنة المدافعة في المفهوم القرآني ،صورة السنة التاريخية التي تؤثر بفعالية في التاريخ الإنساني، يقول تعالى : “الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” {الحج /40}. وقال: “فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ” {البقرة /251}، ويقول: “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ”{المؤمنون /96}. فالآيات تقرر أن التدافع قانون اجتماعي كوني عام يحكم الناس جميعاً على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي، لاسيما التدافع الذي يحدث بين مثال الفساد في الأرض وبين مثال الصلاح، فالآيات تقرر أن التدافع قانون في التاريخ البشري سواء كان على المستوى الفردي أو الجماعي، وهو في سياق الحديث عن التدافع بين مثالي الصلاح والفساد في الأرض وفي النفس البشرية. وعلى هذا فلا مجال لقيام نظام أحادي يحكم التاريخ البشري العالمي وفق نظام استبدادي فاسد، وإنما تقوم الحياة وفق المدافعة بين الحق والباطل حتى تكون الغلبة أخيراً للحق. يقول تعالى: “وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا”{الإسراء /81}. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى، فإن سنة المدافعة قد تشبهها نظرية توينبى خاصة عند شرحه لمفهوم التحدي الرجع وذلك بإمكان إطلاق القول بأن قانون المدافعة، ما هو إلا قانون التحدي والرجع، والحق أن ثمة فارقاً بين المفهومين يجعل لقانون التدافع قانوناً يستوعب فكرة التحدي ويتجاوزها ،ذلك أن التحدي مفهوم مرتبط بالأحوال الجغرافية والبيئية وما تتركه من تحد في النفس الإنسانية، في حين أن مفهوم التدافع يتجاوز ذلك بالإشارة إلى التدافع الأخلاقي والسياسي والمعرفي ونحو ذلك.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن مفهوم المدافعة يستدعي القول بسنة المداولة،كمفهوم قرآني تقوم عليه حركة التاريخ، بمعنى المداولة بين الناس في الأرض، إذ ليس هناك خصوصية وأفضلية لشعب معين يختاره الله ويصطفيه من بين سائر الشعوب الأخرى . معنى هذا أن التاريخ الإنساني العام سواء كان متجمداً أو متجدداً فهو في حالة مداولة بين الناس وفقاً لسنن التمكين في الأرض. قال تعالى: “وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ”{آل عمران 139/140}. بمعنى أن مبدأ المداولة من اجتماع إلى آخر – من سنن التاريخ الأساسية في المفهوم الإسلامي ، والقرآن الكريم يطرح مسألة وفكرة المداولة التاريخية للحضارة كفعل دينامكي يعمل على إثارة التدافع بينها ،الأمر الذي يتمخض عنه تجاوز الابتلاءات أمام المنتمين إلى هذه التاريخ أو ذاك، فدلالة المداولة الواردة في هذه الآيات توحي بالحركة الدائمة، وتقرر أن الأيام ليست ملكاً لأحد ولا لأمة محددة ، ومن ثم لا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم في القمة قد تنزل بهم أفعالهم في التاريخ إلى الحضيض، إن لم يوظفوا سنن الله التاريخية ونواميسه الكونية في الصلاح، ومن هم في القاع ستصعد بهم أفعالهم الصالحة وحركتهم واختيارهم إلى القمة.فالمداولة التاريخية في القرآن الكريم تحمل كافة جوانب إيجابيتها التاريخية .وإذا قضت إرادة الله مع قوم الرسل السابقين أن يرسل إليهم العذاب أو أحد جنوده العديدة في السماوات أو في الأرض فتهلكهم ولكنه وبعد بعثة النبي محمد  فإن المدافعة تكون بين أولئك الذين يقيمون الدين وبين المفسدين في الأرض دون الحاجة إلى استئصالهم واجتثاثهم من الأرض،يقول تعالى : “فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ” {محمد /4}. وعلى هذا فلا مجال لسيادة دكتاتور واحد يحكم العالم ،وتبقى سنة المدافعة المتمثلة في ظهور طرق أخرى بدافع الاستبداد في ميادين التاريخ المختلفة، الأمر الذي يجعلنا نقرر عدم إمكانية وجود فرصة لسيادة نظام أحادي يحكم التاريخ العالمي كما يظن بعض فلاسفة التاريخ من أمثال فوكياما . بيد انه ومن المؤكد أن تلك السنن لا تعمل فرادى، وإنما تعمل مجتمعة، وتكون النتيجة الواقعية هي حصيلة السنن العامة كلها في آن واحد، أو بالأحرى حصيلة تعامل التاريخ مع مجموعة السنن التي تعرض لها أثناء حركته في الأرض. فحين يكون اجتهاد البشر كبيراً، وفق مجموعات كثيرة من سنن الإصلاح أو الفساد وعوامل كثيرة في الوقت الواحد. فهو أحرى أن يطول بقاؤه أو يقصر بحسب السنن الموظفة في التاريخ، لأن كل سنة من السنن تعمل بالتزامن والسنن الأخرى، مما يحدد ما إذا كان الدمار أو النهضة سريعة أو بطيئة الوقوع.
الخاتمة :- مما تقدم فإننا نصل إلى الخلاصات التالية. أولاً – إن حركة التاريخ تخضع لعلاقات ثلاث، هي: “علاقة الإنسان بالإنسان، وبالطبيعة، وعلاقته بجلال الله تعالى، وهي العلاقات التي تقوم من خلال السنن الإلهية في الكون والتاريخ. فعلاقة الإنسان بالكون هي التي تجعله كائناً مندمجاً في الطبيعة والمجتمع ومتعالياً عليهما في ذات الوقت، بوصفه خليفة الله المستعصم بوحيه؛ فالإنسان بذلك هو العنصر الرئيس في التاريخ وحركته ونهايته، والتاريخ يستمد معناه من علاقته بالله تعالى، وهي علاقة ذات طابع عقلاني منطقي، فالإله واحد ، والمصير واحد ،وعلى هذا فإن الجماعة البشرية يجب أن تكون أمة واحدة. سوى أن هذه العلاقة التي تشرح طبيعة حركة التاريخ، ليست بالضرورة حركة خطية تسير في تقدم خطي، بل هي حركة اقتراب وابتعاد من الحقيقة التاريخية ، ذلك أنها حركة ترتبط بالإيمان والإيمان بالله يزيد وينقص نتيجة للظروف المحيطة بالإنسان ومستوى عبادته لله ، وعلى هذا فالتاريخمرتبط بالعبادة ،جاء في الخطاب القرآني: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا” {النساء/136}. وعلى هذا فعلاقة التاريخذات بعدين بالنسبة للإنسان ، الأولى علاقته الصاعدة إلى الله تعالى ، واتجاهها نحو الاقتراب من المثل الأعلى ، والثانية علاقة الإنسان بالعالم الكوني من حوله في سعيه لإعمار الأرض والاستخلاف فيها بكلمة الله.
ثانياً – تبرز أهمية السنة الإلهية في ضبط التصور بالنسبة لما جرى في حياة التاريخ البشري في الأرض، فلا أمر يجري اعتباطاً، ولا يوجد عمل من أعمال الإنسان لا تترتب عليه نتيجة، لا في الآخرة وحدها ، إنما في الحياة الدنيا كذلك. فإن كان هناك فارق بين حساب الله للبشر في الدنيا وحسابه لهم في الآخرة في نوع العقاب، وفي الإملاء لهم أحياناً في الحياة الدنيا ولا إملاء في الآخرة، فلا خلاف في المعايير التي توزن بها الأعمال، ولا خلاف في مبدأ ترتيب النتائج على الأعمال، ولا خلاف في مبدأ مسؤولية كل إنسان عن عمله. يقول تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” {الروم /41}، ويقول: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا” {الإسراء 16/17}. ويقول: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ” {الأعراف /96}، ويقول: “وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا”{الجن /16}، هناك مسؤولية فردية، يلتزم فيها كل فرد بأن يحسن عمله، ويتحمل فيها ـ وحده ـ نتيجة سوء عمله، وهناك مسؤولية جماعية يحمل كل فرد نصيبه منها، ويتحمل نتيجة عدم قيامه بواجبه فيها ولو لم يكن مسيئاً بشخصه: “وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” {الأنفال /25} ،”مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالو لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً” .
ثالثاً- إن هناك ضرورة علمية للتمييز بين مفهومي السنة ومفهوم الحديث. فالسنة تعني القوانين التي تحرك التاريخ، وتوضح اتجاهه، وهي ما يدرس على مستوى فلسفة التاريخ والسنن التي تؤسس الظواهر التاريخية المختلفة، في حين أن مفهوم الحديث يقتصر على دراسة مدى نسبة الأقوال التي قال بها النبي  إليه،وبالتالي معرفة ما إذا كانت تلك الأحاديث منسوبة حقاً إلى الرسول  أم موضوعة أم منحولة، وما مدى نسبة تلك الصحة. وهو العلم الذي يدرس في سياق ما عرف بعلم الرواية والحديث. والحق أن هذا الخلط بين المفهومين، أعني مفهومي السنة والحديث، قد يرجع إلى عدم اشتهار ذلك النوع من الدراسات التي تبحث عن السنن والقوانين التي تحكم الظواهر التاريخية ، حيث كانت الدراسات الأصولية القائمة على القياس الجزئي هي المسيطرة على الدرس الإسلامي في فتراته الأولى، إلى جانب الاهتمام بالتحقق من مدى نسبة الروايات الشفوية المتداولة إلى النبي ، فنمت نتيجة لذلك مدونة علم الرواية والحديث ، التي يمثل الإمام البخاري ومسلم روادها الكبار ، وهي حركة علمية كانت مطلوبة في وقتها لأجل التحقق من صدق الروايات ، ولكنها ليست كافية لرفد المجتمع الإسلامي بفقه تاريخي يصوغ الحاضر ، ويصنع المستقبل. فقد كانت الحاجة ولا زالت ماسة إلى علم تاريخ إسلامي يفقه السنن الإلهية التي تصحح النصوص النبوية وتميز بينها، وترتبها، وتشرح العلاقات والتداخلات بينها، ومن ثم يعمل على توظيف تلك السنن والقوانين في الواقع التاريخي للأمة. أما الذي يميز هذا الطرح – هو كونه وفضلاً عن احتفاظه بشروط مثل السماع والمعاصرة …الخ من شروط الرواية المعروفة، فإنه يضع أساساً معرفياً إضافياً عند تمحيص المرويات النبوية بوضعها وعرضها على ماهية السنن والقوانين الإلهية التي تفسر حركة التاريخ، ومن هنا يكون التمييز بين المرويات، إضافة لكونه طرحاً يعيد فقه دلالة الأحاديث النبوية من خلال تصنيفها وفقاً للسنن الإلهية مما يعني رفد الحاضر الإسلامي بدلالات تصوغ الحاضر وتصنع المستقبل.

قائمة المصادر والمراجع:-
1- القران الكريم.
2- ابن خلدون ، المقدمة ، الجزء الأول ، المطبعة الأدبية ، بيروت 1879م .
3- ابن نبي؛ مالك بن نبي ،شروط النهضة ،ترجمة عبد الصبور شاهين ،دار الفكر المعاصر ،بيروت لبنان، ط4، 1987م.
4- أحمد محمود صبحي ، في فلسفة التاريخ ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، الإسكندرية.
5- اشبنجلر، تدهور الحضارة الغربية ،ترجمة أحمد الشيباني ، مكتبة الحياة ،بيروت لبنان ،1964م .
6- البخاري ،صحيح البخاري ،عالم الكتب ،بيروت لبنان،بدون .
7- توينبي؛ جون ارنولد توينبي ، مختصر دراسة التاريخ.بدون ط ت.
8- خليل؛ عماد الدين خليل ،التفسير الإسلامي للتاريخ ؛ قم إيران.
9- الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، 8 أجزاء، دار الكتب العلمية بيروت ط2 ، 1987.
10- عبد الرحمن بدوي،الموسوعة الفلسفية،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بدون ط 1982م.
11- غالب؛ غالب حسن ، الصراع التاريخي في القرآن، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان؛ ط1؛ 2002م.
12- فرانسيس فوكياما،نهاية التاريخ وخاتمة البشر،ترجمة حسين أحمد أمين ،القاهرة ،مركز الأهرام للترجمة والنشر، ط1 ،1993م .
13- قطب؛ محمد قطب ؛حول التفسير الإسلامي للتاريخ؛ المجموعة الإعلامية المملكة العربية السعودية ؛جدة.
14- الكفيشي ؛عامر الكفيشي،حركة التاريخ في القرآن الكريم ،دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع ،بيروت لبنان ،ط1، 2003م.
15- مجذوب ؛ محمد مجذوب محمد صالح؛ أصول الاجتماع الإنساني في المفهوم الإسلامي :مشروع معرفي في الإصلاح الاجتماعي ؛مركز التنوير المعرفي ؛ الخرطوم ؛2007م.
16- مجذوب ؛ محمد مجذوب محمد صالح؛ أصول المنهج العلمي في القران الكريم؛ معهد إسلام المعرفة ؛”إمام” ؛جامعة الجزيرة ؛2008م.
17- هيجل والتربسترواس فلسفة الروح أمام عبد الفتاح أمام دار التنوير بيروت ط 10.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.