مجلة التنوير العدد السادس

مجلة التنوير العدد الخامس
29 أغسطس، 2016
مجلة التنوير العدد السابع
29 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة العدد
العود إلى الحديث عن قضايا الأخلاق والأخلاقيات في مجالات النشاط الإنساني المختلفة في الآونة الأخيرة، هو عود بعد قطيعة نظرية في مجال العلوم الاجتماعية التي أرادت أن تكون وضعية لا قيمية.فقد كان القرن العشرين قرناً حاول الإنسان الغربي المعاصر فيه أن يعيد النظر في كثير من الثوابت المتعلقة بالمجتمع والتاريخ والإنسان إلى درجة أن بدأ البعض يتنبأ بعصر “مابعد الإنسانية”.إلا أن الأحداث المأسوية التي عاشها العالم العربي ومداراته المختلفة في أصقاع العالم قد نزعت الكثير من الثوابت التي تبلورت في القرون القليلة الماضية فيما يتعلق بمشاريع إعادة صياغة منظومات قيمية حديثة وإعادة تأسيس برامج فلسفية وروحية وأيديولوجية أو سياسية لم تكن الأخلاق جزءا من همومها ولا مشاغلها.
كما أن أزمة القيم التي يتم تداولها حاليا، لا تشمل فقط الأطر الأخلاقية التقليدية، وإنما القيم العلمانية أيضا والتي سعت لأن تكون بديلا لقيم الدين (كالعلم، التقدم، تحرير الشعوب، والمثل الإِنسانية…إلخ).
فاختصار ما ينبغي أن يكون فيما هو كائن خنق الخيال والإبداع الإنساني في دائرة مادية ضيقة. من ثم فإنه ومع تطور التقنية لم يكتسب الإنسان يقينا أفضل في المستقبل، وأنما أصبح هذا المستقبل أكثر ضبابية. فما هي مآلات الثورة الجينية مثلا في مستقبل الكائن الإنساني؟
وإِذا كانت الأخلاق هي المرشد العملي للحياة وهي التي تشكل القواعد والمفاهيم الرئيسية لجوانب النشاط الإنساني المختلفة، فكيف يمكن للإنسان أن يعيش حياته في ظل (لاثوابت- أخلاقية) ؟
يعبر (كويشيرو ماتسورا) الأمين العام لمنظمة اليونسكو عن هذه الضبابية الأخلاقية للكتاب الذي أصدرته منظمته عن مستقبل القيم بقوله: (هنالك فكرة شائعة جدا بأننا نجتاز اليوم أزمة قيم). ويخشى كثير من المراقبين إنحطاط كل ما يعطي معنىً عميقا لأعمالنا ولحياتنا، فيعزون هذا التراجع إلى ازدهار العولمة التي تحصر إهتمامها بالتطور التقني، وبالتالي تبدو مغرقة في مادية تخلو من أي روح، وغير قادرة على توجيه أعمالنا ، ولا تقيم أي وزن للقيم . كيف وصلنا إلى ما نحن عليه؟ منذ فجر الحداثة، أيام النهضة، ثم في عصر التنوير، نشأت مقولتان أخلاقيتان حلت الواحدة مكان الأخرى، فحددتا معالم الطريق للعولمة، الأولى تمثلت بالكلية والمثل المطلقة والثانية بالتعددية، وتنوع الممارسات. وقد شكل ذلك إلى حد ما بوصلة أخلاقية . ولكن ما إن وصلنا إلى تخوم عالم معولم حتى فقدنا الوسائل لاستكشاف تعقيداته . ذاك أن العولمة أرضية بغاية الجدة ، صارت معها وسائل إبحارنا القديمة قاصرة .
إن الواقع الماثل الذي أنتجته تصورات الإنسان المادي برؤاه الوضعية الصارمة ، أصبح الإنسان إِلى جانبه لا يمكنه أن يسيطر على كثير من معطياته، ولم تعد تلك البوصلة الأخلاقية التي شكلتها هذه التصورات والتي طرح فيها ذلك الإنسان المادي جانبا من كل ارتباطاته الأخلاقية (التقليدية) بقادرة على استكشاف وتوجيه كل جوانب هذا الواقع .
من جهة أخرى فإن محاولة الحضارة الغربية الماثلة الآن فرض معايير أخلاقية كلية وضوابط قياسية واحدة للنشاط الإنساني تجعل من أى أزمة طارئة اقتصادية كانت أو معرفية أو سياسية أو غيرها تتسع وتتمدد على مساحات واسعة من العالم وتنشيء في حركتها هذه أزمات وتوترات أخرى يصيب رشاشها كل أعضاء الأسرة الكونية الغالب منهم والمغلوب على أمره .
الكثير من الباحثين في العلوم المختلفة يرون أننا نشهد الآن مخاضا لعالم جديد قد لانلم بملامحه ولا تفاصيل سحنته القادمة . ولكن من الواضح أن الكثير مما كان يُعتبر من الثوابت في العلم لم يعد هكذا مع تقدم العلوم وتوسع البحث فيها . والكثير من المسلمات لم تعد كذلك . فالحدود بين ماهو ذاتي وما هو موضوعي مثلا ماعادت حدودا سميكة عازلة : فالنظرة الميكانيكية ، النيوتونية (نسبة إلى نيوتن) للعالم لم يعد بمقدورها أن تضر الكثير من الوقائع- مما دفع البعض ـ للحديث عن ثورة علمية جديدة .
إهتزاز الكثير من هذه الثوابت شكل طرفا من الأزمة الأخلاقية التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة . مقولة “نهاية التاريخ” عفا عليها الزمن سريعا وفقدت مصداقيتها ، وأصبح البحث عن قيم جديدة هو جزءاً من البحث عن ملامح القادم مستقبلا . إلا أن البحث في ذات الإطار المعرفي الذي أفرز الأزمة المعاشة- تماماً كما أدى إِلى نجاحات واسعة في مجال التطور التقني ـ قد لا يغني كثيراً : إذ أن هذا التطور التقني قد خرج بالفعل من عباءة تلك المنظومة الفكرية- القيمية التي دفعت به ابتداءً وأصبح له استقلاليته وإطاره القيمي والأخلاقي الخاص الذي يدفع بالإنسان إلى هامش الفعل الأخلاقي ويضعف من قدرته على التحكم والتوجيه على هذا المستوى الأخلاقي.
ومن ثم أصبح الحديث عما كان يعتبر من المحرمات في دائرة العلم سابقاً جائزاً بل يتم تشجيعه من جانب مؤسسات البحث التي تعتبر محافظة (ومحترمة) : إنه تعبير آخر عن حالة قلق فكري يمثل جانباً آخر من جوانب الأزمة الأخلاقية التي يدور الحديث عنها .
لقد تعود العالم اللا- عربي أن يكون متلقياً أكثر من كونه مساهماً في تشكيل الحاضر، فهل يمكنه أن يسهم بصورة أكثر فعالية في تشكيل المستقبل الذي تتشكل بعض من ملامحه الآن؟
إن البحث عن المعنى والقيم والأخلاق هو بحث عن الدين الذي طرحه الإنسان المعاصر جانباً ليقف وحده في مواجهة كون يتمدد باستمرار، لم يستطع هذا الإنسان أن يتصالح معه وفق إطار معرفي أوسع وأشمل للدين فيه دور كبير. ولعله من الواضح أنه إذا كان الدين مبعداً في تشكيل الأطر المعرفية السابقة ، فلن يكون كذلك في إعادة التشكيل القادم .
إن طرح القضايا المتعلقة بإشكالية الأخلاقيات كمحور رئيسي في هذا العدد من أعداد مجلة التنوير محاولة للإسهام في تعاطينا بعضا من جوانب هذا الموضوع ودعوة للبحث فيه .

رئيس التحرير…

 

 

لتحميل المجلة إضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.