مجلة التنوير العدد السابع

مجلة التنوير العدد السادس
29 أغسطس، 2016
مجلة التنوير العدد الثامن
29 أغسطس، 2016

أفتتاحية العدد

ما من كلمة وجدت من الاحتفاء بها والنظر فيها والدعوة إليها، مثل كلمة الحرية. فالحرية بمعنى انعدام القسر الخارجي تحمل بين طياتها معاني شتى. وهي هنا لا تعبر عن تصور عقلاني محض بقدر ما تسع بين جنباتها حشداً وجدانياً وتوقاً وشوقاً وفاعلية.
فما بين الحرية الداخلية للإنسان والحرية السياسية أو الاقتصادية أو غيرها تتمحور حياة الإنسان أخذاً وعطاءً ومكابدة.
والحرية، عمل مستمر في حياة الإنسان وليست حدثاً طارئاً. فلأن الإنسان يمتلك إرادة ـ في دائرة نسبية ـ ويستبطن داخله هذه الإرادة، فهو في حالة ممارسة دائمة للحرية إذ إنه في حالة اختيار مستمر بين خيارات متعددة. كما أن هذا الاختيار في جانب آخر مدعاة لتحمل مسؤولية الخيارات المختلفة التي يختارها الإنسان. غير أن الإلف والتقليد وانحسار الوعي بمعطيات الإرادة الإنسانية يجعلان من الحياة أنماطاً جامدة وروحاً خامدة وتعطيلاً لمقتضيات الحياة الحرة. كما أن الظن بأن الحرية هي حركة بلا قيود وإرادة بلا مسؤولية يفرغ هذه الحرية من أي مضمون أخلاقي، ويؤسس لفوضى تختل فيها العلاقات، وترتهن الحريات إلى سيطرة وهيمنة قوى مختلفة تقلل من دوائر الحياة الحرة لغالب الناس.
كان الجدال وما زال حول هذه المفهوم معّبراً عن حيرة الإنسان في تعامله مع الكون من حوله، ومع غيره من بني الإنسان؛ كيف لا وهو خاضع لقوانين كونية لا تتخلف، وهو في ذات الوقت يطمح في ارتياد آفاق انطلاقة نفسية واجتماعية واقتصادية… إلخ، لا تعرف حدوداً ولا تريد أن تتأطَّر بأي أُطُر.
إن معاناة الإنسان من الظلم وسعيه نحو تحقيق الحرية أمر قديم وهاجس متجدد، فنجد الإشارة لكلمة الحرية مثلاً في الكتابات السومرية القديمة في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد. لقد ذهب الإنسان مذاهب شتى في البحث عن هذه الحرية المفقودة، وتوسل إلى ذلك بسبل شتى من تقنين أو ثورة أو ربما استبداد يجتزئ الحرية ويجعل منها حقاً لفئة متغلِّبة سياسياً أو اقتصادياً ويقلّص من مساحاتها بين فئات أخرى واسعة في المجتمع.
بعضٌ من المفكرين نفى الإرادة الحرة للإنسان وهؤلاء، يعتقدون أنه ليس في النفس إلاّ مجرد تعاقب بين الظواهر، وبعضهم عندما استعصى عليه التفسير العقلي للحرية، ذهب إلى الدعوة للحرية في المجال الاجتماعي والسياسي.
وبعض آخر لم ير الحرية إلاّ في الخروج عن أسر أغلال الحتميات الدنيوية، فالحرية عند الجرجاني في تعريفاته : “خروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والأغيار”.
لقد انعكست رؤية الإنسان في علاقته بالكون على جوانب شتى من حياته، فقد أدت علاقة استغلال (exploitation ) الإنسان ـ للبيئة مثلاً والمتحررة عن كوابح المسؤولية تجاه الحفاظ على البيئة المادية في علاقة تبادلية تسعى للعمران وليس للاستغلال ـ إلى ما نرى من تدهور وإشكالات بيئية انعكست على حياة الإنسان في مجملها.
تظل قضية الحرية فكرة محورية في علاقات الإنسان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل يمكن القول بإن جل الفكر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المعاصر يبني مواقفه النظرية من خلال تعاطيه لهذا المفهوم. لقد احتلت قضية الحرية حيزاً كبيراً في الفكر السياسي المعاصر، كما ارتبط مفهوم الحرية السياسية بمفاهيم أخرى كالحريات المدنية وحقوق الأفراد وغيرها.
على أن الأزدواجية التي تبدو في تعاطي مفهوم الحرية، تجعل من موضوعية الأفكار في ظل غياب الارتباط بقيم هادية ـ غير متحيزة ـ حلماً عسير التحقق. فالحرية كقيمة سامية أعطاها الله سبحانه وتعالى للإنسان عند ابتداء الخلق، وجعلها مناط حياته مع تحمله لمسؤولية الاختيار. فأراد الإنسان أن يكون في مقام الإله، فلم يحظ إلاّ بموضوعيات منقوصة تملأ أشرعتها رياح الذاتية، والمصلحة، وأهواء المال، والسلطان. وظلت قضية الحرية تراوح في ذات الفضاءات المحدودة والمحددة، فكان لابد من تجديد الفهم لتحقيق مقاصد الحياة في مجال الحريات.
غالب موضوعات هذا العدد طرق على هذا الباب، ودعوة لإعادة الفهم والتفهم وفتح لآفاق من الحوار، خاصة أننا نعايش عصراً تطرح فيه المفاهيم في إطار عولمي يفترض الإطلاق، بل يفرض الإطلاق.
رئيس التحرير

لتحميل المجلة إضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.