مناهج السياسات نحو المرأة والتنمية في الدول النامية

مجلة التنوير العدد التاسع
29 أغسطس، 2016
ظاهرة الغلو في العصر الحديث صــفات – أسباب – عـلاج
30 أغسطس، 2016

أ. رشا عثمان مقدمة: على مدى الأربعة عقود الماضية ظهرت العديد من الاستراتيجيات والسياسات المختلفة والتي هدفت إلى تحقيق المشاركة الفاعلة للمرأة في عملية التنمية لابد لنا من التطرّق لها وعرضها كأساس مفاهيمي لتحليل وضع المرأة في السياسات التنموية الكلية للدولة. انحصرت النظرة إلى “قضية المرأة” في الخمسينات والستينات بصورة أساسية في الجوانب الاجتماعية والإنسانية. أما في العالم الثالث فقد تزامنت فترة التحرر من الاستعمار مع السعي لتنفيذ برامج دعم الرعاية الاجتماعية وحياة الأسرة والتعليم والاقتصاد المنـزلي والتي يلاحظ أن جميعها موجهة للنساء كزوجات وأمهات وليس كمنتجات.

برز في بداية السبعينات المنظور الجديد باعتبار المرأة مورداً للتنمية ومع ازدياد القناعة والاهتمام بمساهمة المرأة في التنمية طرح موضوع ضرورة دعم جهودها بتقديم الدعم المادي والفني اللازم لها كما ركّزت استراتيجيات “إدماج المرأة في عملية التنمية” على تحسين أوضاع النساء من خلال تقديم الاحتياجات الأساسية لها، لذلك برزت موضوعات التغذية والصحة والتعليم ورعاية الأطفال وتنظيم الأسرة والتدريب لرفع المهارات كعناصر أساسية في معظم برامج التنمية في تلك الفترة والتي تخللها عقد المرأة (1975-1985م).
ركّزت معظم البرامج المنفذة في هذا العقد على النساء وإبراز أهمية مساهمتهن في التنمية وذلك عن طرق استهدافهن إما بوضع مشروعات موجهة للمرأة فقط أو إدخال “مكوّن نسوي” في البرامج. إن التقييم الذي حدث لمشروعات تنمية المرأة خلال عقد المرأة وأثرها في تحسين أوضاع النساء والتي تمت في الثمانينات قد أوضح مؤشرات موجبة وأخرى سالبة وتمت ملاحظة أن هنالك عوامل “غير معلومة” أو “لم تتم معالجتها” أثرت على فرص تحقيق أهداف المساواة والتنمية والسلام. لقد اتضح جلياً أن الاهتمام بالمرأة من خلال المشروعات المخصصة للمرأة، دون الأخذ في الاعتبار طبيعة علاقتها بالرجل، لا يؤمّن النتائج المطلوبة ولا يحقق التنمية المستدامة المطلوبة.
في نفس هذه الفترة تقريباً ظهر مفهوم “النوع” كأحد مقومات التنمية الهامة ومنذ ذلك الحين صارت كلمة النوع جزءاً من ثقافة التنمية وإن كانت في كثير من الأحيان قد استخدمت خطأ كمرادف “للمرأة” في وضع البرامج والمشروعـات.
لقد أوضحت الدراسات والبحوث أن التخطيط لتنمية المرأة بمعزل عن احتياجاتها الإنتاجية والإنجابية أو طبيعة مهامها قد يحرمها من عائد عملها ووقتها ومساهمتها وقد يأتي بمردود سلبي على حياتهـا.
إن مفهوم النوع مفهوم مختلف تماماً، كما أن هنالك اختلاف استراتيجي واضح بين منهجي “المرأة والتنمية” و “النوع والتنمية” ولأن الانتقال من برامج “المرأة والتنمية WID” إلى “النوع والتنمية GAD” في العديد من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية كان في الغالب انتقال من اللفظ أكثر منه تحولاً في المفهوم، لذلك ركّزت البرامج التدريبية على تحليل وتخطيط مفهوم “النوع” وتوضيح أن “النوع ليس بديلاً للمرأة” وإنما يعني “النوع” بالعلاقات الاجتماعية بين المرأة والرجل والتي رسخها النظام المتوارث في المجتمع المعيّن.
نشأ مفهوم “النوع” من البحث المستمر والتحليل لنتائج/آثار التدخلات التي بنيت على منهج “المرأة في التنمية ومن بعده المرأة والتنمية والنوع هو تركيب اجتماعي وثقافي محذر في نظام العلاقات الموروث للمجتمع والذي يحدد هوية ودور وحقوق النساء والرجال أو حرمانهم في ذلك المجتمع. خلافاً للفوارق البيولوجية التي تحدد جنس الذكر والأنثى والتي تنطبق على كل المخلوقات الحية، فإن اختلاف النوع هو تشكيل مقصود يحدد الكيفية التي يوفر بها المجتمع احتياجاته الطبيعية المادية والعاطفية والاقتصادية والروحية. لا يمكننا تعريف النوع من دون التطرق للأدوار النوعية والتي تمكننا من الفهم الصحيح لمفهوم النوع.
ينشأ الدور النوعي من البناء الثقافي الاجتماعي وما يرسمه من توقعات للدور والمسؤوليات التي يقوم به كل من الأنثى والذكر في الإطار الثقافي المعيّن. والأدوار النوعية سلوك يكتسب بالتعلم في مجتمع أو فئة اجتماعية معينة تكيّف الناس فيها على إدراك أنشطة ومهام ومسئوليات كذكور أو إناث. وهذه الإدراكات تتأثر بالعمر والعنصر، والعرقية والثقافة والدين والأيديولوجيات الأخرى والبيئة الجغرافية والاقتصادية والسياسية. غالباً ما تحدث التغييرات في أدوار النوع استجابة للظروف الاقتصادية والطبيعية والسياسية المتغيرة بما في ذلك جهود التنمية والإصلاح الهيكلية أو أي قوى قومية أو دولية. قد تكون الأدوار النوعية للرجل والمرأة داخل بيئة اجتماعية بعينها مرنة أو صارمة، ومتشابهة أو مختلفة، ومكملة لبعضها البعض أو متناحرة.

سياسات واستراتيجيات إدماج مفهوم النوع فى التنمية:
اختلفت السياسات والاستراتيجيات التي تم طرحها في إطار الوصول إلى استراتيجية محكمة ومقبولة للمساهمة العادلة للجنسين في عملية التنمية كما تأثرت هذه السياسات أيضاً بتغير المفاهيم عن المرأة وعلاقتها بالتنمية وسنناقش هذه المناهج فيما يلي حسب الترتيب الزمني لظهور هذه المناهج.
1/ منهج الرعاية:
هذا المنهج يعود إلى فترة الاستعمار حين نظر للنساء كمستقبلات للعون ومستفيدات من التنمية بحجة أن دورهن كأمهات وربات منازل كان هو الدور الهام الوحيد الذي يسهمن به في المجتمع، وانحصرت خدمات الرعاية في الخدمات الغذائية، خدمات الصحة الإنجابية، رعاية الأطفال والتدريب على الأعمال المنـزلية. كذلك تم تأسيس تنظيمات مثل أندية الأمهات وإنشاء مدارس البنات والتدريب على الاقتصاد المنـزلي جميعها هدفت إلى دعم وتأكيد دور الفتيات والنساء التقليدي كزوجات وأمهات.
2/ منهج المساواة:
مع بداية السبعينات ظهر الاهتمام بموضوع المساواة فقد تم الإقرار بأن النساء يسهمن في عملية التنمية وأنهن يشكلن قوة منتجة ولكن بالرغم من ذلك، فإن مساهمات النساء لا تظهر في الحسابات القومية وأنه قد تم تهميشهن. كذلك تم الاعتراف بأن التقنية وتطبيق ونظم الإنتاج الجديدة قد أثرت سلباً على المرأة وان أنظمة وعلاقات الإنتاج الجديدة قد أثرتا سلباً على المرأة إذ أنها فقدت السيطرة على دخلها التقليدي وبالتالي أفقدها مركزها وسلطتها داخل المنـزل وفي المجتمع وقد أدى هذا إلى نشوء منهج المساواة الذي يدعو إلى قسمة عادلة للنسـاء.
كتب لمنهج المساواة الفشل منذ البدء لأنه ارتبط بمبدأ توزيع المكاسب (ثروة أو سلطة) والذى ثبت أنه كان فكراً خطابيًا أكثر منه عملياً فقد واجهت المحاولات لتطبيق منهج المساواة مشكلة انعدام التخطيط الواقعى وأيضاً مشكلة التمويل مما أعادها تدريجياً إلى المنهج السابق وهو منهج تقديم خدمات الرعايـة.
3/ منهج مكافحة الفقر:
تبنى هذا المنهج تقديم الموارد والمهارات كآلية تمكن من فتح المجال للنساء لإدرار الدخل و القضاء على الفقر وأقر بأن النساء قوى منتجة يمكن دعم جهودهن من خلال دعم أنشطة إدرار الدخل ومشاريع التمويل الصغيرة، ولهذا سجلت تلك الفترة “السبعينات حتى منتصف الثمانينات” زيادة ملحوظة في توظيف النساء في القطاعين الرسمي وغير الرسمي وكذلك ازدهار مشروعات التمويل الموجهة للنساء. لقد اتضح لواضعي هذا المنهج إن زيادة دخل المرأة من خلال مشروعات إدرار الدخل دون تخفيف عبء عمل المرأة الروتيني المنـزلي ودون تلبية الاحتياجات النوعية الأخرى مثال سيطرة النساء على الموارد الإنتاجية قد يؤدى إلى نتائج سلبية. إن هذه المشروعات أدت في الغالب إلى زيادة الأعباء على النساء حيث أصبحن يتحملن كل الأعباء المنـزلية بالإضافة إلى أعباء العمل خارج المنـزل وذلك دون التأكد من أن لديها السيطرة على عائد هذه المشروعـات.
4/ منهج الكفاءة:
افترض هذا المنهج أن النساء قوى عمل غير مستغلة يتمتعن بوقت فراغ إضافي يتم هدره لعدم استغلاله بكفاءة. كما تعامل هذا المنهج بافتراض أن عمل المرأة في المنـزل هو طاقة مهدرة وعمل غير مقيم اقتصادياً وأنه لابد لها من الاشتراك الفعلي في الاقتصاد الكلي. أثبتت التجربة كما في المنهج السابق بأن تجاهل الأعباء اليومية الروتينية للمرأة وافتراض أن الوقت لا يشكِّل عائقاً للنساء وبأنهن يستطعن بسهولة المساهمة في التنمية إذا ما توفرت لهن الموارد اللازمة قد أدى إلى أن تعمل النساء لساعات أطول دون أن يطرأ أي تحسن على نمط حياتهن. وهكذا فشل هذا المنهج في تلبية العديد من احتياجات النساء النوعيـة.
بالرغم من أن الاعتراف بأن النساء أصبحن عنصراً ضرورياً في عملية التنمية قد مثّل تحولاً بارزاً إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن ظروف النساء قد تحسنت مع التنمية. إن هذا المنهج ومع تخفيض الموارد للخدمات الضرورة في إطار برامج إعادة الهيكلة والإصلاح الاقتصادي فشل حتى في توفير الاحتياجات الضرورية للنسـاء.
5/ منهج التمكين:
يدور استعمال مفهوم التمكين في إطار المشاركة في السلطة وتمكين النساء من تحرير أنفسهن من القيود الثقافية والاجتماعية السالبة والتي تجعل منهن عالة على الغير أو في وضع هامشي. أن الاحتياجات والمصالح الاستراتيجية للنساء تفرض تمكينهن والذي يجب أن يقوم على أساس ظروفهن الفردية في إطار احتياجاتهن واهتماماتهن حسب دورة حياتهن وفي إطار الظرف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لمجتمعاتهن. إن منهج التمكين يعتمد على المشاركة الفعلية للمرأة في كل المراحل ، كذلك لابد أن تكون المرأة مدركة لوضعها ولحاجتها للتغيير وأن تلتزم باتخاذ القرارات والخطوات العملية لتحقيق التغيير المرغوب. محور هذا المنهج هو اتخاذ القرارات في ما يخص المرأة على كل المستويات.
يحتاج تحقيق هذا المنهج لتوفر الموارد اللازمة والسلطة ونعنى بالسلطة المقدرة في التحكم في هذه الموارد كما لابد أيضاً من رفع مستوى الوعي والإدراك فيما يتعلق بالاحتياجات والمصالح النوعية الاستراتيجية وهذه بدورها تزيد من ثقة المرأة في نفسها وقدرتها وقوتها للقيام بخطوات عملية في اتجاه تحقيق التغيير الثقافي والاجتماعي المطلوب ومن أجل المشاركة في السلطة والاحترام المتبادل والاستغلال الذاتي. وبما أن النساء الفقيرات في الغالب يكن مشغولات بتوفير احتياجاتهن النوعية العملية (الاحتياجات اليومية للبقاء في إطار الدور النوعي المحدد لهن) فإن احتياجاتهن ومصالحهن النوعية الاستراتيجية ستبقى ثانوية بالنسبة للنساء أنفسهن من حيث الأولوية وكذلك للعاملين في حقل التنمية.
أحد أهم العوامل التي يجب التركيز عليها هنا هي أن الأطر والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لأي دولة والظروف الحياتية الخاصة للمرأة ووضعيتها الاجتماعية هي التي تحدد ما تعتبره المرأة تمكيناً. كما يجب الإقرار بحقيقة أن النساء لسن مجموعة متجانسة كما أنهن يوجدن في ظروف وأوضاع متباينة داخل الأسرة، المجتمع والدولة.
إن مفاهيم العدالة والسلطة والاختيار والسيطرة هي مفاهيم أساسية لابد من النظر إليها من وجهة نظر المرأة. ولكن بالرغم من حق كل امرأة في تشكيل نظرتها الذاتية لمفهوم التمكين إلا أن هنالك بعض العناصر المشتركة والتي يمكنها أن تطرح كضمان لتمكين النساء ووضعهن في موقع اتخاذ القرار وتشمل:
– القدرة الذاتية والثقة في مواجهة الحياة.
– الحق في تقرير خياراتها في الحياة.
– القابلية للتأثير في التطور الاجتماعي، أي تحديد اتجاهات التغيير الاجتماعي الذي يؤثر على حياتها… الخ.
إن منهج التمكين يركز على أهمية خيارات المرأة على المستوى الشخصي وعلى مستوى علاقتها بالأسرة والعائلة وعلى المستوى المجتمعي وهذا يعني بالضرورة مشاركتها في الأحداث التي تشكِّل حياتها وفي تحديد نوع التغيير المطلوب من أجل نظام أكثر عدالة واستدامة وتلبية لاحتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
إدماج النوع في الخطط والسياسات التنموية:
برز مفهوم إدماج النوع الاجتماعي بعد بروز مفهوم التمكين و يعتبر إدماج مفاهيم النوع في الخطط والسياسات الكلية والقطاعية آلية رئيسية من آليات تمكين المرأة وتوسيع مشاركتها في كل مناحي التنمية ولذلك لابد لنا من تعريف عملية الإدماج وتوضيح المبادئ الأساسية لهذه العملية.
الإدماج من منظور نوعي يعني عملية تقييم أي عمل مخطط يؤثر على المرأة والرجل بما في ذلك التشريعات، السياسات أو البرامج في أي مجال وعلى كافة المستويات وذلك حتى يتساوى الرجل و المرأة في الفائدة، وترسيخاً للعدالة بين الجنسين.
لتحقيق الإدماج لا بد لنا من تدخلات خاصة، هذه التدخلات يمكن أن تستهدف المرأة وحدها، المرأة والرجل، أو الرجل وحده بهدف تمكينهم من المشاركة العادلة في جهود التنمية وجني الفائدة منها بالتساوي. تعتبر هذه التدخلات إجراءات مؤقتة ضرورية مصممة لردم الفجوات النوعية بين الجنسين.
إن الإدماج لا يعني إضافة (مكون نسائي) أو حتى (مكون مساواة نوعية) في نشاط قائم، فقد يقتضي في بعض الأحيان تغيير لكل الأجندة، وربما يتطلب تغييرات في الأهداف والاستراتيجيات والإجراءات حتى يستطيع الرجل والمرأة كلاهما المشاركة في عملية التنمية وفي الفائدة منها. إذن فإن الهدف الإدماج هو تحويل البنيات الاجتماعية والمؤسسية الغير عادلة إلى بنيات عادلة للرجل والمرأة على السواء.
المبادئ الأساسية للإدماج:
– مسئولية تنفيذ استراتيجيات الإدماج مسؤولية مشتركة تشمل كل الأجهزة وعلى كافة المستويات.
– لابد من القيام بعملية تحليل تمكن بوضوح من تشخيص الفوارق والمتناقضات النوعية ولا ينبغي الاعتماد على الافتراضات التي تعتبر أن القضايا والمشاكل محايدة من المنظور النوعي (التحليل النوعي).
– ضرورة إنشاء آليات محاسبة كافية لمراقبة سير هذه الاستراتيجيات.
– إن الإرادة السياسية الواضحة وتوفير الموارد الكافية للإدماج بما في ذلك الموارد المالية والبشرية الإضافية يعتبران ركيزة هامة لترجمة المفهوم إلى واقع محسوس.
– تتطلب عملية الإدماج بذل مختلف الجهود لتوسيع قاعدة المشاركة العادلة للمرأة على كافة مستويات صنع القرار.
– إن استراتيجيات الإدماج لا تعتبر بديلاً للسياسات والمشروعات والبرامج الخاصة بالمرأة، كما لا تكون أبداً بديلاً للتشريعات أو المؤسسات الخاصة بالنوع.
إن الكفاءة في إدماج النوع الاجتماعي تقتضى مهارات تحليلية لاستنباط معلومات ذات حساسية بالنوع، ولتحديد الفجوات كما تتطلب أيضاً مهارات دعوية لتعزيز مبدأ العدالة بين النوعين.

المرأة والنوع في الاستراتيجيات والسياسات الكلية للدولة:
اهتمت كل الاستراتيجيات التي وضعت منذ الاستقلال بقضايا المرأة وسنختار في هذه الورقة الاستراتيجية القومية الشاملة والسياسة القومية للسكان كاستراتيجيات وسياسات كلية معتمدة من قبل الدولة وسوف نقوم بتحليل ما يلي المرأة والنوع في هاتين الوثيقتين.
الاستراتيجية القومية الشاملة:
ورد في مقدمة استراتيجية المرأة في الاستراتيجية القومية الشاملة ما يلي:
“بالرغم من أن قطاع المرأة قطاع مستعرض، وحاجاته مضمنة في الاستراتيجيات القطاعية المختلفة، إلا أن هذا القطاع قد خص بهذه الاستراتيجية لتأكيد بعض المعاني, وجذب الاهتمام إلي المسائل ذات الصلة الخاصة بالمرأة , ووظائفها المتميزة في الحياة . ثم إنها, وإن عانت مع كل جموع الشعب السوداني من غوائل التبعية والتخلف والاستغلال، قد أصابها من كل ذلك النصيب الأفدح، حتى اعتدت الأعراف والتقاليد على ما حرص الدين على تأكيده من حقهن في الكرامة والمساواة في التكليف والإنسانية، وحقوقها في العمل والتعليم والصحة والاضطلاع بالشأن العام، والرعاية المتصلة بالإنجاب ورعاية محيط الأسرة، كل ذلك يستوجب استدراك الفجوة الماثلة في أحوالها، والاهتمام الخاص بها، ثم لكونها تمثل طاقة هائلة، هي طاقة نصف المجتمع أو تزيد، فأن إدماجها في مسيرة النهضة والبناء، يوجب من مجتمعها رعاية خاصة ترفع عنها كل مظاهر الظلم، وتعزز امكاناتها ومكانتها، لينهض المجتمع بطاقة كل بنية. تنعكس هذه المبادئ في الموجهات والأهداف والسياسات لاستراتيجية قطاع المرأة وتشابه موجهات منهج التمكين حيث يدعو إلى كفالة كافة حقوق المرأة وتعزيز امكاناتها وإدماجها في كافة مناحي الحياة وإن كانت تتميز بتوضيح أن المساواة المطلوبة في التكليف والإنسانية هو حق أعطاه لها الدين وإن حاولت بعض الأعراف والتقاليد التغول عليه.
نورد فيما يلي سياسات استراتيجية قطاع المرأة والتي تؤكد على:
– تعزيز ما تحقق للمرأة من حقوق وصونه من الانتهاك والتعدي.
– التطبيق العملي للتشريعات التي سنت لمصلحة المرأة.
– منح المرأة كل حقوقها الشرعية والتوعية المستمرة بضرورة احترام هذه الحقوق بحسبانها جزء من العقيدة.
– محاربة العادات والتقاليد الضارة بالمرأة والمطففة لحقوقها بالتربية والتوعية وحث المرأة على التمسك بحقوقها وعونها في ذلك.
– تعزيز القوانين التي تحمي المرأة العاملة وسن التشريعات اللازمة في كل مجالات العمل وخاصة القطاع غير المنظم.
– محو أمية المرأة الحضارية والأبجدية مع الاهتمام بتربيتها الدينية، وإتاحة فرص التدريب وتأكيد حقها المتساوي في التعليم وحثها على ممارسة هذا الحق استدراكاً للفجوة الماثلة في هذا المجـال.
نرى بوضوح إن السياسات أعلاه يمكنها أن تؤدى إلى تمكين المرأة إذا ما تم اتخاذ التدابير والإجراءات المناسبة لتحقيق هذا، عندما تتنـزل هذه السياسات إلى مستوى البرامج الرئيسية والأنشطة الخاصة بها نرى أن هذه البرامج برامج محدودة وقد لا تقود إلى الأهداف المرجوة. نأخذ مثال لذلك البرنامج ” أ ” وهو برنامج ترقية دور المرأة الأساسي كأم والبرنامج ” ج ” وهو برنامج ترقية دور المرأة كربة منـزل :
يحتوى البرنامج ” أ ” على الأنشطة التالية :
1. عقد الندوات واللقاءات ونشر الكتيبات عن ماهية الأمومة والطفولة ومتطلباتهما من رعاية صحية وتغذية.
2. ضمان التغذية السليمة والكافية لمن يحتاجها من الحوامل والمرضعات وتمكين الأسر من تحقيق ذلك.
3. إقامة الأيام الصحية والعلاجية الخاصة بالأم والطفل.
4. تكريم الأم المثالية على مستوى الحي والقرية والفريق والمجلس والمحافظة والولاية ثم على المستوى القومي.
أما البرنامج ” ج” فأنشطته كما يلي:
1.توعية المرأة بأهمية التدبير والاقتصاد في المعيشة والنأي عن الصرف البذخي وترشيد الاستهلاك.
2.تدريب المرأة على إيجاد البدائل في مجال تغذية الأسرة، وتدريبها على الصناعات المحلية، مثل صناعة المربى والجبن، والصلصة وكل حاجات المنزل الأخرى كالصابون وحياكة الملابس وأعمال الإبرة والأعمال اليدوية الأخرى.
3.تدريب ربة المنزل على الاعتماد على نفسها في الأعمال البسيطة التي تحتاجها، مثل التنجيد والنقاشة وصيانة المعدات الكهربائية والإسعافات الأولية.
إن الهدف من هذا السرد توضيح عدم وضوح كيفية تحقيق الأنشطة أعلاه في البرنامجين السابقين للسياسات والموجهات الموضوعة في استراتيجية قطاع المرأة فبالرغم من أن موجهات وسياسات هذه الاستراتيجية تميل بصورة واضحة لمفهوم التمكين إلا أن هذه البرامج تجمع بين العديد من مناهج المرأة والتنمية عدا منهج التمكين وان طغى فكر منهج الرعاية على بقية المناهج.
إن هذه الأنشطة تواصل في تحجيم دور المرأة الرسالي وتقلل من فرصها في الحصول على كافة حقوقها والتي أعطاها لها الدين الحنيف وتم التأكيد عليها بوضوح في موجهات وسياسات هذه الاستراتيجية . لقد اعتمدت هذه البرامج منهج الرعاية والذي اثبت فشله كما أوضحنا سابقاً.
كما أسلفنا تم التقديم لهذه الاستراتيجية بأن بعض الأعراف والتقاليد قد اعتدت على الحقوق الربانية والتساوي في المسؤولية والتكليف وكنا نتوقع أن يركز برنامج تعزيز دور المرأة كأم أو كربة منـزل على كيفية تربية الأجيال تربية تؤهلهم وتعدهم لتقبل فكرة العدالة بين الجنسين وتجعلهم أداة من أدوات التغيير الاجتماعي مما يساعد على سد الفجوات والتي تم إقرارها وتفصيلها في العديد من الاستراتيجيات الكلية للدولة.
بالإضافة للبرنامجين السابقين هنالك برامج أخرى تطرقت لترقية دور المرأة كعاملة في الزراعة ودورها في الصناعات الصغيرة و مشاركة المرأة في السياسة والعمل العام ودورها الاقتصادي إلا أن جميع هذه البرامج لا ينبغي لها أن تنفصل عن بعضها البعض فلتحقيق عدالة نوعية في المشاركة السياسية أو الاقتصادية لابد لنا في البدء من تحليل نوعى كامل للأسباب التي أدت إلى وجود فجوة نوعية في تلك المجالات وبالتالي تحديد المؤسسات التي يجب علينا العمل في إطارها لسد هذه الفجوة. إن الأسرة والمجتمع يعتبران من المؤسسات الأكثر أهمية في إحداث التغيير المجتمعي ومحاولة واللتان نعول عليهما كثيراً في التخلي عن التقاليد السالبة وسيادة قيم العدل والمساواة والإنصاف بين الجنسين وتهيئة بيئة صحية دينية سليمة تنشأ عليها كل أفراد الأسرة وبالتالي المجتمع.
المرأة في السياسة القومية للسكان:
أكدت السياسة القومية للسكان على مفاهيم العدل والإنصاف بين النوعين بوضعها كمبدأ من مبادئ السياسة القومية للسكان حيث اعتبرت العدالة بين النوعين ركيزة جوهرية في تحقيق أهداف برامج السكان والتنمية واستمر في مرتكزاتها حيث تم التأكيد على أن المرأة مرتكز أساسي للتنمية وذلك انطلاقاً من خلال دورها في الأسرة والمجتمع أما الموجه الخامس في السياسة القومية للسكان فقد نص على تحقيق أعلى معدلات العدالة والإنصاف بين الأجيال وبين النوعين.
تم إفراد محور كامل للمرأة والعدل بين الجنسين أوضح الفجوات النوعية في التعليم العام والتعليم العالي والتشريعات ومشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي والتشغيل والمشاركة في العمل العام وأكد على أن شان المرأة والأسرة شان من شئون السياسة السكانية يستوجب المزيد من الدراسة وتضافر الجهود.
ناقشت السياسة القومية للسكان اثنان وعشرون محوراً بالإضافة إلى محور العدالة بين الجنسين تناولت كل هذه المحاور مبدأ الإنصاف والعدالة بين الجنسين كمبدأ أساسي لا بد من أخذه في الاعتبار لتفعيل وتحقيق أي من هذه المحاور وأعطت السياسة السكانية قضايا إدماج النوع بعداً استراتيجياً لابد من فهمه والتدرّب عليه من قبل كل من متخذي القرار العاملين في الشأن السكاني.
تأتي أهمية السياسة القومية للسكان من أنها من أحدث السياسات الاجتماعية الكلية والتي أجيزت بواسطة مجلس الوزراء في العام 2002م وقد أشار القرار رقم 48 والخاص بإجازة السياسة القومية للسكان بأن تعطى السياسة السكانية أسبقية قصوى في دراسة التنمية ووضع الخطط والبرامج وفي دراسة المتغيرات السكانية والاجتماعية وذلك من واقع أهميتها في رسم سياسات في وضع الاستراتيجية الكلية للدولة وأن تقوم كل وزارة وولاية بدراسة الوثيقة والاستفادة منها في وضع سياساتها وخططها باعتبارها أول مرجع رسمي للدولة تجاه السياسات القومية السكانية.

المراجـــع:

1- Base line definitions of key concepts and terms-UNISCO Gender Mainstreaming Implementation Frame Work

2- Gender and Empowerment Definitions-BRIDGE Development.
3- C. Moser 1993. Gender Planning and Development Theory ,Practice and Training. 4- National Gender Policy ,Arucha, Tanzania, Eastern and Southern Africa Management Institute (ESAMI) 1997.
5- الاستراتيجية القومية الشاملة 1992-2002
6- السياسة القومية للسكان 2002

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.