ظاهرة الغلو في العصر الحديث صــفات – أسباب – عـلاج

مناهج السياسات نحو المرأة والتنمية في الدول النامية
30 أغسطس، 2016
مبحث فى الثقافة الأبوية
30 أغسطس، 2016

بحث في:
ظاهرة الغلو في العصر الحديث
صــفات – أسباب – عـلاج
د. يوسف الكوده
مقدمة:
لقد أكرم الله البشرية ومنَّ عليها بهذا الإسلام الذي كفل لمن اتبعه الفوز والسعادة والعزة والسيادة ” فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ” ولأن هذا الدين هو ختام الأديان فقد زوّده الله سبحانه وتعالى بما يجعله خالداً وصالحاً لكل جيل وزمان فلا يخَلَقُ أبداً فهو دين الفطرة التي ينسجم معها ولا يتصادم ويهذبها بلا مشقة ولا عنت ويصونها بلا تضييق ولا حرج، ولقد وصل إلينا هذا الإسلام خالياً من كل إفراط أو تفريط فكانت أمة الإسلام أمة وسطاً بين الأمم ” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ” .

يقول ابن كثير رحمه الله “والوسط هنا هو الخيار والأجود كما يُقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً: أي خيرها وكان رسول الله (ص) وسطاً في قومه:
أي أشرفهم نسباً ومن ذلك أيضاً: الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها” ولكن يحاول البعض من وقتٍ إلى آخر أن يلصق بهذا الإسلام ما يشوّه جماله وينعه ويعكِّر صفائه قاصداً بذلك أو دون أن يقصد فأحسن أحوال هؤلاء أنهم أصحابُ نية حسنة ولكن للأسف فقد تقرر عند فقهائنا: “أن النيّة الحسنة لا تُحسِّن العمل السيء”.
يبدو أنهم هم “سفهاء الأحلام” الذين تنبأ بهم رسول الله (ص) عندما قال: “سيخرج من آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام” يقول الحافظ ابن حجر: “أحداث الأسنان: المراد أنهم شباب، سفهاء الأحلام: عقولهم رديئة”.
قال النووي: “أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب وقوة العقل”.
وحقيقة إذا ما التقى الحماس مع قلة العلم ونقص التجربة والإعراض عن أهل الذكر كان التطرّف والغلو لا محالة”.
أنّ ما يقوم به هؤلاء الغاليين المتطرفين ولا سيما في الآونة الأخيرة من قتل لأبرياء وإتلاف لأموال وترويع لأناس فقد ارتكبوا به جَمْعاً من الموبقات منها: أنهم يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق من إخوانهم من المسلمين وهذه كبيرة عظيمة أو قتلهم للكافر الذي لا يستحق القتل كالمستأمن والذمي أو من هو في حكمهما ممن تتعاقد مهم الحكومات الإسلامية والعربية للاستفادة من خبراتهم فإنهم وإن كانوا غير مسلمين فهم لا يستحقون القتل طالما أنهم وفدوا إلينا بطرق نظمتها الدولة وسمحت لهم بالإقامة فهم تحت حمايتها وبرِّها وقسطها علّ ذلك يرغبهم في الإسلام ولكن للأسف ما يحدث الآن من هؤلاء الغالين هو عكس ذلك فإنهم يقدمون خدمات جليلة لأعداء الإسلام ومن يتربص به من المتربصين بسبب أفعالهم الشنيعة هذه ومن تلك المحرمات التي يرتكبها هؤلاء هو إتلافهم لأموال الغير جراء تفجيراتهم التي تدمّر من ورائها المحال التجارية والبنايات والسيارات، فكل ذلك إتلاف للمال الذي حذّر ونهى عنه الرسول (ص) في يوم عرفة في خطبته وقت حجة الوداع ” ألا إن أموالكم حرام عليكم”.
هذا إضافة إلى ترويع الآمنين من الناس وتصوير الإسلام بهذا الوجه المشوّه مما يمكن أن يبعد الكثيرين عنه.
والواقع ان هذه الظاهرة –ظاهرة الغلو- قد أصبحت من القضايا الشائكة التي تواجه الأمة الإسلامية في عصرها الحديث فقد تسببت في أضرار بليغة بالأمة الإسلامية فشوّهت وجه الصحوة الإسلامية وعرقلت المسيرة، الأمر الذي أوجب العلاج ولا يدخل في ذلك بتاتاً أي مقاومة إسلامية ضد احتلال أو مغتصب كما يجري اليوم في فلسطين.
وبعد هذا الاستدراك أقول لقد اخترت هذا البحث مساهمة من في تشخيص وعلاج هذه الظاهرة متعرضاً لبعض صفات أولئك الغالين وذكر بعض مني الأسباب التي عملت على بروز هذه الظاهرة وأخيراً ذكرتُ أيضاً بعضاً من المحاولات للمساهمة في علاج هذه الظاهرة الخطيرة على الإسلام والمسلمين.
والله الهادي إلى سـواء السبيل،،
السودان- الخرطوم
د. يوسف الكوده
26/5/2004م
في مفهوم كلمة “غـلو”
وحتى لا يبقى اللفظ نهباً يستخدمه كلٌّ حسب مصلحته وهواه فنرمي أناساً بتهمة الغلو والتطرف وهم ليسو متطرفين او يدفع أناسٌ عن أنفسهم تهمة الغلو والتطرف وهم غالون متطرفون حتى لا يقع ذلك لا بد من تحديد معنى هذا اللفظ وتجلية مفهومه فإن ذلك –أي تحديد معنى الألفاظ والمصطلحات المستخدمة يسهل العلاج وييسر الوصول للحق والصواب يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: .
“فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة ومعانٍ مشتبهة حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفينها ولو سُئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلاً عن أن يعرف دليله ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئاً بل قد يكون في قوله نوع من الصواب وقد يكون هذا مصيباً من وجه وقد يكون الصواب في قول ثالث”
فمن هنا تبرز أهمية تحديد معنى الألفاظ.
ما هو المقياس:
حقيقة أن تحديد مفهوم كلمة “غلو” يحتاج إلى مقياس دقيق وميزان سليم لا بخس فيه ولا شطط.
عُرف الناس:
لا يصلح عُرف الناس أن يكون مقياساً لأن أعراف الناس متفاوتة وبيئاتهم متباينة وتربيتهم مختلفة فمنهم الظالم لنفسه الغارق في شهواته الذي يعتبر إعفاء اللحية والزي الإسلامي “الحجاب” نوع من التشدد، ومنهم من يعتبر تحذير الناس من ولاء اليهود والنصارى والشيوعيين تعصباً وفتنة طائفية ومنهم من يعتبر الدعوة إلى الجهاد تطرفاً أو الدعوة إلى تطبيق الشريعة رجعية أو حتى الحرص على الصلاة في جماعة نوع من الغلو في الدين وفي المقابل طائفة أخرى تعتبر الاكتفاء بالفرائض تفريطاً وتسوي بين الصغائر والكبائر والأخذ بالرخص الشرعية تعقيداً وهكذا الناس متفاوتون في أذواقهم مختلفون في أهوائهم فلا يصلحون أن يكونوا مقياساً وإلا وقع الفساد “ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن”.
المقياس الصحيح (اللغة والشرع):
الغلو لغة:
لقد تناولت المعاجم اللغوية مادة (غلو) بالشرح والإيضاح ولكن نكتفي بطرف من ذلك.
قال ابن دريد الأزدي: الغلو: ارتفاع الشيء ومجاوزة الحد فيه، ومنه قوله تعالى: “لا تغلو في دينكم” أي “لا تجاوزوا المقدار” وقال الأزهري: غلا في الدين يغلو غلو إذا جاوز الحد.
وقال ابن زكريا: “تغالى لحم الدابة” إذا انحسر وبره، وذلك لا يكون إلا عن قوة وسمن وعلو.
ويقول صاحب لسان العرب:
أصل الغلا: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء.
وغلا في الدين والأمر: يغلو غلواً: جاوز حده. وفي التنزيل: “لا تغلو في دينكم”. وفي الحديث الشريف: “إياكم والغلو في الدين”، أي التشدد فيه ومجاوزة الحد.
وقال ابن سيوه: غلت الدابة في سيرها غلو واغتلت: ارتفعت فجاوزت حسن السير والاغتلاء: الإسراع.
وفي المصباح المنير: غلا في الدين غلواْ. من باب قعد: تصلّب وتشدّد حتى جاوز الحد.
وقال الفيروز أبادي: غلا في الأمر غلوا، جاوز حده وبالسهم غلواً: رفع يديه لأقصى الغاية.
غلا السهم: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى وفي النهاية لابن الأيثر:
غلا فيه: إياكم والغلو في الدين: أي التشدد فيه ومجاوزة الحد.
ومنه حديث عمر: “لا تغالوا صُدَق النساء” وفي رواية “لا تغالوا في صدقات النساء”، أي لا تبالغوا في كثرة الصداق.
وأصل الغلا: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء.
الغلو شرعاً:
قال تعالى: “قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق”.
وقال (ص): “إياكم والغلو في الدين”. وقال (ص): “هلك المتنطعون قالها ثلاثاً”. قال النووي: “هم المتعمقون الغالون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم” وعن أنس بن مالك –رضي الله عنه- أن رسول الله (ص) كان يقول: “لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع”.
إذن يمكن أن نقول بأنّ الغلو اصطلاحاً هو: “مجاوزة حدود ما شرعه الله بقول أو فعل أو اعتقاد”.
صفات للغالين في كل عصر:
والواقع أن هؤلاء الغالين المتطرفين تجدهم يشتركون في صفات على تاريخهم الطويل فمن تلك الصفات:
1) الطعن والتضليل:
إن الطعن في أئمة الهدى وتضليلهم والحكم عليهم بالخروج عن العدل والصواب هو من أبرز صفات أولئك الغالين المتطرفين وقد تجلّت هذه الصفة في موقف “ذو الخويصرة اليماني مع رسول الله (ص) حين قال: يا رسول الله أعدل فقد عدّ ذو الخويصرة نفسه أعدل وأروع من رسول الله (ص) وحكم عليه بالجور والخروج عن العدل في القسمة وهذه الصفة لازمتهم عبر التاريخ الطويل، يقول ابن تيمية رحمه الله: “فهؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون”.
2) الإكثار من العبادة:
وقد تنبأ بذلك الرسول (ص) حينما قال: “يخرج قومٌ من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء” فالمبالغة في العبادة من صيام وقيام وذكر وتلاوة قرآن أمرٌ اشتهر به أولئك الغالون وقد عرفوا باسم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة.
يقول ابن الجوزي: (فلما مات علي رضي الله عنه أخرج ابن ملجم ليقتل فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم وكحل عينيه بمسمار محمّى فلم يجزع وجعل يقرأ: “اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* …” حتى ختمها وأن عينيه لتسيلان فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: “لم تجزع؟ فقال: أكره أن أكون في الدنيا مواتاً لا أذكر الله وكان رجلاً أسمر في جبهته أثر السجود “لعنه الله”). ولكنهم لم يزكوا أنفسهم بهذه العبادة إذ الفائدة من العبادة هي تزكية النفس فكانت عبادة كالجسد بلا روح والشجر بلا ثمر، فلم تهذب أخلاقهم ولم تزك نفوسهم فالعبادات ما شرعت إلا لهذا. قال تعالى: “وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”، ” كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” . فما كان نصيبهم من القيام إلا السهر ومن الصيام إلا الجوع ومن التلاوة إلا بح الصوت. لذلك يقول ابن حجر: “لا يكفي في التعديل ظاهر الحال ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله”.
3) القسوة على المسلمين:
ولقد عرف هؤلاء الغالين المتطرفين بالغلو والجفوة وقد كانوا شديدي القسوة والعنف على المسلمين وقد بلغت شدتهم حداً فظيعاً فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فروّعوهم وقتلوهم. أما أعداء الإسلام من أهل الأوثان وغيرهم فقد تركوهم ووادعوهم فلم يؤذوهم ويخبرنا الرسول (ص) عن هذه الصفة بقوله: “يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان” .
ولقد سجل التاريخ القديم والحديث صحائف سوداء لهؤلاء الغالين المتطرفين في هذا الشأن عن ذلك هذا الموقف المروِّع:
“لقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثاً تحدثه عن رسول الله (ص) تحدثناه، قال: نعم سمعت أبي يحدث عن رسول الله (ص) أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول فقالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله (ص) قال: نعم فقدموه على شفير النهر، فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها وكانت حبلى ونزلوا تحت نخل مواقير –(كثيرة الحمل بالرطب)- بنهروان فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فيه فقال أحدهم: أخذتها بغير حقها، وبغير ثمنها، فلفظها من فيه واخترط أحدهم سيفه وأخذ يهزه فمرّ به خنزير لأهل الذمة فضربه به يجربه فيه فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقي صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه” فهذه معاملة الغالين المتطرفين للمسلمين والكافرين قسوة وشدة وعنف على المسلمين ولين ولطف وموادعة للكافرين. بينما القرآن يقول: ” مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ” . فانظر كيف عكسوا الآية رأساً على عقب.
وفي مشهد آخر:
” حكي أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة فأحسوا الخوارج فقال واصل لأهل الرفقة إن هذا ليس شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإياهم. وكانوا قد أشرفوا على العطب فقالوا له: شأنك فخرج إليهم فقالوا: ما أنت وأصحابك قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله ويعرفوا حدوده فقالوا: قد أجرناكم، فقال: فعلمونا، قال: فجعلوا يعلمونه أحكامهم وجعل يقول: قد قبلتُ أنا ومن معي قالوا: فامشوا مصاحبين فإنكم أخواننا، قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: “وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه” فابلغونا مأمننا فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذاك لكم فساروا بأجمعهم حتى بلغوا المأمن.
4) قلة الفقه:
أن من كبرى آفات هؤلاء الغالين المتطرفين ضعف فقههم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله (ص) ونقصد بذلك سوء فهمهم وقلة تدبرهم وتعقلهم وعدم إنزال النصوص منازلها الصحيحة، وقد دلّنا رسول الله (ص) إلى هذا المرض الخطير حيث قال فيهم: “يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم” فقد شهد لهم الرسول (ص) بكثرة التلاوة والقراءة لكتاب الله ومع ذلك هم مذمومون، قال الحافظ بن حجر: “قال النووي: إنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب”. وإليك تصوير الصحابة لفهم أولئك الغالين المتطرفين السيئ:
قال الإمام البخاري:
“وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين”.
وعندما سمع سيد بن جبير رأي ابن عمر سُرّ بذلك وقال: “مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” ويقرأون معها “ثم الذين كفروا بربهم يعدلون”. فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر ومن كفر بربه فقد أشرك فيخرجون فيقتلون ما رأيت لأنهم يتأولون هذه الآية.
قال نافع : “إن ابن عمر كان إذا سُئل عن الحرورية قال: يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم وأموالهم وينكحون النساء في عددهم وتأتيهم المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج فلا أعلم أحداً أحق بالقتل منهم”.
هكذا سطحية في الفهم وجور في الحكم وشناعة في السلوك. وصدق الرسول الكريم إذ يقول فيهم: “يحسنون القيل ويسيئون الفعل يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء”.
5) حداثة السن وسفاهة الحلم:
ومما لوحظ على المتطرفين عن سبيل العدل والهدى “حداثة السن وسفاهة الحلم” وذلك مصداقاً لقوله (ص): “سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام”.
يقول الحافظ بن حجر: “أحداث الأسنان: المراد أنهم شباب، سفهاء الأحلام: عقولهم رديئة، قال النووي: “إن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب وقوة العقل”.
وفي عصرنا هذا رغم أن شباب الإسلام اقبل على دراسة دينه وتعلم أحكامه وأخذ في التمسك به وعظّمه في قلبه بصدق وإخلاص وعزم وحماس إلا أن بعضهم خرج عن الاعتدال قليلاً أو كثيراً في نظرته للأمور وتقييمه لها وحكمه عليها فكبَّر صغائر وعظّم هينات ورتّب على ذلك أموراً خطيرة.
ومما يلاحظ عليه من المتطرفين مؤخراً زيادة على ما هو معروف من التطرف والمتطرفين في كل عصر:
(أ‌) تهويل الأمور:
والمراد بتهويلها تعظيم الأمور الخفيفة وإعطائها أكثر من حقها كأنْ تعطي المستحبات والمكروهات أكثر مما ينبغي فيغالي مع حسن قصده وكثرة عبادته.
من أسباب هذا التهويل:
1) عدم العلم بمراتب الأحكام مما أدى إلى الخلط بين المندوب والواجب والحرام والمكروه فأعطى المندوب فوق ما يستحق وأعطى المكروه فوق ما يستحق لذلك ينبغي الرجوع إلى كتب أصول الفقه.
2) انقداح في ذهن هؤلاء الشباب ولكثرة ما قرأوا وسمعوا عن فضل الالتزام بالسنن والمستحبات أن التقصير في السنن والمستحبات كالتقصير في الواجبات لا تقصير في الكمال.
3) استهانة البعض من المسلمين وتساهلهم بهذه السنن والمستحبات مما أدى هؤلاء الشباب لمزيد من مدح المستحب والعقوبة على تركه كالواجب وإلى المزيد من إمكار المكروه والزجر على فعله كالحرام شعوراً منهم أنهم بهذا يحافظون على الدين.
نماذج لهذا التهويل:
1) في الفروع:
انقسام المصلين في مسجد من المساجد وإنشاء صلاتين للظهر كلٌ بإمام في وقتين مختلفتين بسبب خلافهم في فهم قوله (ص): “أبردوا فإن شدة الحر من فيح جهنم” فمنهم من رأى أن الأمر لا بد من تنفيذه وآخرون رأوا أن الأمر ليس للوجوب وأن أمر الإبراد أمرٌ تقديري فاختلفوا إلى أن صار المصلون بالمسجد في جماعتين بينما الحديث للإرشاد أو غاية ما يكون للندب والاستحباب.
2) في العقيدة:
حدث بين أهل البحرين خلاف في حول مسألة “رؤية الكفار ربهم” فاتسع الخلاف وعظم ضرره إلى أن افترقوا وتهاجروا وتلاعنوا فتركوا الصلاة خلف بعضهم البعض بما في ذلك صلاة الجمعة فكتب إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة إليهم لينتظم أمرهم ويجتمع شملهم وبيّن الصواب وحدود الخلاف وتأسف لما حدث فقال : “وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد فالأمر في ذلك خفيف”.
وقال: إن هذه المسألة ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعاراً ويوجب تفريق القلوب وتشتت الأهواء”.
وقال: “وليست هذه المسألة فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة وأتباع وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا، كما اختلف الصحابة –رضي الله عنهم- والناس بعدهم في رؤية النبي (ص) في الدنيا وقالوا فيها كلمات غليظة كقول أم المؤمنين عائشة “من زعم أن محمداً (ص) رأى ربه فقد أعظم الفربة” ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجراً ولا تقاطعاً وكذلك ناظر الإمام أحمد أقواماً من أهل السنة في مسألة (الشهادة للعشرة بالجنة) حتى أدت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات وكان أحمد وغيره يرون الشهادة ولم يهجروا من امتنع عن الشهادة إلى مسائل نظير هذا كثيرة. ويقول ابن تيمية رحمه الله في ذلك: “وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة”.
(ب‌) الاستبداد بالرأي:
ومن أبرز معالم التطرّف الحديث التعصّب للرأي وعدم الاعتراف برأي الغير وفهمه وإنكار ما عنده من الحق مادام خالفه وقد يبالغ بعضهم فيتجاوز حد التسفيه لرأي الغير.
ومن أسباب ذلك الاستبداد:
1) قلة العلم:
وذلك لأن من جهل شيئاً عاداه ومن لم يطّلع على آراء الآخرين ويتعرف عليها لا شك أنه سيتشبث بما عنده.
2) إتباع الهوى:
فالهوى أيضاً والميول النفسية تؤثر على المرء فتجعله يتمسك برأيه وتصده عن الاستجابة لآراء الآخرين ونصحهم.
مفاهيم خاطئة:
ومن ضمن ما يتمسك به هؤلاء بعضاً من المفاهيم الخاطئة لبعض الجمل والقواعد فيفهمها فهماً غير صحيح فينزلها غير منازلها أو هي أصلاً لم تكن صحيحة وإنما نشأت لفهم خاطيء غير سليم ومن ذلك قولهم:
(أ‌) الحق واحد لا يتعدد
وهذا قول صحيح ولكن في الحقيقة لم يحسن فهمه ولا تطبيقه هؤلاء كما ينبغي فهناك قيد لا بد منه وهو أن الحق واحد لا يتعدد (في الحقيقة ونفس الأمر) أما بحسب ما يتجلّى لنظر الناس فهو قسمان:
1- قسم أظهره الله لنا وجلاه أتمّ جلاء وأقام عليه الأدلة القاطعة الصريحة مثل “الله واحد لا شريك له” “وأن شهر الصوم هو رمضان” و”أن الحج لا يصح بدون الوقوف بعرفة” فهذه المسائل ونظيرها الحق فيها واحد في الواقع ونفس الأمر وهو ظاهر لنا فلا يجوز فيها الاجتهاد ولا يقبل فيها قول مخالف.
2- وقسم خفي علنا:
وهو أدلته محتملة لعدة معاني فلا نستطيع الجزم به يقيناً كجزمنا بالقسم الأول فهذا القسم يسوغ فيه الاجتهاد وإعمال العقول والأفهام والاستنباط والآراء ويبذل فيه الجهد للوصول إلى الصواب.
لذلك لا يجوز في هذا القسم أن نضرب بآراء الآخرين ونرميها بالزيغ والضلال والفساد والبطلان تحت قاعدة “الحق واحد لا يتعدد”. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “واجتهاد العلماء في الأحكام كاجتهاد المستدلين على جهة الكعبة فإذا صلّى أربعة أنفس كل واحد منهم بطائفة إلى أربع جهات لاعتقادهم أن القبلة هناك فإن صلاة الأربعة صحيحة والذي صلّى إلى جهة الكعبة واحد وهو المصيب الذي له أجران، كما في الصحيح عن النبي (ص) أنه قال: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر”
(ب‌) اعتبار تأليف القلوب بترك المستحبات ضلالة:
قد يسعى بعض الناس لتأليف قلوب المسلمين وردهم إلى حظيرة دينهم رداً جميلاً وقد يترك في سبيل ذلك بعض المستحبات فوجدنا من يرميه بالتهاون والضلال فهذا العمل ظن سوء وصاحبه قد غابت عنه حقائق.
يقول ابن تيمية: “ويستحب الرجل أن يقصد إلى تأليف هذه القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل هذا كما ترك النبي (ص) تغيير بناء البيت لما رأى في إبقائه من تأليف القلوب وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلّى خلفه متمماً وقال: الخلاف شر”.
(ج) اعتبار الرقائق خرافة:
وقد وجدنا بعض الناس يرمون من يتكلم في الرقائق بالخرافة لماذا؟ لأنهم رأوا أن الذين يكثرون في هذا الأمر هم أهل التصوّف أو جهلة القصاص فعمموا الحكم وهذا تجاوز ممنوع ولو صبروا لكان خيراً لهم وقد نسي هؤلاء أن كتب السُّنة مشتملة على أحاديث كثيرة من الرقائق وإصلاح النفوس وقد كان السلف يحرصون على ما يرقق القلوب، فقد قال بعضهم: “حديث يرق له قلبي أحب إليَّ من مائة قضية من قضايا شريح” وإنما قال هذا لأن رقة القلب مقصودة ولها أسباب”
(د) اعتبار التأنّي جُنباً:
ورأينا أيضاً أن تهمة الجبن والضعف تلصق بمن يتأنّى ويتريّث في دعوته ويصبر على الأذى ولا يتعجل في مجابهة الظالمين حتى تستكمل العدة وتؤسس القاعدة وهذا من سوء الظن ولقد غاب عن صاحب هذا الظن السيء أن الدعوة تحتاج إلى فقه دقيق وأن خطوات الإصلاح تحتاج إلى نظر عميق وأن الصبر على الأذى والتدرج في الخطوات من معالم فقه الرجل وقوته. فهذا رسول الله (ص) يُطمئن أصحابه بمجيء النصر ويدعوهم إلى الصبر وينهاهم عن العجلة: “والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.
وعلى درب الصبر والتأنّي سار المصلحون المجددون فهذا هو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يتدرج في إصلاحه فيقدِّم هذا ويؤخر هذا فهل كان ضعيفاً؟
(هـ) اعتبار المداراة نفاقاً ومداهنة
رأينا بعض الناس لا يحسنون التمييز بين المداراة والمداهنة فخلطوا بينهما خلطاً سيئاً فإذا رأوا داعية يلين القول لرجلٍ سيء شرير ويدعوه بلطف، لحاجة الدعوة إلى أمن شرّه واتقاء سوءه، فإذا رأوا ذلك حملوا هذا الفعل على المداهنة ولا سيما إذا كان بينهما خلاف في الدعوة فالمداهنة هي مجاملة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.
والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك”.
(و) ظن هلاك الناس
رأينا أناساً قد بلغ بهم سوء الظن مبلغاً غريباً لدرجة أن رأوا جميع الناس هالكين مع أن الحديث الصحيح عن أبي هريرة “أن رسول الله (ص) قال: إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم” .
قال النووي: “روى (أهلكهم) على وجهين مشهورين رفع الكاف وفتحها والرفع أشهر ويؤيده أنه جاء في رواية رويناها في حلية الأولياء في ترجمة سفيان النووي “فهو أهلكهم” “يعني أشدهم هلاكاً”.
قال الخطابي: “معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساوئهم ويقول: فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خيرٌ منهم”.
(ز) من لم يكفِّر الكافر فهو كافر
ومن العبارات التي اشتهرت على السُّنة من يلهبون الناس بسياط التكفير قولهم “من لم يكفِّر الكافر فهو كافر” وجعلوا هذه القاعدة مسوغاً لتكفير من يخالفهم في رأيهم.
والحقيقة أن المراد بالكافر الذي من لم يكفِّر بكفره يكون مثله هو الشخص “المقطوع بكفره” الذي توفرت فيه جميع الشروط وانتفت عنه جميع الموانع ومَنْ كان كافراً من البداية ولم يدخل الإسلام أبداً مثل فرعون وأبي جهل وأبي لهب وماركس. فمن لم يكفِّر هؤلاء وأمثالهم فهو مثلهم، وأما من اعتقد الإسلام وأتى بكثير من الشركيات لجهل أو شبه فواجبنا تعليمه وبيان أن ذلك شركاً وكفراً قبل تكفيره.
ويظهر ذلك في رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على من اتهمه بتكفير الناس بالعموم قال: “وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: إنا نكفِّر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه وإنا نكفِّر من لم يَكْفُر ومن لم يقاتل ومثل هذا وأضعاف أضعافه وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم” إلى أن يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى السويدي البغدادي: “وما ذكرت أني أكفر الجميع إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة فيا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل، فهل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟! ثم يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
فأنا أكفِّر من عرف دين الرسل ثم بعد ما عرفه سبه، ونهى الناس عنه وعادى من فعله وهذا الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك “وفي ذلك كلمة جامعة لشيخ الإسلام” . ابن تيمية رحمه الله يقول فيها: “أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر وهذا يبيِّن أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله إلا من كان منافقاً يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول فهذا ليس بمؤمن، وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقاً فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك وهو فمن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم، ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه (ص) لم تدخل أمته الجنة، فإنهم –أو أكثرهم- لا يستطيعون هذه المعرفة بل يدخلونها وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعرف الله به، وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يحمل ما لا يطيق وإن كان يحصل له فيه فتنة، فهذا أصل عظيم في تعليم الناس ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها كالقرآن والحديث المشهور وهم مختلفون في معنى ذلك والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه”.
الأسباب:
وهناك أسباب كثيرة تسببت في بروز مثل هذه الظواهر –ظاهرة الغلو-، ظاهرة التكفير، ظاهرة التطرف ومن ضمن هذه الأسباب على سبيل التمثيل لا الحصر:
1) أسباب سياسية:
وهذه الأسباب السياسية تتمثل في إقصاء شريعة الله تبارك وتعالى عن الحكم في كافة شئون الحياة وحصرها في جوانب محدودة ولقد كان لهذا الأمر الخطير وقع عظيم وألم كبير في نفوس بعض المخلصين من أبناء أمة الإسلام الأمر الذي جعلهم ينحون هذا المنحى كما تجلّى هذا الانحراف السياسي في حملات السجن والتعذيب التي لحقت ببعض العاملين للإسلام ودعاته في بعض بلاد العالم الإسلامي في وقت واحد أو فترات متقاربة وتحت ضغوط هذه السجون وهذا التعذيب المروِّع تفجّرت ظاهرة الغلو والتكفير من بعض الشباب المعتقلين وأخذوا يتساءلون عن حكم أولئك الحكام فكانت الإجابة الحاضرة عندهم حسب علمهم ودون الرجوع إلى ميزان الشرع هي :الكفر” ثم تساءلوا عن حكم أعوانهم والعاملين في هيئاتهم وأفراد الشعب فكانت الإجابة في كل مرة هي “الكفر”.
وازداد الاتساع حتى شمل كل من لم يوافقهم على رأيهم ولا شك أنَّ في هذه النظرة علواً وتجاوزاً لا يقره الإسلام.
يقول ابن تيمية : “كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنا بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله لأن الكذب والزنا حرام لحق الله، وكذلك التكفير حق لله فلا يكفِّر إلا من كفّره الله ورسوله”.
2) أسباب اجتماعية
وبعض الشباب يرجع سبب تطرّفهم إلى أسرهم وطبيعة العلاقة بينهما، فبعض الأسر قد تأثرت بمكائد أعداء الإسلام حتى انحرفت عن هدى ربها في كثير من تعاليمه فأنكرت على أبنائها الملتزمين بتعاليم الدين الذين ينأون عن مجاراتها في تقاليد الجاهلية وأخذت تنظر إليهم نظرة سيئة، تارة سخرية واستهزاء وأخرى تخلّفاً ورجعية ويتبع ذلك قسوة في المعاملة وحرمان من مميزات أقرانهم مما ألجأ ذلك بعض الشباب إلى استخدام العنف والهروب والعزلة والسخط والنقمة.
ومن القطاعات التي تؤثر في سلوك هؤلاء الشباب وتدفعهم إلى هذا السلوك الجامعات والمدارس وما بها من أوضاع سيئة ولا سيما في دول العالم الثالث الفقير فمعظم المدارس والجامعات الموجودة في المجتمعات الإسلامية ينتشر فيها الاختلاط ويشجّع وكثير منهما يُدرِّس نظريات الكفر والإلحاد والمفاهيم الجاهلية في الأخلاق والاقتصاد والسياسة والاجتماع هذا مع عدم اهتمامهم بنشر أو تدريس الثقافة الإسلامية كما ينبغي.
ومن القطاعات كذلك التي أسهمت بنصيب الأسد في انحراف الكثير من أبناء المجتمع الإسلامي الإعلام بكافة وسائله: المسموعة والمقروءة والمرئية، فحيثما توجهت وجدت الإعلام في أغلب برامجه يدعو تصريحاً أو تلميحاً بلسان حاله أو مقاله إلى العلمانية اللادينية، فمن دعوة إلى السفور والتبرج إلى الغناء الخليع والرقص المثير وتزيين السوء والدعوة للجريمة.
3) أسباب نفسية
(أ‌) العجلة: ومن هذه الأسباب النفسية العجلة، والعجلة غريزة نفسية في الإنسان جبل عليها. قال تعالى: “وكان الإنسان عجولاً” وقد قصَّ علينا القرآن مواقف عديدة في استعجال المسلمين قال تعالى: “وإذا رءاك الذين كفروا أن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر الهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون* خلق الإنسان من عجل سأوريكم آيتي فلا تستعجلون”.
قال الحافظ ابن كثير: “والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا، أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول (ص) وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك فقال تعالى: “خلق الإنسان من عجل”.
والإسلام نهانا عن العجلة وأمرنا بتهذيبها لأن في العجلة مضرة.

من دوافع العجلة:
• الحماسة الفائرة والعاطفة الجامحة.
• انتشار كثير من مظاهر الفساد.
• الرغبة الشديدة في جني ثمرة الجهد والعمل في الحال.
• قلة التحمّل والخبرة وندرة التجربة.
• الفقر في منهج الإصلاح فيقدِّم ما حقّه التأخير ويؤخر ما حقّه التقديم، ولا يحسن سلوك سلّم الأولويات.
• الجهل بطبيعة النفس البشرية، فيتعجّل مطالبتها بما يثقل عليها.
• الهـوى.
الإسلام ينهى عن العجلة:
قالت عائشة رضي الله عنها: “إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً”. فعلى هذا النهج نهج الصبر والتأنّي سار رسول الله (ص) فكثيراً ما كان ينهى أصحابه عن العجلة إذا ما تعجّلوا.
عن خباب بن الإرث قال: “شكونا إلى رسول الله (ص) وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة قلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا، قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون”.
وها هو خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز يوضح لنا منهج الإصلاح المثمر الناجح من خلال حواره مع ابنه الشاب المخلص المتحمس “عبد الملك” قال عبد الملك بن عمر بن عمر بن عبد العزيز: “يا أبتي ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل؟! فوا الله ما كنت أبالي إذا غلت بي وبك القدور في ذلك.
قال: يا بني إنما أروِّض الناس رياضة الصعب وأني لأريد أن أحي الأمور فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعاً من طمع الدنيا فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه”.
وفي موقف آخر قال له عبد الملك أيضاً: “يا أمير المؤمنين ما أنت غداً قائل لربك إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها ورأيت سنة فلم تحيها؟” فقال: يا بني، أشيءٌ حملك الرعية إليَّ؟ أم رأي رأيته، فقال: بل رأي رأيته من قبل نفسي وعرفت أنك مسئول، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله، وجزاك من ولد خيراً فإني والله لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير، يا بني أن قومك شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابدتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أنْ يفتقوا عليَّ فتقاً تكثر فيه الدماء ووالله لزوال الدنيا أهون عليَّ من أن يهراق بسببي في محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا ألا وهو يميت فيه بدعة ويحي فيه سُنّة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين”.
ويقول عمر بن عبد العزيز: “ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً”.
(ب‌) الاستعلاء بالطاعة:
ومن الأسباب النفسية كذلك والخطيرة التي ابتلى بها طائفة من الغلاة “الكِبر والاستعلاء” فأقبلوا على عبادة الله الظاهرة وأكثروا منها، لكن فاتهم مراقبة نفوسهم فتسلل إليهم الكبِر والاستعلاء فاحتقروا غيرهم عصاةً وعُبّاداً.
ونسى هؤلاء أن العمارة ينبغي أن تكون للظاهر والباطن معاً، لا أن ينشغل الإنسان بعمارة ظاهره مهملاً الباطن. قال شجاع بن شجاع الكرماني: “من عمّر ظاهره باتباع السُنّة وباطنه بدوام المراقبة واعتاد الحلال وكف بصره عن المحارم لم تخطيء فراسته” فنحن مطالبون بتعمير الباطن كما أننا مطالبون بتعمير الظاهر وإلا كانت الشخصية التي تظهر بمظهر طيب ولكنها تحمل الخراب في باطنها فيهون عندها القتل والسفك وهتك العرض وإتلاف المال كما شاهدنا مؤخرا.
العـلاج:
ورغم أن العلاج لهذه الظاهرة وسائله كثيرة ومتعددة منها: الأسرة وأولي الأمر والإعلام وغير ذلك. إلا أني أود أن أركِّز على وسيلة هي على قائمة الوسائل ومن أهمها ألا وهي “الحوار” فالحوار الحر البنّاء من الأساليب الناجحة في علاج هذه الظاهرة وإليك نموذج منه:
لما انشق الخوارج على أمير المؤمنين –علي بن أبي طالب- تطوّع ابن عباس –رضي الله عنهما- لمناقشتهم ومحاورتهم عسى أن يتوبوا إلى رشدهم ولندع المجال لابن عباس –رضي الله عنهما- ليقص علينا ما حدث:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لما اجتمعت الحرورية يخرجون على علي قال: جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين: خارجون عليك، قال: دعوهم حتى يخرجوا، فلما كان ذات يوم قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم، قال: فدخل عليهم وهم قائلون فإذا هم مسهمةٌ وجوههم من السهر وقد أثّر السجود في جباههم كأنَّ أيديهم سفن الإبل عليهم قمص مرحطة، فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ وما هذه الحلة عليك، قال: ما تعيبون مني؟ فلقد رأيت رسول الله (ص) أحسن ما يكون في ثياب يمنية قال: ثم قرأت هذه الآية “قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق”. فقالوا: ما جاء بك؟ فقال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله (ص) وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله (ص) وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، قال بعضهم: ” لا تخاصموا قريشاً فإن الله يقول: بل هم قومٌ خصمون” فقال بعضهم: بلى فلنكلمنه، قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة قال: قلت ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثاً فقلت: ما هن قالوا: حَكَّم الرجال في أمرِ الله وقال الله: “إن الحكم إلا لله” قال: قلت: هذه واحدة وماذا أيضاً قالوا: فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين ما حلّ قتالهم ولئن كانوا كافرين لقد حلّ قتالهم وسبيهم، قال: قلت: وماذا أيضاً قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: قلت: أرأيتكم إنْ أتيتكم من كتاب الله وسُنّة رسوله ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ قال: قلت: أما حكم الرجال في أمرِ الله فإن الله قال في كتابه: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ” .
وقال في المرأة وزوجها: “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها” فصيَّرَ الله ذلك إلى حكم الرجال فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل أو في حكم أربت ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة قالوا: بلى هذا أفضل قال: أخرجت من هذه قالوا: نعم، قال: فأما قولكم: قاتل فلم يسبّ ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة؟ فإن قلتم نسبها ونستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم ترددون بين ضلالتين أخرجتُ من هذه؟ قالوا: بلى.
قال: وأما قولكم: محا نفسه عن أمرة المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون: أن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله (ص): أكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله (ص) فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. قال رسول الله (ص): اللهم تعلم أني رسولك امح يا علي واكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل ابن عمرو.
قال: فرجع منهم ألفان وبقى بعضهم فخرجوا أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.