الحركات الاسلامية _ صراعاتها التاريخية

المسجد الأقصى (المنحى التاريخي والصراع الاممى)
30 أغسطس، 2016
حركة الإخوان الجمهوريين بالسودان: الاتجاهات والمآلات
30 أغسطس، 2016

د.المعتصم احمد على الأمين
مقدمة :
إضطرب العالم الإسلامي اضطراباً شديداً في الحقبة الاستعمارية من جراء الاكتساح الواسع له من قبل الغربيين الذين كانوا في حالة عداء تام معه منذ أيام الحملات الصليبية على ديار المسلمين، حيث تمكنوا لأول مرة من النصر الكامل وذلك عبر تفعيل منجزاتهم التكنولوجية والحضارية والسيطرة على العالم الإسلامي من شماله وحتى جنوبه ومن غربه حتى شرقه دون مقاومة تذكر (1).
ومن هنا كان لابد للإسلاميين من التفكير الجاد في ضرورة إعادة تفعيل لأفكارهم الخاصة وتصحيحها حتى تتم مواجهة هذه الهجمة القاسية .
والحقيقة أن المواجهة مع الغرب اتخذت عدة أطوار متغيرة وفي مراحل زمنية مختلفة وذلك حتى يتم تكييف الأسلوب الأمثل للمواجهة، وسيكون من جراء ذلك فيما بعد التأثير على الحركات الإسلامية التي سوف تنشأ، وهى بذلك ابنة شرعية لحركة المقاومة الأولى ضد الاستعمار الغربي، حيث اكتشف لاحقاً أن المواجهة مع الغرب ودحره خارج ديار المسلمين ليست وحدها كافية للنهوض من جديد ! ولكن يجب التصدي أولاً لتأثيرات أفكارالغرب المتطورة على الداخل الإسلامى ومواجهة المؤسسات التي أنشأها، مثل: الجيش والأجهزة الأمنية، والاستخباراتية، والمؤسسات التعليمية العلمانية، والاقتصادية، وجماعات المصالح الإدارية، والتنفيذية، والمجالس المحلية، وغيرها من مؤسسات، لأنها سارت في نفس الدرب الذي اختطته الإدارات الاستعمارية المختلفة وربما بصورة أكثر إيغالاً وذلك لأن من أداروا هذه المؤسسات تولدت لديهم قناعة ثابتة بأن الإدارة لايمكن أن تتم إلا عبر الأسلوب الغربي بالإضافة إلى المصالح الكبيرة والجماعات المستفيدة التي تحلقت حولها والتي نشأت جراء هذا النظام، وأصبحت تمس حياة الملايين في الدولة الإسلامية حديثة الاستقلال مما صعّب من مهمة المساس بها(2).
وأول أساليب المواجهة مع الآخر الغربي كانت عبر السلاح المجرد دون دراسة لكيفية تطور الغربيين، والمدى الذي وصلوا إليه بعد الإصلاح الديني وعصر النهضة، والسيطرة الواسعة على العالم الجديد، واكتشاف طرق تجارية بعيدة عن متناول المسلمين، وتطوير أدواتهم الملاحية والعسكرية بمدى أبعد من أن يتصوره المسلمون منذ انكسار حصارهم الأخير لفينا في العام 1651م، وتراجع الإمبراطورية العثمانية داخل مشكلاتها الداخلية، والمتمثلة في اتساع رقعة الدولة والبيروقراطية وسيطرة الجنود الانكشارية وتشجيع الأقليات العرقية والدينية الأخرى من قبل الغرب،والانقضاض على الإمبراطورية من أطرافها وحماية الأقليات الدينية وتشجيعها على العصيان، واعتماد قانون آخر غير قانون العامة من المسلمين مما زاد من صلاحياتها، وزاد من أطماعها الاقتصادية واتصالاتها الخارجية وجعل منهم فعلياً المسيطرين الوحيدين على اقتصاد الإمبراطورية الإسلامية المتداعية (3).
وبالتالي كان من المحتم أن ينهزم أسلوب المواجهة المسلحة المباشرة نتيجة للفارق الكبير بين القدرات العسكرية، والجهل المطبق بالمدى الذي وصلت إليه الآلة العسكرية الغربية، لذلك شهدنا في هذه الفترة انكسار السنوسيين والمهديين والعثمانيين والجزائريين، وأمراء الصحراء، وحكام الهند من المسلمين، وسحق الدولة الروسية القيصرية للدويلات الإسلامية المزدهرة في آسيا الوسطى والقوقاز.
وكان أسلوب المقاومة الثاني بعد هذا الانكسار الأخير هو التفكير العميق في مآلات الهزيمة، وهذا أمر طبيعي لمعرفة أسباب الهزيمة في الداخل قبل الإلتفات للآخرين ومواجهاتهم ومحاولة معرفة لماذا انتصر هؤلاء عليهم ، وما أدوات انتصارهم؟ ولماذا وصلوا إلى ماوصلوا إليه ؟ وما خططهم والأساليب التي اتبعوها حتى نموا وتدرجوا في سلم الرقي؟ .
ومن هنا تميزت الحقبة الثانية في المقاومة بأنها حقبة تفكيرية فلسفية غلب عليها الطابع التعليمي، والتأمل الفلسفي لمعرفة الآخر، وكان من أبطالها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعلي المبارك، ومالك بن نبي وغيرهم، ويلاحظ أن أغلبهم من غير حملة السلاح، أو قواد المقاومة المسلحة، وذلك لطبيعة المرحلة (4).
بيد أن هذه المرحلة أيضاً شهدت انشقاقاً كبيراً بين بعض الوطنيين والإسلاميين لتحديد الطريق الذي يمكن الوصول عبره إلى النهضة المنشودة؛ وذلك لأن عملية التفكير بالطبع لم تكن قاصرة على جماعات دون الأخرى بقدر ما كانت تساؤلات عميقة نتيجة للاحتلال الأجنبي شغلت الجميع سواء أكانوا إسلاميين ينطلقون من خلفية إسلامية خالصة أم وطنيين ينطلقون من فكرة دينية ووطنية تتأثر بالآخر وتؤثر فيه، ومن هنا نشأ التناقض بين الطرفين نتيجة للإجابات التي توصل إليها الفريقان حيث اعتقد الإسلاميون أو الكثير منهم أن الغرب محض شر يجب مقاومته بلا هوادة، ودون التأمل في تجربته العلمانية الخاصة التي تتناقض تناقضاً تاماً مع الدين الإسلامي، لأن الإسلام دين وحياة معاً، بينما دعا المسيح عليه السلام إلى أن ما لله لله وما لقيصر لقيصر.
أما الوطنيون فقد رأوا في تجربة الغربيين كثيراً من الأفكار الجيدة التي يمكن الأخذ بها والاستفادة منها، كما أن البعض منهم رأى أن التطور المذهل في أساليب الحياة الغربية، والمستويات العليا في الإدارة، والتنظيم، والتسليح، وتنظيم المجتمع، يجب الأخذ بها دون تحفظ باعتبارها تجربة إنسانية رائدة أوصلت المجتمعات الغربية إلى تطور ورقي لم تعرفه الإنسانية من قبل، وخصوصاً في تنظيم العمل وتطويره، وقد بالغ البعض في التأثر بهذا الأسلوب الغربي الجديد وعّد نفسه جزءاً لا يتجزأ من هذا كله وهنا كان مكمن الاختراق.
وكان من المحتمل أن يتنافس الطرفان تنافساً فكرياً عميقاً ويتوصلا إلى حلول وسطى تعطي هذه الأفكار فعاليتها في تطور المجتمع الإسلامي وتأخذ بيده اشواطاً بعيدة في درب النمو لولا الانحياز الواضح لكثير من الغربيين لأسلوب تطور المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية عبر تجربتهم الخاصة دون استصحاب المعرفة الإسلامية التي مكثت في العالم الإسلامي لأكثر من ألف سنة، وعدهّا كثير من الغربيين من لغو الماضي وآثاره، ويجب ألا يعتد بها كثيراً مثلما لم يعتدوا بتجربتهم الدينية التي أخرتهم كثيراً عن التطور ونشرت الحرب والتطرف فيما بينهم، وبعد أن استغلتهم اقتصادياً ومالياً كذلك (عند قيام الثورة الفرنسية 1889م كانت الكنيسة ومؤسساتها تسيطر على نصف الاقتصاد )(5).
ومن جهة أخرى تطرف الوطنيون العلمانيون في رؤيتهم كذلك للدور الغربي، وتجاهل الكثير منهم تجربتهم الإسلامية الخاصة، وما أحدثته من أثر فعال في مجتمعاتهم المحلية وجذورها العميقة الضاربة في التربة المحلية وتمسك كثير من الناس العاديين بها، واستعدادهم للتضحية في سبيلها، و مالوا تماماً لأسلوب وأفكار المجتمع الغربي.
سيطرت العلمانيين:
أما النتيجة المتوقعة لهذا الصراع الفكري فقد كانت انتصار الجانب العلماني بفضل التأثير الغربي والبعثات التعليمية، والانبهار بالتطور، وتنظيم الحياة في الغرب، بالإضافة إلى أن أسس الحياة الغربية العلمانية وضعت بذورها عميقاً داخل التربة الإسلامية بفضل الوجود الغربي المباشر، حيث أنشأت الجيوش بحسب الأسلوب الحديث وترتيباتهم الإدارية والمالية والتنظيمية، وكذلك المؤسسات الإدارية والتعليمية والأمنية والإعلامية والاقتصادية والثقافية، بحيث صارت لهذه المؤسسات جذور عميقة داخل المجتمعات الإسلامية من الصعب تجاوزها بعد أن تحلّقت جماعات المصالح المحلية حول هذه المؤسسات واعتبرت نفسها المدافعة الأولى عنها حتى بعد رحيل الغرب، هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من هذه المؤسسات أثبتت فعاليتها وجدواها للغرض الذي أنشأت لأجله (6).
ولعل الفترة التي سبقت الاستقلال كانت أفضل فكرياً في الصراع مابين العلمانيين والإسلاميين وذلك لعدة أسباب أهمها أن قضية نيل الحرية والاستقلال كانت تشغل الطرفين عن بعضهما البعض، وتركز جهودهما على هدف مشترك يجمعهما ويجمع كل طوائف الشعب معاً، وبالتالي لا يوجد هنا مجال للمنافسة والصراع العنيف بين الطرفين، بالإضافة إلى أن النزاع بينهما كان نزاعاً فكرياً فلسفياً، ولم يكن بمقدور أحد الأطراف استعمال آلات العنف ضد الطرف الآخر لأن الاثنين لا يمتلكان القوة العسكرية والأمنية لفعل ذلك حتى إن أرادا، وذلك لاحتكار هذه الأدوات للمستعمر وحده وبالتالي تجنيدها لخدمة مصالحه وأهمها استغلال المجتمعات التي يسيطر عليها، وأول مسببات ومتوجبات هذا الاستغلال السكينة والاستقرار الأمني والهدوء، مما أمكن أن يظل الصراع فكرياً فلسفياً (7).
وغداة انسحاب الغرب من الدول الإسلامية كان من الطبيعي أن تسلم السلطة لمن يُعتقد الغرب أنه الأقدر على تحقيق مصالحه في الدول التي انسحب منها، ولم يكن الأمر بناء على تخطيط وإصرار سابق من قبل قادة الاستقلال بالتعاون مع السلطة الاستعمارية التي أذاقت بعضهم التعذيب والسجون والنفي بقدر ما كان الأمر في مجمله يخص الذين أداروا مؤسساته العلمانية أثناء وجودهم بعد رحيلهم، وكانت هذه المؤسسات في نظر الكثير منهم وسيلة مهمة وفعالة لإدارة الدولة لا يمكن الاستغناء عنها، بالإضافة إلى عدم وضوح ماهية المؤسسات الإسلامية المطلوبة للحكم، أو كيفية التغيير في ظل هذه المؤسسات حتى تكون مؤسسات إسلامية؛ وذلك للإنتظام الطويل في أنظمة الحكم الإسلامي والفساد الذي وسم العديد منها في مراحل اضمحلاله الأخيرة قبيل الإستعمار الغربي مباشرة.
لذلك من الصعب لكل هذه الاعتبارات وغيرها أن تدعو الناس الذين انتموا إلى هذه المؤسسات العلمانية إلى تغييرها والقفز إلى المجهول لتحقيق نظام آخر ليس واضحة معالمه .
وربما لمثل هذه الأسباب نجد أن الكثير من رجال الإستقلال الأوائل كانوا أقرب للفكر الإسلامي منهم للفكر العلماني، ونجد أن الكثير منهم يحاول الجمع ما بين الواقع العلماني المعاش الذي خلفه الاستعمار، والدعوة لأسلمة المجتمع واتباع أسلوب جديد في الإدارة انقطع العمل به لأكثر من مائة عام، بالإضافة إلى سنوات الضعف والاضمحلال التي سبقت ذلك وتقدر بمئات الأعوام، مما ترتب عليه عدم وضوح بيّن لماهية مسألة التغيير الإسلامي المطلوب حتى عند الإسلاميين أنفسهم.
وتبقى أهم نقطة في هذا الموضوع وهو متى تحول الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين الى صراع عنيف تدخلت فيه مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية والقمعية لصالح العلمانيين مما ترتب علىه إقصاء الإسلاميين لعقود طويلة من الحياة العامة بالإضافة إلى الثمن الباهظ الذي دفعوه في سجون الأنظمة العلمانية الذي امتد لعشرات السنين بالإضافة إلى الاضطهاد والتعذيب والتشريد والفصل من الخدمة العامة والنفي والإبعاد ومخالفة أفكار الإسلاميين والبعد عنها مهما كانت صحتها(8).
هذا الصراع بالتأكيد كانت جذوره عميقة في التربة الإسلامية بين الطرفين بيد أنه كلما نظرنا إلى الماضي القريب نجد أن الذي يهيمن على الصراع وحركاته أنه محكوم بالمدافعة السلمية كما رأينا ويغلب عليه الطابع الفلسفي والفكري، وبالتالي جذور هذا الصراع الذي تمخضت عنه كل هذه المآسي ربما يكون أكثر حداثة وجِدة ويمكن تتبع أصوله الحقيقية والتي لازالت آثارها موجودة حتى في وقتنا الراهن.
أول هذه المؤشرات أنه ربما لم ينتبه الإسلاميون إلى أن الصراع بينهم وبين مواطنيهم العلمانيين لم يكن صراعاً فكرياً فحسب بل انتقل إلى صراع مصالح اقتصادية بعد استلام السلطة من الاستعمار إلي العلمانيين ، حيث تضافرت مجموعات المصالح الاقتصادية والإعلامية والأمنية والعسكرية مع بعضها البعض للدفاع عن النظام القائم بغض النظر عما يدعو له هذا النظام من علمانية مستحدثة في وجه جماعات إسلامية معاكسة رأت فيها منافسا قوياً في وراثة دولة المستعمر ولم تر فيها جماعة إصلاحية غير طامعة في السلطة وتدعو فقط إلى أفكار دينية يمكن أن تسع الجميع ولا تهدد مصالحهم الآنية والمستقبلية، ومن هنا كانت كثافة العنف الموجهة للإسلاميين بسبب منافستهم المحتملة في السلطة والسيطرة عليها وليست بسبب الأفكار التي يدعون إليها لأن الآخرين كانوا أبناء نفس البيئة والثقافة وليسوا منبتين عن أوضاعهم المحلية أو ضيوفاً عليها، وأن السبب الذي جعل الإسلاميين يدعون إلى أفكار دينية يمكن أن يدعوا الآخرين كذلك إلى نفس الأفكار لأن الجميع يتحرك داخل بيئة دينية وخلفية ثقافية مشتركة ومن المستبعد أن يحدث هذا الصراع العنيف بين الطرفين لهذا السبب.
ومن هنا يكون العلمانيون مندفعين في توجههم نحو الإسلاميين بوضعهم في حالة المنافس القوي لسلطتهم التي نالوها من المستعمرين، وكان يمكن أن تكون المدافعة بين الطرفين سلمية مثلما كانت في السابق دون اللجوء إلى أجهزة القمع التي ورثوها بعد نشوء الدولة الحديثة، مثل: الجيش، والأجهزة الأمنية، والإعلامية، والمالية.
وكذلك يقع بعض اللوم على الإسلاميين لأنهم لم يحاولوا طمأنة العلمانيين إلى أنهم لا يهددون سلطتهم باستعمال الدين مطية لهذا التهديد، وأن الأمر أكبر من عملية السلطة أنما هو استصحاب نحو التنمية وإخراج مجتمعاتهم من وهدة الفقر والتخلف والمسغبة التي مكثوا فيها سنين عددا عبر الاتكاءة على الخلفية الدينية والثقافية كمحفّز أساسي لهذه التنمية ومرتبط بها، لذلك ربما ارتفعت أصوات بعض الإسلاميين يومئذٍ بأن الدعوة للرجوع إلى القيم الدينية وتأسيس دولة تعتمد على الدين في مرجعيتها للتنمية يجب أن يكون من خلال جبهة إسلامية عريضة تضم مختلف الطبقات من مهنيين وعمال ومزارعين ومثقفين من دون تأطيرها داخل إطار حزبي ينافس السلطة الموجودة وإنما يضغط باتجاه أسلمة المجتمع ويكون مراقباً للسلطة لا بديل لها، وبالتالي تنحل عقدة الحاكمين من المنافسة المحتملة ويكونوا أكثر قدرة على التجاوب مع أماني شعوبهم واتباع أسس دينية جديدة للتنمية (9).
ولايعني هذا ترك الذين يسيطرون على الدولة الي مالا نهاية دون محاولة التغيير والمنافسة والمدافعة بقدر ما يعني الوصول بالتدريج إلى الأهداف المرجوة وعدم الاستفزاز في هذه المرحلة الحرجة، لأن من شأن ذلك أن يزيد الحكام من تشديد قبضتهم على السلطة، وبالتالي تعقيد الحياة السياسية وتجميدها بفعل القبضة الأمنية العنيفة التي يلجأ إليها السلطيون في العادة.
يبدو ذلك جلياً لو تتبعنا مسيرة الحركات الإسلامية وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين حيث نجد أنها شكلت منذ بيانها الأول منافساً قوياً للسلطة العلمانية الموروثة، ولم تحاول طمأنة الآخرين بأن أفكارها يمكن أن يتم تطبيقها وإنزالها أرض الواقع من قبل الجميع طالما أخلصوا النية في ذلك.
ومن هنا شعر العلمانيون ( أو الذين تم وضعهم ضمن هذا الاصطفاف) بأن سبيل تطبيق هذه الأفكار عند الجماعات الإسلامية لا يتم إلا عبر ازاحتهم من السلطة واستبدالهم بالإسلاميين كطريق وحيد لهذا التغيير رغم إيمان الكثير منهم بصلاحية هذه الأفكار وجدّها وقدرتها على تغيير الدولة والنهوض بها.
ثم مما زاد الامر تعقيداً محاولة كثير من الحركات الإسلامية بناء قدرات عسكرية خاصة بها خارج الأطُر العلمانية السائدة، ومحاولة اختراق الجيش والأجهزة الأمنية التي يعتمد عليها العلمانيون بشكل أساسي في استمرار سلطتهم.
وبالتالي كان ذلك السبب الأساسي في حالة العداء الكبيرة بين الطرفين حيث استبعد العلمانيون محاولة التفاهم بين الطرفين وحولوها إلى حرب شعواء ضد الإسلاميين بغض النظر عن الأفكار التي يحملونها أو يبشروا بها ولم يروا فيهم سوى جماعات منافسة على السلطة يجب تحجيمها والقضاء عليها ما أمكن.
الصراع على السلطة :
والصراع على السلطة في التاريخ الإسلامي ينبيء عادة بخصومة شديدة وصلت أقصى مراحلها في كربلاء عندما تم قتل خمسة وثلاثين رجلاً من آل البيت (رضي الله عنهم ) بقيادة الحسين عليه السلام عندما توهم الأمويون المنافسة السياسية المحتملة التي يمكن أن تواجههم في حالة انتقال آل بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى العراق حيث الأنصار والمال والأراضي الخصبة بغض النظر عما يمثله آل البيت بالنسبة للمسلمين بما في ذلك بني أمية أنفسهم (10).
ومن هنا يمكن الزعم بأن الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين والذي انتهى بقتل وسجن وتشريد آلاف الناس في الجانب الإسلامي (على وجه الخصوص )كان بسبب المنافسة المحتملة على السلطة ولم يعي الكثير من العلمانيين أنهم بالقضاء على هؤلاء ربما يكونون قد قضوا على فرصة واعدة بالتطور والنماء والازدهار لبلدانهم الإسلامية.
ويمكن أن نلمح مثل هذه الفرص الضائعة في النمو نتيجة لصراع الطرفين بعد خمسين عاماً على ميلاد ثورة 23 يوليو المصرية، ونرى إلى أي حد خسر الطرفان فرصاً كبيرة للنصر والسؤدد من خلال محاربتهم بعضهم البعض أولاً، واضطهاد الثوار المصريين لحركة الإخوان المسلمين وإقصائها من الساحة السياسية، واضطهاد رجالاتها بعنف بالغ بالرغم من العقلانية والشعبية التي يمثلها الرئيس جمال عبدالناصر حيث لم يراع فيهم إلاً ولاذمة عندما قتل قادتهم وسجن الكثير منهم، وفصل مناصريهم من كل دواوين السلطة في وقت كان في أشد الحاجة إليهم لاستمرار ونجاح ثورته وتحقيق أهدافها في النمو وتحرير فلسطين والنهوض بالأمة (11).
ولعل السبب المباشر في ذلك يعود إلى أن عبدالناصر والمحيطين به رأوا أول ما رأوا في حياتهم العملية هذا النشاط الكثيف لحركة الاخوان المسلمين داخل الجيش المصري للفوز بالسلطة المطلقة حيث يزعم البعض أن عبد الناصر مثله مثل كثيرين من زملائه الضباط كانوا مصدر اهتمام وتجنيد من قبل حركة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى التنظيمات الخاصة التي أقامتها الحركة، وكان القصد من ورائها تقوية الحركة عسكرياً وأمنياً للوصول إلى الهدف المبتقي وهو إنشاء دولة تحمل أفكارهم التي آمنوا بها، لذلك عندما وصل إلى السلطة (ربما بمساعدتهم) توجس خيفة مما يمكن أن يفعلو به وبثورته إذا اختلف معهم ومن هنا قرر الإطاحة بهم بغض النظر عن أفكارهم ووطنيتهم ودفاعهم القوي عن فلسطين عند قيام إسرائيل 1948م واستبسالهم الشديد في القتال دون سائر المقاتلين الآخرين (12).
وكان يمكن للإخوان المسلمين أن يشكلوا مصدر قوة هائل لجمال عبد الناصر بشعبيته الكاسحة، وقوة شخصيته المحببة للملايين داخل مصر وخارجها لو أن أهدافهم كانت إصلاحية بغض النظر عن الوصول للسلطة والسيطرة عليها بواسطة رجالهم المخلصين، أو بمعنى آخر أن تكون أهداف الإخوان المسلمين تتمثل في ضرورة الإصلاح أياً ما يكون هذا المصلح واتجاهاته المختلفة وربما المصادمة لتوجهاتهم وتطلعاتهم فى جزئيات كثيرة حيث يستطيعون أن يؤثروا عليه لأنهم ينتمون لنفس بيئته ولأن القيم التي أثرت عليهم لابد وأن تؤثر عليه، كما أن جميع الناس الذين ينطلقون من خلفية ثقافية واحدة يمكن أن يصلوا إلى تفاهم مشترك مهما كانت الاختلافات وذلك لأن المجتمع له دور- ولاشك- في تشكيل الفرد وهو جزء من هذا المجتمع ومرتبط ومتأثر به .
لذلك لو أن حركة الإخوان المسلمين في مصر خفضت قليلاً من غلوائها التنظيمي أبان الحقبة الديمقراطية 1928 – 1951 وكانت أكثر تسامحاً مع مواطنيهما وقادتهم على وجه الخصوص، وكان هؤلاء العلمانيون في نفس الوقت بنفس هذه الروح المتسامحة، ربما أصبحت الخلافات الفكرية بين الطرفين أبسط ما يكون ويصبح التوصل فيها إلى حلول مرضية أو تجاوزها سهلاً .
بيد أنه عندما تدخلت السلطة العسكرية القهرية وتضاربت المصالح ودخلت جماعات الضغط المختلفة وخشي البعض على سلطته ونفوذه وماله نشأت الخلافات وتلبست باللبوس الفكري والتنظيمي وصار كل فريق يدعو إلى صفة ورؤيته وهو أحياناً يعني أمراً آخر وأهدافاً لاتذاع بها أو يعلن عنها. وقد شجعت حركة الأخوان المسلمين مثل هذا الاتجاه من خلال تكتلها داخل دائرة مغلقة بالإضافة إلى ماضيها الثوري داخل الجيش والتنظيمات الأخرى للوصول للسلطة (13).
ولعل حكمة التدرج والانتقال الهادي من هدف إلى آخر والصبر قد افتقدها بعض الإسلاميين بينما كان الانجليز على سبيل المثال سادة هذا المجال في التأني، لذلك كان تأثيرهم كبيراً على العالم بأكمله.. فعلى سبيل المثال في السودان نجد أنهم عندما استعمروا البلاد في 1898م لم يصدروا قراراً فوريا بالغاء الرق بالرغم من الحملات القوية ضده في بريطانيا من قبل جمعيات متنفذة تستطيع التأثير على الحكومة وإقصائها لو لزم الأمر، بالإضافة إلى رمزية غردون باعتباره قتل على يد تجار الرقيق الذين تضررت مصالحهم (بحسب زعمهم ) لذلك رأت هذه الجمعيات أن من أولى أوليات الإدارة البريطانية المصرية في السودان إلغاء الرق رسمياً، إلا أنه وبالرغم من ذلك ظل الرق في السودان موجوداً ومتسامحاً معه بشكل أو بآخر في ظل هذه الإدارة البريطانية إلى نهاية العام 1936م إي قرابة الأربعين عاما منذ سيطرة الإنجليز على السودان ، ويأتي كل ذلك في إطار سياسة التدرج والنفس الطويل والتأني وحمل الناس باليسير حتى تمت لهم السيطرة الكاملة ولو خالف ذلك البطء بعض الأفكار الخاصة التي يؤمنون بها(14).
بينما كانت نظرة الإسلاميين الذين وصلوا السلطة أو الذين فى طريقهم إليها للأمور على وجه العموم تتسم بالعجلة والرغبة العارمة في التغيير دون شرح برنامجهم في الحكم وآلياتهم لتنفيذ مخططاتهم، وأحوال الناس ورغبتهم في التغيير، ومصير المؤسسات القوية التي أنشأها المستعمر مثل الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة البيروقراطية، ورد فعلها ضد الذين يحاولون خلع جذورها أو تعديلها، بالإضافة إلى شرح وإبراز النموذج الإسلامي المنشود الذي يصبوا إليه الإسلاميون بعد كثير من الشعارات.
وكان من جراء ذلك تعجل الإطاحة بالإسلاميين وقتل وتشريد الآلاف كما رأينا في مصر والعراق وسوريا والأردن واليمن والجزائر والمغرب وغيرها من بلدان دون أن يتسنى لهم الدفاع عن أنفسهم وأفكارهم.
وربما زاد الأمر سوءاً من بعد ذلك تبني جماعات صغيرة منشقة عن حركة الأخوان المسلمين ( الأم) مثل الناجون من النار وغيرها المنهج العنيف في التغيير من خلال تبني الاغتيالات والتفجيرات مما انتفى معه نهائياً إمكانية المصالحة مع السلطة الموجودة أو على أقل تقدير وقوف المجتمع العريض على الحياد، وذلك لأن السلطة تمتلك أدوات العنف كلها بالإضافة إلى المال والأجهزة الإعلامية واسعة الانتشار، ومن خلال تبني بعض الإسلاميين مذهب العنف منح هذا السلطة تلقائياً السبب الذي تريده للقضاء التام على الخصوم بغض النظر عن الأفكار التي يحملونها(15).
وكان يمكن للإسلاميين والمستقلين تعرية العلمانيين سلمياً وكشف تجمدهم وهزائمهم التي أخذت في الوضوح بعد عقد من سيطرتهم على السلطة وانفرادهم بها (هزيمة يونيو67) بحيث تجعل المجتمع بكل مؤسساته الدينية والثقافية والروحية يقف على خط واحد للدفاع عن قيمه الخاصة وموروثاته، وإزالة العوائق التي وضعها العلمانيون لتشتيت انتباههم وإبعادهم عن النواحى الجوهرية التي تهم المجتمع مباشرة ، ومن ثم الوصول إلى الأهداف المبتغاة للإسلاميين والمتمثلة في النهوض بالمجتمع روحياً وثقافياً وتنموياً عبر هذه الأفكار لا عبر شخصياتهم التنظيمية، إلا أن جماعات العنف الديني أعطت العلمانيين الفرصة في فرض سيطرتهم من خلال إعلان قوانين الطواريء وغيرها من قوانين مقيدة للحريات للسيطرة على عنف بعض الإسلاميين وبلبلة المجتمع وخلط الأوراق والتلويح بالفوائد الاقتصادية والمالية التي يمكن أن يجنيها المتوافقون مع السلطة والتلويح من جهة أخرى بالفصل والتشريد والسجن للمعارضين.
ومن الأسباب الأخرى التي صّعبت على الإسلاميين تحقيق بعض برامجهم وطموحهم في المجتمع هو أن أي مشروع يخرج منهم يحسب ضمن المشاريع المضادة للسلطة ويحارب على الفور حتى وإن كان خير هذه المشاريع يصب لصالح الجماهير.
أضف إلى ذلك أن الغربيين عندما رحلوا عن العالم الإسلامي، رغماً عنهم، ولما يكتمل مشروعهم في الشرق بعد، وازداد هذا الشرق أهمية بعد اكتشاف البترول والثروات المعدنية الأخرى بالإضافة الى الموقع الاستراتيجي كان من الصعب عليهم ترك كل ذلك وراء ظهورهم وتجاهله لما له من تأثيرات عميقة على حياتهم المستقبلية والاقتصادية لذلك كان من الطبيعي أن يتم التحالف مع الذين ورثوا عنهم مؤسساتهم التي أنشأؤها في العالم الإسلامي، وأن يكون أعداؤهم من الإسلاميين الذين خبروا اختلافهم معهم في عدة معارك عسكرية وسياسية وقيمية إبان الاستعمار وبعده.
كما أننا لا يمكن أن نتجاهل أو ننسى أن حقبة الاستعمار أفادت الغربيين إفادة كبرى في معرفة المجتمعات الإسلامية عن قرب ونقاط قوتها وضعفها وتقيمهها تقييماً شاملاً بعد دراستها، لذلك كانوا أعرف بالمجتمعات الإسلامية في كثير من الأحيان من أهلها الذين يعيشون فيها، وعندما يتحالف هؤلاء مع العلمانيين حتى بغرض الإفادة المتبادلة وليس بغرض الضرر بأحد الأطراف الداخلية فإن هذا التحالف يكون شديد التأثير وقادراً على البقاء.

الاشتراكيون والحركات الإسلامية :
أما بخصوص الدول التي اختارت المنهج الاشتراكي في الحكم أو دفعت إليه بعد الاستقلال فقد كانت أغلبية في العالم الإسلامي وكانت هذه الأنظمة متحفظة أيضاً على دور الإسلاميين! وربما خاضت صراعاً أكبر معهم لعدة أسباب أهمها أن النظرية الاشتراكية كثيراً ما نددت بالدين وشبهته بأفيون الشعوب وأنه السبب الأساسي في تخلف الأمم، وأنه آن الأوان للشعوب التحرر من سطوة الدين، كما أن الإتحاد السوفيتي نفسه كان محاطاً بدول إسلامية عدة بالإضافة إلى الجمهوريات السوفيتية ذات الأغلبية الإسلامية في خاصرته الجنوبية التى اتخذ ضدها معالجات عنيفة لفصلها عن الدين وإدخال شعوبها في التجربة الاشتراكية وفى حالة عدم استجابتها تتخذ في العادة إجراءات عنيفة ضدها مثل النفي والتشريد ربما لشعوب كاملة كالشيشان والقضاء على الأئمة والدعاة كي لا يتسنى لأحد شرح مبادىء الدين العامة وإنزال ستار كثيف يحجب العلاقات الطبيعية بين هذه الشعوب ومحيطها الإسلامي، لذلك تسربت كثير من هذه المحاذير للأنظمة الاشتراكية في الدول الإسلامية وتعاملت بقسوة مع الإسلاميين والحركات الإسلامية، وكانت هذه الأنظمة تعي خطورة هذه الحركات وتعي أنها المهدد الأساسي لوجودها فى السلطة ( الاشتراكيون والشيوعيون) في العالم الإسلامي(16).
ما بعد الاشتراكية
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحطم الكتلة الاشتراكية دخلت الحركات الإسلامية بمختلف اتجاهاتها في مستوى جديد في التعامل مع الدولة ومع محيطها الخارجي، ويمكن أن نقسمه إلى قسمين أساسيين الأول وهو الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى نهاية القرن ويقدر بعشر سنوات بعد هذا الانهيار أي حتى العام 2000م، حيث تميزت المرحلة الأولى بأنها مرحلة استكشاف نوايا بين الغربيين وهم المنتصرون في الحرب الباردة وبين الحركات الإسلامية حينما اعتقد البعض أن دعوة الغربيين للديمقراطية والحرية والشفافية في مختلف دول العالم يمكن أن تساعد فى نمو الحركات الإسلامية بفضل الضغط الأمريكي على الحكومات الديكتاتورية بالمنطقة، حيث سكتت على هذه الديكتاتوريات في السابق لأنها كانت في حالة مواجهة مع الاتحاد السوفيتي وتخشى في حالة استعمالها الضغط على هذه الحكومات أن تنحاز تلقائياً لعدوها الأساسي (الاتحاد السوفيتي) وكانت مثل هذه الانحيازات والتحولات المفاجئة معمولاً بها ومنتشرة في حقبة الحرب الباردة (17).
هذا بالإضافة إلى أن بعض الحركات الإسلامية الجهادية التي تطورت فيما بعد إلى (القاعدة) عملت كما هو معروف بشكل مباشر أو غير مباشر مع المخابرات الأمريكية وكثير من استخبارات دول المنطقة للقضاء على النفوذ السوفيتي في أفغانستان حيث تجمعت الآلاف المؤلفة من الشباب الإسلامي من مختلف دول العالم الإسلامي وعلى وجه الخصوص من مصر والجزائر والمغرب والسعودية والسودان والأردن لمحاربة السوفيت في أفغانستان وذلك عبر الدعم المالي السعودي والإماراتي والكويتي وغيرها من أموال بالإضافة إلى التنسيق المخابراتي الباكستاني والأمريكي والعربي والسلاح الأمريكي للدرجة التي لم تتحفظ فيها الولايات المتحدة على دعم الإسلاميين بأسلحة متطورة مثل صواريخ (ستنجر) المحمولة على الكتف والقادرة على إسقاط أي طائرة حربية سوفيتية أو غير سوفيتية، وبالطبع لا يمكن الزعم بأن هذه الجماعات الإسلامية كانت تنفذ برنامجاً أمريكياً خالصاً بقدر ما كان العدو المشترك يجمع مابين الطرفين بغض النظر عن النتائج التي يحاول كل طرف تحقيقها.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي بفضل هذه الجهود المشتركة ظن بعضهم أن العلاقة بين الإسلاميين والأمريكان يمكن أن تتطور وتصل إلى مراحل متقدمة إلا أن الأمور سارت عكس ذلك في العقد الذي أعقب سقوط الاتحاد السوفيتي وذلك لعدة أسباب لعل من أهمها أن الغرب بوجه خاص والأجهزة القابضة على السلطة فيه مثل وزارات الدفاع، والجيش، وشركات السلاح، والمخابرات، وغيرها تعودت على أن تتعايش مع وجود عدو تستعد له دائما لما يترتب على هذا الاستعداد من تخصيص أموال هائلة من الخزينة العامة لصالح هذه الأجهزة، وكان الاتحاد السوفيتي يوفر مثل هذا الافتراض إلا أنه وبانزياح هذا العدو وجدت هذه الأجهزة أنها يمكن أن تكون موضع نقد متزايد وخصوصاً عند وضع الميزانيات العامة لفشلها في توفير مسببات معقولة لصرف هذا المال الذى تطلبه، وقد حدث مثل هذا التصور بالفعل عندما خفض الكونجرس الأمريكي ميزانيات الدفاع والمخابرات ويومها دار جدل كثيف حول أسباب تخصيص مثل هذه الميزانيات الهائلة في ظل السلام السائد ، ومن هنا كان الاحتمال الأرجح أن تكون الحركات الإسلامية هي العدو المحتمل بعد أن يتم شيطنتها ووضعها في صورة الوحش الذي يسعى للقضاء على الحضارة الغربية (18).
أما ثاني الأسباب التي جعلت من المتعذر وصول الأمريكان والإسلاميين إلى حل وسط وربما تساكن وتعايش مشترك هو أن اسرائيل ومنذ تجربتها الأولى مع الحركات الإسلامية في حرب 1948 كانت تتوجس خيفة من الحركات الإسلامية، لأن أبرز خسائرها البشرية والمادية كانت بواسطة الإسلاميين دون سواهم، وبالعكس من ذلك كانت تستطيع أن تقضي بكل سهولة على العلمانيين وهم في السلطة في حالة شعورها بخطورتهم كما في مثال جمال عبدالناصر، أو إعادة تكييفهم والتوصل معهم إلى اتفاقيات سلام مرضية لها كما في حالة الرئيس أنور السادات.
وكانت إسرائيل تنظر بقلق إلى تجربة المجاهدين الإسلاميين في أفغانستان وكيف أنهم استطاعوا القضاء على الاتحاد السوفيتي ضمن أسباب كثيرة أخرى، لذلك ظلت تتوجس خيفة من انتقال الحرب الجهادية الى أراضيها أو الحدود المجاورة لها، وقد صدقت توقعاتها بذلك عندما تكونت حركة حماس الإسلامية بفلسطين وهي وإن كانت تختلف عن مدرسة المجاهدين الأفغان في تركيزها على الداخل واستعدادها للتوصل إلى سلام عادل مع الإسرائيليين إلا أنها من نفس المدرسة الجهادية حيث استطاعت وفي فترة وجيزة جداً السيطرة على الشارع الفلسطيني واذاقة اسرائيل طعم الدم بعد سنوات من الهدوء.
أما النموذج الجهادي الآخر عبر الحدود الذي تتخوف منه فقد عرفته أيضاً خلال مجاهدي حزب الله في الجنوب اللبناني وهم أيضاً فصيل أساسي من المدرسة الجهادية وإن كانت لهم أيضاً اختلافاتهم العميقة مع النموذج الجهادي الأفغاني، وحالة حزب الله في لبنان أعقد مما سواها لأن حزب الله لم يكن يسيطر على لبنان وحده إذ أنه فصيل من الفصائل العديدة التي تعج بها الساحة اللبنانية من شيعة وسنة ومسيحيين ودروز وأرمن وغيرهم حيث تؤثر الحرب على كل هؤلاء، وبالتالي حرب المقاومة لا يمكن أن تنجح وهي تقاتل على جبهتين داخلية وخارجية، إلا أنه ولحسن حظ حزب الله ربما أن حربه ضد اسرائيل لم تنطلق إلا بعد حرب أهلية مدمرة في لبنان استمرت لأكثر من عقد من الزمان بعد أن أكلت الأخضر واليابس، وكان لإسرائيل وسوريا وفرنسا وأمريكا وبعض العرب الآخرين دور أساسي فيها مما ترتب عليها إنهاك الداخل اللبناني تماما وجعله غير راغب في التعاون مع إسرائيل مرة أخرى ضد حزب الله وأخلى الساحة القتالية بينه وبين اسرائيل (19)، وبالطبع لم تسكت اسرائيل ضد هذا الحلف الجديد وحاولت إعادة لحمة علاقاتها التي ما انقطعت مع الداخل اللبناني وخصوصاً الموارنة والالتفاف على حزب الله إلا أنها فشلت في ذلك، مما اضطرها الى مهاجمة العديد من الكيانات اللبنانية غير حزب الله عسى أن يجعلها تضغط عليه لوقف حربه! ومرة أخرى فشلت في ذلك بعد الإنهاك الكبير للطوائف اللبنانية، ومع استمرار الحرب الجهادية والخسائر البشرية الإسرائيلية اضطرت للخروج أخيراً من جنوب لبنان في مايو 2000م .
ومن هنا وضعت اسرائيل تحفظاً أساسياً على عدم التقارب الامريكي الغربي مع الإسلاميين وكانت تستطيع ذلك بما تملكه من مصالح اقتصادية هائلة في الغرب وأجهزة إعلام مساندة بقوة لها وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وأغلبية دينية بروتستانية ترى أن خلاصها لا يمكن أن يتم إلا مع عودة المسيح عليه السلام إلى الأرض بعد اكتمال قيام دولة اسرائيل من النهر إلى النهر(20).
ومن خلال كل ذلك يتضح لنا أن هناك قوة مؤثرة هي إسرائيل حالت دون وجود تفاهمات بين الإسلاميين والغرب يمكن أن تؤدي في المستقبل إلى تطورهم ونموهم بعد أن تخفف من العقبات التي يمكن أن يضعها الغرب بما له من إمكانيات ثقافية وتعليمية وإعلامية واقتصادية، وتأثير فعّال على القوى المسيطرة على العالم الإسلامي .. وهذه العقبات تتمثل كما رأينا في إسرائيل واللوبي المسيحي البروتستانتي الأمريكي ولوبي شركات السلاح وغيرها من قوى مسيطرة على قطاعات واسعة في الغرب بالإضافة إلى أصداء الحروب التاريخية القديمة بين العالم الإسلامي والغرب المسيحي وذروتها الحروب الصليبية التي انتهت بجلاء الغرب عن بيت المقدس.
من معوقات الداخل الإسلامي:
بيد أن الملوم أحياناً في تعطيل نمو الإسلاميين ليس الغرب وإسرائيل وحده بل والحركات الإسلامية كذلك، وذلك لعدة أسباب لعل من أهمها عدم وضوح الرؤية لدى كثير من الحركات الإسلامية أو أغلب منتسبيها، وعدم وضع استراتيجية شاملة تسير على هداها بدلاً من الخوض في التجريب حتى الوصول إلى صيغة مناسبة حول كيفية تحقيق الحركات الإسلامية لمبتغاها وتطبيق برنامجها.
وعدم وجود الاستراتيجية الشاملة أدى إلى ظهور جماعات دينية متشددة ومتنوعة اختطفت الميدان من الحركات الإسلامية السلمية ومن جماهيرها عبر إستعمال أساليب عنيفة غير مبررة أعطت للسلطات الحاكمة في العالم الإسلامي سبباً في تحجيم جميع الحركات الإسلامية، وعدم السماح لها بالتفكير بإعادة مواقفها التنظيمية والفكرية وإحداث المراجعة الشاملة لخططها وأساليبها والاعتراف بالأخطاء، ووضع استراتيجية جديدة.
ثم زاد الأمر سوءاً بعد أن سعت بعض الحركات الجهادية إلى استهداف الأجانب داخل بلدانها الإسلامية واستهداف المصالح الغربية كذلك مما أثر على قطاعات واسعة من المجتمع تعيش على دخل السياحة وغيرها من أنشطة مما جند فعلياً كتلة هائلة من الجماهير لصالح السلطات الحاكمة بالرغم من عجزها وفشلها في تحقيق الحد الأدنى لأماني المواطنين الاقتصادية والحياتية (21).
وكانت ثالثة الأثافي استهداف المصالح والسفارات الغربية على يد فئة قليلة من الجهاديين مما أدى فعلياً إلى أن يجد الغرب بدوره العدو الذي كان يسعى لخلقه، ولم تكن هذه الأهداف التي اختاروها ( الجهاديون) مؤثرة في الغرب.
ومن العثرات الأخرى لبعض الإسلاميين والتي أضرت بهم فيما بعد أنهم لم يكونوا واضحين في مسألة الانتخابات حتى فيما بينهم وتصعيد الفاعلين من قبل القاعدة الإسلامية العريضة .. بحيث احتكرت العمل الإسلامي مجموعة صغيرة من التنظيم فى الأجهزة الامنية واحتكرت معها الإعلام والمال مما مكنها بالفعل من الاستفراد بقرار الجماعة الممتدة، وقد أبعد ذلك مسألة الديمقراطية والشفافية التي يجب أن تتبعها أي حركة إسلامية تسعى للوصول للسلطة للإصلاح والتنمية !(22) وعندما يتمكن هؤلاء المحتكرون من السلطة فان ما يبدو تقصيراً صغيراً بمسألة الشفافية سرعان ما يتضخم لحظة الوصول للسلطة المطلقة بكل تعقيداتها وإغراءاتها، والأخطر من ذلك أن الحركات الإسلامية عندما استلمت السلطة كما في حالة السودان إيران (بالرغم من ظروفها الخاصة) بهذا الغموض وعدم الشفافية المطلوبة دار جدل كبير حول مدى شفافيتها ومسكها بميزان العدالة الذي يصعب السيطرة عليه طالما أنها لم تكن معتادة على الشفافية والشورى داخل قاعدتها الأساسية حيث تمكنت أحيانا كثيرة أقلية صغيرة التقت بمدارج الجامعات أو ضمن العمل الاقتصادي والاجتماعي والأمني من تكوين صلات قوية في ملتقياتها تلك مما مكّنها فيما بعد من احتكار قرار الجماعة(23) .
ومع تعقيدات الحياة السياسية وخصوصا في دولة مثل السودان بحروبه الداخلية والخارجية وضعف اقتصاده وهجرة أبنائه المؤهلين إلى الخارج كان من الصعب بسط الشورى والشفافية والإصرار والصبر عليها لفئات كبرى داخل الحركة الإسلامية ( إلا إن ذلك لا يعني تجاهلها ) مما مكنّ الذين يضطلعون على العمل الأمني والتنظيمي من احتكار القرار والسلطة وبالتالي نشأت هوة عميقة بين أغلبية أعضاء الحركة الإسلامية وبعض المتنفذين فيها دعك عن أفراد الشعب العاديين، هذا بالإضافة إلى أن السلطة أي سلطة تخلق لبعض المنتسبين اليها فرصاً جمة للنمو الاقتصادي وتراكم الثروة مما يفتح باب التساؤلات حول مدى شرعيتها في ظل غياب الحوار الداخلي والشفافية الكاملة والمحاسبية، ومن هنا فإن أي مواجهة مستقبلية مع الغرب تكون ضعيفة سلفاً نتيجة للمعطيات السابقة.
كذلك من بعض ثغرات الحركات الإسلامية تكلسها عند شعارات فضفاضة وعدم مغادرتها لهذه الشعارات حمالة الأوجه والاستماتة عليها بينما يكون تحرك المجتمع أسرع من تحرك هذه الجماعات التي تجمدت عند اسم معين أو شعار معين ناسية أو متجاهلة أن المجتمع الحديث كثير التعقيد وأن مشكلاته متنوعة ومختلفة ويستلزم وجود حلول ومعالجات استثنائية لها وإلا سوف نجد هذه الحركات نفسها خارج نطاق الوقت والفعالية والتاريخ، وبمعزل عن قضايا المجتمع الحقيقية.
كما أن على العديد من الحركات الإسلامية بمختلف توجهاتها التفكير والبحث الجاد فيما يجب اتخاذه من سياسات تجاه الغرب، هل يجب محاربته جملة ؟ أم يجب مهادنته والاستفادة من بعض أفكاره وصناعاته في تطوير بلداننا أو الوصول معه إلى سلم يحاول استيعاب الدوافع التي يتحرك بها (الغرب) بما في ذلك إضراره بكثير من دول المنطقة في سبيل السيطرة على أهداف اقتصادية مثلاً، وصنعه لدولة اسرائيل في قلب العالم الإسلامي لنفس الغرض.
فمن خلال تصدي بعض الجماعات الإسلامية المتشددة لأهداف غربية غير حيوية أو مميتة للغرب يمنح ذلك الغربيين الفرصة للضرر بكل الحركات الإسلامية متشددها ومعتدلها بما يملك من ترسانة قتالية هائلة تتطور كل يوم عن اليوم الذي يسبقه.
كما أن الحركات الإسلامية لم تجب عن التساؤلات المثارة عما يمكن أن تفعله بالداخل العلماني المختلفة معه في حالة وصولها للسلطة هل يكون التعامل معه بالطرد والتشريد والإقصاء والإبعاد والمحاربة الأمنية الغليظة كما كانت تفعل هذه الحركات العلمانية برصفائها الإسلاميين عندما كانوا في المعارضة؟ أم تحاول التسامح معهم والتصدي للذين يحاربونها فقط بغض النظر عن ماضيهم ومحاولة الاستفادة من خبراتهم المتراكمة ومعرفتهم العميقة بكثير من القضايا الحياتية المطروحة مثل الاقتصاد والأمن والإدارة وغيرها وذلك لأن أسلوب الإقصاء في الحالة السودانية ولدّ حالات عداء هائلة ضد الإسلاميين ومرارة لايمكن تجاوزها مما عمل فعلياً على ألاّ تستقر الأوضاع السياسية في السودان لأكثر من عقد من الزمان، وقد أهدى البعض تجربته في حكم السودان لمراكز بحوث غربية وشرقية أو انخرط البعض في جماعات مسلحة مما مكن فعلياً من الاطلاع العميق على الأحوال السودانية وأحوال الحركة الإسلامية نفسها والخلافات الموجودة بينها !! وربما كانت مشكلة دارفور جزءاً من هذه المعرفة حيث علم القليليون بالصراع الذي كان يدور بين ابناء أقاليم السودان داخل الحركة الإسلامية.
أضف إلى ذلك أن زبدة التنمية والتعليم الذي أتى بعد الاستقلال ناله كثير من أبناء العلمانيين وكان يمكن استيعابهم لتطوير الحياة الاقتصادية لأنهم لا خصومة حقيقية لهم مع الدين فهم أبناء نفس المجتمع الذي خرّج هؤلاء الإسلاميين.. وما تأثر به البعض تأثر به الآخرون وبالتالي لا احتكار للشعور الديني المتأجج وإن اختلف في الحلم الذي يسعى الطرفان لتحقيقه على سبيل المثال تحول النميري من إشتراكي قومي إلى إسلامي آخر عهده.
كذلك على المنتسبين للحركات الإسلامية وضع سياسة أكثر تسامحاً للمختلفين معهم في الدين من نفس أبناء الوطن من الأقليات الدينية لكي لا يمثلون ثغرة للنفاذ للداخل حيث في الغالب الأعم يكونون مصدراً لتعطيل الحركات الإسلامية لأنهم يظنون حقاً أو باطلاً أنها أتت لاحتكار السلطة والتفرد بها لنفسها باسم الدين لذلك يجب طمأنتهم على الدوام بأن حقوقهم مصانة، وقد استفاد الغرب من ذلك الاحتكاك بالتعاون مع هذه الأقليات في تأزيم مجتمع وسلطة الإسلاميين.
شروط نجاح الحركات الإسلامية :
ويمكن من خلال بسيط من الملاحظات التوضيح بأن مستقبل بعض الحركات الإسلامية قد يكون متقدماً شريطة تجنب أخطاء الماضي ولعل أبرز هذه الأخطاء الاعتماد على الانقلابات العسكرية للوصول إلى السلطة واعتماد العنف المسلح، والبعد عن الديمقراطية لأن من شأن ذلك أن يولدّ تفاعلات عديدة داخل الساحة الإسلامية وخارجها، وقد يؤدي إلى انحرافات كبرى في مسيرة الحركة الإسلامية نتيجة لبعدها عن الشفافية والوضوح وكسب عقول ونفوس منتسبيها والمتعاطفين عبر انجازاتها الفعلية على أرض الواقع دون التضحية بأي أهداف من أهدافها المعلنة تحت أي ضغط من الضغوط خصوصاً ضغوط العسكريين، بالإضافة إلى إشهار مبدأ المحاسبة والمساءلة والتصعيد لقيادة العمل الإسلامي من خلال العطاء والكسب الفعلي لا عن طريق جماعات الأسر الواحدة والجهات الإقليمية والجهوية والتنسيق المشترك والتاريخ الذي جمع بينهما في ماضي التنظيم.
كما أن الوصول للسلطة عن طريق الانقلاب العسكري أو العمل العنيف يجعل الحركات الإسلامية غير مطمئنة لحاضرها ومستقبلها لأنها وصلت إلى ما وصلت إليه عن طريق القوة.. وبالتالي عادة ما تركزّ معظم موارد الدولة الحيوية في تكريس هذه القوة مما يضعف الدولة اقتصادياً، كما أن الذين يوكل إليهم تأمين الدولة غالباً ما يتوسعون في سيطرتهم على مفاصل الدولة بأكملها ويصبحون أهلاً للشوكة فيها، وبما أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة فإنه في حالة وجود أخطاء ارتكبت أو فساد مالي أو تقصير يصبح من العسير التطرق إليه، ومن هنا تتراكم الأخطاء وتزيد وتكبر حتى تملأ الدولة بأكملها وتسد الآفاق بحيث يشهد الناس كل ذلك التقصير للأجهزة المختلفة والمتنفذين مع تراكم فى الثروات لجماعات كانت حتى الأمس القريب لا تملك من حطام الدنيا شيئاً ولا يحرك ذلك ساكناً ولا يرفع شعار من أين لك هذا!، وبالتالي يكون مبدأ التغاضى عن بعض المحاسبة المشددة للذين يملكون القوة في جسم الحركات الإسلامية نتيجة لتأمينهم الدولة أول مراحل التنازل عن بعض مبادىء الحركة الإسلامية إذ أنه سرعان ما يؤدي ذلك إلى إغراق الدولة في الفساد.
أما الحركة الإسلامية التي تصل للسلطة عبر تمسكها بمبادئها والترغيب الجماهيرى والانتخابات الحرة فهي ليست في حاجة إلى تطوير وتقوية جهازها الأمني لأنها لاتدين إليه بالوصول إلى السلطة ولاتنحاز إليه، ويكون أفراد الشعب البسطاء هم المستهدفين برعاية الدولة والذود عن مصالحهم لأنهم من أتوا بالحركة الإسلامية إلى موقعها الحالي ولهم الحق في إخراجها من السلطة في الانتخابات القادمة في حالة فشلهم في تحقيق أماني المواطنين لذلك تكرّس موارد الدولة لخدمة الشعب وليس لخدمة الأجهزة الأمنية.
وقد يقول قائل إن الحركات الإسلامية لو سمح لها بالعمل الحر والمنافسة الشريفة لتخلت عن العنف والجماعات السرية واتباع المنهج الديمقراطي! بيد أن تاريخ معظم الحركات الإسلامية ينبىء بأنها كانت تستعد منذ وقت مبكر لاستلام السلطة حتى إبان السماح لها بالعمل الديمقراطي مثل الاخوان المسلمين في مصر حيث شهدت ازدهاراً كبيراً منذ ثلاثينات القرن العشرين وحتى قيام ثورة يوليو 1952م، إلا أن ذلك لم يردعها عن محاولة إختراق الجيش المصري وبناء النظام الخاص استعدادا للسيطرة على الحكم (24)! صحيح أنها تعرضت لمحاربة من قبل القصر والإنجليز وبعض القوي الأمنية ومُنعت من حرب إسرائيل وتأثرت بالأسلحة الفاسدة نتيجة لتواطؤ القصر إلا أن ذلك كان يجب أن يحفزها لمزيد من الديمقراطية والحرية بدلاً عن محاولة معالجة مثل هذه الأمور عبر الحسم العسكري والإطاحة بالنظام القائم، فعلى سبيل المثال نجد أن الحركة الإسلامية التركية المعاصرة استطاعت عبر الصبر الطويل والتدرج الوصول إلى أعلى المناصب في الدولة والسيطرة على الحكم بالرغم من شراسة العلمانيين والجيش التركي! لأنها اعتمدت على الصبر والمصابرة وهذا يشبه مبادئها، كما أنها اعتمدت على الجماهير المسلمة التي تشكل أكثر من 98% من تعداد تركيا اليوم بالرغم من أن كثيراً من قادتها وزعمائها طردوا من الحكم عبر أربع انقلابات عسكرية متتالية أطاح أحداها برئيس ذي توجهات إسلامية وإعدامه هو عدنان مندريس.
من هنا أصبح مبدأ استعمال العنف والانقلابات العسكرية غير مبرر للوصول إلى السلطة لأن الإسلاميين ربما يملكون الجماهير، وفي حالة اقتناعها بصدق توجهات قادتهم (ايا كانت توجهاتهم) لا يتخلون عنهم، وبذلك تكون الجماهير مصدر قوة الحركات الإسلامية وغيرها.
كذلك من أسباب ضعف بعض الإسلاميين عدم التنسيق مع الوطنيين الذين يتفقون معهم في الكثير من القضايا ويختلفون معهم فى القليل، بحيث يدخلون في خلافات شكلية لغياب التنسيق المشترك وذلك للقبضة المركزية الصارمة للتنظيمات الإسلامية التى لا تحبذ في العادة الانفتاح على الآخرين كي لا تتسرب أسرار التنظيم! ولعل ذلك يرجع الى ماضى المنافسة الحادة مع الشيوعيين، ولحماية الحركات من الديكتاتوريات المختلفة إلا أن هذا المواطن الذي يتم تجاهل خبراته الثرة غالباً ما يكون عرضة لاستغلال من قبل الغرب للكيد للحركات الإسلامية لإقصائها من الساحة السياسية نهائياً.. والقائمة تطول، وهذا الاستغلال لايتم عفويا وإنما بعد تخطيط وتفكير مسبق.
ولانستغرب من جهة أخرى لو علمنا أن الغرب ربما ساعد الحركة الإسلامية في السودان أو في فلسطين للانفراد بالسلطة المطلقة لغرض يعرفه دون سابق اتفاق بذلك من قبل هاتين الحركتين !! (كأن يوعز لحلفائه بتجاهل المعلومات التي تتحدث عن تحرك وشيك من قبل الإسلاميين لقلب السلطة) حيث إن من شأن ذلك أن يضع الحركات الإسلامية أمام مسئوليات كبرى تجاه شعوبهم وشعوب المنطقة وهم غير مستعدين وحدهم للسيطرة الكاملة .. لأن أقطار مثل السودان وفلسطين مليئة بمشكلاتها الاقتصادية والحياتية المعقدة وحروبها المستمرة فإن تصدي الحركة الإسلامية منفردة للعمل العام والحكم فى ظل هذه الظروف يؤخر من فرص الحركات الإسلامية باجمعها أعواماً طويلة للوراء، ولا يدهشنا كذلك أن الغرب والداخل العلماني عقدا كثيراً من المشكلات الموروثة من الماضي داخل السودان وفلسطين من أجل اختبار فشل شعارات الإسلاميين عملياً، ومن هنا رأينا في حرب جنوب السودان على سبيل المثال (وهي حرب قديمة ) أن الإعلام الغربي شبهها بأنها حرب مسلمين ضد مسيحيين أو عرب ضد أفارقة وأثار معها مسألة الرق القديم باتهام بعض القبائل العربية باسترقاق الجنوبيين بالتنسيق مع السلطة ! وانتهاك حقوق الإنسان واستعمال سلاح التجويع ووفيات الأطفال العالية نتيجة للحرب ، وحرمان المنظمات الطوعية من أداء عملها كي لا تكشف للعالم المآسي التي تدور في مناطق الحرب، حيث تشعر تلقائياً بأن القصد من إثارتها إفشال الحركة الإسلامية في الحكم وبذر بذور الفتنة بين الأهالي وإغلاق فرص حظوظها المستقبلية في الوصول للحكم في كل المنطقة لأن هذه الحرب ظلت مستمرة لأكثر من نصف قرن ولم تبرز فى السابق مثل هذه الاتهامات.
ولعلنا نرى ذلك أكثر وضوحاً مع تفجر مشكلة دارفور (وهى مشكلة كبيرة بالفعل) حيث قفزت إلى مستويات عليا في التناول ووصفت بأنها أكبر كارثة إنسانية في العالم! وأن التطهير العرقي والإبادة الجماعية قد مورسا فيها بضراوة في حرب إعلامية عنيفة لم يعرف العالم لها مثيلاً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وإدانة ألمانيا النازية بالإبادة الجماعية لليهود داخل أفران الغاز ( الهلوكست) (25).
من هنا فإن استفراد الحركة الإسلامية بالحكم دون محاولة ضم جبهة عريضة من الوطنيين والتكنوقراط والمحايدين وزعماء المجتمع المدني سيؤدي بالفعل إلى محاولة تضييع فرص الحركات الإسلامية في المستقبل عبر تشويه سمعتها ووضعها في صورة شائهة لتكون عبرة لأي حركة إسلامية تحاول أن تصل للسلطة.
كما أن الحركات الإسلامية لكي تستطيع أن تنجح في مجتمعاتها المحلية يجب ألاّ تظهر بمظهر الوصي على الدين، وأنها المناط بها تطبيقه دون إشراك فعاليات المجتمع الأخرى حتى المختلفة معها فكرياً وسياسياً، وعدم استعمال شعارات إسلامية فضفاضة تغطي بعض جوانب قصورها الفكري وكسبها الفلسفي وبرنامجها الاقتصادي في تطوير حياة الناس والنهوض بهم، حيث إن معارضة الحركة الإسلامية في الداخل لا يعني معارضة الدين نفسه عند بعض المتحمسين للتجربة الإسلامية وعلى العكس من ذلك يجب أن يسود التواضع والوضوح والالتزام بين أفراد الجماعات الإسلامية وأن يكونوا آخر المستفيدين من ريع الدولة وخراجها وأول الزاهدين في مغانمها حيث إنهم تصدوا لهذا العمل (بحسب الشعارات) لصالح إنزال الدين وتعليماته ولم يفعلوا ذلك لوجاهة دنيوية أو مكسب مادي . .
ومن جهة أخرى هذا يتطلب استراتيجية من قبل الحركات الإسلامية لإقناع الغرب بخطأ نظرته لها! لعدة اعتبارات أهمها اكتشافه أن الإسلاميين اكثر مقدرة من غيرهم على إدارة الدولة وبكثير من الشفافية والوضوح والإنجاز والعدل (وذلك لزيادة المتعلمين فيهم، كما أن شعاراتهم تلزمهم بذلك في المرحلة الأولي على الأقل ) مما يحد فعلياً من نمو الجماعات الدينية المتشددة التي تظهر كردة فعل نتيجة لفساد وقسوة الحكومات السابقة.
كما أن الغرب يتحسب كثيراً لهجرة المسلمين لأوربا وأمريكا بمعدلات عالية، وعبر مختلف الطرق مما يهدد بتغيير الخارطة الديمغرافية لأوربا على الأقل في نصف القرن القادم وهم يعنون كثيراً بشخصيتهم المرتبطة بالديانة المسيحية والجذور الرومانية والإغريفية الضاربة في القدم ومنجزاتهم الحضارية والتكنلوجية لذلك سرعان ما يفكرون في الحد من هذه الهجرة عبر مواجهتها داخل بلدانها الإسلامية بعد أن فشلوا فى الحد من وصولها وهذا يستلزم رفع الحماية والمساندة عن حكامها العلمانيين لأن البعض منهم وقف ولا يزال حجر عثرة في طريق استفادة هؤلاء المهاجرين من ثروتهم القومية بإضاعتها على فئة قليلة متنفذة مقابل حمايتهم أمنياً، لذلك سيكون التركيز في المستقبل على الحركات الإسلامية ربما لأنها تكون أفضل من يتولى الحكم في الوقت الراهن (وتجربة تركيا شاهدة على ذلك) لتفعيل المجتمع من الداخل وتفعيل الاقتصاد وبالتالي الحد من الهجرة، وهذا يتطلب بدوره تنسيقاً فاعلاً بين الحركات الإسلامية المعتدلة والأوربيين، وربما لمثل هذا نجد أن كثيراً من الحكومات العلمانية ترد بغضب شديد على أي محاولة اتصال بين الغربيين والجماعات الإسلامية الفاعلة بالداخل.
المصادر والمراجع:
1)كارين أرمسترونغ ، الحرب المقدسة – الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم ، ترجمة سامي الكعكي ، دار الكتاب العربي ، بيروت 2004م ، ص 570.
2)نزيه أيوبي ،” إشكال الإسلام الحديث بين التعبير الثقافي والدور السياسي ” مقال في كتاب الإسلام السياسي وآفاق الديمقراطية في العالم الإسلامي ، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث ، الرباط اكتوبر 2001م ص ص 12 – 42 .
3)دونالد كواترت ، الدولة العثمانية 1700م – 1922م ، تعريب أيمن أرمنازي ، مكتبة العبيكان ، الرياض 1424هـ – ص 328 .
4)السيد جمال الدين الأفغاني الشيخ محمد عبده ، العروة الوثقي ، إعداد سيد هادي فسرو ط أولى ، مؤسسة الطباعة والنشر ، وزارة الإرشاد الإسلامي ، طهران 1417 هـ ، ص 35.
5) Edmund Burrke , Reflections on the Revolution in France , ed. Conor cruise , Penguin Books, England , 1968 P88.
6)شيخ الدين يوسف من الله ، الحكم المحلي خلال قرن – عرض لتجربة السودان ، شركة مطابع العملة السودانية ، ط خامسة ، الخرطوم 2003م – ص 67 .
7)د. حسن عبدالله الترابي ، الحركة الإسلامية في السودان ، التطور، الكسب ، المنهج ، ط ثانية ، بيت المعرفة ، معهد البحوث والدراسات الاجتماعية ،الخرطوم 1992م ،ص 25.
8)فؤاد عبدالرحمن البنا ، الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر ، دار جامعة إفريقيا العالمية للطباعة والنشر ، الخرطوم ، ص 178 .
9)محمد بن المختار الشنقيطي ، الحركة الإسلامية في السودان ، دار الحكمة ، لندن 2006 ، ص 292.
10)موسى محمد موسى ، سيد الشهداء ، الإمام الحسين (رضي ) ، ط ثانية ، دار التراث العربي ، بلا بلد نشر ، 1982م ، ص 192 .
11)فؤاد عبدالرحمن البنا ، الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر ، مرجع سابق ص 184
12)المرجع السابق ص 591.
13)المرجع السابق ، ص 370 .
14)محمد إبراهيم نقد ، علاقات الرق في المجتمع السوداني النشأة – السمات ، الاضمحلال ، ط ثانية ، دار عزة للنشر والتوزيع ، الخرطوم 2003 ، ص 183.
15)د. حيدر إبراهيم على ، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1996م ، ص 63.
16)محمد الغزالي ، الإسلام في وجه الزحف الأحمر ، ط ثامنة، الناشر مكتبة وهبة ، القاهرة 1984م ، ص 99 .
17)امباي لو ، إشكالية انتقال السلطة في إفريقيا مع التطبيق على نيجيريا ، دار جامعة إفريقيا العالمية للطباعة والنشر ، الخرطوم 1998م ، ص 158.
18)د. جلال أمين ، عصر التشهير بالعرب والمسلمين ، دار الشروق ، القاهرة 2004م ، ص 17 .
19)روبرت فيسك ، ويلات وطن ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 1990 ، ص 430.
20)محمد السماك ، السياسة والنبؤة ، منظمة الدعوة الإسلامية ، الخرطوم 1995م ، ص 48 .
21)د. رفعت السعيد ، الإرهاب إسلام أم تأسلم ، ط أولى ، سينا للنشر ، القاهرة 1995م ، ص 60 .
22)بروفيسور الطيب زين العابدين ، مقالات في السياسة السودانية ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، الخرطوم 2004م ، ص 57 .
23) المرجع السابق ، ص 16.
24)عبدالمنعم عبدالرؤوف ، ارغمت فاروق على التنازل عن العرش مذكرات عبدالمنعم عبدالرؤوف ، ط ثانية الزهراء للإعلام العربي ، القاهرة 1989، ص 103.
25)روبرت فيسك ، ويلات وطن ، مرجع سابق ، ص 35 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.