حول كتاب دورسيلا دونجي امبراطورية كوش

منهجية فهم العقول الأخرى في إدارة وتنمية المجتمعات المحلية : رؤية فلسفية
18 أكتوبر، 2016
الفن والجمال في الفكر الإسلامي
18 أكتوبر، 2016

نظم المركز وضمن سلسلة برامجه العلمية حلقة علمية حول كتاب الكتابة الأمريكية دورسيلا دونجي هوستن بعنوان ( إمبراطورية كوش ) حيث تحدث في الحلقة عدد من أساتذة التاريخ بجامعة الخرطوم وإبتدر الحلقة الدكتور أحمد ألياس حسين أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم , وقال وبأن هذا الكتاب يمثل تاريخ الفكر الأمريكي أو الفكر للملونيين الأمريكان وخاصة وأن الكاتبة ذات أصول مشتركة فهي أمريكية ملونة ولم نتوصل الى أصلها وربما كانت ذات أصول أسبانية فهي تعتبر كاتبة عصامية حيث أنها ثقت نفسها بنفسها وبدأت حياتها معلمة رياض أطفال ثم معلمة مراحل إبتدائية ثم قررت أن تنشئ مدارس لتوصل رسالتها للملونيين الأمريكان مثلها وساعدها أخوها في ذلك , ثم إلتحقت بالصحافة وبدأت تكتب موضوعات عن ما يعانيه السود في أمريكا في ذلك الوقت , ثم إنتقلت في مرحلة الكتابة التاريخية والذي من ضمنه كتاب حلقتنا هذه ( إمبراطورية كوش ) حيث طبع هذا الكتاب لأول مرة في 1926 م ولم يرى النور حتى أواخر القرن العشرين عندما طبع الطبعة الثانية في العام 1986 م وإنتشر بعد ذلك في الشبكة العنكبوتية , وأضاف الدكتور أحمد بأن الكاتبة شعرت بأن صورة الانسان الافريقي قد شوهت وذكرت بأنها ألفت هذا الكتاب لتصحيح هذه الصورة وخاصة وأن المجتمع الغربي كان ينظرإلى الرجل الأسود بأنه عبء على الحضارة الانسانية وغير منتج فقط مستهلك وذكرت دورسيلا بأنها تريد ان تصحح هذه الصورة , وأضاف الدكتور احمد حسين بأن هذا الكتاب يتكون من ثلاثة أجزاء ولكن لم يرى النور إلا جزء واحد منه مكون من 18 فصل , الفصل الأول في عبارة عن مقدمة عن عمر إمبراطورية كوش وإتساعها والفصول الأخرى عن الحضارات الأخرى ذات بذور كوشية واثيوبية ثم تناولت الكاتبة الحضارة المصرية القديمة ثم العربية ثم حضارة بلاد النهرين ثم الهندية وأخيرا الحضارة الفارسية .
وأضاف الدكتور بأن الكاتبة دروسيلا كانت ذات إطلاع واسع رغم أن المكتبات في ذلك الحين لم تكن بذات الكفاءة الحالية وأنها لم تخرج من أمريكا بالرغم من ذلك إطلعت على عدة كتب من التاريخ والفلسفة وكتب علم النفس لتخرج لنا هذا الكتاب الكبير , ولكن يعاب عليها بأنها لم تلتزم بالتوثيق العلمي لهذه المعلومات وذلك إلى جانب تأثرها الواضح جدا بتاريخ الكتاب المقدس والى جانب ذلك أستندت على الأساطير والتراث العربي ولذلك أتت هذه المادة المتنوعة في كتاب دورسيلا .
وفي قراءة أخرى للكتاب ذكر الدكتور احمد بأن إسم كوش سابق للتوراة وعندما نقول كوشيين نقصد الحضارة السودانية القديمة وهي عندنا مصطلح اثيوبيا ونقصد بها المرحلة الثانية من كوش وهي حضارة نبتة ومروي وعرفت ايضا بالمرويين , ونبتة ومروي اصبح يطلق على السود في المنطقة وهذا ايضا جعل دورسيلا وأعطاها أفق واسع لكي تطلق عليها الكوشيين .
وفي قراءة نقدية حول كتاب ( إمبراطورية كوش ) للكاتبة دروسيلا دونجي قال البروفسير عمر حاج الزاكي أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم أتفق مع الدكتور أحمد ألياس بأن الكاتبة كانت عصامية وعلمت نفسها بنفسها , ونحن كمتخصين للتاريخ نعلم أن الامبراطورية الكوشية التي أصلها السود كانت منتشرة في مصر والسودان وتراجعت حتى أصبحت في السودان فقط حوالي العام 350 ميلادية فهي عاشت أكثر من ألف سنة وهي حضارة عرفت الاستقرار وكانت منارة للعالم القديم , إلا أن الأمر بالنسبة لدروسيلا مختلف جدا بالفصول الخمسة الأولي من الكتاب تتحدث عن الحضارة والجهل والتجاهل من قبل المؤرخين وقدت فيه كذلك دفاعا عن الاثيوبين حضارة وفضائلا وهي في ذلك تقارن حكمة الاثيوبين ورزالة الرجل الأبيض وخاصة هؤلاء الأوربيون فهي تكشف إدعاءات الرجل الأبيض وتاليه بغير وجه حق , غير أن الكتاب كان متطرفا في تمجيد الإنسان الأفريقي ( والذي يثبت تاريخك يعريك ) وكذلك جعلت الكاتبة الكوشيين النقطة التي كانت مضيئة في التاريخ القديم والحقيقة الصادقة بأنهم كانوا أقوى أمم العالم في ذلك التاريخ , والكتاب حقيقة يستحق القراءة .
وتحدث كذلك الدكتور طارق محمد نور أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم عن الكتاب قائلا : بأن الإنسان الأفريقي كان له سبق واضح لتوصيل الحضارة الى العالم وإستطاع أن تكون حركته في كل الاتجاهات , والصراع الكوشي الآشوري مثبت , ودورسيلا تنظر الى هذه الحضارة بأنها فريدة ومتطورة على الحضارات الأخرى فهي حضارة عرفت المعادن وصهرتها وكذلك هذه الحضارة طورت الزراعة وحركته التجارية إلى بقية العالم وكذلك تشير دورسيلا في كتابها الى طبيعة إنسان هذه الحضارة بأنه له صبر كبير على العمل (صبورا) وأنهم كانوا أثريا مما تثبته كتابات المؤرخين العرب وأشارت كذلك الى أن إنسانها أوجد القهوة ومن ثم نشره إلى بقية أنحاء العالم , ثم تذهب الى فترات حديثه بأن إنسان هذه المنطقة (النوبي) تحول الى المسيحية ولكنه لم يعنتق الإسلام وأن النوبي يتبني معتقداته التي يقتنع بها , وأضاف طارق بأن كتاب دورسيلا مقدر رغم التأثير الإيديولجي التي عاشها الانسان الأفريقي في أمريكا وما نستفيد منه من كتاب دروسيلا هو انه إستطاعت أن تخرج لنا هذه الحضارة في القرن الأفريقي في حقائق موجودة يمثل نوع من كشف الضوء على ما تمثله هذه الحضارة وهذه النظرة التي أبرزت بها الأحداث يمكن ان تواجها بعض الكتابات التي ترى بأن هذه الكتابات وهذه الحضارة إمتداد للحضارة المصرية .
كما تحدث البروفسير قيصر موسى الزين أستاذ التاريخ ايضا بجامعة الخرطوم من خلال مدخل نقدي تقويمي لكتاب دروسيلا قائلا : أنه كمدخل للكتاب لابد من تحديد هوية الكتاب إلى أي قسم من العلوم ينتمي الى كتب العلم أم الأدب أم الآثار , وواضح بأن هذا الكتاب يتعلق بمستوى معرفي يختلق فهو أقرب الى التاريخ من الميتاهيستري وأنك تتعامل مع المعلومات حديثه ولا تحتاج الى دليل وقد يدخل الخيال الى الآخر , وفي الحقيقة الكتاب فيه ايديلوجية اساسية وراء الكتاب وكلمة ايديولجي ليست سلبية دائما وفيها جزء معرفي , والناحية المعرفي تقتدي الرمزية أو الاساطير وهي تختلف عن الخرافة والأسطورة للغة معينة تعبر عن رمزية وتكون أكثر فاعلية ولو أعتبرنا الكتاب من نصوص الإجتماع التاريخي وهي كتبته في فترة العقد الاول من القرن الماضي وهي فترة الزنوج في أمريكا وهذه مرحلة تاريخية معينة , و يقوم هذا الكتاب على فكرة عامة هي أن الحضارة الكوشية القديمة هي المنبع الذي صدرت عنه الحضارة الإنسانية، وأن “الشعب الإثيوبي” الذي أنشأ هذه الحضارة هو شعب عظيم، ومن المرجح أن يكون أقدم الشعوب قاطبة .
وختم البروفسير قيصر حديثه بأن كتاب دورسيلا هوستن يمثل عملاً لا يخلو من الإبداع والخيال الفكري. وهو يمثل رد فعل ضد التطرف الأوربي / الأمريكي الأبيض الذي يحاول التقليل من شأن الشعوب سوداء البشرة، بل واحتقارها. وينطلق من نفي مركزية مصر الجغرافية – الحضارية، ويستبدلها بمركزية السودان / مروي باعتباره قلب إثيوبيا. وهذا مما يذكر بعمل القاص السوداني جمال محمد أحمد، الذي اعتبر مدينة الأبيض، في إقليم كردفان السوداني، مركز العالم القديم الذي صنع الحضارة وأثر على كل الدنيا، وذلك خلفاً لمركز نبتة التي لا يضعها في شمال السودان وإنما في حفرة النحاس في دارفور، وذلك في سرده لحكاية سالي فوحمر. غير أن جمال محمد أحمد يعلن بوضوح أنه لا يكتب تاريخاً وإنما يبدع أدباً. وذلك مما لا يذكره كتاب دورسيلا هوستن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.