التيار السلفي في السودان

ورقة علمية: الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي
30 أغسطس، 2016
تطبيق الصيغ الإسلامية في النظام المصرفي وأثره علي السياسات النقدية
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
التيار السلفي في السودان
د. مهدي ساتي
كلية الآداب -جامعة إفريقيا العالمية
تهدف هذه الورقة إلى إلقاء بعض الضوء على مسيرة التيار السلفي في بلاد السودان (الشرقي) من حيث النشأة والتطور، ولما كانت التيارات الفكرية لا تنشأ من فراغ ، رأينا ضرورة تلمس البدايات الأولى لنشأت هذا التيار منذ بواكيره الأولى في تاريخ الفكر الإسلامي عالمياً ثم تصويب النظر في نشأته قارياً وإقليماً في إفريقيا وصولاً إلى دراسة تاريخ هذا الفكر في السودان موضوع الدراسة.
ولعله من المفيد بدءاً أن نعرف لهذا التيار لغةً واصطلاحاً فلغة: جاء لفظ ( السلف ) بمعنى ( الماضي) أو ما مضى كما في قوله تعالي: ( عفا الله عما سلف ) ( ) . وقوله تعالي (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) ( ) . وكذلك ( هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ) ( ) . ومثل ذلك في الحديث الشريف، أما في معاجم اللغة العربية كما في لسان العرب لابن منظور فالسالف تعني المتقدم ومنه أسلاف الرجل، وفي الصحاح للجوهري فأسلاف الرجل هم آباؤه المتقدمون( ) .
أما اصطلاحاً فالسلفية تعني في مفهوم معتنقيها الرجوع إلى ما كان عليه المتقدمون من الصحابة الكرام والتابعين في التمسك بالكتاب والسنة، بينما هي في مفهوم جمهور الدارسين للفكر الإسلامي في تعريفهم ( السلفي ) بأنه ( من يرجع في الأحكام الشرعية إلي الكتاب والسنة ويهدم ما سواها ) ( ) .
والإشارة إلى (الإهدار) في العبارة السابقة تعني فيما تعني، عدم الميل إلى الاجتهاد، الأمر الذي يعرف لهذا التيار بصورة تفيد (الجمود) كما في مفهوم معارضيهم، ويفتقر هذا المفهوم إلى كثير من الموضوعية فقد شهد تاريخ السلفية تيارات تجديدية داخلية كتلك التي قادها شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم. من جانب آخر أشار بعض الدارسين المحدثين إلى أن المصطلح وعلى ما يحتويه من دلالات تشير إلى ضرورة الرجوع إلى حياة السلف الصالح وعصور التنزيل الأولى، يظل مشوباً بشيء من الضبابية في الدلالة والفهم من حيث الشكل والمضمون، فالرجوع إلى الكتاب والسنة أمر تجمع عليه معظم الفرق الإسلامية ، أو تدعيه، فالتأسي بالماضي الذي شهد ميلاد التنزيل في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام ثم التابعين، يعد مما هو، مطلوب معلوم، بالضرورة ، أما من حيث المضمون فثمة غموض قد يتأتى على مستوى النظر العملي لهذا المفهوم كما في إشارة محمد عمارة حيث كتب يقول ( ولكن هذا التحديد الجلي ( للسلفية ) لا يتسطيع وحده رفع الغموض عن مضمون مصطلح السلفية، لأن ( الماضي ) المحتذى سيظل غير محدد لأنه متعدد هو الآخر، فهل هو الكتاب والسنة أم أن فيه المأثورات المروية عن الصحابة .؟ هل هو تلك النصوص وحدها ؟ أم أن فيه مذاهب التابعين وتابعي التابعين، وحتى إذا كان هذا السلف هو النصوص قرآنا وسنة فإن تفسيرها ورؤيتها قد تعددت بتعدد المناهج في المدارس الفكرية والفرق والتيارات( ).
لقد مرّ الفكر الإسلامي في تاريخه الطويل بمراحل متعددة ارتبطت بالتحولات الإجتماعية والسياسية التي عاشتها ديار الإسلام بعد اتساع رقعتها في زمان الأمويين خاصة ، فوجدت بعض أفكار البلاد المفتوحة من زندقة وتفلسف طريقها إلي مجتمعات المسلمين ، الأمر الذي دفع البعض للدفاع عن العقيدة الإسلامية بذات الوسائل الفلسفية الفكرية التي ظل يستخدمها المناطقة فنشأ بذلك تيار (الاعتزال ) وأسس ( المعتزلة ) ( علم الكلام ) وحملوا لواءه لحوالي قرن ونصف من الزمان ، ثم مالبثوا أن وجدوا أنفسهم في خلاف مع المحدثين والفقهاء من أهل السنة والجماعة، وأخيراً شهد العصر العباسي تبلوراً ملحوظاً لتيار السلفية التي عدها بعض الدارسين ظاهرة عباسية حيث اشتد الخلاف بين المعتزلة والسلفية الذين مثلهم يومذاك الأمام أحمد بن حنبل ( ت 241 هـ ) رضي الله عنه، وتحمل بصورة مباشرة ويلات الخلاف مع المعتزلة إبان المحنة وخرج منها منتصراً، وكما يقول ولتر باتون ( باءت سياسة المعتزلة أبان المحنة بالخيبة والخذلان وانتصرت عليها عاطفة التدين الشعبي التي آثرت الاعتصام بالسنن والآثار والابتعاد عن تشقيقات المتكلمين ودعواهم في تحكيم العقل دون النقل )، ثم يضيف بأن ” ما ميز مذهب الإمام أحمد عن سائر المذاهب السنية أنه كان اشدها حرباً على البدع الدخيلة في الإسلام مما هيأه لأن يكون الدعامة التي قامت عليها أول حركة إصلاحية في العالم الإسلامي في العصر الحديث ” ( ) . ورغم أن الاعتزال اعتمد في طروحاته الفكرية على سلطة زمنية حاكمة في صراعه ضد السلفية العباسية ، فإن ظهور تيار الأشعرية الذي أعلن انسلاخه عنها بقيادة الشيخ أبي الحسين الأشعري ( ت سنة 333 هـ ) كتب نهاية هذا التيار، وبظهور المنهج التوفيقي الذي سار عليه أبوالحسن الاشعري بين افكار السلفيين والمعتزلة، ظهر مذهب سني كلامي جديد، ذلك أن الإمام الأشعري استعمل أدلة خصومه المعتزلة في نقض آرائهم ( ) . ولعل هذا المنهج التوفيقي هو الذي أفضى إلى خلافات مستقبلية استمرت إلى يومنا هذا بين السلفيين والأشاعرة أو من سلك مسلكهم كما يلاحظ في مواقف الجماعات السنية الدعوية المعاصرة ( أنصار السنة والإخوان المسلمين ).
استمرت المدرسة السلفية في تطورها التاريخي لتشهد صحوة فكرية تحت زعامة الشيخين الجليلين ابن تيمية ( 661 – 728 ) هـ ( 1263 – 1328 )م وتلميذه ابن قيم الجوزية ( 691- 751) هـ ( 1292- 1350 م) وبوراثة العثمانيين للمماليك وتفشي البدع ومحدثات الأمور في مجتمعات المسلمين مرة أخرى، تطلب الأمر تصحيحاً لتلك الأوضاع فشهد تاريخ الفكر الإسلامي صحوة فكرية عظمى بزعامة الإمام محمد بن عبد الوهاب (1115- 1206هـ ) ( 1700- 1792 ) م ثم سارت على ذات الطريق كوكبة من الأعلام كان من أشهرهم الإمام محمد علي السنوسي ( 1202 – 1276 ) هـ (1787 – 1859 م) فالإمام محمد أحمد المهدي( 1260- 1302 هـ ) (1844 – 1885 م )ومن قبله الإمام الشيخ عثمان دان فوديو ( ت 1817م) ثم لحقت بهم كوكبة أخرى من العلماء الذين جمعوا بين السلفية والتجديد من أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد رشيد رضا، وابن باديس، وحسن البنا، وغيرهم من الأعلام في اليمن وشبه القارة الهندية.
إفريقيا والتيار السلفي :
قدر لإفريقيا أن تتعرف إلى الإسلام السني من منابعه الأولى زمان الرسول صلى الله عليه وسلم والراشدين ( بلاد الحبشة ومصر ) فكان لهذا السبق أثره في تجذر السلفية السنية في وجدان كثير من شعوبها غير أن إفريقيا وفي شمالها على وجه الخصوص صارت فيما بعد مسرحاً لعدد من الفرق غير السنية على ضوء ما حدث في بلاد الشرق، ودخلت هذه الفرق في صراع مع التيار السلفي ومن هذه الفرق المشهورة فرق الخوارج كالصفرية والإباضية وكذا فرق الشيعة التي وجدت في بلاد المغرب موطناً جديداً لها ( ) حيث اتجهت من ( المهدية ) صوب الشرق لتستقر بمصر في زمان الفاطميين الذين أنشأوا الأزهر الشريف كمسجد جامع لهم ثم ما لبث أن تحول إلى جامعة سنية بمجيء الأيوبيين وقائد مسيرتهم صلاح الدين الأيوبي الذي اشتغل بمصر سنة 1174م ، وقد واجه التيار السني السلفي مصاعب جمة في زمان الفاطميين في شمال إفريقيا، ويحمد هنا للمرابطين دورهم في الحفاظ على التيار السني وفي ذلك يقول الدكتور حسن أحمد محمود في حديثه عن قيام دولة المرابطين بأن أصحاب الفرق صاروا ينفثون سمومهم في البلاد ويضيف (فعمل المرابطون على نشر الإسلام والدفاع عن حوزته واعلاء كلمته وكانت الرباطات ملاجيء يعتصم بها الناس وقت الفتنة فلولا الربط والمرابطون لقضى الخوارج والصفرية والإباضية والبرغواطيون على التقاليد السليمة والسنن القويمة ولاسيما في عهد الفاطميين الذين مثلوا بفقهاء مالك شر ممثل حتى كانوا يفرون بأنفسهم وبدينهم إلى الرباطات ويتعبدون ويصونون تراث مالك حتى ليخيل إليَّ أن أهل الرباطات هؤلاء هم الذين هملوا لواء المقاومة السنية وهم الذين دكوا صرح الشيعة في إفريقية والمغرب ) ( ) ، بعد ذلك ساعدت ظروف تاريخية بعينها في غلبة التيار الصوفي ومنها الظروف السياسية والاجتماعية التي مر بها العالم الإسلامي، إضافة إلى تدهور الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى في إفريقيا جنوب الصحراء بانهيار مملكة صنغهي، وأخيرا ًدخول القارة السمراء عصر الاستعمار الذي روّج لما صار يسميه أحياناً بالإسلام الأسود ISLAM NOIR إشارة إلى البدع ومظاهر التخليط والسلبيات التي صاحبت تيارات التصوف رغم الدور الإيجابي الذي قام به التصوف حيث شارك بعض زعماء الصوفية في عمليات الجهاد والمقاومة العسكرية للاستعمار إضافة إلى دوره في امتصاص الصدمة العسكرية التي منيت بها طلائع المجاهدين في مناطق مختلفة من القارة الإفريقية، فصار التصوف يقدم في شخوص زعاماته الجديدة البديل الروحي والجمعي للزعامات السياسية التي انتهت بسيادة الاستعمار كما ظل التصوف مع ما فيه من بدعيات مستحدثة يؤسس لثقافة مضادة لثقافة المستعمرين النصارى أو Counter Culture كما في أدبياتهم فساعد ذلك في تماسك المجتمعات الإسلامية ولم تتداعى وينفرط عقدها كما حدث لمجموعات غير المسلمين في إفريقيا أثر الهجمة الإستعمارية الشرسة( *) .
لم تكن إفريقيا بمعزل عما يدور في ديار الإسلام وخاصة الحجاز الذي شهد انتصار الثورة السلفية ( الوهابية كما يسيمها أعداؤها ) وبذلك ظل طريق الحج السوداني يحمل أفكار السلفية إليه كسائر الطرق الإفريقية الأخرى، ولما كان الحج مؤتمراً إسلامياً جامعاً تلقت وفود الحجيج الإفريقي بواكير الدعوة السلفية من الحجاز، وكان أثر هذه الأفكار واضحاً جلياً في الثورات التصحيحية التي شهدتها القارة الإفريقية ومنها حركة الشيخ عثمان دان فوديو في شمال نيجيريا ( 1754 – 1817 م) وقد أسس خلافة إسلامية استمرت حوالي قرن كامل من الزمان، وصنف الشيخ عثمان عشرات الرسائل والكتب في شتى مسائل الفكر الإسلامي السياسية والاجتماعية والثقافية ومن أشهر كتبه التي صنف كتابه ( إحياء السنة وإماتة البدعة) و( بيان وجوب الهجرة على العباد ) وغير ذلك.
ومن تلك الحركات الإفريقية ذات الأثر السلفي الحركة السنوسية التي جمعت في وضوح وتناغم غير مسبوقين في تاريخ الفكر الإسلامي في إفريقيا بين السلفية والصوفية.
ومنها كذلك الثورة المهدية حيث بدأ الإمام المهدي صوفياً وانتهى سلفياً، وأدى كل ذلك لأن يشهد القرن الماضي بدايات صحوة إسلامية سلفية ابتدرتها أرض الكنانة مصر على امتداد وادي النيل والأقطار المجاورة. حيث كونّ الشيخ محمد حامد الفقي المولود سنة 1310هـ الموافق 25/3/ 1892م، ما صار يعرف بـ” جماعة أنصار السنة المحمدية “سنة 1345هـ – 1926م وقد تجاوز تأثير الفقي مصر إلى كل من السودان وأريتريا وأثيوبيا والصومال، ففي أريتريا تكونت جماعة أنصار السنة المحمدية سنة 1940م وفي الصومال تأسست الجماعة منذ ستينات القرن الماضي وكان على رأس الجماعة في أريتريا الشيخ محمد صالح طاهر وفي الصومال الأستاذ محمد بن علي أحمد بافضل ( ).
وتتالى إنشاء الجماعات السلفية في إفريقيا فظهرت جماعة ( إزالة ) ( إزالة البدعة) في نيجيريا وجماعة عباد الرحمن السلفية في السنغال ومؤخراً جماعة أنصار السنة في ليبيريا سنة 1409هـ – 1989م.
ظلت علاقة الجماعات السلفية بالأزهر الشريف في مصر قوية وعمد الشيخ الفقي منذ البداية إلى إيجاد تواصل بينهم وبين الأزهر وعلمائه وشيوخه وكانت علاقته شخصياً بشيخ الأزهر فضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغي قوية، ولم يغب نشاط الجماعة السلفية في مصر عن أعين السلطات الحاكمة فقد أصدر الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر قراراً في عام 1967 بضم الجماعة إلى ( الجمعية الشرعية ) والتي قامت قبل جماعة الفقي بعدة سنوات ثم اختارات السلطات للمجموعتين رئيساً من العسكريين تحسباً لأية تطورات أمنية قد تحدث إلا أن العمل المشترك بين المجموعتين لم يعمر طويلاً فاستقل أنصار السنة المحمدية وعادوا للعمل كجماعة مستلة سنة 1971م( ).
أما علاقتهم مع تنظيم ( الإخوان المسلمين ) التي تأسست في مصر سنة 1928م، فقد كانت علاقة تعاون يشوبها الحذر لتقويم كل فريق لجهود ومناهج الآخر, ورغم ذلك جسد بعض العلماء صوراً من صور التعاون بين الفريقين ومن أولئك على قلتهم الشيخ سيد سابق الذي كان يبدي اهتماماً كبيراً بالدعوة السلفية وكذلك الشيخ محمد الغزالي الذي يذكر السلفيون له كتابه ( ليس من الإسلام ) كجهد سلفي يصادم البدع والمستحدثات الصوفية وغيرها دون مواربة.
من جانب آخر فقد أدى انفتاح عدد من أقطار الخليج على إفريقيا وخاصة السعودية والكويت، إلى دعم تيار السلفية في القارة وانعكس ذلك في البعثات التعليمية وتأسيس المساجد الكبرى والمعاهد العلمية والمصحات الطبية.
********
التيار السلفي في السودان
يمثل السودان الشرقي أو سودان وادي النيل بوتقة أنصهرت فيها العديد من الثقافات الإنسانية والأعراق، وظل ارتباط جنوب الوادي بشماله حقيقة لا تخطئها العين. أما ارتباطه بشرق القارة وغربها عبر الحزام السوداني فحقيقة أخرى لا تزال ماثلة للعيان، ولعله ولكل ذلك صار السودان هو القطر الوحيد الذي احتفظ بالإسم التاريخي من بين أقطار ذلك الحزام المتعددة، ولكل ما تقدم كان طبيعياً أن يؤثر ويتأثر بكل التيارات الثقافية التي شهدتها القارة والعالم الإسلامي.
تعرف السودان إلى الإسلام السني في زمان مبكر وغلبت عليه روح التصوف عقب تدفق الهجرات العربية عليه ورغم أن بعض الفقهاء – كما يؤكد بروفيسور يوسف فضل ” لم يكونوا يحسنون الظن بالمتصوفة إلا أنهم بدأوا يترسمون خطاهم بعد أن شاهدوا ما حققه رجال الصوفية في نجاحات( ). ” غير أنه ولما لم يكن السودان بمعزل عما يدورفي العالم الإسلامي وفي مصر خاصة، فقد بدأت الافكار السلفية تأخذ طريقها إلى البلاد، ولا شك أن طريق الحج السوداني كان قناة لتسرب بواكير التيار السلفي من الحجاز إلى السودان وسائر الأقطار الإفريقية، غير أن حيثيات ذلك التدفق السلفي في السودان لا تزال تفتقر إلى كثير من الشواهد التاريخية التي توثق لها، الأمر الذي يجعلنا نعتبر القرن العشرين بداية لنشأة هذا التيار في كثير من مدن السودان من خلال المعلومات المتاحة من النذر اليسير من الأبحاث التي أولت الأمر اهتماماً يذكر، ومنها الدراسة الموسوعية لأحمد محمد الطاهر الذي كتب عن ” جماعة أنصار السنة المحمدية” في السودان وخارجه، وأصل الدراسة رسالة علمية لنيل الدكتوراة من جامعة أم القرى، وتشير هذه الدراسة الموسوعية إلى أن السودان تعرف إلي هذا التيار عن طريق كوكبة من العلماء كان أولهم الشيخ عبد الرحمن أبو حجر الجزائري المولود حوالي عام 1286هـ الموافق 1870م وكان قد نشأ نشأة جهادية في كنف والده الذي كان قائداً مجاهداً في جيش الأمير عبد القادر الجزائري وقد حفظ القرآن الكريم يافعاً ثم عمل بالتجارة والاستيراد بين مصر والسودان وأنه كان علــى صلة بالسيد رشيد رضا صاحب المنار * ( ).. وأنه أن اقام بالسودان ثم ارتحل إلى مصر والتقى صاحب المنار ثم سافر إلى الحجاز حيث بقي به حتى تاريخ وفاته، سنة 1359هـ / 1939م ، ويبدو أن آثار دعوته بدأت في التبلور في السودان إثر تجمع عدد من السلفيين بالبلاد كان من أشهرهم الشيخ يوسف أبو، والشيخ أحمد حسون الكنزي، من مواليد كوري بشمال السودان عام 1897، والشيخ الفاضل التقلاوي، الذي كان مدرساً بالمعهد العلمي وقد تلقى الدعوة على يد الشيخ عوض الكريم الأزهري، إضافة إلى الشيخ محجوب مختار، والأمين سيد أحمد، وجعفر الثوري، وطيب الأسماء، وأحمد ياسين، فتكونت بذلك جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان وصار الشيخ التقلاوي أول رئيس لها، بينما أصبح الشيخ يوسف عمر أغا، سكرتيراً عاماً والشيخ محجوب مختار أمينا للمال، ثم انضم إليهم بعد ذلك الشيخ عبدالله حمد وطه الكردي والشيخ محمد هاشم الهدية الرئيس السابق للجماعة، إضافة إلى عبد الحليم العتباني والشيخ عبد الباقي نعمة، وخليل صالح داؤد، ومصطفى الغول، ومصطفى ناجي وآخرين، وكان فرع الخرطوم جنوب من أول الفروع إنشاء وذلك سنة 1949م وأعلن سكرتير الفرع يومذاك جيلاني الشريف بركات في أول اجتماع لهم برئاسة الشيخ عبد الله حمد رئيس المركز العام بأم درمان عن تشكيل لجنة لتسيير العمل على النحو التالي:
الحاج محمد أحمد علي ــــ مديرا للدار
الشيخ محمد البشير ــــ مساعدا له
الشيخ أمين نقد الله ــــ أمين للمال
الشيخ أحمد التهامي ـــــ مساعدا له
الشيخ حسين دفع الله ــــــ محصلا
الشيخ جيلاني الشريف بركات ــــ سكرتيرا
الشيخ عمر عبدالله صبير مساعدا للسكرتير
وتم لهم عام 1947م التصديق بانشاء مركز عام وفي عام 1959م حصلت الجماعة على التصديق بمنحهم قطعة أرض ثم كان بناء الجامع الصغير الأول ثم الجامع الحالي سنة 1967م وقد افتتحه الملك فيصل بن سعود، ( ) وكانت خطب الشيخ مصطفى ناجي القادم من شرق السودان، والموظف آنذاك بالبريد والبرق، تستقطب جموعاً من المصلين غفيرة في صلاة الجمعة، وذلك لطبيعة الخطاب الدعوي المباشر للجماعة والذي يعالج قضايا يتحرج الكثيرون من تناولها لأسباب عدة وشهدت السنوات التالية انضمام أعداد من الدعاة الذين قدم بعضهم من مصر من أمثال الشيخ أبوزيد محمد حمزة وغيره ، وقد كان لجهود المؤسسين الأوائل ما دفع بالدعوة السلفية إلى الأمام ومن هؤلاء الشيخ محمد الحسن عبدالقادر في كسلا، والشيخ الشريف عبد الباقي بن محمد الأمين من قرية أم سنط، والشيخ الزبير عبد المحمود، والشيخ عمر عبد الله صبير، والشيخ التكينة، وبذلك اتسعت دائرة العمل الدعوي وانضم إليها لفيف من التجار والمواطنين كان من أشهرهم الحاج عبد الباقي، ومهدي صبير، وأمين نقد الله، وحامد يوسف، إضافة إلى عطا المنان حسن المصري، الأمين المغواري، الصافي الجعلي، وبشير العوض، عبد الله إدريس، عبد الغني الربيع علي، وقد بذلت المجموعة التي ضمت الشيخ عمر عبدالله صبير، والشيخ سليمان طه، والحاج عبد الغني الربيع، وإبراهيم سوراوي جهوداً في محاولة التقارب مع الإتجاه الإسلامي أو جماعة الإخوان المسلمين، وانتهى بهم الأمر إلى الانضمام كلية إلى الجبهة الإسلامية الواجهة الجديدة لحركة الإخوان المسلمين في السودان .
ولم تخل مسيرة التيار السلفي في السودان من أزمات وصراعات داخلية انتهت بتكوين جماعات منشقة كجماعة ( جمعية الكتاب والسنة ) والتي انفصلت عن التنظيم الأم للجماعة لأسباب مالية وإدارية وسياسية، كما أن مشاركة الجماعة السلفية في التشكيل الوزاري لحكومة الإنقاذ الحالية أوجدت انشقاقاً لا تزال آثاره مستمــرة ويتمثل ذلك في مواقف جماعة الشيخ أبوزيد( ). من المشاركة في سلطة الإنقاذ الإسلامية لا من حيث مبدأ المشاركة ولكن من عدم تمكن المشاركين من المشاركين من الوزراء وغيرهم من استصحاب أفكارهم السلفية من خلال مشاركتهم في الحكم وفق تصريحات الشيخ أبوزيد في مقابلة تلفزيونية خاصة.

جهود التيار السلفي في السودان:
1-دينيا :
أ‌-في جانب العقيدة :
ظلت جهود التيار السلفي متواصلة فيما يتعلق بالدعوة إلى التوحيد وقد نجح هذا التيار في تصحيح العقيدة بالطرق المستمر على موضوع الشركيات والبدع، كما بذلك جهوداً في مواجهة التنصير بجنوب السودان وجبال النوبة، إضافة إلى محاربتهم لكثير من العادات الضارة في المجتمع فأسهموا بمحاضراتهم في الميادين العامة ومن منابر المساجد ومؤسساتهم التعليمية، في تزكية المجتمع وبث الوعي الإسلامي بين شرائح المجتمع المختلفة ونجحوا في باديء الأمر في استهداف كثير من الطبقات الشعبية والعمال والتجار على خلاف الجماعات الدعوية الأخرى التي خرجت خطابها الدعوي للطلاب والنخب المثقفة من خريجي الجامعات وغيرهم.
ب‌-في العمل الدعوي :
وفي مجال التخطيط للعمل الدعوي شرعت جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان في عقد مؤتمرات عامة تنادي لها الأعضاء من جميع المراكز والأقاليم فقد دعت الجماعة إلى مؤتمر عام سنة 1370هـ – 1950م وأصدرت منشوراً أرسل إلى جميع الفروع فحواه في اختصار بعد الإشارة إلى حيثيات الانعقاد وزمانه :
1-تحديد شعار المرحلة وتمثل ذلك في قوله تعالى ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) الأعراف 199 و( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) البقرة 256 وقول الرسول صلي الله عليه وسلم ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه وأن الصبر ليبلغ بالرفق ملا يبلغ بالعنف ) صحيح مسلم مع اختلاف في الألفاظ.
2-الطاعة للرئاسة العامة والمحلية فيما لايخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
3-توحيد الوسائل وفق الأهداف والنشرات التي يصدرها المركز العام .
4-التحلي بالفضائل ومجانبة الرذائل.
5-طلب العلم .
6-تبادل المنافع المادية والأدبية بين الأعضاء .
7-على ( الإخوان ) محاولة إيجاد شركات تعاونية تبدأ بدكاكين صغيرة وغيرها.*
8-محاربة العادات السيئة والتقاليد الجاهلية في الأعياد والأعراس والمآتم بالحكمة والموعظة الحسنة.
9-اتخاذ الشفقة والرحمة في دعوة الناس.
10-التعاون مع الناس ومشاطرتهم في الباساء والضراء لقوله تعالى: (أدفع بالتي هي أحسن ) فصلت 34.
11-تخير الزمان والمكان المناسبين وتهيئة الأسماع لسماع كلمة الحق .
12-إلتزام روح العمل والكسب والإدخار ومحاربة البطالة والعطالة .
13-التبرأ من الشذوذ والتهوس والتهور.
14-الانتظام في دفع الإشتراكات والمساعدات.
أما قرارات وتوصيات المؤتمر الثاني في 1371 هـ – 1951م فقد أمنت في معظمها على القرارات السابقة وشملت قرارات تنظيم عامة وظهرت توصيات ذات صلة بالعمل الدعوي بصورة مباشرة ومنها :
1-ألا يدخل ( الأخوان ) في جدال في المتشابه وغيره مع ضرورة الإستزادة من العلم كما في قوله تعالى ( وقل رب زدني علماً ) طه 114 و( فوق كل ذي علم عليم ) يوسف 76 .
2-ضرورة العمل بإخلاص لمحاربة العقائد الإلحادية الهدامة التي تدعو لنشر الإباحية والتحلل والفساد.
3-العمل على محاربة السفور.
4-ضرورة التعاون مع جميع الهيئات التي تعمل لرفعة المسلمين .
5-العمل لإيجاد مكتبة سلفية شاملة.
6-التذكير بأن الإسلام دين ودولة وعليه تسعى الجماعة لإصلاح عقيدة الفرد مع منع استغلال الجهلاء باسم الدين، والسعي لتحقيق العدالة الإجتماعية مع العمل لتوحيد كلمة الأمة تحت راية القرآن الكريم وزعامة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعندما يتم ذلك يتهيأ الجو لقيام حكومة إسلامية تسير حسب التشريع السماوي العادل.
انتهت قرارات المؤتمر وجاءت ممهورة باسم يوسف عمر أغا سكرتير عام جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان.
وبتصويب النظر في قرارات المؤتمرين يتضح أن تطوراً في المنهج والخطط الدعوية والأهداف قد بدأ واضحاً في الإشارات إلى ضرورة التعاون والتأكيد على شمولية الإسلام ديناً ودولة والتوصية بضرورة توخي الرفق في الأساليب الدعوية مما يدل على هذا التطور في المنهجية والتخطيط .
ج – سياسياً :
كان للتيار السلفي وجود فاعل في موضوع الدستور والمطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية في البلاد فقد جاء في المؤتمر الثامن المنعقد في أم درمان يوم الجمعة الثامن من شوال 1375 هـ – 1955م في خطاب الأستاذ محمد الفاضل التقلاوي توجيهات للجماعة بأن تحصر جهودها في أمرين الأول أن يكون على رأس الدستور ما يدل على هوية الدولة السودانية فتعرف بأنها ( جمهورية إسلامية ) أما الأمر الثاني هو أن يتضمن الدستور السوداني مادة تقرأ كالآتي ( الشريعة الإسلامية مصدر التشريع والتقنين في الجمهورية السودانية الإسلامية ) ويدل هذا بوضوح على حرص الجماعة على أسلمة القوانين وتأكيد الهوية الإسلامية للأمة السودانية، وتأكيداً لضرورة العمل الجماعي شاركت الجماعة في جبهة الميثاق الإسلامي التي خاضت الانتخابات على امتداد القطر سنة 1964م، وبتطور الأوضاع السياسية في السودان بداية الثمانينيات اتخذت الجماعة السلفية موقفاً واضحاً ضد التمرد الذي قاده جون قرنق بجنوب السودان فبدأت بعد بيان الشيخ الهدية في إدانة التمرد بتنظيم حملة لدعم القوات المسلحة ثم أنشأت الجماعة أمانة خاصة في تنظيم هيكلهم الجديد باسم ” أمانة السياسة الشرعية والبحوث” في الوقت الذي بدأت فيه إصدارتهم ( الاستجابة ) في شرح منافاة الديمقراطية الغربية للإسلام وبدأت بجانب ذلك في توضيح مخاطر الشيوعية الماركسية، كما في كتابات الأستاذ كامل عمر البلال، والأستاذ محمد أبوزيد وغيرهما ( ).. ورغم مشاركات الجماعة في الأنشطة السياسية والإنتخابات في صالح الحركة الإسلامية العامة وجماعة الإخوان المسلمين درجت الجماعة على تجنب المشاركة الجماعية وفضلت خوض التجربة الإنتخابية بمرشحيها الخاصين لما أحسوا به من بعض مظاهر التهميش، وإتخاذ القرارات من وراء ظهورهم كما اعترف بذلك أمير الإسلاميين يومذاك الدكتور الشيخ حسن الترابي في إحدى لقاءاته التلفزيونية وأخيراً وبعض تباطؤ وحذر عادت الجماعة تشارك في العمل السياسي العام في حكومة الإنقاذ الإسلامية وإن عارضت جماعة منهم هذه المشاركة مما أدى إلى انقسام في صف الجماعة.
د- اجتماعياً:
شاركت الجماعة السلفية بمجهود مقدر في حركة التحول الاجتماعي التي تنتظم السودان فمن البداية أولت الجماعة اهتماماً خاصاً بالمرأة فبدأت في إقامة مجمعات نسوية كمجمع كسلا الذي صار يضم معهداً متوسطاً للنساء، ومركزاً لتحفيظ القرآن الكريم ومركزاً للخياطة والتدبير المنزلي، ورياضاً للأطفال وفصولاً لتعليم الكبار ومعهداً متوسطاً للبنات في ود شريفي وبورتسودان( ). . بجانب ذلك اهتمت الجماعة السلفية بالعمل الخيري باعتباره واجباً دينياً ونجحت في استنهاض جهود عدد من المحسنين السعوديين والكويتيين والخليجيين للمشاركة في إغاثة المنكوبين بالسيول والفيضانات وأعادت بناء أعداد كبيرة من المدارس أبان فيضانات 1988م إضافة إلى اهتمام رئيس الجماعة الشخصي برعاية الأيتام حتى قبيل وفاته، وبدأت الجماعة تساهم في إفطار الصائمين وتقديم الأضاحي للمعوزين وكسوة الطلاب الفقراء. إضافة إلى كل ما تقدم ركزت الجماعة السلفية جهودها في رتق النسيج الاجتماعي في البلاد وذلك من خلال نشر الدعوة بالجنوب وجبال النوبة باعتباره واجباً دينياً واجتماعياً يجمع عناصر المجتمع المختلفة تحت ديانة واحدة، يضاف إلى ما تقدم جهود السلفيين في محاربة كثير من العادات الإجتماعية الضارة مثل الخفاض الفرعوني، وتصيد العزاء باقامة السرادقات لأيام طويلة كما شاع استعمال النقاب في أوساط النساء والطالبات.
هـ-ثقافيا :
أدركت الجماعة أهمية التعليم النظامي في إكمال رسالتها الدعوية فسعت لتأسيس المعاهد الدينية بمراحلها المختلفة للطلاب السودانيين والوافدين من الخارج، فساهمت في إنشاء المركز الإسلامي الإفريقي منذ بداياته الأولى في أمدرمان، وكان الشيخ عبد الرؤوف التكينة، والشيخ عمر عبد الله صبير والأستاذ مصطفى ناجي من الناشطين في هذا التأسيس، ثم أنشأت الجماعة معهد بانت جنوب عام 1975م بمدينة كسلا، وسار المعهد في مناهجه وفق مناهج المعاهد التابعة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، ثم تتالي إنشاء المعاهد الدينية في عدد من مدن وأرياف شرق السودان . وفي عام 1404هـ انشأت الجماعة المعهد العالي للدعوة في الخرطوم، ليمنح دبلوما بعد سنتين دراسيتين وفق برامج جامعتي المدينة المنورة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولإدراك الجماعة بضرورة نشر اللغة العربية في إفريقيا خاصة، أسست معهداً لتعليم العربية للناطقين بغيرها إدراكاً منها لدور العربية في فهم مطلوبات وقيم الدين، ومؤخراً أنشأت جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان المعهد العالي للدراسات الإسلامية واللغة العربية بمدينة الدلنج بجبال النوبة، وعكفت بعد ذلك على إقامة المعسكرات والمخيمات الشبابية والأسابيع الثقافية والدورات العلمية وظلت تستقدم العلماء السلفيين من خارج السودان، من السعودية، مصر وموريتانيا، فأقامت الجماعة أول معسكر للطلاب عام 1981م، وانتقلت الحركة السلفية بذلك من مرحلة مخاطبة جموع المواطنين في المساجد والساحات، إلى مرحلة تكوين النخب الشبابية، ونجح التيار السلفي خاصة بعد أن وفدت البلاد تيارات سلفية شبابية تخرجت في جامعات المملكة العربية السعودية في أوائل التسعينات، في أن يشكل حضوراً في اتحادات الجامعات السودانية، ويصبح تياراً جاذباً للشباب الجامعيين مما ينبيء بمستقبل واعد لهذا التيار. بجانب هذه المناشط الثقافية المتنوعة، أصدرت الجماعة في1405هـ – 1985 إصدارة دعوية باسم ( الاستجابة ) رأس تحريرها المرحوم محمد هاشم الهدية، وكان مدير تحريرها عبد الله أحمد التهامي، وكان من أشهر كتابها الأستاذ محمد الحسن الهادي والأستاذ أبو حمد والأستاذة ثريا أحمد محمد خير، والأستاذ محمد أبو زيد مصطفي، أزهري أحمد، محمد أحمد النوير، الدكتور طارق محمد الهدية، الأستاذ يوناس لول، الأستاذ الشيخ صلاح طيفور، وآخرون، ولتحديث الجانب الإعلامي أنشأت الجماعة عام 1988م مطبعة الفلاح في الخرطوم جنوب وبدأت في إعادة طبع الكتيبات والرسائل السنية الصادرة من المملكة العربية السعودية والكويت ومصر فخطت بذلك خطوات واسعة في تحديث العمل الثقافي الدعوي بالبلاد.
صفوة القول ساعد التيار السلفي في السودان والممثل في جماعة أنصار السنة المحمدية ساعد بصورة ملموسة مقدرة في النهوض بالمجتمع السوداني ولا تزال من خلال برامجها الدعوية وخاصة المنبرية التي ينفذها الأئمة الشباب، إلا أن استدراكات بعينها ظلت تؤخذ على مناشط الجماعة ولعل من أهمها:
1-غلظة البعض في الإرشاد والتوجيه والسنة تقول بالرفق في كل شيء.
2-عدم الفصل في كثير من الأحيان بين التبرأ من الأعمال والأقوال السيئة وبين فاعليها.
3- عدم الاهتمام بالتأريخ لحركتهم السلفية في السودان وخارجه مما لايتيح للباحثين فرص التعرف لمجهوداتهم فمعظم المعلومات تتأتي عن طريق الروايات الشفهية والمقابلات الشخصية .
4- البعد عن وسائل الإعلام والإخفاق في مواصلة إصدارتهم الصحفية على قلتها وهو مما يؤخذ على سائر الجماعات الدعوية.
5- عدم الاهتمام الواضح بتكوين داعيات مؤهلات للقيام بأعمال الدعوة في وسط النساء، الشريحة الأكثر حاجة للتوجيه والتقويم، وذلك مقارنة ببعض الجماعات الدعوية الأخرى في السودان.
6- قلة تعرض الخطاب الدعوي السلفي للمخاطر والمخططات السياسية العالمية والداخلية التي تهدد مجتمعات المسلمين.
7- العجز عن التوحد وهم دعاة التوحيد حيث أصابهم ما أصاب الآخرين من تنازع وانقسامات مما يلقي بظلاله السالبة على مسار الحركة.
****
أخيراً فإن المخاطر الكارثية التي تتهدد الإسلام والمسلمين تستوجب على الجميع توخي الحذر والحيطة والعمل على ما يحقق وحدة العمل الإسلامي خاصة في الظروف الراهنة وهو ما صار يدعو إليه مجدداً علماء السنة السلفيين المحدثين في ضرورة توحيد الكلمة والصف وتجاوز الخلافات باعتبار أن مالا يدرك كله لا يترك جله وكيف أن على المسلمين الاجتماع علي ما اتفقوا عليه في إطار حسن الظن بالمسلمين عامة بما يوفر التوالي باعتبار أن ( التبرأ ) إنما يكون في الإسلام من الأعمال والأفعال السيئة وليس من فاعليها ، ذلك أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال في حق خالد رضي الله عنه لما مثل أحدهم ( اللهم أني ابرأ إليك مما صنع خالد) ولم يبرأ من خالد نفسه( ) كما ذكّر بذلك الشيخ الأمين الحاج في ورقته بالمؤتمر العلمي في الخرطوم بل ذهب الشيخ محمد سيد محمد حاج إلى القول في شأن جمع الصف والإئتلاف إلى ضرورة التفريق في هجر المبتدع بين الداعي إلى بدعته والساكت عنها، كما في فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية، مع جواز التعاون مع أهل البدع الذين لم يخرجوا ببدعهم عن الإسلام في المجالات التي لا خلاف فيها في دائرة الحق، باعتبار أن كل طائفة معها حق وباطل فالواجب موافقتهم فيما قالوا من الحق ورد ماقالوا من الباطل، مستدلاً في ذلك بمقولة شيخ الإسلام ابن تيمية حول الموضوع ( ) ..
إن العمل على تجميع القوى في مواجهة المخاطر وحسن الظن بجماعات المسلمين، مبدأ إسلامي أصيل في الكتاب والسنة، كما أشار إلى ذلك العلماء والأساتذة المشاركون في المؤتمر العلمي الجامع بجامعة الخرطوم قبيل أعوام، كما في مضمون الأوراق العلمية التي اعتنى بمراجعتها الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف، وفي هذا السياق كتب الدكتور محمد حسن عقيل داعياً الجميع لجمع الصفوف قائلاً (إنه لو جمعت جهود الإخوان والسلفيين وصبت في بوتقة واحدة لتغير وجه التاريخ في العصر الحديث، ولما استطاع أعداؤنا أن يتجرأوا علينا كما هو حاصل اليوم)( ) .
إن جرأة الأعداء ناتجة عن تعثر اليقظة الجماعية للمسلمين والتي يحول الاختلاف دون استكمالها وفي هذا قال آخر فلاسفة التاريخ المحدثين أرنولد توينبي (المسلمون نائمون ولكن ينبغي أن نعرف بأن النائم قد يستيقظ ! )
وفي الختام نسأل الله تعالى التوفيق والسداد فيما فيه النفع للمسلمين كافة أنه ولي ذلك والقادر عليه وصلي اللهم وبارك على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
المصادر والمراجع :
1-القرآن الكريم، آيات كريمة متفرقة من المائدة ، الإنفال ، يونس .
2-الجوهري، الصحاح في اللغة والعلوم بيروت 1975م.
3-د. محمد عمارة ، تيارات الفكر الإسلامي، القاهرة 1982م
4-ولتر . م. باتون ، أحمد بن حنبل والمحن ، الترجمة العربية، القاهرة .
5-د. عمر فروخ ، تاريخ الفكر العربي إلى ابن خلدون، بيروت 1392م – 1972م
6-د. أحمد محمد الطاهر، جماعة أنصار السنة المحمدية، نشأتها، أهدافها، منهجها، جهودها ) الرياض 1425هـ – 2004م .
7-أ.د. يوسف فضل حسن، مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية بالسودان الشرقي، الخرطوم 1972م .
8-مجلة الاستجابة، العدد الثاني، الخرطوم صفر 1406هـ .
9-حوار تلفزيوني، قناة النيل الازرق مع الشيخ أبوزيد محمد حمزة ، نوفمبر 2007م.
10-مقابلة شخصية، مع الحاج عبدالغني الرفيع.
11- د. يحيي هويدي، فلسفة الإسلام في إفريقيا القاهرة 1966،
12-د. حسن أحمد أحمد محمود، قيام دولة المرابطين القاهرة 1956م .
13-الشيخ محمد الأمين، الحاج محمد أحمد، أسباب التفرق ، ورقة المؤتمر العلمي بالخرطوم 1425 – 2004م ، أوراق المؤتمر العلمي الخرطوم.
14- الشيخ محمد سيد محمد حاج ، فقه الإئتلاف . ” ” ” ”
15-د. محمد حسن عقيل، ورقة بعنوان : نماذج تاريخية ومعاصرة من مآسي الافتراق، أوراق المؤتمر العلمي الخرطوم 1425 هـ – 2004م .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.