مفهوم المجتمع المدني بين الفلسفة الغربية والفكر الاسلامى

ورشة عمل حول الحركات الإسلامية المعاصرة
30 أغسطس، 2016
أدبيات الماوردي وأثرها في الفكر السياسي
30 أغسطس، 2016

د. صبري محمد خليل
أولا: تعريف المفهوم :
تعددت تعريفاته بتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة التي تناولته بالدراسة، و نعرفه إجرائيا بأنه: مجموع التنظيمات، غير الحكومية، التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي، الذي لا يستهدف الربح ،ولا تستند فيه العضوية على روابط الدم و القرابة. وبالتالي فان مقوماته الايجابية هي(التنظيم.التطوعية. التعددية)والسلبية(عدم السعي للوصول إلى السلطة. عدم استهداف الربح. عدم الاستناد إلى روابط الدم والوراثة)وتضم مؤسسات المجتمع المدني : النقابات ة، الجمعيات التعاونية، الانديه الرياضية والاجتماعية، الاتحادات الطلابية، مراكز البحوث…
ثانيا:مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة السياسية الغربية:
ا/المفهوم في الفلسفة اليونانية:كان أرسطو أول من أشار إلى مفهوم المجتمع المدني ،ولكنه لم يميز بين الدولة والمجتمع المدني،كما أن المشاركة في هذا المجتمع المدني السياسي تقتصر على النخبة، ويحرم منها ومن حق المواطنة العمال و الأجانب والنساء .
ب/المفهوم في الفلسفة الاوربيه الحديثة: الليبرالية: تناولت مفهوم المجتمع المدني استنادا إلى منهج معرفه يستند إلى فكره القانون الطبيعي ،و مذهب علماني في موقفه من الدين ، فردى في موقفه من المجتمع، راسمالى في موقفه من الاقتصاد ،ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة . وانه بناءا على هذا فان المفهوم الليبرالي للمجتمع المدني مرتبط بضرورة تقليص دور الدولة في اداره المجتمع .وفصل الدين عن الدولة( فيستبعد الجماعات والمنظمات والهيئات ذات الطابع الديني من مؤسسات المجتمع المدني).و بسيادة الشعب ضد استبداد الحكام. هيجل :تناول مفهوم المجتمع المدني استنادا إلى منهجه المثالي الجدلي القائم على اعتبار التاريخ كمسرح لتطور الفكر المطلق عبر مراحل ، والنظر إلى الدولة باعتبارها ارقي تجسيد لها الفكر المطلق.وانه بناء على هذا اعتبر أن الدولة تستوعب المجتمع المدني في داخلها كنفي جدلي لها ، وكمرحلة من مراحل تطورها الذي يؤلف في تحققه العيني الدولة الحديثة. وبهذا فانه ينتهي إلى إلغاء المجتمع المدني لصالح الدولة .ماركس : استنادا إلى المنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية(محصله تطبيق المنهج المادي الجدلي في التاريخ) والتي ترى في التاريخ ساحة للصراع بين الطبقات اعتبر أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي. أن تفسيره للمفهوم ركز على العوامل الاقتصادية وتجاهل أو قلل من دور العوامل الثقافية كما ركز على الطابع الصراعى للمجتمع المدني وتجاهل طابع التشاركى له.
ج/المفهوم في الفلسفة الغربية المعاصرة:جرامشى: رأى أن المجتمع المدني ليس ساحة للصراع الاقتصادي(كما برى ماركس) بل ساحة للصراع الايديولوجى ،منطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية. وانه مع تطور النظام الراسمالى واحتدام الصراع الطبقي، كان لابد للرأسمالية (أي الطبقة السائدة) من بلورة آليات فعالة لإدارة هذا الصراع لصالحها واستقرار المجتمع وأنها نجحت في أن تحقق هذا الهدف من خلال آليتين: آلية السيطرة السياسية المباشرة بواسطة جهاز الدولة، وآلية الهيمنة الأيديولوجية غير المباشرة من خلال منظمات المجتمع المدني. فمنهج جرامشى هو منهج ماركسي معدل.
ثالثا: مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي الاسلامى:
المواقف المختلفة من مفهوم المجتمع المدني:
ا/الرفض المطلق لمفهوم المجتمع المدني بحجة أن هذا المفهوم يتطابق مع العلمانية(احد أركان النظام الليبرالي) و التي تتناقض مع الإسلام (التقليد).
ب/القبول المطلق لمفهوم المجتمع المدني ، اى الربط بين القبول بالمجتمع المدني في المجتمعات المسلمة والقبول بالنظام الليبرالي ( الفردي، الراسمالى، العلماني…)اى استبدال القيم والقواعد الاسلاميه بقيم وقواعد غربية (التغريب).
رغم اختلاف الموقفين في النتيجة إلا أنهما يتفقان في المقدمة وهى جعل العلاقة بين المجتمع المدني والليبرالية علاقة تطابق.

ج/الموقف النقدي من المجتمع المدني كمفهوم وتطبيق اى اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين ممثله في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، ورد ورفض ما يناقضها(التجديد)
هذا الموقف يدعو إلى مجتمع مدني يتفق (على المستوى النظري) مع منهج المعرفة الاسلامى والفلسفة الاجتماعية السياسية الاسلاميه، ويتسق (على المستوى التطبيقي) مع واقع المجتمعات المسلمة ، سواء اتفق أو اختلف (على المستوى النظري) مع التصور الليبرالي للمجتمع المدني المستند إلى الليبرالية كفلسفة ومنهج ،و(على المستوى التطبيقي) مع واقع المجتمعات الغربية المعاصرة .
كما يرى انه قد ظهر في التاريخ الاسلامى مجتمع مدني طبقا للخصائص السابقة ،غير أن حركه هذا المجتمع المدني الاسلامى قد أبطات أو توقفت نتيجة لبطأ أو توقف التطور الحضاري للمجتمعات المسلمة نتيجة لعومل داخليه وخارجية متفاعلة.
المجتمع المدني والمفاهيم الكلية:أن المجتمع المدني الاسلامى هو الذي يتخذ من المفاهيم الكلية (التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) ضوابط موضوعيه مطلقه له تحدده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه.
فطبقا لمفهوم التوحيد فانه يجب إسناد الحاكمية(السيادة”السلطة المطلقة”) في المجال السياسي، و ملكيه المال(حق التصرف المطلق في المال أو ملكيه الرقبة) في المجال الاقتصادي،و التشريع(حق وضع القواعد القانونية ابتدءا ، اى حق وضع القواعد-الأصول) في المجال القانوني) لله تعالى وحده .وانه بهذا يشكل التوحيد ضابط موضوعي مطلق للمجتمع المدني الاسلامى لأنه ضمان لان لا ينفرد فرد أو فئة بالسلطة المطلقة، أو حق التصرف المطلق في المال ،أو الحق المطلق في وضع القواعد القانونية، دون الجماعة.
و طبقا لمفهوم (الاستخلاف) فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار حاكمتيه في الأرض( وذلك بان اسند إليها السلطة-الأمر- على أن تكون ممارستها ممارسه محدودة ” مقيده “بالحاكمية- السيادة- الالهيه). و في إظهار ملكيته تعالى للمال في الأرض( بان أسند إليها الانتفاع به على الوجه الذي حدده مالك المال ).وفي إظهار تشريعه في الأرض( بان اسند إليها حق وضع القواعد القانونية انتهاءا اى حق وضع القواعد -الفروع).فاستخلاف الجماعة إذا يشكل ضابط موضوعي مطلق للمجتمع المدني الاسلامى لان مضمونه إسناد السلطة و الانتفاع بالمال والاجتهاد في وضع القواعد القانونية المحدودة زمانا ومكانا للجماعة.
قواعد السلطة: أن السلطة في الإسلام تستند إلى جمله من القواعد تشكل في ذات الوقت قواعد المجتمع المدني الاسلامى، لان كلاهما يستند إلى ذات المفاهيم (التوحيد،استخلاف الجماعة…).
المساواة :أهم القواعد هي قاعدة المساواة ، ثم يكتفي الإسلام بما هو صالح للمحافظة علي القاعدة في أي مجتمع في أي زمان وأي مكان وهما قاعدتي العدل و الشورى.
العدل: هو نظام إجرائي لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه، طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف،وذلك بما يسمي الحكم ( القضاء)،ثم تنفيذ الأمر الذي ترتبه القواعد في محله، ولو بالإكراه.
الشورى: هي تبادل العلم بمشكله مشتركة،ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة، وأساليب تحقيقها ،ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمشكلة،وذلك بالإشارة به على الآخرين.
العقد الاجتماعي والبيعة: إن المجتمع المدني حسب المفهوم الليبرالي الكلاسيكي قد تبلور في سياق نظريات العقد الاجتماعي كما نادى بها فلاسفة الليبرالية في القرن الثامن عشر، وانه قد وجه النقد لفكره العقد الاجتماعي باعتبارها فرضيه لا يمكن إثباتها تاريخيا . وانه في الفكر السياسي الاسلامى نجد مفهوم البيعة يقابل أو يقارب مفهوم العقد الاجتماعي ، لكن يمتاز عنه بأنه ذو طابع واقعي عيني مضمونه أن الحاكم(السلطة التنفيذية أو الدولة) نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه ومراقبته .
المجتمع المدني وعلاقة الدين بالدولة:إن مفهوم المجتمع المدني يرتبط بمشكله علاقة الدين بالدولة والحلول التي قدمت لها والتي يمكن حصرها في ثلاثة حلول:
الحل الأول :يقوم على الخلط(الدمج) بين الدين والدولة ، ومن ممثليه نظريتي الحكم بالحق الالهى والعناية الالهيه هذا الحل يتناقض مع مفهوم المجتمع المدني لأنه يؤدى إلى إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة اى الكهنوتية وهو مرفوض من الإسلام لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة اى الكهنوتية أو رجال الدين “فهذه السلطة (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله بموجب الاستخلاف العام للجماعة.
الحل الثاني :هو فصل الدين عن الدولة ، واهم ممثل له العلمانية.وقد ربطت الليبرالية بين المجتمع المدني والعلمانية كمحصله لعوامل فكريه وتاريخية متفاعلة.وأن ربط المجتمع المدني بالعلمانية في مجتمع اسلامى هو يؤدى إلى القول بان شرط قيام مجتمع مدني في المجتمعات المسلمة هو التغريب .
الحل الثالث: الاسلامى: يقوم على أن علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل)، فهي علاقة وحده(لا خلط) لان السلطة في الإسلام مقيده بالقواعد –الأصول،كما أنها علاقة تمييز( لا فصل)لان الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم التوحيد .والقواعد –الفروع التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا،والتي محلها الفقه في الإسلام ،والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم الاستخلاف. وانه بناءا على ما سبق فان مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي إلاسلامى يستند إلى إسناد السلطة الدينية أو الروحية إلى الجماعة بموجب الاستخلاف العام للجماعة وانه لا ينفرد بها دونها فرد أو فئة .
التعددية: من المقومات الاساسيه الايجابية للمجتمع المدني الإقرار بالتعددية، و التصور الإسلامي يقر بالتعددية استنادا إلي مفهوم الوسطية الذي يقوم على الجمع بين الوحدة والتعدد،فعلى المستوى التكويني يقرر الإسلام التعدد كسنه إلهيه ،وعلى المستوى التكليفي يقر الإسلام تعدد الشرائع.وانه على هذا الوجه أباح الإسلام التعددية.. أي أن الإباحة هنا مشروطة بعدم مخالفه أو عدم الاتفاق على مخالفه القواعد الأصول .
فرض الكفاية: من المقومات الأساسية للمجتمع المدني التطوعية وعدم استهداف الربح وهو ما يتسق مع كثير من المفاهيم الإسلامية كمفهوم الإنفاق في سبيل الله.وكذلك مفهوم فرض الكفاية أو الواجب الكفائى. وتعريفه أنه ( الفعل الذي يريد الشارع تعالى حصوله “من مجموع المكلفين” من غير نظر إلى من يقوم به على وجه التعيين).
مفهوم المواطنة في الإسلام: إن المجتمع المدني يستند إلى مفهوم المواطنة ويتجاوز روابط وحده الأصل و الدم (الأسرة والعشيرة والقبيلة). و الإسلام برفضه للعصبية كان يكرس لتجاوز هذا الأطوار إلى طور أعلى هو طور الأمة الذي يتميز بان مناط الانتماء اللّسان لا النسب” إلا أن العربية اللسان.. “و الديـار: أي الأرض الخاصة؛ لذا نهى القران عن إخراج الناس من ديارهم. والوثيقة المسماة الصحيفة كانت بمثابة دستور وطبقا لها نشأت علاقة انتماء جديدة ،علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن) فترقى العلاقة الجديدة بالناس جميعا(أهل الصحيفة) إلى ما فوق الطور القبلي .كما أن الإسلام لم يحرم غير المسلمين من حق المواطنة ، ففي المدينة المنورة و في ظل الصحيفة تكون “شعب” تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين(المسلمين أمه واليهود أمه) ولكن يتوحد الناس فيه (مع اختلاف الدين) في علاقة انتماء إلى ارض مشتركه ( وطن). ومرجع ذلك أن الإسلام يميز (ولا يفصل) بين:أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي ,وأمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي(وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة ).ويجعل العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض وإلغاء، فالأولى تحدد الثانية فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها. فالإسلام لا يلغى الوطنية يما هي علاقة انتماء إلى وطن، أو القومية بما هي علاقة انتماء إلى أمه بل يحددها فيكملها ويغنيها.
المجتمع المدني والتاريخ الإسلامي:وقد ظهر في تاريخ المجتمعات المسلمة العديد من التنظيمات التطوعية، التي لا تستهدف الربح ، و التي تمتعت بقدر من الاستقلال عن الدولة ، والتي يمكن اعتبارها نواه لمؤسسات المجتمع المدني الإسلامي اتفقت مع واقع المجتمعات المسلمة في ذلك الزمان والمكان ،ويمكن تطويرها بما يتفق مع الواقع المعاصر لهذه المجتمعات.كالأوقاف و نقابات الحرف والصنائع و جماعات العلماء والقضاة وأهل الإفتاء ونقابات التجار و المساجد و الطرق الصوفية و الفرق الكلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.