خصائص السلطة السياسة لدى ميكافيللي وابن خلدون

أدبيات الماوردي وأثرها في الفكر السياسي
30 أغسطس، 2016
الحركة الإسلامية الحديثة في السودان ومسألة التغيير الاجتماعي
30 أغسطس، 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
الدائرة الفلسفية
ورشة العقد الاجتماعي
خصائص السلطة السياسة لدى ميكافيللي وابن خلدون:
أخلاق السلطة وسلطة الأخلاق
د. فائز عمر محمد جامع
خصائص السلطة السياسية لدى ميكافيللي
وابن خلدون: أخلاق السلطة وسلطة الأخلاق
د. فائز عمر محمد جامع
تمهيد:
هذه دراسة في أدبيات الفكر السياسي الكلاسيكية تفحص في نظريات سادت في منطقة البحر المتوسط أو “بحر الروم” حوالي القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، عبر اثنين من الأعلام والمنظرين الذين وجدوا اهتماماً واسعاً في العصور الأخيرة. بينما ينتمي أحدهما إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط ينتمي الآخر إلى الضفة الجنوبية منه. والحق أن البحر المتوسط يعتبر “بحيرة حضارات” بمعنى أنه منطقة جذب حضاري. وعلى كثرة ما كُتب عن هذين العملين “الأمير” لميكافيللي و”المقدمة” لابن خلدون إلا أن “السلطة” التي ما زال يتمتع بها العملان على الأدبيات السياسية عبر هذه القرون تنهض مبرراً لهذه الدراسة. ذلك أن لكليهما شهرة وتداول واسعين ليس على نطاق البحر المتوسط وحده ولكنها أوسع من ذلك بكثير ما ينهض دليلاً على نظرية الجاذبية الحضارية للبحر المتوسط من بين بحار الأرض ويابستها.
تنظر الورقة إلى العملين مركزةً على الرؤى والمفاهيم والخصائص المبثوثة فيهما حول السلطة السياسية في قراءة ربما تفسِّر لنا الكثير مما نعيشه في الممارسات والتطبيقات السياسية المعاصرة لا سيما عند ميكافيللي في مؤلفه “الأمير” الذي كثيراً ما يشار إليه ويستشهد به ولكنه قليلاً ما يقرأ –رغم صغر حجمه- وقد عَلِقَ به بسبب من ذلك الكثير من الأوصاف السلبية، ولكنه كما سيتضح مجرد وصايا ونصائح لسياسي فقد مواقعه ومناصبه في بلد تحكمه دويلات مدن صغيرة ضعيفة تفتقد إلى الوحدة ما جعلها هدفاً للغزاة والطامعين من القوى العظمى وقتها فرنسا وأسبانيا.
جلس هذا الأخير في منفاه وسطر أشواقه إلى القوة على يد “أمير” لا تعجزه وسيلة في الحصول عليها. فهو قد طرح بكثافة قضايا حول “أخلاق السلطة” في مقابل “سلطة الأخلاق” على الحكام من خلال نظرة لا تقيم وزناً كبيراً للدين وسلطته في روما البابوية على مقربة منه. أما ابن خلدون والذي طرح قضاياه عبر فلسفة تاريخية منطلقة من تجربة المنطقة العربية الإسلامية ودويلاتها الآفلة لا سيما في المغرب والأندلس فهو قد جعل “للقوة” الدور الأوحد في تأسيس السلطة السياسية للدول عندما بتحدث عن التغلب والتملك. على الرغم من أن ابن خلدون يعتبر من فقهاء الدين غير أنه لم يجعل العقيدة الدينية المحور الأساسي في تكوين السلطة السياسية بقدر ما جعلها للقومية والعصبية وقد جلس هذا الأخير أيضاً في منفاه بالجزائر يتأمل في تاريخ العرب والعجم والبربر قبل ستة قرون وسطَّر أهم مصادر الفلسفة التاريخية تأثيراً في الفكر الإنساني لا سيما العربي.
البحر المتوسط بحيرة الحضارات:
أما كون البحر المتوسط منطقة “جذب حضاري” فهو ما تشهد به الحضارات والأمبراطوريات الكبرى التي قامت على ضفافه. إن نشأة الحضارة الإغريقية النظرية والفلسفية في المنطقة والتي ورثها الرومان فأسسوا عليها أمبراطورية هي الأقوى في العالم ذلك الزمان على مدى أكثر من ألف عام في الضفة الشمالية منه، والتي ما إن ذبلت وتلاشت حتى قامت على الضفة الشرقية منه ابتداءً من القرن السابع الدولة الإسلامية الأولى التي انطلقت من الجزيرة العربية إلى الشام والشمال الأفريقي حتى طوَّقت البحر المتوسط من جميع أطرافه، وما أن ذبلت هذه الدولة وتفرقت أواخر العهد العباسي حتى قامت على أنقاضها الأمبراطورية التركية التي طوقت البحر شماله، جنوبه وشرقه ابتداءً من القرن الرابع عشر حتى الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين.
إن هذا التعاقب والتداخل بين الكيانات الكبرى والتي حكمت المنطقة وما حدث جراء ذلك وأثناءه من هجرات وفتوحات وحروب عرقية ودينية بين شعوب هذه المنطقة لا بد أن له انعكاسه على إنسان المنطقة ومما لا شك فيه أن تاريخ العالم قد تأثر أيما تأثير انطلاقاً من هذه المنطقة حوض المتوسط لا سيما عبر الاكتشافات العلمية والرحلات الكشفية والحملات الاستعمارية التي شكَّلت المحرك الأكثر فاعلية في مسيرة تاريخ الأمم والشعوب عبر الجزء الأكبر من تاريخ العالم.
على الضفاف الشرقية للمتوسط نزلت الديانات السماوية الكبرى. تفاعلت اليهودية في المنطقة، وانطلقت المسيحية من فلسطين والناصرة مولد المسيح وانطلقت عبر الضفة الشمالية للبحر المتوسط فاعتنقتها الأمبراطورية الرومانية بعد أربعة قرون من ميلاد المسيح في تطور تاريخ المسيحية في العالم. وبعد سبعة قرون من ميلاد المسيح انداح الإسلام كقوى عظمى حتى أشرقت الأرض بنوره في مشارقها ومغاربها على أن أثره الباقي ظل على مدى الأربعة عشر قرناً الأخيرة منطلقاً من الضفاف الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط.
فكأنما الإسلام والمسيحية يحيطان به من كل مكان. ولا يَظُنَنَّ ظان أن الضفة الجنوبية للبحر هي عالة على ضفته الشمالية مساهمةً في الحضارة الإنسانية، فالحضارة المصرية التي تمتد إلى أكثر من ألفي عام قبل ميلاد المسيح كان على صلة بها كبار الفلاسفة الإغريق الذين زاروا مصر التي شهدت من بعد ذلك قيام أحد الممالك الهلينية البطالة. وقد تجلّت العبقرية الكبرى لشعوب المتوسط العربية والتي هاجرت في العصر الإسلامي إلى أوروبا وكونت الأندلس كمساهمة نوعية علمية في تخصيب النهضة الأوربية وتبديد ظلاميات قرونها الوسطى والتي –أي النهضة الأوروبية- اتخذت من إيطاليا مركز إشعاع سطع على العالم بأسره. والتخصيب الإسلامي نفسه كان مشبّعاً بأفضل ما في حضارات الشرق الفارسي والهندي… التي كانت فاعلة في أو قبل القرن السابع. أما الفرس الذين اعتنقوا الإسلام فقد شادوا حضارة نافست الإغريق في زمانهم ونازلتهم عسكرياً في حروب شهيرة، تفاعلت هذه الخبرة مع إسلامهم فبنوا له مجداً طال حتى الشمال الأوروبي في النمسا.
هذا ربما يمثل بعض جوانب الواقع الحضاري للمنطقة المتوسطية في حقب مختلفة تمثل المنطقة التي أنتجت العملين الذين ستناقشهما هذه الورقة. وهي –أو الورقة لا تقول أن المنطقة تمثل وحدة حضارية متماسكة بقدر ما تقول أنها –أي المنطقة- قد تعرضت لخبرات تاريخية جعلت منها المنطقة الأكثر تأثيراً على الأحداث التي شكَّلت تاريخ العالم حتى القرون الثلاثة الأخيرة. وهناك من رفض نظرية الوحدة الحضارية على أساس من رفض مبدئي لمصطلحات سياسية مثل “الشرق الأوسط” أو “الشرق الدنى” نظراً لارتباطاتها بمرجعيات غربية لا تخلو من نزعة نحو تكريس “مركزية الحضارة الغربية” في تاريخ العالم، تذهب ذات النظرية عوضاً عن ذلك إلى الحديث عن “دائرة حضارية” ذات اتصالية جغرافية واضحة تشمل الحوض الشرقي المتوسط اليونان وآسيا الصغرى والشام والرافدين ووادي النيل والشمال الأفريقي فيما يمكن تسمية الدائرة الإسلامية نسبة للأصول اللغوية الأرية والسامية التي سكنتها وتفاعلت فيما بينها داخل المنطقة .
الدولة والأمبراطورية في العصور الوسطى:
ربما كان من الأوفق بين يدي الحديث عن السلطة السياسية لدى ميكافيللي وابن خلدون النظر إلى التجارب العملية في الدول والأمبراطوريات التي شكَّلت مصدر الإلهام للمنظرين والعلماء في حقبة العصور الوسطى الأوروبية. والتي تراوحت في ذلك الزمان بين مفهومي دولة –المدينة في الخبرة اليونانية إلى مفهوم الأمبراطورية في العهد الروماني والذي بنهايته ظهر نظام الخلافة في الجزيرة العربية والذي اتصل امتداده الأكبر من الأمبراطورية العثمانية التي حكمت أجزاء واسعة من أوروبا الشرقية والجنوبية علاوة على امتداداتها في أفريقيا الشمالية والشرقية. والأخيرة هي التجربة التي أشار إليها ميكافيللي أكثر من مرة في كتابه “الأمير”. اما التجارب بين يدي ابن خلدون فتتركز بصفة أساسية على المنطقة العربية في مشرقها ومغربها علاوة على الإرث الفلسفي والنظري الكبير في الصين والهند الذي كانت له إسهامات مهمة في المعرفة البشرية استفادت منه أوروبا القديمة عبر شعوب الرافدين من الفينيقيين والأشوريين ونحوهما لا بد أن ابن خلدون ملم ولو بطرف من هذا.
ثمة مكونات نظرية أخرى ربما شكَّلت تأثيراً على المناخ الذي سطر فيه ميكافيللي مؤلفه الشهير، منها مؤلفات أرسطو لا سيما كتابه “السياسة” وهو ينحو فيه منحىً عملياً في تناوله للقضايا السياسية خلافاً لصاحبه أفلاطون ذو النزعة الفلسفية التأملية. أما سليل الأمبراطورية الرومانية ميكافيللي فكأنما ورث عنها قدرتها العالية على ترجمة الأفكار السياسية إلى نظم وقوانين قابلة للتطبيق.
ومؤلف ابن خلدون “المقدمة” كتبه صاحبه بعد تجربة طويلة في العمل السياسي “البلاطي” في الأندلس والمغرب ومصر فهو قريب إذن من تجارب “المرابطين” و”الموحدين” و”الأغالبة” و”الأدارسة” في المغرب العربي. نظر إلى كل هذه التجارب وسطر كتاباً أشبه بالموسوعة في التاريخ والاقتصاد والثقافة والجغرافيا والفلك والتنجيم والتعليم. إما السياسة فهي تمثل باباً واحداً من بين نيف وثلاثين كتاباً. والمفاهيم التي تناقشها هذه الورقة في باب السياسة تقع في نحو ثلاثمائة صفحة في كتاب المقدمة تمثل ثلاثة أضعاف مؤلف ميكافيللي “الأمير”. على أن ابن خلدون يبدو ذو معرفة وإلمام واسِعَيْن بجغرافيا العالم وتاريخه ما دفعنا أن نستشعر ثمة وشيجه بين نظريته حول “أطوار الدولة” وبين الميراث الفلسفي الهندي في الشرق لا سيما في نظرته للتاريخ، فيما يحويه سفراً “المهابهارتا” و”اليورنات” في إشارتها إلى دورانية التاريخ الذي تحتوي فيه كل دورة على أربع “يوجات” أي عصور. فالعصر الأول الذهبي وفيه كل شيء بالغ الكمال، العصر الثاني “التريتا” والذي تصاب فيه الفضيلة بانحطاط، العصر الثالث “الدقابار” تنتشر فيه الأمراض والخطايا وتزداد المراسم الظاهرية وتُصاغ القوانين، العصر الرابع “الكالي” وهو أسفل درك في الدورة تتسلط فيه الآلام ويهمل الدين . أما اليوناني يوليبوس –القرن الأول قبل الميلاد- فكان قد استعرض قيام دول الرومان وتوقع سقوطها اقتناعاً منه بوجود طبيعة دورية في التاريخ وهو السبيل الذي رسمته الطبيعة والذي به تتغير الدساتير وتختفي ثم تعود إلى النقطة التي بها بدأت.
الآداب السلطانية:
المقصود بالآداب السلطانية مؤلفات الفكر السياسي التي أُنجزت في المنطقة العربية والإسلامية ابتداءاً من العصر العباسي وبعد أن تحولت الخلافة إلى ملك عضود وسلطان مطلق لسان حاله يستلهم التراث السياسي الفارسي واليوناني المترجم علاوة على التجربة العربية الإسلامية القصيرة نسبياً. حملت هذه الآداب كل هذه المكونات وأضافت إليها الأسس الشرعية التي يتوقع أن يتوخاها الحاكم لعلم انطلاقاً من عقيدته.
تركز هذه الأدبيات على نصيحة الملوك والأمراء والخلفاء فيما يجب أن يتحلوا به من أخلاق ومعاملات ومظهر وسلوك مع الرعية والحاشية وكيفية اختيار الوزراء والولاة والخدم حتى يمكن أن ينصلح أمر الحكم فيدوم. يذهب في ذلك د. عز الدين علام إلى أن هذه الأدبيات:
“… في عرضها لنصائحها الهادفة إلى تقوية السلطان ودوام الملك تتبع هذه الأدبيات منهجية أو لنقل تصوراً عملياً براجماتياً يجعل منها في النهاية فكراً سياسياً “أداتياً” Instrumental لا يطمح إلى التنظير بقدر ما يعتمد التجربة … وهي كلها أمور تجعل من الآداب السلطانية ثقافة سياسية مميزة عما عرفته الرقعة العربية الإسلامية من ثقافات …” . كما أن الجابري باعتباره مهتماً بالتراث الفلسفي والسياسي في المنطقة العربية الإسلامية كان يرى أن:
” … الأيديولوجيا السلطانية في الثقافة العربية منقولة في معظمها عن الأدبيات السياسية الفارسية وأن ابن المقفع وهو فارسي الأصل أول من دشن القول في هذا الباب … ومن مبررات هذا النقل هو أن أوضاع المجتمع العربي في العصر العباسي كانت تتطور في نفس الاتجاه الذي كانت تتطور فيه أوضاع المجتمع الفارسي من قبل ذلك عبر انتقاله من دولة الدعوة والخلافة إلى دولة السياسة والسلطان …”
وباستعراض نماذج من عناوين هذه المؤلفات يتضح مضمون النصيحة المسيطر على مؤلفيها:
1.الماوردي 450 هـ “تسهيل النظر وتعجيل الظفر” .
2.الطرطوشي 520 هـ “سراج الملوك”.
3. ابن رضوان 520 هـ “الشهب اللامعة في السياسة النافعة …”.
4.أبو حمد الزياتي 791 هـ “واسطة السلوك في سياسة الملوك”.
5.أبو حامد الغزالي “التبر المسبوك في نصيحة الملوك”.
تدور كل هذه العناوين حول مضامين النصيحة والتدبير والتهذيب إسداء النصح وتقديم دليل عملي يُعِيْن الحاكم السلطاني على ممارسة سلطاته بكفاءة عالية. أما عهد “أردشير” الذي لا يكاد يخلو كتاب سلطاني من الاستشهاد به فهو مؤلف تراثي ينتمي إلى الحضارة الفارسية. وقد انبرى عدد من الباحثين والعلماء المعاصرين لتحقيق هذه الآداب وأصدروا فيها وحولها دراسات قيِّمة نذكر من هؤلاء عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، علي أومليل، عزيز العظمة، عبد الرحمن بدوي، رضوان السيد، عبد الواحد الوافي …الخ. وإذا كانت الفكرة الأساسية أو الأيديلوجيا كما سماها الجابري التي تستند عليها هذه الأدبيات هي طرائق استدامة الملك والسلطان عبر النصائح والإرشادات من شتى المصادر بما فيها الدين، فإن هذا الأمر يختلف اختلافاً جذرياً عما عليه بن خلدون الذي ظل يؤمن بان السلطة السياسية تتأسس حتماً على العصبية وأن الدولة محكومة بعمر زمني لا تبارحه كما أن للإنسان أجل زمني لا يستطيع منه فكاكاً. وعليه فإن هذه الحتمية التاريخية لا يجدي معها فتيلاً أية نصيحة أو إصلاح أو تدبير ” إن الهِرَم لا يرتفع ” ولم ينشغل ابن خلدون أصلاً بهذه المسائل، ولذلك اعتبر بعض الباحثين أن ابن خلدون كان ناقداً للفكر السياسي السلطاني الذي يسعى إلى الإصلاح والتدبير. بل أنه لا يرى مكاناً للنصيحة أو حتى الشورى في دولة العصبية والشوكة والغلبة في هذا الخصوص يذهب إلى القول:
” … وقد قال صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء وأعلم أن ذلك ليس كما ظنه وحكم الملك أو السلطان إنما يجري على ما تقتضيه طبيعة العمران وإلا كان بعيداً عن السياسة. فطبيعة العمران لا تقضي لهم شيئاً من ذلك. لأن الشورى والحل والعقد لا تكون إلا لصاحب عصبية يقتدر بها على حل وعقد أو فعل أو ترك. إما ما لا عصبية له فلا يملك من أمر نفسه شيئاً إلا من حمايتها إنما هو عال على غيره. فأي مدخل في الشورى أو أي معنى يدعو إلى اعتباره فيها، اللهم إلا شوراه فيما يعلمه من الأحكام الشرعية فموجودة في الاستفتاء خاصة. وإما شوراه في السياسة فهو يبعد عنها لفقدانه العصبية …” .
وعليه فإن النظرة الخلدونية في رفض أدب النصيحة السلطانية أو حتى شورى الحاكم هذه النظرة متسقة مع نظريته التي ترى أن للدول أعمار كما للإنسان و”أن الهرم إذا نزل بالدولة فإنه لا يرتفع ” كأنه حتماً مقضياً لا تنفع معه حيلة أو شفاء. خلافاً لما سعت الآداب السلطانية لتحقيقه – أي جلب الشفاء أو امتناع الهرم من النزول. هذا التناقض بين الأدباء السلطانيين وابن خلدون يجعلهم في خانة اتفاق مع الأديب السلطاني الأوربي ميكافيللي الذي الذي وظَّف قدراته وخبراته ووضعها بين يدي “لورترو العظيم” لأجل أن يتجنب سيرة الأمراء الفاشلين من الذين فقدوا سلطانهم بسبب الضعف أو قلة الحيلة. وعلى الرغم من أن الأديب السلطاني الأوروبي ميكافيللي لا يرى للأخلاق سلطان على تصرفات الأمير الذي يسعى للنجاح في ملكه، فإن الأديب السلطاني العربي تسيطر عليه نزعة دمجهما. هذا “الاختلاف الجوهري” لا ينفي “التشابه الشكلي” بينهما في مقابل ابن خلدون الذي يحتفظ عنهما بنفس المسافة.
أنظر كيف يختتم ميكافيللي مؤلفه وهو يُثمّنُ وصاياه وجدواها:
” … وإذا تطلعتم فاتبعتم ما في هذا الكتاب فستدركون أن رغبتي العارمة تقوم في أن أراكم تصلون إلى تلك العظمة التي تؤهلكم لها مواهبكم الشخصية وسعد طالعكم….” . وثمة اتفاق آخر بين الأخير والأدباء السلطانيين يتمثل في الموقف من العامة أو الناس أو الرعية. إن رأي ميكافيللي ينطلق من موقف فلسفي مفاده أن الناس بطبيعتهم أشرار وخبثاء “ناكرو جميل، متقلِّبون، مراؤون ميّالون إلى تجنب الأخطار، شديدو الطمع وهم إلى جانبك طالما أنك تفيدهم” .. وهذا الموقف قد عززه من بعد ذلك توماس هوبز في القرن السابع عشر. وربما كان ميكافيللي متسقاً في ذلك مع الإرث الثقافي الروماني بمرجعيته اليونانية التي تتميز فيها الحياة الاجتماعية بطبقية حادة … حتى أن الذين يحق لهم المشاركة السياسية لا بد أن يكونوا من الأحرار من غير العبيد، الذكور من دون النساء، المواطنين من غير الغرباء، الراشدين من دون الأطفال. والجدير بالملاحظة أن موقف ميكافيللي من العامة وطبائعهم ليس بعيداً عن نظرة الأدباء السلطانيين إلى الرعية والتي صوروها باحتقار شديد ووصفوها بكل النقائص يظهر ذلك من جملة المسميات المترادفات .. الدهماء … الغوغاء… العوام … الرعاع مع ذلك فهي التي منها يتكون الجند وتدفع المال وتقيم العمران .. والنتيجة أنه بفضل ذلك كله وليس غيره يستقر السلطان. وهي –أي الرعية- في حاجة دائمة إلى وصاية ورعاية وأمان وأبوية ورعاية السلطان .. وهي من بعد ذلك محل الترغيب والترهيب كآليات في إحسان القيادة من طرف السلطان وسياسة الرعية … هذه ربما جملة الصورة التي رسمها “السلطانيون” في أدبياتهم وهم يعالجون النصيحة إلى الأمير والسلطان … ولكن ما هي مرجعية هذه الصورة … وإلام تستند … وما هو موقعها من صورة الرعية على العهد النبوي … والخلافة الراشدة. هل الرعية التي يصورها السلطانيون بهذه الصفات المستحقرة يمكن أن تكون من الأهلية … ما يجعلها طرفاً في عقد البيعة الشرعية؟! التي هي العهد المُؤَسِسْ للسلطة السياسية بين الأمة وراعيها. أنظر إلى كلمات الخليفة الأول أبو بكر الصديق وهو يخاطب المجتمع المدني الذي بايعه على الخلافة:
“…. أما بعد فقد وُلِيْتُ عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقو
موني … أطيعوني ما أطعت الله ورسوله .. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم …” .
هل الرعية التي خاطبها الخليفة الأول لا تمت بصلة إلى مفهوم الرعية في الأدب السلطاني الذي وصفها بالأوصاف المذكورة. وهل تستطيع مثل هذه الرعية أن تُسائل الخليفة عمر عن ثوب كان يرتديه فيه زيادة عن ما تم توزيعه بينهم فأضطر إلى بيان أن الزيادة مصدرها نصيب ابنه عبد الله في القصة المشهورة…. أو أن تُراجع الخليفة عمر امرأة في منبرٍ عام “المسجد” في مسألة من المسائل … إن تتماثل مع الصورة التي ابتدعها السلطانيون لرعية هي أشبه بقطيع مفتقر إلى الراعي. وهذا ربما يُعَزز ما أورد البعض عن المرجعية الفارسية وغيرها المترجمة إلى العربية لهذه الآداب ومنها “التبر المسبوك” للغزالي الذي ذكر في مقدمته أنه استجاب لطلب من سألوه أن يترجم إليهم الكتاب من الفارسية إلى العربية ويقول “… وامتثلت لذلك ونقلته على ترتيبه وصورته ولم أُغير شيئاً من وضع الكتاب …” .
السلطة السياسية لدى ابن خلدون:
سبق أن ذكرنا أن “المقدمة” هي موسوعة علمية لجملة واسعة من العلوم على الرغم من أنها اشتهرت عند العلماء بانها عمل تاريخي أو كما أراد لها صاحبها. فقد وصفها أرتولد توينبي أحد أشهر مؤرخي القرن العشرين الغربيين:
” A philosophy of history which is undoubtedly the greatest work of kind that has yet ever been created by any mind in any time or place…”
وقد وصفته دائرة المعارف البريطانية بأنه المؤرخ العربي الذي نظريته في فلسفة التاريخ غير مرتبطة بالدين يقولها ” … The greatest Arab historian, who developed one of the earliest non- religious philosophies of history …”
وقد كُتبت عشرات الكتب حول “المقدمة” رصد منها د. علي عبد الواحد وافي وحده 66 “ست وستون” مؤلفاً باللغة العربية وأكثر من 6 مؤلفات بلغات أخرى تشمل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وعدد من رسائل الدكتوراة والماجستير أبرزها رسالة د. طه حسين باللغة الفرنسية “الفلسفة الاجتماعية لابن خلدون …” ورسالة د. حمد عابد الجابري “العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ العربي الإسلامي ….” . أن صِيْت “المقدمة” وشهرتها قد طَبّقت الآفاق ولا أكاد أعلم في حدود اطلاعي مؤلفاً لقى حظاً من الدراسة والاهتمام مثلما لقيه هذا العمل العلمي. ولست في حاجة إلى أن أذكر الظروف التي أُنجز فيها هذا العمل، فسيرة ابن خلدون مبذولة في عدد وافر من المراجع والدراسات. غير أنه من الضروري بمكان أن نشير إلى أن هذا العمل قد سطره المؤلف وهو في منفاه في قلعة بني سلامة في الجزائر أواخر القرن الرابع عشر الهجري 1375هـ فهو أن جاز لي أسميه من أدب المنافي، وليس مصادفة بالطبع أن ينجز ميكافيللي بعد قرن من الزمان على الضفة الشمالية للمتوسط كتابه “الأمير” في منفاه خارج فلورنسا بإيطاليا أوائل القرن السادس عشر الميلادي 1513م.
أراد ابن خلدون أن يجعل لنفسه منهجاً في التعامل مع التاريخ يختلف عن ما كان عليه سابقيه، لا سيما المسعودي الطرطوشي، الطبري، ابن إسحق، الذين أخذ عليهم تشيّعهم للآراء والمذاهب مع عدم المقدرة على فحص صحة الوقائع والأخبار عند روايتها. فهو قد استخدم الاستقراء منهجاً في التعامل مع التاريخ ويذهب في ذلك د. محمد المجذوب إلى أنه –أي ابن خلدون- فعل بالتاريخ ما فعل أرسطو بالمنطق . فقد كان معنياً بتفسير الحدث التاريخي وظروفه وملابسته أكثر من عنايته بما يجب أن يكون فهو بذلك أقرب إلى الواقعية منه إلى أي شيء آخر وقد بنى وفق هذا المنهج نظريته حول “أطوار الدولة” قاصداً بها المراحل التي تمر بها الدول منذ قيامها حتى السقوط والنهاية. وهو يعرفها أي الدولة باعتبارها الامتداد الزماني والمكاني لحكم عصبية ما، فهي إما “دولة خاصة” أن حكم قبيلة واحدة أو “دولة عامة” تتألف من عدد من الدول الخاصة. ولم يهتم ابن خلدون كثيراً بالنموذج النبوي للدولة في المدنية أو نماذج حكومات الخلفاء الراشدين التي يعتبرها جميعاً من “خوارق العادات” … بمعنى أن التأييد والنصر الذي لازم دولة الرسول والخلفاء جعلها خارج إطار العمران وقوانينه ومن ثم التاريخ والاجتماع. فهذا الذي ربما دفع بعدد من الدارسين الغربيين إلى وصف أعمال ابن خلدون بأنها Non- religious غير دينية. والحق وهو من كبار فقهاء المالكية وقد ولى رئاسة القضاء المالكي بمصر. قد عالج قضايا فقهية مهمة في “المقدمة” مثل الخلافة والبيعة والفتيا والقضاء والحسبة وما إلى ذلك مما يعتبره الناس من مادة السياسة الشرعية التي اشتهر بها ابن تيمية وغيره. وعليه فإن تاريخ الدولة الإسلامية الخاضع لقوانين العمران لا يبدأ بالنسبة إليه إلا بعد نهاية دولة الخلافة الراشدة أي ابتداءً من دولة بني أُميّة.
أما إذا سألنا ابن خلدون عن الكيفية التي بها تتأسس السلطة السياسية في الدولة بحسب التاريخ الذي عالجه في الإطار العربي في مرحلته الإسلامية؟! وهل البيعة هي عقد مُؤَسِس .. أم أنها أحد مكونات هذا التأسيس .. الجواب الخلدوني على ذلك سيحمل مفهوم وطبيعة السلطة كما يراها في ذلك العهد ذلك أنه لم ير في البيعة أنها “عقد” وإنما رآها “عهد بالطاعة” وهو في ذلك متسق مع نظرته إلى العصبية باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه السلطة. وإلا فلا بيعة ولا سلطة لمن لا عصبية له. وعليه فإن السلطة تتأسس على شرعية مستمدة من عصبية قادرة على “التغلب” والملك … أما العصبية المقصودة فقد فسرها عدد من الدارسين آخرهم ربما د. حمد جابر الأنصاري في مؤلفه الأخير باعتبارها “الرابطة القومية” وهي بالطبع مؤهلة لأن تكون مُحرِك قوي وأساسي في تاريخ الدول والشعوب. وهنا يقترب ابن خلدون من الأدباء السلطانيين في تصوراتهم لسلطة الخليفة أو الملك وعلاقته ببقية مكونات دولته من الحاشية والرعية، وهي علاقة تحكَّم وتملّك وهو وضع وقف أمامه ابن خلدون مفسراً لا ناقداً ولا ناصحاً.
أما المحور الأكثر أهمية في النظرية الخلدونية فقد جاء في الفصل بعنوان “أطوار الدولة واختلاف أحوالها …” فكأنما تحدث فيه عن أطوار الحاكم أو الأمير الذي استولى على الملك وانتزعه من أيدي الدولة السالفة وليس على كل أطوار دولة … ذلك أنه يكون في الطور الأول في قمة مجده وقوته “طور الظفر بالبغية” في هذا الطور لا ينفرد الحاكم دون قومه الذين أوصلوه للحكم بشيء. وأنه في الطور الثاني يبدأ بعد استقرار الأمور إليه الاستبداد على قومه والتخلص منهم واصطناع الموالي والأعوان. وأنه في الطور الثالث وهو في مرحلة الفراغ والدعة يقطف ثمرات الملك ويظهر الأبهة والقوة. وأنه في الطور الرابع وهو طور القنوع والمسالمة وهو طور الجمود على ما تم وحذو آثار الماضين من سلفه. أما الطور الخامس فيصبح فيه الحاكم مبذراً ومتلفاً للأموال في الشهوات والملاذ فيحصل الهرم في الدولة والذي ليس معه برءٌ إلى أن تنقرض الدولة.
الملاحظة أن الأطوار هي أطوار الحاكم الفرد القائد القومي الذي غالباً ما يستولى على الحكم وينتزعه انتزاعاً مستنداً على قوة عشيرته وعصبيته. وأن الأطوار تتشكل بحسب قرب أو بعد العشيرة عن الحاكم الفرد. فكأنما كان يشير إلى نموذج الدولة العباسية التي انتزعت الملك من الأمويين وهم من بطون قريش فظفرت وتغلبت وازدهرت ثم بَلِيت وهَرُمتْ وفق دورة حياة الدول التي رآها. كما ويمكن تطبيق النموذج على دولتي الموحدين والمرابطين والدويلات الأموية في الأندلس. ولعل المفهوم المركزي في هذه المنظومة الخلدونية هو مفهوم الغلبة والانتزاع والاستفراد بالقوة في نظريته لنشأة الدول وسقوطها، ومنها يقترب ابن خلدون من السلطانيين الذين سبقوه من الذين صوروا الخليفة باعتباره ظل الله في الأرض، وكذلك يقترب منه ميكافيللي الذي جاء بعده بقرن من الزمان.
وإن كان ثمة ما يُقال في الحديث عن الخلدونية فإنه من الصعب مقايستها على المفاهيم السياسية المعاصرة حول السلطة وخصائصها وعلاقتها الداخلية وداينمياتها، بل الأوفق أن تقايس على مفاهيم عصرها الذي هو عهد الأمبراطوريات في القرون الوسطى لأنها تمثل الثقافة الملهمة للعلماء والمفكرين الذين لا يملّون الحديث عن عبقرية المكان وكذلك الزمان. والأصح من ذلك هو قراءة الفكر الخلدوني على خلفية التجربة الحضارية للضفة الشرقية والجنوبية للمنطقة المتوسطية وحتى الغربية منه أي الدولة العربية في حقبتها الإسلامية. ذلك أن ابن خلدون نفسه لم يطمح إلى أن يضع نظرية يمكن أن تطبّق على منطق أبعد من المنطق التي أشار إليها ولا إلى أقوام أبعد من الذين ذكرهم من العرب والعجم والبربر.
ميكافيللي والسلطة السياسية:

نشأ نيكولاي ميكافيللي بفلورنسا – أحد الدويلات الإيطالية منتصف القرن الخامس عشر الميلادي 1469م. كان ناشطاً سياسياً حيث تولى عدة مهام دبلوماسية وتنفيذية في فلورنسا التي كانت تشكل هي وميلان والبندقية وروما البابوية ونابلس دويلات مدن تفتقد إلى الوحدة فيما بينها ما جعلها محطاً لأنظار وأطماع القوى المجاورة لها لا سيما فرنسا وأسبانيا، وكانتا تمثلان قوى عظمى في ذلك الوقت داخل أوروبا. وبعد سلسلة حروب خضعت شبه الجزيرة الإيطالية لهيمنة أسبانيا وقفت أمامها الدويلات الضعيفة فاقدة للحيلة عاجزة عن الدفاع عن أراضيها وكرامتها ما جعل ميكافيللي يشعر بالأسى والحسرة على عجز بني جلدته الوقوف أمام غزو البرابرة كما أسماهم. فمن رحم هذه المعاناة القومية والشخصية تولّدت في عقل هذا الفلورنسي أفكاره القومية وأشواقه إلى أمير يُخلّص بلاده من وَهْدتها وعجزها ليحقق أحلامه في وحدة قومية إيطالية تُعِيْرُ أمجاد أقوى أمبراطورية حكمت أطراف البحر المتوسط لما يزيد عن عشرة قرون. ولم ينل الرجل تعليماً نظامياً مناسباً ولكنه استطاع بمثابرته أن يعلِّم نفْسه بنفسه، فتمكن من كتابة عدة مؤلفات أدبية ومسرحية وتاريخية وكتابه “الأمير” الذي كتبه بعد أن طُرِدَ من العمل السياسي بقلورنسا والذي تقلب فيه وذاق أثناءه السجن والتعذيب حيث انتقل إلى مزرعته واتخذها منفى عن العمل العام وعاش فيها مع أسرته حيث وجد الوقت لكتابة كتابه الأشهر “الأمير” 1513م والذي أهداه إلى لورنزو العظيم من أسرة ميرتش والذي ازدهرت فلورنسا في عهده حتى أصبحت المدينة التجارية الأولى في عصر النهضة في أوروبا، ذاخرةٌ بحركة العلماء والفلكيين والفنانين من أمثال ليورنادو دافنشي وغيره في الوقت الذي كان فيه الجغرافي باولو توسكاني يُطوّر خريطةً جديدةً للكرة الأرضية. فلا غرو إذن أن يخرج هذا الفلورنسي من رحم هذا الجو المفعم بالتجارب الناجحة والمريرة الشخصية والقومية وخبرات الهزائم الوطنية التي لم تحجب إبداعات العلماء واكتشافاتهم. وقد اختزن في ذاكرته مرارة الشعور بعجز أبناء الأمبراطورية الرومانية الذين تمكنوا في يوم من الأيام السيطرة على العالم المتمدن، عجزهم عن استعادة هذا المجد التليد، ما دفعه إلى وصف الأسبان بالبرابرة لا يخفى في ذلك نبرة عنصرية مستبطنة كردة فعل على العار الذي لحق بهم كطليان وأصحاب شرف قديم على الشعوب الأوروبية.
أخلاق السلطة لدى ميكافيللي:
قدم الرجل في كتابه الشهير خلاصة تجاربه العملية في عالم السياسة في العقود التي تولى فيها مهاماً تنفيذية جعلته قريباً من البلاط الفلورنسي وكذا الروماني والفرنسي. وقد سطر هذه الخلاصات في لحظة يأس وهو مُبْعَد عن العمل السياسي وبريق السلطان وامتيازات المستشارية. سطر هذه الخلاصات والتي اعتبرها أغلى ما يملك ملخصاً فيها ما شاهده وعاصره واطلع عليه وتأثر به وأُعْجِبَ به من سير الأباطرة والملوك الأقوياء الفاتحين وختم كتابه بفصل اعتبره بعض المحققين ليس من أصل الكتاب وهو الفصل السادس عشر المفعم باللغة الكاريزمية والشاعرية من نوع الخطب السياسية التي قصد منها إلهاب الحماس والمشاعر وحشدها من أجل تحرير إيطاليا من البرابرة ومنها:
“….. فإن من الضروري في الوقت الحاضر للاعتراف بقوة عبقري إيطالي أن تكون إيطاليا على ما هي عليه من اوضاع راهنة، وأن يكون أهلها مستعبدين أكثر من اليهود ومضطهدين أكثر من الفرس وممزقين أكثر من اليونانيين لا زعيم لهم ولا نظام مغلوبين على أمرهم مسلوبة أموالهم ممزقين وأذلاء وان تكون بلادهم قد احتملت الدمار من كل شكل ونوع …” .
ولمّا كان ميكافيللي كصاحبه ابن خلدون يركز على شخص الأمير/ السلطان فإن التركيز الأشد عنده هو الإجابة على التساؤل حول الكيفية التي بها يتمكن الأمير المحافظة على ملكه بعد أن اغتصبه بالقوة وغلب منافسيه عليه. وخلافاً لصاحب “المقدمة” فإن مؤلف “الأمير” مهتمٌ بما ينبغي عمله لتحقيق هذه الغاية، وذلك بالطبع تجاوباً مع ما كان يجري في إيطاليا مما رآه وعاشه من سقوط الأباطرة بعد اعتلاءهم العروش. وعليه فإن استدامة الملك والسلطان هما شعارا صاحب “الأمير” وهو يكتبه. وهو لا يلتمس في ذلك عون المناصرين أو المؤيدين للسلطان من عامة الناس الذين يعتبرهم بطبيعتهم خبثاء وأنانيون “وهم معك ما دمت مفيداً لهم…” إنما نصيحته الذهبية للأمير هي في اتخاذه جيشاً وطنياً قوياً وليس من المرتزقة كما كانت تفعل الدويلات الإيطالية. ولذلك شدّد على طبقة الجند وأسهب في وصاياه للأمير في الكيفية التي بها يعامل أعوانه ورجال بلاطه وألاّ يترك لأحدٍ منهم مجالاً لتقديم مشورة له أو نصيحة إلا عندما يطلب هو ذلك. ولأن له نظرة خاصة نحو أخلاق السلطة التي يراها شيئاً مختلفاً عن الأخلاق بمعنى الفضائل الإنسانية والتي أسهبت الديانة المسيحية في التبشير بها فهو لم يكن من المؤمنين المتحمسين للمسيحية نفسها ولذلك حظرت روما البابوية تداول كتبه في مرحلة من المراحل.
واقتراباً من قضية أخلاق السلطة هذه هل يمكن أن نسأل كاتب “الأمير” عن الكيفية التي بها تتأسس السلطة السياسية ابتداءاً … غير أننا نلمح رغبته في إعادة صياغة السؤال على الوجه التالي وهو كيف السبيل إلى الوصول إلى مرتبة الأمارة أولاً. لأن الكيفية والسبيل سيحددان الاتجاهات الداخلية للأمراة ومسيرة بناءها الذاتي، مما يستدعي الحديث عن أخلاقيات هذا البناء السلطوي. وهي القضية الجوهرية التي استحوذت على انتباه الجميع حول الرجل، الذي ذهب إلى أن الأخلاق الفاضلة؛ الكرم والسخاء، والوفاء بالعهد، والإيمان هي خصال ينبغي أن يبدو الأمير وكأنه متصف بها وإن لم يكن هو كذلك طالما أن ذلك في مصلحة دولته. ذلك أنه كان يقول إنه:
“… ما دامت الطبيعة على ما هي عليه فإنه لا يمكن أن تتوفر هذه الصفات “جميعاً” في الأمير أي لا يمكن أن يظهرها في وقت واحد. وعلى الأمير ألا يخشى اللوم على الرذائل اللازمة للمحافظة على الدولة …” . وكأنه أراد معالجة هذه القضية من واقع طبيعة النفس البشرية “كما هي” وليس كما “ينبغي أن تكون” على الرغم من ان مدار الحديث في الكتاب كله هو “ما ينبغي أن يكون عليه الحال”. وكأنه هنا يقترب من صاحب “المقدمة” الذي لا ينشغل البتة “بما ينبغي أن يكون” عليه الحال من واقع استمساكه بحتمية تاريخية تحكم دورات وأحوال الدول بأعمار زمنية تماثل أعمار بني البشر.
ويتمادى الرجل في نظرته لأخلاق السلطة حينما يطلب من “الأمير” التعلم من سلوك الإنسان والحيوان معاً. وبما أن الرجل –ميكافيللي- ذو ثقافة ونزعة عسكرية وقتالية فهو دائم التفكير في الأعداء وأنجع السبل للتعامل معهم إن لم يتيسر القضاء عليهم. فنظر إلى سلوك أقوى الحيوانات في الغابة وهو “الأسد”، وأشدها قدرة على المراوغة والمناورة وهو “الثعلب” … محللاً نقاط القوة والضعف في كلا الحالتين. بينما لا تتمكن قوة “الأسد” المادية من أن تتفادى نصب شباك الصائدين له، حيث لا تجدي القوة المادية، فإن حيلة الثعلب وذكاءه لن تسعفانه في دفع قوة الذئاب المادية. وعليه فإن أنجع السبل إذن هي الجمع بين أفضل الخصلتين، بالتالي على الأمير التعامل بالقوة المادية والشدة في المواقع التي لا تنفع فيها الحيلة والذكاء والعكس صحيح. بمعنى أن الأمير ينبغي أن يكون “كالثعلب” و”الأسد” في آن واحد، حتى يتمكن من أن يُحْسِن سياسة دولته وأن يحافظ على ملكه.
لعل هذه هي المحاور الأشد حساسية في هذا الكتاب والتي بموجبها صارت الميكافيلية وصفاً للبراجماتية والانتهازية وما إليها من الأوصاف. بالطبع يمكن أن يفهم الإنسان الظرف المكاني والزماني الذي أطلق فيه الرجل هذا الحديث. ولكن الذي ينظر إلى أخلاق السلطان عبر الدهور يكاد يلمح طرفاً مما يقول به الرجل. وذلك لأن الذي يتولى السلطة تنمو لديه غريزة قوية جداً للاستمساك بها وهي غريزة من القوة بحيث أنها لا بد أن تُشْبَع مهما كلّف ذلك التكاليف. وحيث أن صاحبها سيكون على استعداد للتضحية بكل نفيس وغال لديه في سبيلها … ولحظتها ستكون المباديء والأخلاق والروابط الاجتماعية؛ الأبوة والبنوّة، ورفقة النضال، …الخ مما يمكن يسهل تجاوزه كما عبر عن ذلك ابن خلدون في معالجته للطور الثاني من أطوار تطور الدولة حيث سيتمكن الحاكم من توطيد سلطانه ويبدأ من ثم تعزيز هذا التمكن بالتخلص من رفقاء دربه الذين أوصلوه إلى سدة الحكم. بالطبع عبارات ابن خلدون لا تخلو من غلظة … في الحقيقة قسوة … تكشف عن حقيقة أوردها ميكافيللي عارية كما لم يفعل أحد من قبل. والذي تقول به هذه الورقة هو أن الأخير صوّر الواقع “كما هو” بين يدي رغبته في أن يحيط الأمير المخلّص بما ينبغي أن يكون” وليس غريباً من ثم أن يحتفل موسولين الذي يفصله عن ميكافيللي أربعة قرون وهو الذي وجد إيطاليا التي ندب حظها الأخير دولة موحد
الخلاصـات
-نظرت الورقة إلى منطقة “بحر الروم” باعتبارها منطقة “جذب حضاري” لكونها تعرضت لتجربة تاريخية للحضارات الإغريقية والهلتستية والرومانية والإسلامية على التوالي ما جعل هذه المكونات حاضرة في ماضي وحاضر هذه المنطقة على الرغم من التمايز الكبير الذي شهده التطور التاريخي اللاحق للمنطقة إلى أكثر من حزام حضاري.
-ناقشت هذه الورقة قضايا السلطة السياسية من خلال نصْين يرجعان إلى القرن الرابع عشر “مقدمة” ابن خلدون والقرن الخامس عشر “الأمير” لميكافيللي في محاولة لفحص لهم المفاهيم التي يقدمانها في هذه القضية التي ما زال انشغال الفكر الإنساني بها بارزاً.
-استنطقت الورقة النصين للإجابة على السؤال المركزي حول الكيفية التي بها تتأسس السلطة السياسية ومن ثم العلاقة التي ستنشأ جراء هذا التأسيس … فعلى الرغم من اختلاف المناهج والبيئات، فإن الاستيلاء على السلطة بالقوة والتغلب كانت هي الإجابة العابرة خلال الجزء الأعظم من هذه النصوص.
-إن سلطان الأخلاق على “الأمير” هو مما يستدعي التمييز بين الأخلاق بمعناها التقليدي من حيث هي القيم الفاضلة والنبيلة وبين أخلاق السلطة أو الدولة وهي القضية التي أسس لها ميكافيللي. أما التمييز بين هذين المستويين من الأخلاق فهو الذي تشهد عليه سير الأباطرة والملوك والأمراء منذ زمن طويل إلا من بعض الاستثناءات القليلة في التاريخ.
-إن “المقدمة” و”الأمير” يؤسسان السلطة السياسية على مبدأ القوة “باعتبار ما كان” عند الأول وباعتبار ما ينبغي أن يكون عند الثاني.
الإحالات المرجعية
1.جورج طرابيشي، نظرية العقل، دار الساقي، بيروت 1999م، ص311.
2.التكوين السكاني لدولة مصر المعاصرة يمثل خير تمثيل هذه الفرضية لا سيما مدينة الإسكندرية التي أسسها الإسكندر الأكبر.
3.جورج طرابيشي، مصدر سابق، ص123.
4.أنظر في ذلك:
بكر مصباح تنيره، تطور الفكر السياسي في العصور الوسطى والقديمة، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، ليبيا، 1994 الصفحات 69- 132.
5.البان.ج. ويدجري، التاريخ وكيف يفسرونه من كونفشيوس إلى تويني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م، ص68.
6.المصدر السابق ص115.
7.عز الدين علام، الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون، الكويت، 2006م، ص13.
8.المصدر السابق ص20.
9.عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2004م ص177.
10.ميكافيللي، الأمير، ترجمة خيري حماد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1990، ص53.
11.أنظر في ذلك: حسين فوزي النجار، الإسلام والسياسة، دار المعارف، القاهرة 1985م، ص170.
12.عز الدين مصدر سابق، ص93.
13.دائرة المعارف البريطانية
Encyclopedia Britanica, micropedia, 5th edition 1994, Volume 6, pp 222.
14.المصدر السابق.
15.عبد الرحمن بن خلدون، مصدر سابق ص270.
16.محمد مجذوب محمد صالح، أصول الاجتماع الإنساني في المفهوم الإسلامي، مركز التنوير المعرفي، الخرطوم، 2005م ص307. أما حول منهج بن خلدون في التاريخ أنظر: عبد الحليم عويس، التأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1996م، ص51.
17.عبد الرحمن ابن خلدون، مصدر سابق ص589.
18.محمد جابر الأنصاري، لقاء التاريخ بالعصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007م.
19.عبد الرحمن ابن خلدون، مصدر سابق، ص545.
20.ميكافيللي، ترجمة حماد خيري، مصدر سابق، ص196.
21.Machiavelli, Ob. Cit. pp.92
22.المصدر السابق ص99.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.