الحركة الإسلامية الحديثة في السودان ومسألة التغيير الاجتماعي

خصائص السلطة السياسة لدى ميكافيللي وابن خلدون
30 أغسطس، 2016
الأسس العقائدية لإسلامية القدس
30 أغسطس، 2016

الحركة الإسلامية الحديثة في السودان
ومسألة التغيير الاجتماعي
د. طارق أحمد عثمان
مقدمة :
تهدف هذه الورقة إلي تقديم صورة أولية حول اتجاهات الحركة الإسلامية السودانية الحديثة ومشاركتها في إحداث التغيير في مجتمعها، وعن جهدها المبذول في هذه الناحية منذ الأربعينيات من القرن الماضي وإلى مجيء حكومة الإنقاذ الوطني في 1989م، وتسعى الورقة إلى بيان المدى العملي والدفع الواقعي لمجهودات الحركة، وملاحظة الآثار المترتبة على ذلك، وتهتم الورقة بشكل أساس، بالمفاهيم النظرية لعمليات التغيير الاجتماعي لدى قادة الحركة ومنظريها، وتبرز أفكارهم ودعواتهم للتغيير والأصول التي قامت عليها .
تتجنب هذه الورقة الموجهات السياسية التي تبنتها الحركة الإسلامية في الدعوة إلى إصلاح الحكم والسلطة، سوى تلك التي تظهرت كعامل ذي أثر وخطر في الجانب الاجتماعي .
لقد أشبهت الحركة الإسلامية – إلى حد ما – تيارات سبقتها في الجهد الاجتماعي وفي قيادة دور رائد للتغيير والتحوّل نحو قيم الإسلام الراشدة، فقد بقيت آثار المصلحين والمجددين والعلماء من رجال التصوف الإسلامي وغيرهم، تشكل خارطة التحول الاجتماعي في السودان، وتغذي العقل المسلم في البلاد، وتلهم الأمة وتوجهها نحو الثقافة الإسلامية حتى غدت الذهنية السودانية تأخذ مادتها ومكوناتها، من تصورات الوافد الإسلامي من المنطقة الإسلامية في بلاد العرب وأرض المشرق وضعف إزاء ذلك المكوّن الإفريقي المسلم، وقل تأثيره مقارنة بروافد البعث الإسلامي القادم من الشمال والشرق، وعلى الرغم من وجود مؤثرات إفريقية خاصة وفدت عبر الرجال من غرب إفريقيا إلا أنها ظلت محدودة وكامنة تغالب الصحو النائم.
وقد اعتبر حسن مكي أن الحركة الإسلامية قدَّمت نفسها كحلقة من حلقات التجديد الإسلامي واصلة نفسها بتاريخ الإسلام في السودان، ومستفيدة من تجارب الحركة الإسلامية السودانية ببعدها التاريخي ( فقهاء، متصوفة، حركات دعوة وإرشاد وتعلم، فونج، عبدلاب، سلطنات الفور والمساليت، وانتهاء بمجهودات الميرغني الكبير وجهود محمد أحمد المهدي ، وهي تتحرك بكل هذا الإرث وهذا العمق (1).
وفي الواقع ليس من الصحيح والصواب لفظ الامتداد الجذري والتاريخي للحركة الإسلامية وإقصائه بعيداً عن مسارات المد الإسلامي والإصلاحي للحركة، لأن في ذلك ضرب من التضييق، وتفسير خاطئ لمكونات الحركة الإسلامية وأصولها التاريخية، ولم ينكر قادة الحركة هذا المنحي، ووصف حسن الترابي أن هذا الاتجاه في الربط التلقائي بين بواعث الحركة الإسلامية الأولى، والإرث التقليدي الإسلامي في السودان بأنه : ( استمداد من التدين العرفي )، ولكن أضاف عاملاً آخراً، كان سبباً مباشراً، في حركة النهضة، والبعث والصحوة الحديثة، هو صدى الصحوة الإسلامية العالمية بتطوراتها التاريخية وتوجهاتها الفكرية، ولذلك نشأت الحركة مقبلة على الأدب الحركي الإسلامي الوارد من مصر وباكستان وغيرهما، واعتبـرت كيانها جزءاً من الحركة الإسلامية العالمية (2).
وهناك جانب آخر في هذه المسألة وهو على الرغم من الإيمان والاعتراف بحلقات التغيير التي أصابت المجتمع السوداني وقادته في فترات مختلفة، إلا أن هذه الحلقات التقليدية وفي إحدى مراحلها، ضمرت وضعف مددها، وغدت مواتاً بعد حياة، وأصبحت الدعوة بها ثمرة ذابلة، وتحوّلت الدعوة إلى طائفة – على حد تعبير حسن الترابي – أو فرقة جامدة منحصرة، ومن هنا نبعت الحاجة إلى الإحياء والانتشار من جديد، وهكذا كانت علاقة الحركة الإسلامية بالمجتمع صورة جديدة من صور التغيير، وباعث حقيقي للتحول، ومنهج آخر للخطاب والطرح والبناء، ولذلك نلاحظ أن حسن الترابي وفي هذا المقام نعت حركة الجمود التي اسماها ( الطائفة ) : بالانحصار، والاقتصار، والتقليد، والحذر من كل طريف وغريب (3).
وكما رأينا فإن الحركة الإسلامية اعتبرت وجودها كسراً للجمود وخروجاً عن المألوف، وتوسعاً في مظاهر البعث الجديد، في إطار علاقاتها مع المجتمع السوداني، فإذا الحركة الإسلامية في تصورات قادتها هي : ( ظاهرة الانتقال من مجتمع الجمود والطوائف والتخلّف إلى مجتمع الحياة والدعوة والتقدم، فمغزى الحركة إنما يكمن في صلتها الأوثق بالمجتمع وفعلها الأوقع في تغييره )(4).
الحركة الإسلامية والمجتمع:
مفهوم المجتمع : لفظ مجتمع يطلق عادة على مكان الاجتماع، ويطلق مجازاً على جماعة من الناس خاضعة لقوانين ونظم عامة، كالمجتمع الإنساني، بصرف النظر عن كون هذه الجماعة تسكن القرية أو المدينة أو البلد أو حتى القارة، كأن يقال: ( المجتمع الإفريقي )، وكذلك بصرف النظر عما إذا كانت تلك الجماعة تدين بدين واحد أو بأديان متعددة، أو تحترف مهنة واحدة أو أكثر، كأن يقال: (المجتمع المسيحي ) أو (المجتمع الكاثوليكي) أو (مجتمع المعلمين) و (مجتمع العلماء) أو قد يطلق علي البشرية برمتها، فيقال ( المجتمع البشري ) وعليه، فحيثما أمكن العثور على وجه جامع واتجاه موحد لجماعة من الناس، صح إطلاق لفظة ( المجتمع ) عليهم، سواء أكانت الجماعة قليلة في قرية صغيرة، أم كانت تشمل البشرية كلها (5).
ويعتقد أحد الباحثين أن جذور الحركة الإسلامية انبثقت من المجتمع خاصة في منهاجها التربوي فهو يقول إن رأي علماء التربية أن منهج التربية لابد أن ينبثق من الجذور التاريخية والثقافية للمجتمع، وأن أي تغيير في ثقافة المجتمع لابد أن ينعكس عليه وهو يظن أنه عند إخضاع ذلك المفهوم علي منهج التربية عند الإخوان في السودان، فلعل ثمة ما يؤكد ذلك، حيث أن المنهج لديهم برز من الجذور التاريخية لثقافة السواد الأعظم من أهل السودان، والتي يغلب عليها الطابع الإسلامي، والذي شكلت ملامحه بصورة واضحة في فترة نشأة السلطنات الإسلامية (6)
-وقد استهدفت الحركة الإسلامية منذ تأسيسها مجتمعها الذي تعيش فيه بصورة واضحة ، فقد ورد ضمن دستور جماعة الإخوان المسلمين في المادة الثالثة، التعريف، ما يلي :
( الأخوان المسلمون جماعة إسلامية تتربي بالتدين وتسعي بالدعوة والجهاد لإحداث تغيير اجتماعي من أجل تمكين قيم الإسلام في المجتمع وإقامة حدوده)(7).
فهذا التعريف يوضح أهدافها بشكل جلي، كما أنه يبين إلي درجة تؤمن الحركة بعملية التغيير الاجتماعي، وتهتم به، وتوليه عناية قصوى، وقد جاء هذا التعريف في فاتحة دستور الجماعة بما يبين حقيقة مراميها .
وأفرد الدستور الخاص بالجماعة في مقام آخر، فصلاً لأهدافها الاجتماعية، فجاء في المادة (28 ): تسعي الجماعة لتعميق الإيمان بالله، وبث روح التدين، وتجلية العقيدة من الشرك ومن الدجل والشعوذة والخرافة والأوهام، وتسعى لإيجاد مجتمع متسامح يسوده التآخي، ويتعالى على عصبية القبيلة والعرق والطائفة، كما تأخذ الجماعة بمبدأ التخطيط الاجتماعي، بما يحفظ تماسك البنية الاجتماعية، ويرعى روابط الجوار والقربى، ويعمق القيم الفاضلة، ويمحو الآثار السلبية التي يفرزها التطور العشوائي في المجتمعات العشوائية(8).
وتحدثت المادة (29) عن الأسرة اللبنة الأولى لقيام المجتمع فركزت عليها، وقررت أنها تسعي عبر الجماعة إلي تقوية آصرتها، وذلك بتسهيل الزواج وتشجيعه ورعاية الأمومة والطفولة، وإصلاح قوانين الأسرة حتى تقوم على المعروف والإحسان وفقاً لهدي الدين.
أما المادة التي تليها من الدستور، المادة 3، فقد أفردت حيزاً للمرأة والنهوض بها، ورفع الظلم الاجتماعي عنها، ودعت إلى تمكينها من ممارسة حقوقها العامة في بناء المجتمع، وتحريرها من الجهل، والخرافة والتقليد صوناً لشخصيتها المستقلة، وجاء في المادة 31 أن الجماعة تعمل على ترقية الوعي الاجتماعي بين الناس بإشاعة التعليم وتوسيع فرصه وتوجيه برامجه وربط المدرسة بالبيت والمجتمع، وتوظيف وسائل التوجيه والإعلام، وركّزت المواد التالية من الدستور على الشباب وتربيته على التدين الواعي وعلى إقامة مؤسسات التكامل الاجتماعي، وتشجيع قيام جمعيات البر والإحسان والتعاون، ونادت بتطهير المجتمع من الجريمة والفساد وتخليصه من مظاهر التملل والانحراف وسائر الأمراض الاجتماعية، والعادات الدخيلة(9).
وهكذا فقد صورت الحركة الإسلامية برنامجها الاجتماعي ، وحرصت علي أن تعتبر ميدانها الأهم والأمثل ومعتركها الأكبر هو المجتمع .
واعتبر حسن الترابي أن الحركة في صلتها بالمجتمع مرت بمرحلتين هما مرحلتا: السر والعلن، فقد سادت في مراحلها الباكرة روح الإسرار والحذر المفرط، وكان ذلك اعتباراً بما مرّت به الحركة الإسلامية في مصر من اضطهاد، وقد اتعظت الحركة في السودان من ذلك، وهكذا كانت الحركة تلتزم سرية بالغة في وجودها، وحصراً شديداً لعضويتها واقتصاداً حذراً في دعوتها وعملها، وعندما جاءت حكومة عبود العسكرية، وصلت الحركة إلى حد الرعب وقادها ذلك إلى شبه تجميد شامل لحركتها طوال السنوات الأولى منذ ذلك العهد (10) واعتبر حسن الترابي أن تلك الفترة لم تصب الحركة إلا بالتعويق في دعوتها، ثم وصل الأمر برجالها إلى اعتقادهم بعدم جدوى تلك الإجراءات، فاتخذت سبلاً جديدة لظهورها العلني، عبر الواجهات من أجل بسط الدعوة، ولم تلجأ إلى الشمول السافر ثم تطوّر الأمر فأصبح العلن غالباً، ومع نفحة العافية والحرية بعد مايو تهيأت الحركة لمرحلة العلن الأكبر، فجعلت مؤتمر تأسيس الجبهة الإسلامية على ملأ من الرأي العام، ثم مضت في مؤتمرها الثاني فأخرجت التنظيم كله أهدافه ووسائله ووظائفه وأشكاله وحدوده ورجاله (11).
ويعتقد د. الترابي أن هذا الظهور العلني، قد أفرز جدلية أخرى في بناء التنظيم الحركي وفقهه، وهي المحاذير الأمنية، وأعمال التوقي والاحتراز، وما يتضمنها من مسائل مراقبة واستعلام وتحسس وتجسس على الآخرين، وثارت تساؤلات حول مدى مشروعية هذه الأمور، ومدى جوازها، وقد أصدرت الحركة ورقة حول الأمر تبين طبيعته وأصله وفروعه (12).
والحركة الإسلامية السودانية امتلكت في ظهورها الاول ، فكرا مجتمعيات واضحا ، اساسه مجالدة المظاهر الفاسدة والعلل المنحرفة في واقع مجتمعها ، وقد استمدت تلك الرؤية من الحركة الأم في مصر ، وتشبهت بها حيث كان حسن البنا يمثل صورة زاهية لمصلح اجتماعي فريد ، يقود التغيير ويدعو إليه ، ويحمل همه بصدق ، وورثت الحركة في السودان إرثا كبيرا في هذه الناحية التبشيرية والإصلاحية . فليس غريبا إذا أن يأتي البناء النظري للحركة في السودان مشتملا علي تعاليم تأسيس العمل علي إصلاح الواقع وتغيير المجتمع.
ويعتقد د. حسن الترابي أن المرحلة الأولي للحركة في السودان كانت الجماعة تركز علي ذاتها وأفرادها ، ولم تكن تحفل بمن ينصرها من صف المجتمع ، مستغنية عن الناس لضآلة ما تحمل من أمانات ومهمات ، لكن الحركة – علي حسب اعتقاده – منذ تكلفت التكاليف في نصرة قضايا الإسلام في الحياة العامة ، واتخذت الوسائل في التربية والدعوة والجهاد وانفتحت ، وتخلت عن انتقائيتها وصفويتها ، منذ ذلك الوقت لم تعد متمحورة علي نفسها عاكفة علي أمرها الداخلي وشأنها الخاص ، ولا مقتصرة في التعويل علي صفها المأمون بل مدت نظرها وذراعها إلي ماوراءه من الناس (13).
وهذا الكلام في ظاهره العام بطبيعة الحال مقبول ، لكن الحركة الإسلامية في انطلاقتها كانت تعلم أن هدفها الأول هو المجتمع وأن حقل عملها هو الناس وحياتهم ، ولذلك فإن شباب الإخوان الأوائل عندما حملوا دعوتهم كانوا ينادون بالتغيير وإن كان ذلك يتم في إطار ضيق وفي مجال محدود .
وفي الواقع إن النهضة الكبري التي أسستها الحركة الإسلامية في صلتها الكبري مع المجتمع ، بدأت في الستينات من القرن الماضي ومع وجود الترابي في قيادة الحركة ، ومن الواضح كذلك أن الرجل قدم للحركة المحدودة النخبوية أعظم من يمكن أن يقدمه قائد لمجموعته ، وهو الإيمان بنظرية الانفتاح والتوسع والإقبال علي الآخر ، بعيدا عن نظرية التحول البطيء والتدرج الطبيعي ، إن كسر ذلك الحاجز شكل للحركة تحديا قويا في إثبات الذات وتحمل عبء ابتلاءات مخالطة المجتمعات غير الصفوية ، وقبول مستوي أقل من حيث التدين والتمسك بالشريعة ، اعضاء في صف الحركة ، وكانت تلك نقلة نوعية ، وتحولا استثنائيا في التطور التاريخي للحركة الإسلامية ، إن هذه التغييرات في طبيعة الحركة ، وانفتاحها علي المجتمع ، لم يكن خيرا كله ، فلقد كانت له مسالبه الواضحة ، إذ إن التخلي عن جماعة النخبة في رأي خصومها قد أورث الحركة ضعفا في مناهجها التربوية الإسلامية كما أنها تجاوزت عن العديد من أوجه الصرامة والقياس الدقيق في تخير عضويتها ، وكان هذا جزءا من الاشكالات التي اوقعت الحركة في الانقسام التاريخي والتي تجلت مظاهره مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات من القرن الماضي ، ومن الجائز جدا القول إن نظرية توسعة المواعين لم يكن من خلفها هدف اصلاحي واضح أو رؤية تغيرية مثلي علي المستوي الاجتماعي ، ويبدو أن الهدف الأهم من وراء هذه العملية هو كسب صف جديد يضمن للحركة تواصلها السياسي مع المجتمع ويعطيها الدينامية والفاعلية المطلوبتين في عمليات الكسب السياسي ، ولهذا نجد الترابي يشير إلي هذا المعني بقوله : أما حملات الاستعانة بالمجتمع فقد استدعاها عجز الجماعة أن تقوي علي القيام ببعض المهمات في الحياة العامة إلي أن تتقوي بغيرها ، وكانت أولي القضايا التي استدعت ذلك هي قضايا تركيز التوجه الإسلامي في السياسة السودانية بعد الاستقلال ومكافحة الشيوعية ، ثم يستدرك الترابي علي هذا البعد السياسي ليضيف : ( ولم تقتصر الحملات الشعبية المشتركة علي أغراض السياسة بل استهدفت أحيانا قضايا الإصلاح الاجتماعي وغيرها ) (14).
وهذا تصور واضح يبين الأهداف التي من أجلها سعت الحركة لضمان تأييد المجتمع ، وتوفرت من خلال ذلك فرص لحشد أفراد جدد في التنظيم الإسلامي ، وللتفاعل مع المجتمع ، فالجهد السياسي ومنطق الصراع حول مباديء الحركة وقيمها وتمكين هذه القيم وتمكين رجال الحركة كان هو الهدف الغالب في نظرية التحول نحو المجتمع وتوسعة المواعين ، ومن الضروري أن نذكر هنا أننا لانختزل تجربة التغيير الكبري في مستويات المرأة والشباب وطرح المنهج الإصلاحي في التجديد وتطهير الفنون وغيره في هذا المعني وحده ، ولكننا نفترض وفقا للنص السابق للترابي أن الهدف الأبرز في هذا البعث كان الوصول إلي السلطة عبر المجتمع ، وربما توفرت نيات أخري في هذا الجانب تدخل في إطار الإصلاح لكن حجمها ودرجتها وقيمتها لايمكن قياسها بأي حال من الاحوال بمقصد استخدام التحولات الاجتماعية لتحقيق مكاسب سلطوية .
ولعل أبرز ما يمكن أن يؤيد رأينا هو أن الحركة الإسلامية بقيت تواقة إلي الزعامة والحكم والوصول إلي سدته عبر أكثر من طريق .
وقد تعرض الطيب زين العابدين إلي اشكاليات التحول نحو الجماهير عبر نبذ التنظيم الصفوي وابعاده ، فذكر الرأي القائل باستحالة تطبيق التغيير الإسلامي دون وجود تنظيم صفوي تربت كوادره علي قيم الإسلام وفكره عبر سنوات ، وخلص إلي مسألة متوازنة وإلي أنه ليس ثمة بأس أن يقوم تنظيم صفوي يعني بتربية الشباب دون أن يخوض في العمل السياسي بكل أبعاده الانتخابية والنيابية والتنفيذية وذلك رغما عن وجود تراث كبير لدي الحركات الإسلامية يدعو إلي نظرة شمولية للإسلام (15).
إن تجربة الحركة الإسلامية في توسيع دائرتها ظلت مستمرة وقائمة منذ الاستقلال – بما يؤكد فكرتنا السابقة أن الهدف الرئيسي في هذه العملية هو الكسب السياسي – حيث تم تأسيس الجبهة الإسلامية للدستور التي أقامت مؤتمر لجانها الفرعية الأول في مايو سنة 1956م الذي عمل فيه الاخوان المسلمون بالتضامن مع جماعة التبشير الإسلامي علي دعوة الهيئات الإسلامية لتقف معا في جهد موحد ليأتي دستور البلاد متفقا مع إرادة الشعب السوداني المسلم ومستندا إلي كتاب الله وسنة الرسول صلي الله عليه وسلم ، وقد حضر الاجتماعات السابقة للمؤتمر ممثلون عن اتجاهات إسلامية مختلفة منها :الختمية ، الانصار ، أنصار السنة ، خريجو المعهد العلمي ، جماعة القرض الحسن ، النادي الثقافي بامدرمان وغيرها من الهيئات والتنظيمات واللافتات الإسلامية التي تعمل في أواسط المجتمع وتملك دعوة رسالة تنادي بإقامة الإسلامة في الحياة (16)
واتصلت الجبهة برؤوس المجتمع لضمان تأييدهم لهذه الحملة ، ومن هؤلاء السيد عبدالرحمن المهدي الذي أجاب بأنه سيساند الدستور الإسلامي لأن الإسلام هو تراث المهدية وأن أنصاره مع الدولة الإسلامية كما أعلن السيد علي الميرغني تأييده بعد محاولات عديدة للقائه ، كما قابل اعضاء الجبهة إسماعيل الأزهري الذي أبدي موافقته الشخصية للفكرة (17)
في إطارها النظري أفردت الجبهة الإسلامية للدستور ، مقاما للعمل الاجتماعي ، ودعت إلي ذلك من خلال المباديء التي قدمتها للدستور الإسلامي وكان ضمن هذه المباديء الأساسية التي نادت بها في الدستور :
-أن تحرر الدولة الموطنين من الفقر والمرض والجهل والخوف بتوفير القوت والمسكن والملبس والعلاج والتعليم من غير تميز في الجنس أو العنصر أو الدين أو العقيدة أو الطائفة وذلك عن طريق : إيجاد العمل للقادرين ، جمع الزكاة لتأسيس الضمان الاجتماعي للذين فقدوا أعمالهم بسبب أو آخر .
-علي الدولة بناء هيكل الاقتصاد السوداني علي اساس العدالة الاجتماعية الإسلامية ومحاربة الربا والاحتكار والاستغلال .
-علي الدولة أن تضع التشريعات لتحرير الأجور مع مراعاة نوع العمل وكمه وكيفه وذلك لضمان مستوي معقول للمعيشة (18)
واستمرت الحركة الإسلامية في توسيع دائرة الولاء لها بشكل متنامي ، وفي ديسمبر 1964م ، أسست الحركة جبهة الميثاق الإسلامي لمزيد من الانفتاح علي المجتمع لتحقيق نتائج سياسية واضحة لدخول البرلمان وأيجاد ناخب داعم لتيار الحركة ، وبالفعل فازت الحركة في سبع دوائر ، كما أنها ضمنت وصول أمينها العام ورمزها الفكري إلي مقاعد البرلمان من خلال هذه الدوائر(19).
وفي الثمانينات أسس الحركة تنظيم الجبهة الإسلامية القومية ودعت إلي مؤتمر جامع دعت إليه معظم فعاليات المجتمع ، عقد بنادي الأسرة بالخرطوم ، وحضره ممثلون من خارج السودان وفتحت بذلك الحركة صدرها ومالها وفكرها لكل فئات المجتمع وأعلن مؤتمر الجبهة الإسلامية بيانه الختامي من أمام مسجد الخرطوم الكبير ، لكن تعرض أعضاء الجبهة للرشق بالحجارة وهم يؤدون خطابهم الختامي أمام المسجد (20).
إن كل هذه التحولات في تنظيمات العمل الإسلامي لدي الحركة الإسلامية السودانية كانت تتجه إلي تحقيق غايات الوجود السياسي الفعال ، وتمكين التنظيم سياسيا والوصول إلي السلطة ، وغني عن القول أن ذلك أنعكس سلبيا علي موجهات العمل الاجتماعي والتي لم تكن استراتيجيته إلا وسيلة ضمن وسائل عدة لدعم الطرح السياسي ، وهنا تبرز مفارقة هامة في الأسس النظرية التي ارتكزت عليها الحركة في عهدها الباكر ، والتي كانت فيما يبدو أسسا مجتمعية من الدرجة الأولي تأثرا بالاتجاه الإسلامي العالمي ، وقد كانت الحركة في فطرتها الأولي ذات تأثير علي قطاعات مميزة في المجتمع بين الطلاب والمرأة والمتعلمين وأدت دورا ايجابيا في نقل الوعي الإسلامي إلي هذه القطاعات إلا أن التطلع السياسي فيما يبدو حال دون ذلك ، وقد جاءت المراحل المتعددة لعملية التوسع التنظيمي متنافرة مع الحركة وسط المجتمع ، ولم تكن ثمة أهداف عملية ومرجوة تتحقق في البناء الاجتماعي ، هذا علي الرغم من وجود موجهات تنظيرية في ثنايا أدب وفكر الحركة ، ووجود ثمرات هنا وهناك في عمليات الاستيعاب المتطورة ، ولكن المحدد في النتائج الكاملة لهذا الجهد تبقي قيد النظر والدرس ، ولايمكننا بكل تأكيد أن نجزم بصلاحية هذا العمل أو فساده دون مسح كلي يستجوب كل من شهد العمل وشارك فيه ورأي خيره وشره ، وعلي جهة العموم فإن التوسع في بناء الحركة ومهما عظمت أهدافه ، أو كانت مراميه القصوي ، أخفق ولم يخفق – علي حد زعمنا – ونجح ولم ينجح في نتائجه الكلية ، فهذا العمل قد تجانس مع الواقع واستثمر الظروف التي مر بها ، واستخدم المعطيات التي بدت أمامه لصالحه بغض الطرف عن انتقادات الكثيرين من أبناء الحركة وحرصهم علي رسالتهم الأولي ايجاد مجتمع شبه صفوي راشد ومؤمن لقيادة المجتمع .
أما د. الترابي فمن الواضح أنه أكثر الناس حماسة في بيان ايجابية التجربة الطويلة التي خاضتها الحركة في استيعاب المجتمع ، واعظمهم ايمانا بها وبالنتائج التي حققتها أنظر إلي قوله : ( وبالفعل لما اتخذت الحركة في السبعينات استراتيجية شاملة لمستقبل أمرها كان من أركان تلك الخطة أن توطد الحركة قاعدة شعبية متمكنة وبسيطة واسعة للتدين بين الناس وقوة كافية تتعبأ لتجاوز الواقع الراهن إلي واقع إسلامي وتتهيأ إذا تمكن الإسلام أن تدعمه وتدفع عنه ) (21). ويعتبر د. الترابي أن الذي ساعد توجه الحركة الشعبي ونموها الجماهيري وتقبله وسط العامة هو ضعف الولاء التقليدي والديني وخاوة المستوي الثقافي (22)
واعتقاد د. الترابي في ضعف تفسير الدين وفهمه لدي الناس ، أمر قديم ، فهو يري بشكل قاطع أن أحد النعم التي واجهت دعوته التجديدية هو قصور عامة السودانيين عن فهم الدين ، وعدم معرفتهم الدقيقة به ، وإذ ظن أكثر المسلمين أن الجهل بالدين نقمة فإن د. الترابي عده نعمة ، وهو هنا يتصور أن المستوي المتدني للثقافة كفل للحركة الإسلامية أتساعا وساعدها علي قبول الناس لها وإقبالهم عليها .
ثم ينتقد د. الترابي تجربة الميثاق الإسلامي حيث أنها أوجدت ثنائية تنظيمية ، وابقت علي حركة الاخوان ولما تذوبها بصورة تلقائية في تنظيم جبهة الميثاق ، ويثني علي تجربة الجبهة الإسلامية التي تجاوزت هذه الاشكالية فيقول : ( أما مشروع الجبهة الإسلامية ، فقد ساد الفكر الإسلامي القويم دون وضع رسمي ، وتوحد إطار القرار الرشيد في الجبهة ، وادرجت عضوية الجماعة الخاصة في عموم عضوية الجبهة لتشكل قاعدة الحركة الإسلامية الموحدة (23).
والغريب في فكر د. الترابي دعوته إلي نقل الفكر الصفوي جميعه دون احتراز او احتياط إلي قوالب شعبية بما في ذلك بعض العلوم الإسلامية شديدة التخصص نحو علم تفسير القرآن فقد نادي في الآونة الأخيرة إلي مايمكن تسميته بـ ( التفسير الشعبي للقرآن ) أو ( التفسير الجماهيري ) . وهذه الدعوة في الواقع تناقض أصولا عديدة لدي علماء الأصول ولكن فحوي الغرابة في فكرته هو تضعيفه لمستوي الثقافة الإسلامية لدي السودانيين ، واعتبار أن جلهم من الأمية المعرفية بأدبيات الدين الأم بمكان ، وليست المشكلة هنا أيضا وإنما تكمن المعضلة في أن د. الترابي يريد أن يجعل النصوص الثقة بين أيدي هؤلاء يفهمونها كيفما أتفق ويفسرونها كيفما أرادوا وبعيدا عن هذا الاستطراد وعودة إلي ما كنا فيه ، نحن نجد أن د. الترابي يسوغ لايمانه بنظرية الانتشار والتوسع في إطار الحركة رغما عن وجود المحاذير وأهل الحرص المشفقين علي نقاء الفكر من الغبش والاختلاط وصفاء الصف من العناصر الانتهازية والمشبوهة ، ويعتقد أن أصل هذا الاشفاق هو الهاجس الأمني وشيوع مفهوم المجتمع الجاهلي ، ويري أن تجربة الحركة الإسلامية برهنت سلامتها وبددت أوهام الحذر والقنوط من الجماهير ، ويصل إلي أن الحركة من خلال هذه التجربة وازنت بين الكم والكيف واعتبرت أنهما لايمثلان قيمتين متضادتين بل متلازمتين متداولتين ، فالكيف الزاكي يستدعي تنظيم الكم ثم يرقيه ويزكيه (24).
ويعتبر د. الترابي أن الحركة الإسلامية أفادت تجربتها تلك من الشيوعية التي كانت تنافس التيار الإسلامي وتستخدم الواجهات التي لم تكن تضم تحت مظلتها إلا أبرياء لايدركون مرامي الشيوعيين الذين كانوا يسخرونهم من حيث لايشعرون ، ويري د. الترابي أن الحركة الإسلامية من خلال تفاعلها مع المجتمع وصلتها التعاونية به كسبا وقوة أضخم بكثير من الجماعة الإسلامية المنتظمة فالجماعة ينبغي أن تسعي للتمكن في مجتمعها تدرجا حتي تستنفذ جدوي تميزها عنه ، وحتي تفني فيه فناء الصوفي في العبادة والمجاهد في الشاهدة وتصبح هي المجتمع الجديد القائم بالدين (25). واعتبر خصوم الحركة الإسلامية علي المستوي السياسي والفكري أن اهتمام الحركة بتعديل واجهاتها مرحلة من بعد أخري في سبيل كسب مجتمعي جديد ، ضرب من البراجماتية والانتهازية ، واعتقد حيدر إبراهيم أن ميل الحركة للتحالفات واهتمامها بالغايات والأهداف بينما تساهلت في اختيار الوسائل والآليات كل ذلك نوع من الانتهازية (26).
واعتبر هؤلاء أيضا أن قيام بتحالفاتها المستمرة مع عدم التزامها بأخلاقياتها مجردة وسيلة سعت من خلالها إلي تحقيق كل مكاسبها كما أن الحركة استفادت في عملها هذا من اجواء التسامح والمزاج السوداني ، وأن ما قد حققته من نجاح هو بسبـــب سودانيتها وليس بسبب تجديدها للدين أو اصالتها الإسلامية (27)
ويري الخصوم ( للحركة الإسلامية ) كذلك أن د. الترابي بمنهجه هذا أقرب مايكون إلي المنهج الوضعي حينما يربط الفكر الديني بقضايا الواقع والتغيرات الاجتماعية والتجارب ( 28).
ويبدو أن هذا الرأي ليس خاصا بخصوم الحركة الإسلامية وحدها ، ولكن منتقدي الحركة من الداخل يتحدثون بمثل هذا ، فجعفر شيخ إدريس مثلا يظن أن د. الترابي يؤمن بأن الدين متغير وفقا لتغير الواقع ، ويري الدكتور شيخ إدريس إن الدين لايتغير ولكن يتغير الاجتهاد ويقول ، لو كان الاجتهاد يعني تغيير الدين فلن يبقي من الدين شيء ، وإذا كان الإسلام يتغير بتغير الظروف فقد يقال بتحليل الخمر بسبب وجود ظروف جديدة تستدعي التحليل وبنفس منطق الظروف الجديدة نبيح الربا ونبيح زواج بناتنا من الكفار وهكذا (29).
وعلي هذا المنول يعتقد د. جعفر شيخ إدريس أن د. الترابي هدف من وراء اجازته للردة إلي كسب الغرب المسيحي إلي الإسلام (30).
أما فيما يتعلق بصلة الحركة بالمجتمع فيري د. جعفر شيخ إدريس أن الحركة في السودان لم تؤمن بالتدرج بل إن د. الترابي قد حول الحركة إلي حركة شعبية ، وفي رأيه أن الحركة لاينبغي أن تكون صفوية صرفة ، ولاشعبية صرفة فلابد من وجود جماعة تحمل العبء هي الجماعة الفاعلة ويقول أيضا ، كان يمكن للحركة أن تصبح شعبية لو أن زعيمها جاء بما يمثل المجتمع السوداني ولكن الترابي جاء بما لايمثل الجماهير (31) ولقد كان الذي ذكرناه آنفا جانبا من توجهات الحركة نحو المجتمع وتصوراتها لعملها فيه ، وجانب من سعيها للانخراط في الحياة العامة لكسب الناس وكسب تأييدهم ، وسنسعي في حديثنا القادم إلي تناول التأثيرات المباشرة للحركة وسط بعض فئات وقطاعات المجتمع ، وأبرزها المرأة ، والطلاب ، ثم نناقش موقف الحركة من بعض القضايا الاجتماعية ونأخذ علي ذلك مثالا قضيتي : الفقر ، والتعايش الديني .
1-المرأة :

بدأ العمل في المحيط النسائي منذ تأسيس الحركة الإسلامية في كلية الخرطوم الجامعية عام 1949 – 1950 م ولم يكن عدد الطالبات الجامعيات يجاوز – في ذلك الوقت – الخمس طالبات ، وأصبحت سعاد الفاتح البدوي بعد التحاقها بكلية الآداب في 1952م في مقدمة رائدات الحركة ، واستطاعت الحركة خارج الجامعة أن تستقطب عددا من الأخوات أصبحن إلي جانب الطالبات بمثابة قاعدة لحركة الاخوات المسلمات ، والجيل الأول للحركة النسائية الإسلاميةفي السودان التي عرفت فيما بعد بجمعية نهضة المرأة ( 32).
وفي الواقع يعد كتاب د. الترابي ( رسالة المرأة ) أو ( المرأة بين تعالم الدين وتقاليد المجتمع ) هو المرجعية الشرعية التي اعتمدت عليها الحركة الإسلامية في تغيير نظرتها وتعاملها مع المرأة ، ولعله – علي صغر حجمه – من أكثر أدبيات الحركة الإسلامية السودانية رواجا لفترة طويلة ، وكانت هذه الرسالة والافكار الواردة بها ، ضمن جملة أمور أخري أسهمت في انقسام حركة الاخوان المسلمين كما اعتقد بعضهم ، إن أبرز الآراء التي حملها الكتاب – كما نتصور – هي :
-ضرورة تحرر المرأة المسلمة من ربقة التقليد والتقييد اللذين فرضهما المجتمع وليسا أصلا في الدين .
-اعتقد بعض الفقهاء أن دور المرأة لايتجاوز أصلاحها لنفسها ولبيتها وربما سمح لها الدين بالدعوة وسط النساء ، ويعتقد د. الترابي أن هذه قناعة فاسدة .
-كان الرسول صلي الله عليه وسلم يقابل النساء وكان مجتمع الصحابة مجتمع مشترك للرجال والنساء يشاهدون فيه بعضهم بعضا ، ويتزاورون ويتحدثون في جو من العفة والطهر.
-رفض د. الترابي كلمة اختلاط وندد بها واعتبرها أحدي المدخلات الغير جائزة علي مجتمع المسلمين .
إن كل هذه الأفكار اعتبرت تحولا في فهم الحركة الإسلامية لقضية المرأة وواجهت نقدا شديدا من المحافظين داخل الحركة ، وإذا نظرنا إلي أرث الاخوان المسلمين في الجانب ، فنحن نلحظ في المكون المصري للحركة اتجاها إيجابيا عاما تجاه المرأة ، أو من الممكن اعتباره اتجاها توفيقيا خاصة في أفكار الشيخ حسن البنا ، فقد دعا الرجل إلي معالجة هذه المسألة بصورة تضمن للمرأة تغيير أوضاعها عن التقليد والعرف ، وإلي المحافظة عليها في آن واحد ، كما نادي بالقضاء علي العادات والروح التي لاتمت للإسلام بصلة ، وقد حرص البنا علي تكوين جمعية النهوض بالمرأة منذ بواكير دعوته وتوج هذا العمل بتكوين أول لجنة تنفيذية للأخوات المسلمات في سنة 1944م وكان يتعهد تجمع الأخوات المسلمات بتقديم الدروس لهن، فشاركت المرأة في المعارض الخيرية ، وأنشأت جمعيات الأسر (33) .
ولكن ظل هذا الجهد موقوفا علي الدور التربوي والأسري للمرأة ، بعيدا عن المسائل الأخري في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي العريض ، كما أن الاخوان في مصر رفضوا تماما فكرة ( المجتمع الواحد ) حيث لاعزلة للمرأة عن مجتمع الرجال ، وفضل تنظيمهم أن يحافظ علي الموجه التقليدي بدلا عن المشاركة الواسعة في كل شؤون الحياة ، ولكن هذا الأمر ليس قضية عامة تنسحب علي الجميع فالشيخ عمر التلمساني المرشد الثالث للحركة كتب رسالة في غاية الأهميةعن دور المرأة ومشاركتها علي عهد السلف الراشد ، ورسالته في جرأتها وخطرها تفوق رسالة الترابي وتتجاوزها – في ظني – أما لماذا لم تلق ذات الاهتمام الذي وجدته رسالة د. التاربي ، فلهذا أسبابه ، فربما كان لتعاظم ووفرة الثقافة الإسلامية التي مصدرها الأزهر ومعاهد العلم شديدة الرسوخ في مصر ، دورا في الحؤول دون وصول هذه الرسالة إلي قلوب وعقول الأخوان ، وكان الشيخ محمد الغزالي كذلك من أبرز من نادي إلي تحرير المرأة المسلمة علي أساس إسلامي ، وقد تكونت لديه عدة أراء في هذه الناحية عارضها من عارضها وآمن بها من آمن ، ولكن الشيخ لايمثل فكر الاخوان المسلمين بصورة واضحة ، فهو كما يبدو ليس أخا مسلما ملتزما بالحركة (34) علي جهة العموم فإنه يمكن النظر إلي قضية المرأة في فكر حسن البنا إلي أن دعوته اتسمت بالوسطية في هذا الشأن ، فلم تكن نظرة تقليدية ، فدعت إلي فرض القيود عليها ، والمناداة بقرارها في البيت وأن لاتخرج إلا لضرورة ، كما أنها لم تجنح إلي الدعوة إلي اشراكها في كل أمر والزج بها في كل مسألة ، ولم تشبه دعوة الحركة الإسلامية في السودان التي نفذت المشاركة وانفعال المرأة المسلمة بهموم أمتها بصورة عملية فلم يكن التنظيم يسمح بعزل المرأة في جماعة خاصة ، وكانت الأنشطة تتم بوجود كامل للمرأة ، هذا بالتأكيد مع بعض الضوابط الإسلامية كتباعد الأنفاس والتلاصق والتستر وعدم التكشف وغيرها ، وظل د. الترابي يعتقد أن الدين لايتحقق بغاياته الكاملة إلا مع وجود النساء إلي جانب الرجال في كل الحقول وعلي مختلف الأصعدة ، ونظر دوما إلي الأرث الإسلامي الاصيل الذي كفل لها ذلك ، وبالتالي فقد رفض الموروث الفقهي الذي ضيق علي المرأة وعزلها عن المسجد وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والهجرة(35).
ولعل كلمات د. الترابي تبين بشكل أوضح الطريقة التي عالجت بها أفكاره مسألة المرأة لدي الحركة الإسلامية ، فهو يقول :
( …. أصبح خطاب الحركة الإسلامية تبشيريا تربويا في مغزاه ، بمعني أنه دعا وأدي إلي أن تتوب النساء إلي الدين وماكن قبلا ذوات دين ، بل أن يدخلن في نمط التدين الغريب الجديد ، وأن يقمن عاملات للإصلاح الديني ، ولعلها تلك أخر ظاهرة دينية في تاريخ المرأة السودانية القديم والجديد ، ثم دعا الخطاب وأدي أيضا ، إلي تحرير النساء من أسر العرف التقليدي الظالم ، وصحيح أنه صادف نزعا في تطور المجتمع نحو التحرير ، ولكنه كان أفضل وقعا لأنه تأيد بذات الشرعية الدينية التي كان ينتسب إليها العرف القديم زيفا ،… ، وهكذا استطاعت الحركة أن تستعين بدفع التطور الاجتماعي الطبيعي لترقي بدين النساء ، وأن تستعين بقوة التدين لتعزيز تحرير المرأة ، فأحدثت بالفعل ظاهرة تحريرية موضوعية هي أيضا من أخطر الظواهر في تاريخ الأحوال الاجتماعية للمرأة السودانية ) ( 36).
ويري حسن مكي أن الحركة الإسلامية نجحت في قيادة حركة المرأة السودانية في اتجاه الإسلام ، وأصبح جل قيادات الحركة النسائية السودانية من الإسلاميات (37) . لكن هذا النجاح الذي حققته الحركة والذي كان اتجاها نحو التكييف الاجتماعي لوضع المرأة ، لم يكن نجاحا عاما – وفي ملتنا – أن جانبا كبيرا من التغييرات التي تمت كانت أمرا ظاهريا فحسب ، فإذا نظرنا في مشكلات المرأة في المجتمع السوداني ، نجد أن المعضلات الحقيقية لم تقدم فيها الحركة شيئا جديدا ، لقد اكتفت الحركة أن تحشد إلي صفها المزيد من الطاقات عبر النساء ، وأن تدعم حركتها باعداد من المؤمنات الجدد بالفكرة ، لكن العقول لم تتغير ، والقناعات الخاصة لم تهتز إلا علي المستوي السياسي ، ومسائل الوعي الاجتماعي ظلت نقطة باردة في عقل النساء التابعات لتيار الحركة الإسلامية ، فعلي سبيل المثال لم ينشط العقل الإسلامي النسوي في السودان ، لتجريم المنكرات في حق المرأة نفسها ، علي نحو ختان الإناث ، ولم يحارب هذا العقل غلاء المهور أو يدعو إلي الزواج المبكر بما يشبه ثورة ، وإن كانت هناك دعوات خافتة أو مبتورة أو قاصرة ، بل علي العكس من ذلك فيما يتصل بطهارة النساء ، شارك العقل الإسلامي – الذكوري والأنثوي – بفاجعة ربط هذا الأمر بالإسلام واعتباره أمرا محمودا ، ويمكن قياس مسائل أخري لم تتجه بها الحركة إلي تغيير العقل النمطي للمرأة فيها ، فبقيت خاملة وخامدة، بل ومتراجعة نحو السلفية العرفية المقلدة .
وهكذا – فكما نظن – أن التغيير هنا كان تغييرا ظاهريا ، لم يعمد إلي تنشيط فكر المرأة في القضايا التي تختص بواقعها. ولو تأملت إلي جهد المؤسسة العلمانية السودانية لرأيت أن الحراك كان فاعلا أكثر في هذه الناحية ، فلدي هذه المؤسسة كانت الدعوة العملية إلي رفع الظلم أكثر واقعية لوجود برنامج عمل ، أما الحركة الإسلامية فقد أمتلكت شعارات جاذبة أقرب إلي قلوب الناس ولذلك وجدت قبولا واسعا ، وفيما يبدو ، أن الحركة لم تشأ ان تصادم المجتمع فتتبني تغييرا اجتماعيا واسعا وعلي كل المستويات .
إن أفكار د. الترابي نفسها – كما اشرنا – شهدت ردة فعل شرسة بحقها ، فيما يتعلق بقضية المرأة ، من قبل طائفة من قادة الحركة وقياداتها من الشيوخ ، ومن أبرز الذين ناهضوا دعوته تلك وحمل علي د. الترابي بقوة ، الشيخ محمود عبدالله برات ( 38).
الطلاب :
يعتقد د. الترابي أن نشأة الحركة الإسلامية بين الطلاب ، أورثها نوعا من التباين بينها وبين النظم التي كانت سائدة في المجتمع ، فطريقة اختيار القيادة جاءت مختلفة عما هو معروف من الأنماط المرعية لدي التجمعات الدينية في المجتمع كما أن نظامها التربوي النظري الذي صاغته إنما كان يناسب عضويتها الطلابية ، وقد جاء العهد الاول للحركة في قمة الوسط الطلابي بالجامعة ثم نزل إلي المرحلة الثانوية من المدارس وفي فترة أخري إلي المعاهد الأخري والمدارس الدنيا (39).
واستطاعت الحركة الإسلامية الطلابية – فيما يري د. الترابي – أن تتصدي للغزو الثقافي الحضاري المتمثل في معاهد التعليم النظامية ، فقد أسست تلك المعاهد في أغلب فلسفتها لتستلب النشيء من تقاليد المجتمع ، وقد كانت الاتجاهات الليبرالية والشيوعية رائجة في الوسط الطلابي قبل طروء الحركة الإسلامية (40) وبرزت الحركة الإسلامية الطلابية قائدا موجها للحراك السياسي في البلاد في الفترة التي سبقت اكتوبر 1964م بصورة واضحة ، والاتحاد الإسلامي لطلاب جامعة الخرطوم هو الذي أشعل فتيل ثورة 1964م ، كما أن الحركة هي التي عبأت المجتمع (41).
وفي فترة مايو في ظل حكم الرئيس جعفر النميري كانت الحركة هي رأس الرمح في المقاومة ضد النظام العسكري عبر جامعة الخرطوم منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي ، وكان الاخوان يسيطرون ايضا علي معظم اتحادات الطلاب بالجامعات والثانويات ، وشاركت الحركة الطلابية في العمل المسلح ضد الحكومة وفي 1976م احتلت عدة مواقع لصالح الجبهة الوطنية التي قادت يوم الجمعة 2 يوليو 1976م هجوما عسكريا لقلب نظام النميري ، وقد استشهد في تلك العملية تسعة من شباب الأخوان (42).
لقد اثرت الحركة الإسلامية تأثيرا واضحا علي مجتمع الطلاب ، وشكلت جانبا كبيرا من اتجاهاته وميوله ، واستثمرت حركته ونشاطه ، وآمنت قيادة الحركة بدور الطلاب وامكاناتهم في التغيير ، ولعل أوضح ما يمكن أن يصدق حديثنا هذا هو أن معظم القيادات الطلابية داخل حركة الاخوان أصبحت فيما بعد وحتي وقتنا الحاضر ، رموزا للحركة والمجتمع ، وكان صياغة هذه القيادات داخل مؤسسة الطلاب فقد تحملوا السجون والتشريد وغيرها من صنوف النضال الوطني وخبروا العمل السياسي والفكري والتربوي ، وساعدهم ذلك فيما بعد علي قيادة عملية التغيير في المجتمع والدولة ، وقد استثمرت حركة الطلاب فترة الهدنة أو المصالحة مع نظام مايو ، لتقوية برامجها وزيادة صفها وللانفتاح الأكبر علي المجتمع .
لقد جاءت حركة الطلاب الإسلامية وبدأت سيرها وتطورها المستمر في وقت كانت فيه الجامعة وطلابها هم ( زبدة ) المجتمع وارستقراطه الفكري ، وكانت ارتباطات هؤلاء النخبة المثقفة تمضي في اتجاه مختلف ومغاير لاتجاهات السلوك والانتماء الفكري لغالب الأمة السودانية ، كما راج في أوساط السودانيين في فترة الاستعمار أن المدارس والمعاهد العلمية المدنية ، ماهي إلا أمكان مشجعة للفساد والافساد ، ولم يكن الدين عنصرا هاما أو مؤثرا في حياة هذه النخبة ، وكما أشرنا فإن الاتجاهات المنفتحة علي الغرب أو الشرق الاشتراكي كانت هي الأكثر قبولا ووجودا في هذا المجتمع إلي زمن ظهور التيار الإسلامي ، الذي كان جهده عملا مباركا ، نقل الحياة داخل مؤسسة الطلاب نحو الإسلام وقيمه .
الفقر والتعايش الديني :
الفقر : يري الإمام حسن البنا أن الاقتصاد هو المحور الذي تدور حوله حياة الافراد والشعوب ، ولذلك فالاقتصاد جزء من مفهوم الإسلام لذا فإن تناوله بمعزل عن شريعة الإسلام وثقافته أمر غير مقبول ، وتناوله خارج نطاق الإسلام يعد تناولا لاقتصاد غير اقتصاد الإسلام ، ويقصد بالاقتصاد الإسلامي المذهب والنظرية الاقتصادية للإسلام ، التي تتجسد فيها الطريقة الإسلامية في نظم الحياة الاقتصادية النابعة من صميم العقيدة الإسلامية ، واعتبر البنا أن جزءا من جهد جماعته ينصب في هذا الاتجاه ، فجماعته شركة اقتصادية لأن الإسلام عني بتدبير المال وكسبه (43).
ودعا حسن البنا إلي مفهوم الإصلاح الاقتصادي ، حيث يسعي الاقتصاد لإسعاد المواطن وتوفير الضمان الاجتماعي له وأقام الاخوان المسلمون بعض المؤسسات الإسلامية ، نحو شركة المعاملات الإسلامية في العام 1939م وغيرها (44).
كما أن الاخوان من حيث المبدأ تكلموا عن معاني ابعاد الشبه من المال وتحري الكسب الحلال ، وبكل تأكيد فإن مفهوم النظرية الاقتصادية الإسلامية ، علي هذا النحو يظل مفهوماعاما ونظريا ومجردا ، وربما وجدت اتجاهات لتحقيق معاني التكافل والتآخي ومعاونه الفقراء لدي الحركة الإسلامية العالمية ، لكن يظل هناك قصور واضح في تمكين مثل هذه القيم ، كما إن الحركة العالمية وبنفس المستوي ينطبق الأمر علي الإسلاميين في السودان لايملكون رؤية واضحة لمعالجة مشكلات الفقر في المجتمعات الإسلامية . وفي السودان نحن نجد أن الحركة في تأسيسها الباكر عندما كان نفر قليل من الطلاب يتكلمون عن الإسلام ، كان هؤلاء يؤمنون بفكر العدالة الاجتماعية وتحقيق مبدأ الاشتراكية ، وتأثر بعض هؤلاء بصفة أساسية بكتاب سيد قطب ( العدالة الاجتماعية في الإسلام ) وكان هذا حافزه الأوحد للانضمام إلي هذه الحركة الناشئة ( 45) . وقد جاء ضمن قرارات مؤتمر العيد في 1954م ، أن أحد أهداف الحركة تحقيق العدالة الاجتماعية (46).
ولكن كل ذلك كان منافسة للتيار الاشتراكي الرائج آنذاك ، وطرحا نظريا جدليا ما (47).
وفي سنة 1981م شكل مجلس اقتصادي استشاري ، وتطور المجلس إلي أمانة تنفيذية مختصة وضعت أمر الاقتصاد في موازاة الشؤون التنفيذية الرئسة في الحركة ، ثم في سنة 1984م أصبحت الامانة قطاعا كاملا في قيادة الحركة (48).
وعلي المستوي الفكري منذ 1979م كتبت عدة دراسات حول موضوعات : التنمية الاجتماعية ، احتياجات المواطنين بالقماير .. وغيرهما (49).
لكن هذا كله كان فكرا وحسب ، ولم يكن ثمة جهد حقيقي في معالجة مشكلات الفقر المزمنة في البلاد ، ولم تكن هناك حلول أو اجابات شافية ، لتحسين ظروف أهل السودان ، وكان خطاب الحركة جميعه يدور حول طهر اليد ، وتطهير المال ، وإصلاح الاقتصاد بما يتماشي مع الإسلام ، لكن ليس ثمة نشاط حقيقي وفعلي في هذا ، وإذا نظرنا كيف أن الحركة جاءها وانتسب إليها شبه المعدمين القادمين من الريف والأطراف ، وكيف أنهم نصروها وأيدوها ، وكتب هؤلاء كتابات أشبه بأدبيات الماركسيين ، جاء في بعضها (… فالمجتمع العاصمي المتمدن والرابض في الأحياء الجديدة في مدينة النيل وفي المطار وجنة الطائف ورياض الرياض يملأ سماء المدينة بدخان البنزين المحترق وينفق استيرادنا في الملاهي الليلية في القرية الخضراء وصالة غردون الموسيقية . وفندق قصر الصداقة وسهرات النادي الكاثوليكي وليالي الهيلتون ، ولايهم بعد ذلك أن يقف الطلاب تحت هجير الشمس المحرقة في أشهر الصيف في انتطار المجهول سيارة تنقلهم إلي مدرسة محمد حسين أو الخرطوم القديمة لايهم أن تقف الطالبات تحت زمهرير الشتاء من أجل القتال علي أبواب باصات عبداللطيف ابي رجيلة ، فلماذا لايثورون ويحتلون مداخل المدينة ويسيطرون علي طرقاتها ؟ لماذا لايقذفون سيارات المارسيدس بالحجارة ؟ (…) فالفقرا قادمون عبر دروب الرمال ومن تحت الأوراق الجافة ومن الطرقات المتعرجة في الاحياء الفقيرة والغنية بالذباب والبعوض ، إن الانفجار سيتم طالما أننا عجزنا عن تحقيق مجتمع الكفاية ورفضنا تقاسم اللقمة والعيش بضرورة العدل ) (50).
كان هذا صوت الكادحين يعبر عنه أحد المنتمين إلي الحركة ، بنبرة قوية وقلب صادق ، وكان السواد الأعظم من أبناء الحركة هم من الخارجين من رحم الأمة الفقيرة ، والشعب المريض المتعب ، لكن مثل هذه الأصوات كانت قليلة في ظل حركة عجزت أن تقدم حلا لأكبر مشكلة يواجهها السودانيون ، بل واصبحت فيما بعد حتي قبل أن تصبح دولة ، حركة شبه رأسمالية لاتعبأ بالفقراء أو تلفت إليهم ، وغاب عن عملها وفكرها ، قيمة التراحم والنظر في شأن الطائفة العظمي من الشعب وفي هذا يقول حسن مكي : ( لعل مشكلة المشاكل في السودان هي المسألة الاقتصادية ، ولايمكن لحركة سياسية أن تقوم علي قدمها من دون وضوح خطابها الاقتصادي ، ولكن كان الخطاب الاقتصادي أضعف حلقات خطاب الإسلاميين وعلي الاخص الخطاب الذي يتنزل علي واقع السودان وواقع أهله ، ومع ازدهار مؤسسات المال الإسلامي من مصارف وشركات وبيوت مضاربة وتأمين ، إلا أن ذلك لم يصحبه خطاب اقتصادي أو دراسات اقتصادية .. عن كيفية زيادة الانتاج ورفع مستوي المعيشة ومشكلة المشاكل توفير الطعام الرخيص ، والمواصلات الرخيصة والسكن الشعبي وقضايا الأمن الاجتماعي ، …، ومحاربة الحاجة والفقر ، واكتفي الخطاب الإسلامي بترديد مقولة إن النهضة لابد لها من محفز ، ومحفزها أما أن يكون الإسلام أو غيره وقد ابانوا استحالة ذلك ) (51)
كما أن الحركة لم تقدم المثال الحي في توظيف المال بشكل صحيح بما يضمن حقوق المحرومين ، وقد تجلي ذلك في بعض الأمثلة علي صور لاتحقق العدالة بأي حال من الأحوال (52). وحتي عندما أصبحت الحركة دولة قدمت مثالها أقرب إلي النموذج الرأسمالي الغربي بمصطلحات فقهية إسلامية ، الأمر الذي أنتج طبقة دينية سياسية جديدة ساهمت في قيامها البيوتات المالية الإسلامية والعالمية ، تعمل هذه الطبقة علي أعادة دمج الاقتصاد بشروط محسنة للنخبة الحاكمة وبئيسة لمجمل الاقتصاد الوطني (53) . وكان أكبر النقد الذي يوجه للحركة أنها لاتمثل الجائعين والمعدمين والمحرومين ، بل تمثل أصحاب المصالح الاقتصادية وجماعات المنتفعين والتجار ، لكن هذا ليس أمرا عاما أيضا لأن الحركة مثلت كذلك النخبة المثقفة والطبقة الوسطي من أفراد المجتمع ، ولكن مع تطور الحركة وتحولها إلي دولة لم تعد تمثل هؤلاء وتركز المال والسلطان في أيدي الحركة بل وفي أيدي بعض المجموعات بها ، بما هدد مستقبلها الاجتماعي ، وقادها إلي خصومة دائمة من المجتمع الذي تعيش فيه .
التعايش الديني :
من المشكلات الهامة التي تقلل من فاعلية الحركة في السودان وتحجم من مقدراتها هي وجود أقليات دينية ذات خطر وأثر ، وظلت النظرة لهذه الأقليات غير جيدة لفترات طويلة في تاريخ العمل الإسلامي فالعقل الإسلامي في شمال السودان ضيق الأفق في هذه الناحية – ولا نقصد النخبة هنا – أنما العمم أي أكثرية الناس الذين لايعترفون ضمنيا بحقوق هذه الأقليات ، ولاينظرون إلي وجودها وإلي الاهتمام الخارجي بها ، أضف ذلك التأثيرات القوية التي طرأت علي السودانيين من شبه الجزيرة العربية ، عبر التفسير السلفي للمفاهيم الدينية ، وهذا عميق جدا ، وهو بكل تأكيد لايناسب الواقع السوداني الذي يمتلك تحديات مختلفة ، يتمثل في تنوع العقائد وتباينها وتعدد الأعراق والخلفيات الدينية ، ولايمكن بأي حال من الأحوال الأخذ بأقوال العلماء السلفيين لتطبيقها في السودان للتعامل مع الأقليات الدينية ، كما أننا لانملك خبراء بشكل كاف في هذا المجال، لديهم من التأهيل الديني والثقافي يجعلنا قادرين علي ايجاد استراتيجية تناسب الأجواء السودانية لقد تطورت وضعية المسيحيين بشكل خاص خلال العقود الماضية بصورة متسارعة ، ولم يعد التحدي لدي السودانيين مجرد جاليات مسيحية أو ثلة من الأقباط تسترزق من البلاد ، وتفتح حانوتا هنا أو هناك ، بل اصبح للوجود المسيحي ثقل ودعم ومطالبات بالحقوق وبحث عن المواطنة من الدرجة الاولي ، ومواجهات مع الدولة في مسائل التضييق والعنت الذي تلقاه الكنائس في عملها – كما يري التابعون لها – ولم تعد تجدي محاولات الاسترضاء أو الاحتواء ، فقد اراد هؤلاء أن يكونوا كتفا بكتف مع المسلمين من حيث المواطنة والحقوق ، ولايمكن أهمال هذا أو تجنبه ، لسببين اساسيين ، هما ، عدد هؤلاء حيث تعتقد الكنيسة أن عدد المسيحيين السودانيين ربما كانوا ثلاثة ملايين ضمن 35 مليونا ليسوا مسلمين بالكامل ، فمنهم أصحاب الديانات الإفريقية ، السبب الآخر ، هو العامل الخارجي الذي يراقب أداء الدولة ازاء هؤلاء ، ومازال العقل السوداني المسلم البسيط لا يتفهم مشكلات الدولة الحديثة كما أن تيارات إسلامية لها وزنها ، تنظر إلي مثل هذه الأمور من خلال نظريات كتب الفقه والتراث ، وربما احتاج الأمر أو بالفعل هو يحتاج إلي جهد أكبر من ذلك يستصحب الواقع بشكل متعاظم .
أما الحركة الإسلامية علي الرغم من انفتاحها المحدود ، فلقد سبقت التيارات الإسلامية الحديثة نظريا وعمليا ، فالجبهة الإسلامية القومية ، سمحت في دستورها بانضمام المسيحيين إليها . كما أنها حرصت علي تفادي الدخول في مواجهة مباشرة مع الكنيسة ، وإن كان كثير من القول غير الواقعي صاحب عملها ، مثلا الاصرار علي أن نسبة المسلمين تزيد عن المسيحيين في جنوب السودان ، وإذا صح هذا الأمر أو لم يصح يبقي مثل هذا القول اتجاه سياسي ضاغط وليس اتجاها علميا لحل المشكلة ، لم تجتهد الحركة كثيرا في حق الاقليات الدينية بحثا عن حل لأوضاعها ومشكلاتها ولكن ظل حلم العقل الإسلامي السوداني ، حلما تبشيريا أساسه تحقيق ماتسميه الأدبيات الغربية بالأسلمة والتعريب .
الهوامش :
1-حسن مكي ، الحركة الإسلامية في السودن 1969م – 1985م تاريخها وخطابها السياسي ، ط ثانية ، 1420هـ / 1999م ، الخرطوم الدار السودانية للكتب ، ص 223.
2-حسن عبدالله الترابي ، الحركة الإسلامية في السودان ، التطور والمنهج والكسب ، ط ثانية 1995م ، معهد البحوث والدراسات الاجتماعية ، ص 21
3-نفسه ، ص ص 131 – 132
4-نفسه –ص 132
5-محمد تقي مصباح اليزدي ، المجتمع والتاريخ في المنظور القرآني ، ضمن مجلة التوحيد ، العدد الحادي والخمسون ، السنة التاسعة ، رجب – شعبان 1411هـ – شباط – آذار 1991م م – ص 51/40
6-عبدالعظيم عثمان قمر الدين ، الفكر التربوي عند الاخوان المسلمين في السودان ، ط أولي الخرطوم ، شركة مطابع السودان للعملة ، 2006م ، ص 295
7-حسن مكي ، الحركة الإسلامية في السودان 1969 – 1985م ، مرجع سابق ص 335
8-نفسه ، ص 339
9-نفسه ، صفحات 339 ، 340
10-حسن عبدالله الترابي ، الحركة الإسلامية في السودان التطور ، مرجع سابق ص 134
11-نفسه ، صفحات 135- 136
12-نفسه ، صفحات 136- 137
13-نفسه ، صفحات 140 141
14-نفسه ، ص 141
15-الطيب زين العابدين ، مقالات عن الحركة الإسلامية في السودان ، ط أولي ، الدار السودانية للكتب 1424 هـ – 2003م م ، ص 166
16-محمد الخير عبدالقادر ، نشأة الحركة الإسلامية في السودان 1946 – 1956م ، الدار السودانية للكتب 1419 هـ – 1999م ، صفحات 202 ، 203 ، 204
17-عبداللطيف البوني ، دستور السودان علماني أم إسلامي – دراسة في الصراع السياسي الذي دار في الفترة 1956 – 1985م ط أولي دمشق ، دار الجيل ، الخرطوم مكتبة ابن رشد 1998م ، ص 18
18- محمد الخير عبدالقادر ، نشأة الحركة الإسلامية ، مرجع سابق ص ص 199 – 200
19-علي عيسي عبدالرحمن ، الحركة الإسلامية السودانية من التنظيم إلي الدولة 1949م- 2000م (د. ت ) ص ص 11 ، 12
20-عبدالرحيم عمر محي الدين ، الإسلاميون في السودان ، دراسة التطور الفكري والسياسي 1969 – 1985 م ط أولي بيروت دار الفكر 1424 هـ – 2004م ، ص ص 31 ، 32
21-حسن عبدالله الترابي ، الحركة الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 138
22-نفسه ، نفس الصفحة
23-نفسه ، ص 139 – يدعو د. الترابي إلي أن يكون لكل شخص اجتهاده الخاص ، وينبغي أن لايحتكر العلم طائفة محدودة من الناس ( فكل مسلم عالم بشيء نوعا ودرجة وفوق كل ذي علم عليم يتفاعلون ويتبادلون ، وكذلك واجب التدبر والتفكر في الدين خطاب شامل ، لكل مسلم كسبه من ذلك ، وعليه أن يجتهد اجتهاده ، وأن يتفاعل مع اخوانه من دونه ومن فوقه تناصحاً ، فالعلم والاجتهاد حركة مجتمع ، مهما برزت اعلام يؤهلهم كسبهم لقيادة التفكير أو التعبير عن الكسب العام ) ، ورأي د. الترابي أن حصر العلم والفقه والاجتهاد والشوري لدي طائفة من الناس هو أشبه بالفقه الوضعي والعمل الكهنوتي ، انظر : حسن عبدالله الترابي ، منهجية الفقه والتشريع الإسلامي ، الخرطوم ، دار اقرأ ( د. ت ) ص 13.
24-نفسه ، ص 140
25-نفسه ، صفحات 141 وحتي 144
26-حيدر إبراهيم علي ، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية ، مركز دراسات الوحدة العربية ط أولي 1996م ، صفحات 25 ، 26 ، نقلا عن : حمد عمر حاوي طبيعة الدولة في الإسلام بين العلمانية والحكم الديني نموذج السودان 1989- 2001م ط أولي الدار السودانية للكتب 1425 هـ 2004م ص ص 318 – 319
27-حمد عمر حاوي ، المرجع السابق ص 324
28-نفسه ، ص 319
29-صبري الشفيع طلحة ، من هو الدكتور حسن الترابي ومن هم جماعة الرابع من رمضان ، ط أولي الخرطوم 2006 ، ص 158
30-نفسه ، ص 152
31-نفسه ، ص157
32-محمد الخير عبدالقادر ، نشأة الحركة الإسلامية ، مرجع سابق ص 134
33-عبدالعظيم عثمان قمر الدين ، مرجع سابق ص 136
34-انظر بيان الشيخ محمد الغزالي في مجلة الاعتصام العدد السنة
35-حسن الترابي ، المشروع الإسلامي السوداني ، قراءات في الفكر والممارسة ط ثانية معهد البحوث والدراسات الاجتماعية ص 13 ، نقلا عن : علي عيسي عبدالرحمن ، مرجع سابق ص ص 153 – 154
36-د. حسن عبدالله الترابي ، الحركة الإسلامية في السودان ، مرجع سابق ، ص ص 154 – 155
37-حسن مكي ، الحركة الإسلامية في السودان ، مرجع سابق ص 214
38-انظر : أحمد بن مالك ، الصارم المسلول في الرد علي الترابي شاتم الرسول ( د. ت ) صفحات 30 ومابعدها.
39-حسن عبدالله الترابي ، الحركة الإسلامية في السودان ، مرجع سابق ص 145
40-نفسه ، ص 149
41-عبدالرحيم عمر محي الدين ، الإسلاميون في السودان ، مرجع سابق ص 42
42-محمد وقيع الله ، الإخوان وسنوات مايو ، قصة ووثائق الصراع والمصالحة ، الخرطوم ، دار الفكر ( د. ت ) صفحات 13 ومابعدها .
43-عبدالعظيم عثمان قمر الدين ، الفكر التربوي عند الاخوان المسلمين ، مرجع سابق ص 140
44-نفسه ، ص ص 141 – 142
45-محمد الخير عبدالقادر ، نشأة الحركة الإسلامية ، مرجع سابق ص ص 77، 78
46-نفسه ، ص 196
47-حسن عبدالله الترابي ، الحركة الإسلامية في السودان ، مرجع سابق ص 192
48-نفسه ، ص 196
49-حسن مكي ، الحركة الإسلامية ، مرجع سابق ص ص 181 ، 182
50-محمد وقيع الله ، الاخوان وسنوات مايو . مرجع سابق ص ص 205 – 206
51-حسن مكي ، الحركة الإسامية ، مرجع سابق ص 186
52-نفسه ، ص 216
53-حمد عمر حاوي ، طبيعة الدولة في الإسلام .. مرجع سابق ص 302

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.