الحركة الإسلامية في ظل الوضع الدولي الراهن

الأسس العقائدية لإسلامية القدس
30 أغسطس، 2016
تهويد القدس
30 أغسطس، 2016

إعداد الأستاذة/ فاطمة عمر العاقب
ظهور القوى الإسلامية:
الدعوات الإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي حركات تبنت دعوة مفادها الرجوع بالإسلام إلى عهده الأول وأكدت أهمية وضرورة المحافظة على الذات الإسلامية الموروثة والعمل بالإسلام وما جاء به وصولاً إلى مجتمع دولة الرسول (ص).
ولعل هذه الدعوات الإسلامية لم تأت من فراغ، بل ساقتها عوامل عدة إلى ظهورها بصورة قوية، وبالتتبع التاريخي نجد أن جذورها تعود إلى القرن التاسع عشر، حيث شكلت تلك الفترة انطلاقة فعلية للعديد من حركات القوى الإسلامية، وفيها برز زعماء عبر العالم الإسلامي مثال لذلك:
1- كالمهدي في السودان (1848 – 1884).
2- السنوسي في ليبيا ( 1787 – 1837).
3- محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية (1703 – 1792).
4- ودان فوديو في نيجيريا (1754 – 1817).
5- والطريفي من (1717 – 1840) في البنغال.
6- والحركة المقاتلة لأحمد بربلوي (1786 – 1831) من الهند.
7- والبادري في اندونيسيا (1803 – 1837).
ويبدو أن هذه القوى الإسلامية التي ظهرت وجدت لها مسميات فالبعض أطلق عليها حركات الصحوة الإسلامية، والبعض الآخر أطلق عليها حركات التجديد والإحياء الإسلامي، ولكن على تعدد المسميات نجد أن جميع هذه الحركات تتفق في أن الإسلام أصابه بعض الانحسار، فرد البعض منهم السبب إلى الجهل بالإسلام من قبل المسلمين ، وقلة الاهتمام بدراساته وأبعاده الفكرية، والبعض الآخر رده إلى الغرب ورأى أن التحديث هو المؤثر في ذلك بما له من آليات إعلامية وفكرية عملت على غرس مفهوم أن الغرب هو الأفضل، ولأنه عمل على تكسير الحواجز الموجودة في الإسلام.
تبرز العديد من المحاور المتكررة عند الحديث عن ظهور القوى الإسلامية، منها عدم الثقة بالأنظمة السياسية التي كانت موجودة وكذلك عدم الاقتناع بالأفكار الجديدة كالقومية، التي أعلت من شأن الإجتماع على أساس القومية العربية، حيث رأت هذه القوى إن القومية لابد أن تكون إسلامية وذلك في إطار أن الإسلام يقدم أفكاراً متكاملة حتى حول القومية، حيث حدد إنها لابد أن تكون أممية إسلامية من قوله تعالى “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” (الأنبياء:92) لذا فقد كانت محاورهم تدور حول فشل الأنشطة السياسية والاجتماعية وضرورة البحث عن الذات الإسلامية والرجوع إلى العمل بالإسلام وفق ما ينص عليه وما عمل به الرسول (صلى الله عليه وسلم).
بقدوم عام 1967، أي عام النكسة والهزيمة، وبعد فشل مشروع الوحدة العربية، أصابت حالة من الإحباط العالم العربي، لذا بدأ الالتفات لما هو أكثر من الوحدة العربية ، خاصة وان المسلمين فقدوا ثالث الأماكن المقدسة، ونتج عن هذا ، عودة الوعي الإسلامي وتصاعد نشاط الحركة الإسلامية المعاصرة أو الأصولية الإسلامية لذلك يرجع الكثير من الباحثين ظهور القوى الإسلامية لما بعد عام 1967 والواضح أن الصحوة الإسلامية ترجع إلى ما قبل ذلك ولكن بعد عام 1967 نجد إن هذه القوى الإسلامية ظهرت بشكل أكثر تنظيماً وأقوى من السابق.
يمكن إضافة محور آخر من محاور ظهور القوى الإسلامية وهو محور التطور، حيث أن التطور الاجتماعي السياسي بالإضافة إلى الحالة النفسية التي لازمت الشعوب عقب الهزيمة في 1967 زاد من حالة الإحباط المعنوي والروحي وصاحبه الشك في عدم فعالية أي مشروع قومي وجدواه، والتطور الاجتماعي والسياسي والصناعي دخلت به المجتمعات المسلمة موجة الحداثة والتحديث وما صاحب ذلك من الحراك الاجتماعي وظهور الأيدولوجيات الحديثة وانقسام الدول إلى كيانات إقليمية.
واستناداً على ما سبق من تطورات أكدت بعض المجموعات أهمية تبني دعوة مفادها الرجوع إلى الإسلام وكانت المكونات الرئيسية لهذا المشروع هو أن الإسلام هو الحل، والمنهج هو الرجوع إلى القرآن والسنة والهدف هو أمة محكومة بشرع الله وكل الذين يقاومون هذه الدولة مسلمين أم غير مسلمين هم أعداء الله وتتفق هذه الحركات في أنها تسعى لإعادة الإسلام لعصره الذهبي.
ظهرت القوى الإسلامية ووجدت قبولاً من جميع الدول ذلك لأنها أعقبت إحباطاً نتج عن هزيمة مصر وسوريا والأردن في الحرب مع إسرائيل التي نسفت الروح المعنوية للعرب والمسلمين والواضح بعد تلك الفترة إن البعد الديني أو الإسلامي الذي نشأ استغلته الحكومات، فأدخلت الإسلام في السياسة، واستخدمته وسيلة لكي تخدم أغراضها ومثال ذلك الرئيس المصري أنور السادات الذي وظف الدين الإسلامي وحقق بالشعارات الإسلامية ما لم تحققه له أي أيديولوجية أخرى وتنامت الإشارات الدالة على أن الدول العربية بدأت تستوعب القوى الإسلامية الجديدة .
ويظهر أنه في إطار التوسعات الاستعمارية الأوربية سيطرة الدول الأوربية استعمارياً على الدول العربية والأفريقية فشكل بذلك الاستعمار تحدياً جديداً لهذه الحركات، والواضح هنا أن الاستعمار قدم وهو يحمل ثقافة وأيدلوجيا وهوية الدول المستعمرة في مواجهة القوى الإسلامية التي رأت ضرورة تحدي الأنظمة الاستعمارية القابضة على الدول العربية وذلك لأن الخطر في الثقافة الأوربية والفكر الأوربي على الإسلام أمر حتمي لا شك فيه.
وعند بداية عقد الثلاثين والأربعين اتخذ الإصلاح الإسلامي منعطفاً ايدلويجياً بإنشاء تنظيمين: الأول حركة الإخوان المسلمين في مصر.
والثاني الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية واصطدمت الحركات الإسلامية في مصر بالنظام الحاكم لعدة مرات وتبادل الحركيون والأنظمة القومية الاتهامات في أوقات مختلفة ولعل بؤرة الاصطدام المتكررة بين عبد الناصر والإسلاميين هي القومية حيث رأى الإسلاميون أن القومية ما هي إلا إتجاه لعلمنة الدولة والمجتمع الإسلامي وتغريبه وفي هذا يذكر حسن البنا في كتاباته إن القومية خطر لا ينتج منه الا الشرور والحروب والتخاصم ويرى حسن البنا إن الإسلام هو الحل البديل والأخوة الإسلامية هي الأمثل في العلاقات بين الدول وقدم حسن البنا أفكاره وآراءه في العديد من الكتب التي صارت الركيزة الفكرية للإخوان المسلمين في مصر والعالم العربي الإسلامي.
يتضح من التتبع التاريخي لتطور حركة الإخوان المسلمين في مصر، والجماعة الإسلامية في الهند، الأثر الذي أحدثته هذه القوى الإسلامية على بقية الدول العربية والإسلامية، حيث نجد أن هذه القوى امتد تأثيرها الفكري إلى جميع الدول العربية، وخاصة وأن النظام المصري كان يسعى لتقويض دور حركة الإخوان المسلمين مما أثر في انتشار الحركة خارج مصر وأصبحت متجاوزة للقطر المصري إلى العام العربي الإسلامي ، خاصة وأن فكر الإخوان يحتوي على مبدأ الأخوة الإسلامية مما جعلهم يسعون لأممية إسلامية .
خلاصة القول ربما كانت الحركات الإسلامية التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي وحسب ما ورد في سياق كل من هذه الحركات أنها تهدف إلى إعادة الإسلام إلى أصوله وإزالة ما علق به من معتقدات وبدع كما في الوهابية والسنوسية وإقامة العدل في الأرض بعد أن ملئت جوراً كما نادى بذلك المهدي السوداني، واستطاعت هذه الحركات أن تقيم دولاً إسلامية كالمهدية والسنوسية والوهابية واتفقت جميعها في أنها تهدف للعودة للإسلام إلى العصر الذهبي الأول والمجتمع الإسلامي القديم .
وفي نهاية القرن التاسع عشر، ظهرت حركات أطلقت على نفسها: (حركات الإصلاح الديني)، (الإحياء الديني)، (التجديد الإسلامي)، (الصحوة الإسلامية)، وعلى اختلاف المسميات اتفقت هذه الحركات على المبدأ الديني ونجد أن هذه الحركات جميعها تزامنت في نشأتها مع صعود الحركة القومية العربية، لذا لم يشأ لها أن تقوم بدور الموحد بين الأمة العربية، وكنتيجة للجهل بالإسلام والخلط بين العروبة والماركسية، ساد نوع من الفوضى الفكرية، فانبرى داخل الحركة القومية من وصف الدين بالتخلف، والإيمان بالتواكل والتراث بالرهبنة، والأخلاق بالمثالية العاجزة .
وعقب نكسة 1967 والتي اعتبرها الإسلاميون هزيمة للتيار القومي العربي ذي التوجه العلماني، صعد نشاط الحركات الإسلامية السياسي، وتزامن صعوده مع انحسار المد القومي وقدمت الحركة الإسلامية نفسها كبديل مغاير كما عملت الحركة الإسلامية على توحيد الصفوف تحت راية الإسلام وتم تقويض فكرة القومية العربية واستبدالها بالقومية الإسلامية وكلا الفكرتين سياسيتين جوهراً ومظهراً .
تقدمت الحركات الإسلامية بأطروحتها والتي مفادها أن الإسلام هو الإطار الموحد للدولة العربية الإسلامية. ونادت بالقومية الإسلامية وقصدت بذلك أن يكون الإسلام رابطة جديدة تزيل أي وطنية أو قومية وتبلورت مجموعة الأفكار التي شكلت أيدلوجية الإخوان المسلمين وركزت على إن، الأمة والدولة أولاً ثم العدالة الاجتماعية والمجتمع ثم الإيمان بالله والاستناد إلى القرآن والسنة وتبلورت هذه الأفكار وأفصح عنها في المؤتمر الخامس المنعقد في 1938م. ويذكر البنا أن الإسلام نظام شامل متكامل بذاته وهو السبيل النهائي للحياة ويعرف حركة الإخوان المسلمين بأنها دعوة سلفية وطريقة سنية وهيئة سياسية وعقب المؤتمر الخامس وضح فكر الإخوان المسلمين السياسي. إن حسن البنا مؤسس الحركة لا يفرق بين الدين والسياسة فعنده الإسلام دين ودولة.
وعليه كان لابد من التطرق لفكر الإخوان المسلمين والذي يبدو أنه المصدر الذي انتشرت منه فروع الإخوان المسلمين في كل الدول العربية والإسلامية، وبالتالي أصبح المرجعية الفكرية لجميع الحركات الإسلامية التي تلته، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن هذه الفروع لحركة الإخوان المسلمين كانت تتلقى الدعم المادي وكانت تتبع تنظيماً وفكرياً لها، لذا كانت معظم الحركات الإسلامية متأثرة بها في كل المجالات فمن مصر انتقلت الحركة إلى السودان، وتونس، والجزائر، واليمن، وغيرها من الدول وأصبحت كقوى وحركات إسلامية تؤثر في هذه الدول سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً ، بما لها من أيديولوجية متكاملة، والحركة الإسلامية السودانية هي وليدة لحركة الإخوان المسلمين في مصر. وهناك حركات سودانية ذات نشأة محلية كحركة التحرير الإسلامي التي نشأت في كلية غردون والمدارس الثانوية السودانية.
مرتكزات النظام العالمي الجديد تجاه الحركات الإسلامية
أنهى النظام العالمي الجديد مرحلة الاستقطاب التي كانت سائدة في فترة النظام ثنائي القطبية، حيث كانت الحياة الدولية رهينة هذا الاستقطاب بين النظامين، وكان له أثره في التطورات المتعلقة بالصراع بين النظامين ولعب دوراً أساسياً في الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتلك الفترة .
ومن أهم التحولات الدولية هي تغير موازين ومستويات القوى العظمى وذلك عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز قطب واحد مهيمن عسكرياً وسياسياً وتصاعد مستوى التبادل الاقتصادي بين الولايات المتحدة وأوربا واليابان.
وهذا النظام السياسي الدولي له العديد من الخصائص على نحو يجعله مميزاً عن المراحل السابقة ولعل من ابرز هذه الخصائص افتقاره إلى سلطة عليا مخولة سياسياً وقانونياً بوضع القواعد التي يقوم على أساسها النظام بتأدية وظائفه في الاستجابة لمختلف أنواع التحديات التي تفرضها البيئة الدولية لمواجهة الأزمات وحسم النزاعات والصراعات ، وهذا ما يجعل النظام الحالي يعاني من إشكالية الضبط والتنظيم ، وبالنظر للمنظمات الدولية كإحدى أدوات الضبط والتنظيم وبمراجعة التجربة التاريخية لها لا توجد دلائل كافية تؤكد استقلاليتها حيث أن قواعد القانون الدولي تخضع للتكيف الإعتباطي عندما تتعارض مع المصالح القومية للوحدات الرئيسية أو الفاعلة.
الأمر الثاني هو حالة اللاتجانس التي تحكم أنماط التفاعلات بين الوحدات التي تسهم في تشكيله تعددية الوحدات المساهمة فيه أدت إلى اختلاف مستوى توزيع الثروة والقوة واختلاف النشاط وخلق علاقات غير متوازية وأدى زيادة الفجوة أيضاً إلى التكنولوجية بين الشمال والجنوب.
وهناك مدخل آخر لتوصيف هذا النظام الحالي إذا تم ربطه بفكرة الدولة القومية أو الوطنية حيث يتضح انعدام مفهوم السيادة الوطنية التي تعرضت للانتهاك المباشر كالعراق أو غير المباشر عبر الأمم المتحدة كالصومال أو المظهر الثاني: عبر الاختراق الاقتصادي والمساعدات الاقتصادية المشروطة أو استخدام المعونة كسلاح سياسي وهناك درجات ومراتب متعددة لذلك الاختراق إذ يمكن جعل دفع الأموال مشروطاً بإصلاحات معينة في حقوق الإنسان ويجوز التلويح بقطع المساعدات وفعالية تلك الإجراءات السياسية تتوقف على صدقية التهديد والحجم النسبي للمعونة التي يقدمها المانح وطبيعة النظام الحاكم المتلقي ومدة استعداده للتأثر بهذا النوع من التلاعب.
يمكن القول بأن النظام العالمي الجديد بحسب ما سبق يجمع بين التدخل الاقتصادي الذي أصبح يحتكم إلى شرعية دولية وهذا التدخل قد يكون بواسطة المساعدات الاقتصادية التي تأتي في صورة العصا والجزرة أي الترغيب والترهيب، وبالتلويح بقطع أو زيادة المساعدات والتدخل الأيدولوجي – رغم سقوط وانتهاء الأيدولوجيات المؤطرة للنظام السابق (الشيوعية)- وذلك من خلال العولمة وشبكة المعلومات أو المعلوماتية في محاولة لعولمة أمريكية للعالم بحسب الفهم الأمريكي للثقافة والسياسية والاقتصاد وكافة المفاهيم المختلفة.
بيد أن هذا النظام العالمي الجديد هو نظام قديم جداً من خلال شمولية الاقتصاد الظاهرية ولكن بنفس المستوى يعالج الجانب الاجتماعي والنواحي الأمنية والتقانة والعلوم والقضية الثقافية ولا يسعى هذا النظام إلى إحقاق حق أو إقامة العدالة ولكن قائم على عامل القوة.
وبالنظر لما سبق يتضح أن العالم يشهد تحولات في موازين القوى والمرحلة الآنية هي مرحلة لنظام عالمي لم تتحدد معالمه بعد، وان كانت السمة الغالبة حتى الآن هي أنه يجمع بين الأحادية القطبية من جهة وتعددية قطبية لبقية قوى المجتمع الدولي والذي يخضع لسيطرة القطب الواحد (الولايات المتحدة).
السمة التي تميز هذا النظام هو أنه بدافع سعيه الدءوب لنشر فلسفة النظام الغربي وذلك من خلال استخدام الاقتصاد، المنظمات الدولية، الثورة المعلوماتية، الحديثة والعولمة، وفي ضوء ذلك يدعي النظام أنه يدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة ومحاربة الإرهاب الدولي، وهي مفاهيم يتم استخدامها وفق محورين: الأول انتقائي. والمحور الثاني: ازدواجية المعايير أو الكيل بمكيالين وعلى ذلك انبثقت السياسة الدولية التي تعبر عن فلسفة النظام العالمي الجديد.
من جهة أخرى تزامن بروز هذا النظام العالمي الجديد مع متغيرات سياسية عديدة أطرت لشكل جديد من المفاهيم، ففي السودان تمكنت الجبهة الإسلامية القومية من السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد في 1989م. وأعقب ذلك تهديد المصالح الأمريكية في الخليج عقب غزو صدام للكويـت. الخيار الديمقراطي انبثق عنه فوز الأحزاب الإسلامية في الجزائر، ميلاد دولة اريتريا في القرن الإفريقي، انهيار الدولة في الصومال، تفكك الصف العربي عقب حرب الخليج الثانية. هذه المتغيرات أثرت على خارطة السياسات الدولية، وذلك بداية المفكرين والكتابات، فعقب ظهور النظم الإسلامي في السودان انبرى المفكرون الغربيون في تناول النظام الإسلامي السياسي بحسب الفهم الغربي للظاهرة، وجاءت الكتابات تدور في فلك واحد هو أن الخطر الأخضر هو البديل للخطر الأحمر مقصود به الحركات الإسلامية أو كما يطلق عليه الغرب حركات الإسلام السياسي.
وبالنظر لنجاح الثورة الإسلامية في إيران والمسار التصادمي مع سياسة الولايات المتحدة ومحاولات الأخيرة لإجهاض إقامة الحكم الإسلامي في إيران ورغم أن قيام مثل هذا النظام الإسلامي يهدد المصالح الأمنية بحسب زعم أمريكا إلا أن الولايات المتحدة لم تتدخل عسكرياً لانقاد الرهائن الأمريكيين في إيران تخوفاً من أن الخميني وأتباعه بانجذابهم الروحي القوي كشيعة إلى فكرة الشهادة يرحبون عملياً بأي عمل عسكري أمريكي ويجعلون منه وسيلة لتوحيد العالم الإسلامي ضد الغرب . ورغم تهديد المصالح الحيوية الأمريكية إلا أن أمريكا تنظر إلى شبح الوحدة الإسلامية نظرة المتوجس والمرتاب لما له من قوة.
وهذا يقودنا إلى الحديث عن دوافع الصدام بين الإسلام والغرب والادعاء الغربي أنهم ليسوا ضد الإسلام في حد ذاته كما ذكر الرئيس كلينتون بل ضد الجماعات الإسلامية، وكما أن العلاقة بين الإسلام والغرب تاريخية ومعقدة وتبدأ ببداية ظهور الإسلام وانتصاراته المتتالية وتوسعاته العالمية وصولاً إلى الحروب الصليبية القابعة في الذاكرة الأوربية حتى الآن. ونجد بالنظر من ناحية تاريخية أن العلاقة بين الحركات الإسلامية والغرب تؤكد الشواهد أن الغرب لم يعترف بهذه الحركات إلا بعد أن احتاج إليها لوقف المد الشيوعي والوجود السوفيتي في أفغانستان مما جعلها تتعاون معها بدون فرز لجماعة متشردة أو معتدلة، وبدأت الإدارة الأمريكية مرحلة جديدة وأصبحت في خندق واحد مع حركات الإسلام السياسي المتشددة، بل وتقوم المخابرات المركزية الأمريكية بالإشراف على معسكرات تدريب المجاهدين الإسلاميين في باكستان وتمدهم بأفضل ما أنتجته المصانع الحديثة الأمريكية من صواريخ مضادة للطائرات، والدروع، وقامت بالتفاوض عليها وشرائها لأسامة بن لادن . إلا أن هذا التعاون سرعان ما انتهي بنهاية عهد الحرب الباردة وانهيار النظام ثنائي القطبية والتفرغ للنظر في ظاهرة الصحوة الإسلامية الحديثة أو الحركات الإسلامية المعاصرة، وبرزت على السطح عدة أفكار حولها ما بين متشدد ومعتدل ، فمثلاً رأت الصحفية جورديس ميلر والمستشرق برناد لويس أن التيار الإسلامي بجناحيه المعتدل والمتشدد إنما هو تيار معادي للمصالح الأمريكية والغربية بشكل عام وانه ليس من مصلحة الغرب والولايات المتحدة وصول تلك العناصر للحكم حتى ولو بشكل ديمقراطي . على الرغم من أتباع أمريكا لسياسة مفادها تشجيع التحول الديمقراطي إلا انه من الناحية العملية هناك شرط واحد ألا ينتصر الإسلاميون في الانتخابات.
وبالنظر لكتابات (صمويل هنتنجتون) الذي ركّز على حتمية الصراع بين الغرب والإسلام ولم يربطهما بالحركات الإسلامية فقط بل بالإسلام نفسه وذهب مذهب (فوكوياما) الذي ذكر أن الصراع بين الديمقراطية اللبرالية الغربية والفاشية الإسلامية ليس صراعاً بين نظامين حضارتين يتميزان بقابلية البقاء، وربط هنتنجتون الإحياء الإسلامي بالنفط الذي زاد من الثروة التي حفزت الصحوة ومكنتها من عكس علاقة السيطرة والتبعية.
على أنه لا يمكن أن نقتصر سلبية العلاقة بين الإسلام والغرب على فترة ما بعد الحرب الباردة لأنه بالنظر إلى المؤتمر الذي عقده معهد (جونثان) الأمريكي حول الإرهاب الدولي في 1984 خرج بتوصيات أن الإسلام دين إرهابي وان التاريخ القديم للإرهاب الإسلامي يجد تفسيراً للجوء إلى استعمال الإرهاب السياسي من قبل الإرهابيين الإسلاميين في الوقت الحاضر وصولاً إلى حديث الرئيس (رونالد ريغان) الذي صرح لصحيفة النيويورك تايمز أننا لن نسمح للتجربة الإيرانية أن تتكرر مرة أخرى في أي بقعة من بقاع الشرق الأوسط . وكادت التجربة الإيرانية أن تتحقق في الجزائر ولكن عن طريق الانتخابات والتحول الديمقراطي حيث اكتسحت الجبهة الإسلامية لإنقاذ في الجزائر انتخابات مجلس البلدية في 1990 والانتخابات العامة في 1991 مما عجل بإلغاء الانتخابات وتحول الدولة إلى حرب أهلية عاصفة .
ويمكن القول أن النظام العالمي الجديد الأحادي القطبية له إطار فكري قديم متجدد عن الحركات الإسلامية التي أطلق عليها حركات الإسلام السياسي والتي بحسب الفهم الأمريكي أنها حركات إرهابية توسعية يجب العمل على عدم وصولها لسلطة بأي طريقة، ولا يفرق الفهم الأمريكي بين الحركات الإسلامية المعتدلة أو المتطرفة بل هي حركات لها ذات المرجعية الفكرية وهناك مفكرون متشددون لهذا النظام كهنتنجتون وفوكويما، ولكن ازدواجية المعايير التي تحكم النظام في بعض القضايا كعملية التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان تسقط عندما يتعلق الأمر بفوز الحركات الإسلامية خوفاً من توحد الصف العربي الإسلامي تحت راية الإسلام وذك في إطار الحفاظ على المصالح الأمريكية الحيوية لان الثابت في السياسة الأمريكية هو انه ليس هناك صداقة دائمة أو عداوة دائمة ولكن هناك مصالح دائمة وهذا هو إطار التعامل مع الحركات الإسلامية في أفغانستان التي بدأت بالاحتضان والتعاون وانتهت بالصدام .
وبذات المنحى الاحتوائي قامت الولايات المتحدة بتقويض الحركة الإسلامية السودانية التي وصلت إلى السلطة عبر صيغة تعاقدية مع المؤسسات العسكرية، ولعل الإطار الخفي لهذا الأسلوب في الوصول للسلطة هو الذي مكن الحركة الإسلامية السودانية من تثبيت إقدامها في مؤسسة الدولة، مقارنة بمحاولات الإسلاميين في الجزائر للوصول للسلطة وفوزهم وإجهاض النجاح، وذلك التخفي في السنين الأولى أدى أي تمويه النظام العالمي عن طبيعة العلاقة بين الحركة الإسلامية والمؤسسة العسكرية ولم يستدرك الغرب والأنظم الموالية له إلا عقب سنة ونيف من قيام النظام، وكما ذكر د. حسن الترابي عندما أعلن الكيفية التي خططت بها الجبهة الإسلامية القومية لهذا الانقلاب بقوله أن الإسلام ظل مخفياً لعام ونيف حتى لا تهرع الدنيا كلها على الإسلام الوليد في طفولته وعندما أدرك من حولنا أن هذا الوليد إسلامي كان قد تمكن وقوى عوده .
ولعل في هذا الحديث دلالة عن الخبرة السياسية التراكمية لطبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب والتي وضح فيها فهم عميق من قبل د. الترابي لهذه العلاقة وسرعان ما حاولت الولايات المتحدة احتواء التجربة الإسلامية السودانية من خلال دعم المعارضة الخارجية في إرتريا وتدريبها، والحصار الاقتصادي والعسكري والإعلامي، ودعم متمردي الجنوب، وتطويق السودان من دول الجوار، وتدويل الصراع الأهلي، وانتهاك حقوق الإنسان، والإرهاب، وتصدير الثورة، وتدريب الحركات المتطرفة، وتحويل مسار الحرب إلى حرب دينية، وصولاً إلى الهجوم المباشر العسكري ضرب مصنع الشفاء، كل هذا كان مسعاه بالدرجة الأولى إسقاط النظام الذي ثبت توجهه الإسلامي وارتباطه بالجبهة الإسلامية القومية ومحاولاته لإقامة نظام الحكم الإسلامي وتبني نهج أممي .
ولعل النظرة الفاحصة للطبيعة التي يتحرك منها الغرب والتي وعاها د. الترابي في مقالة له ذاكر إننا أكثر أهلية من غيرنا لإقامة هذا الحوار وذلك لأننا تحررنا من النموذج الغربي وإرادة صانعيه ونظرتهم المهيمنة وامتلاك القرار، وتمثل الدين والشرع ونلنا الاستقلال الكامل اجتماعياً وثقافياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً وقانونياً ورفضنا التبعية، وربطنا الماضي بالحاضر لاستشراف مستقبل الأيام ليس للسودان فقط بل للأمة المجاهدة بأكملها .
عند دراسة الحركات الإسلامية المعاصرة وتفاعلها مع النظام العالمي الجديد في محاولة لاستقراء مستقبل الحركات الإسلامية المعاصرة لابد من التطرق لظاهرة الإرهاب ومحاولات النظام العالمي الجديد جعل ظاهرة الإرهاب والحركات الإسلامية المعاصرة كمترادفين أو وجهين لذات العملة، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وتبني الإدارة الأمريكية لسياسة جديدة ضد الإرهاب، ليس ضد الحركات الإسلامية فحسب بل ضد الدولة وضد المجتمعات التي وصفتها أمريكا بالإرهاب وقد حدث لها تدمير كامل في البنية التحتية كأفغانستان والعراق.
وبالنظر لما هو سائد كمترادفات كالتطرف والإرهاب على الرغم من أنهما مختلفان تماماً من خلال أن التطرف يفترض أن هناك وسطاً متفقاً عليه يمثل الاعتدال والابتعاد عن هذا الوسط يساراً أو يميناً، يعد انحراف. وصاغ الفلاسفة اليونانيون عبارتهم الشهيرة الفضيلة بين رذيلتين أي بين إفراط وتفريط ، أما الإرهاب فيشمل جميع الأعمال التي تتضمن التخويف والإرهاب والعنف وليس له قوانين خاصة لكن بعض القوانين الجنائية تفرد باباً للجرائم الدولية وتعتبر الإرهاب من جرائم القانون الدولي وليس المحلي وعدم وجود قرار من الأمم المتحدة أو معاهدة دولية لتعريف دقيق للإرهاب ، والإرهاب كذلك استخدام الإكراه المادي أو المعنوي لتحقيق أهداف سياسية اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية.
وقد عرّف الكونغرس في 1977 الإرهاب بأنه الإرهاب الدولي بغض النظر عن جنسية الفاعلين، وحسب. وتعرف وزارة الخارجية الإرهاب بأنه هو عنف ذو باعث سياسي يرتكب عن سابق تصور وتصميم ضد أهداف غير حربية من قبل مجموعات وطنية أو عملاء دولة سريين ويقصد به عادة التأثير على جمهور ما.
ارتكازاً على ما سبق نجد أن هنالك خلط في الفهم الغربي للربط بين الجهاد والإرهاب فالمشترك استخدام القوة والعنف ولكنهما يختلفان من حيث أن استخدام القوة في الجهاد عمل مشروع واستخدام القوة والعنف في الإرهاب غير مشروع. وعليه جاءت الخطة الأمريكية الأوربية للخلط بين الأمرين لتضع حزب الله، وحماس والجهاد في فلسطين، ضمن قائمة الأعمال الإرهابية .
ولا شك أن الجهاد اختفى في السنوات الأخيرة إلا أنه انتعش فجأة بمساعدة أمريكا خلال الثمانينات عندما تدخل السوفيت في أفغانستان ووجدت أمريكا فرصتها لحشد المسلمين ضد إمبراطورية الشر حسب تعبير الرئيس الأمريكي السابق ريغان، وكان من ضمن أولئك المجندين أسامة بن لادن وعقب حرب الخليج الثانية تحول العداء لأمريكا من قبل أصدقاء الأمس، على أن المهم هو انه في نوفمبر 2001 عقد مجمع البحوث الإسلامية وأصدر بياناً عرف الإرهاب بأنه ترويع الآمنين وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم وكرامتهم الإنسانية بغياً وفساداً في الأرض وأما الجهاد فهو الدفاع عن الوطن ضد احتلال الأرض ونهب الثروات وهو بذل الجهد لنصرة الحق ودفعاً للظلم وإقراراً للعدل والسلام الآمن .
وعليه يمكن القول حسب رأي (أوليفي روي) أن فهم حقيقة الإسلام والعالم الإسلامي المعاصر بحسب ترافق الإسلام في سلسلة من الانقطاعات والاستمراريات مع مجمل الأديان والمجتمعات المعاصرة بين مسلمي اليوم ليس بالعزلة الثقافية بل هو ظاهرة شاملة وتخضع للعولمة وترافقها .
وعليه في ضوء تلك المقولة يمكن أن نلمس خيط أمل لفهم طبيعة الإسلام وعمل الحركات الإسلامية من قبل المفكرين الغربيين، إلا أن تلك الرؤية لا يتفق معها آخرين (كجون اسبرزيتو) الذي يرى أن وجود الإسلام كديانة عالمية وقوة أيدلوجية يحتضن أكثر من خمس سكان العالم وبالتالي سوف يستمر رفع منظور الخطر الإسلامي. ومع فجر القرن الحادي والعشرين يرى بأن الغضب الإسلامي يهدد النظم السياسية التي كانت موالية للغرب وهو يميز كذلك ما بين العالم الإسلامي والحركات الإسلامية.
تطور الحركة الإسلامية قديماً وحديثاً :

بالنظر للحركة الإسلامية السودانية إذا حاولنا استقراء مستقبلها في ظل الوضع الدولي الراهن لابد من أن نربط الوضع الحالي بالإطار التاريخي لنشأة وتطور الحركة بصورة مقتضبة كيما تفي الدراسة أغرضها .
ففي الفترة من 1945 – 1968 بحسب قراءات د. الترابي نجد ان حركة الأخوان المسلمين المصرية التي انبثقت منها الحركة الإسلامية السودانية وجدت صعوبة استمرارها في استيعاب تلك القوى وبذات الوقت ظهر نوع من التباعد بين التقلبات السياسية داخل التنظيمات القطرية لحركة الإخوان المسلمين ومن هذا المنطلق رفعت الإخوان المسلمين يدها وساعد في ذلك انغلاق الحركة نفسها وعدم ربطها لفكر الحركة بالعمل السياسي.
دخلت حركة الإخوان المسلمين السودان منذ مجيء صلاح عبد السيد وكمال الدين السنهوري ما بين 1944 -1945 لنشر دعوة الإخوان المسلمين وخطبا في نادي الخريجين ودعا للفكرة، وتكونت أول لجنة للإخوان المسلمين برئاسة إبراهيم المفتي وتكونت أول هيئة فعالة للإخوان المسلمين برئاسة عوض عمر الإمام.
في عام 1953 تمكن على طالب الله من فتح دار للاخوان المسلمين وعرفت باسم المركز العام للإخوان المسلمين . وبذلك قوى من شأن الحركة والعمل بالسودان وانضم إليها العديد من الطلاب وانتظموا في سلك التنظيم مثل السنهوري وكمال مدني وكان يدعمهم في ذلك المركز العام للإخوان المسلمين بمصر ووجدت الدعم من مجلس الثورة في مصر، غير أن الدعم توقف نسبة لتغير الظروف السياسية وصراع الحكومة مع الأخوان المسلمين . وارتبطت في تلك الفترة ارتباطاً مركزياً مع مصر وكان تعيين أمير الجماعة لابد أن تتم الموافقة عليه من قبل مصر لا السودان .
الواضح من المتابعة التاريخية انه لم تكن هناك أرضية فكرية للحركة الوليدة ولم تكن الأسس الفكرية قد تبلورت وكانت تعتمد على الوارد من مصر وكانت تتناول أدبها من كتب الأخوان في مصر أو المودودي، وكانت أشكال التنظيم البسيطة السائدة فيها منقولة من التجارب المصرية. وساند المجتمع السوداني الحركة التي عرفت باسم حركة التحرير الإسلامي ونمت بحسبانها تيار مناهض للماركسية والشيوعية التي انتشرت في تلك الفترة، وكلف بابكر كرار، وحمد يوسف، بكتابة مذكرة تعريفية باسم حركة التحرير الإسلامي . والتي نشأت لتتصدي لهجمة الشيوعية ومقاومة الاستعمار الإنجليزي، لإقامة مجتمع على أسس الإسلام ، وجاء دستور الحركة ليوضح طبيعتها التربوية الإسلامية الإصلاحية الشاملة وعملت بالطواف في البلاد والشعب وتوعيته بأهمية الدستور الإسلامي وكان مؤتمر العيد المنعقد في 1954 الذي وضح التسمية، ووضحت طبيعة الخلاف بين على طالب الله الذي كان ساخطاً على المؤتمر واعتبره خروج على الشرعية التي استظلت بها حركة الإخوان في السودان وحركة التحرير التي اتخذت لها اسم جديد وهو الإخوان المسلمين وانشقت الجماعة واتخذت لنفسها اسم الجماعة الإسلامية التي آثرت الجمع بين النضال السياسي والعمل الاشتراكي على أساس أن الإسلام ثورة شاملة .
وتزامن تكوين هذه الجماعة مع قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في مصر في عهد جمال عبد الناصر، وبالنظر لحركة الإخوان المسلمين نجد أن خطابها اتسم بالخطاب العام حيث أقامت عدد من المحاضرات والندوات عملت على تجاوز التقليد ببناء اطر وهياكل تنظيمية عالية ، واستفادت في هذه الفترة من سلبيات التجربة الأولى وهي غياب الوعي التنظيمي وقلة الخبرة العلمية وحولتها إلى عامل دفع لبناء هياكل منظمة تنظيماً جيداً ودقيقاً استطاعت أن تبرز وجوهاً وتفرضهم وتصبح وريثاً شرعياً للعمل الإسلامي داخل المؤسسات التعليمية.
في هذه الفترة أنصبت أهدافها على الدستور الإسلامي ومن خلاله استطاعوا أن يحصلوا على تأييد وسند شعبي واسع وجعله قضية لا تملك الأحزاب تجاهلها . وذلك عبر قضية الدستور الإسلامي، ويقول الترابي أنهم تجاوزا مرحلة الانشقاق والتصدع الأولى، وان الخلاف نتاج لتيار اعتصم بالأصولية الإسلامية الخالصة ولم تكن نظم الشورى قد استوت عند الجماعة المحيطة بالخلاف.
ويبدو أن أخطر ما في تبني قضية الدستور الإسلامي أنها أقحمت في القاموس السياسي الشعار السياسي الملتحف بالدين كما ذكر د. القدال الذي نقد هذه القضية وذكر أنها دشنت النفاق باسم الدين في شكل جديد وفتحت الطريق أمام تجارة سياسة باسم الإسلام ولعل قضية الدستور الإسلامي كقضية دينية أولاً تمثل عصب الحياة الإسلامية السياسية وبالنظر للجانب السياسي الأيدلوجي المضاد للفكر الإسلامي تلك الفترة، نجد أن الحزب الشيوعي الذي تزامن قيامه مع الحركة الإسلامية أثر على تطوره سلباً على أساس أن الإسلام في السودان فطري شعبي واسع الانتشار يقف على النقيض من تلك الأفكار الوافدة على المجتمع ممثلة في الفكر اليساري، لذا نجد أن المجتمع السوداني في تلك الفترة دعم الحركة الإسلامية بشكل واسع.
وعن تطور الحركة في فترة عبود وصفها الترابي بأنها فترة كمون لان الحركة واجهت ما توهمته خطر محنة وابتلاء وفزعت الحركة إلى حذر بالغ دون أن تلاقي ابتلاء فانفعلت بالخوف وكمنت كموناً تاماً حتى كادت أن تجمد نفسها ونشطت في معارضة لنظام عبود وانتهت بالثورة الشهيرة ثورة أكتوبر1964 وتطورت الحركة ودخلت مرحلة جديدة من مراحل تطور المجتمع الحديث وبدأت مرحلة الانفتاح وتوافد عدد من الخرجين وأصبح هناك وعي وبحث عن طبيعة الحركة ووظيفتها في المجتمع ونشأت جبهة الميثاق الإسلامي كواجهة للعمل العام وظلت هذه المرحلة من عمر الحركة تعتبر نقطة تحول في خطر سير الحركة من خلال النقد المقدم من قبل الأعضاء في الأخوان المسلمين لنظام العضوية والقيادة، هي فردية أم جماعية ، وحدثت بعد ذلك التغيرات التنظيمية المتمثلة في إعلان جبهة الميثاق الإسلامي ، وفي هذه الفترة طورت جبهة الميثاق آلياتها كمنظمة شباب الوطن، والجبهة النسائية الوطنية، وكان هناك جدل فكري حول جبهة الميثاق ، هل هي حركة ضغط تنشد التأثير في الحكم فقط ولا تسعى للسلطة ؟ أم هي هيئة سياسية تضغط في الساحة وتشارك في الحكم ؟.
وكان هذا مثار جدل واسع في أروقة الحركة في فترة السبعينيات هل هي حركة تربوية دينية أو حركة سياسية ؟ والذي بدوره يقود للحديث عن التيار الذي نادى بضرورة شمول العمل السياسي ومصاحبته للحركة، فبرز للساحة تيارين: الأول: روحي تربوي ديني والآخر: حركي سياسي .
عقب نجاح جبهة الميثاق الإسلامي فيما بعد 1964 في تأليب الأحزاب على الحزب الشيوعي وطرده وإبعاد نوابه من البرلمان، وبحسب إفادة د. حيدر إبراهيم جرت جبهة الميثاق الإسلامي الأحزاب التقليدية إلى هذا الصراع الذي بينت نتائجه هشاشة التعددية ، بعد هذا الانقلاب على الحزب الشيوعي انتهت العلاقة من تنافسية إلى سيادة جبهة الميثاق، وأثبتت الأخيرة نفوذها من خلال الثورة الشعبية لحل الحزب الشيوعي، على الصعيد الداخلي استفحلت الخلافات حول القيادة الداخلية فردية أم جماعية ؟ وحول التوازن الفكري هل هو دعوى تربوي أم سياسي؟.
جاء انقلاب مايو في 1969 وهو يتبنى نهج يساري ظهر في بداية عهد الثورة في خطاب بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في الدورة 24، الذي جاء فيه أن السودان كان يأمل في التعاون مع كل الأمم والشعوب ولكن وضح الزيف الذي ينطوي على نهج الديموقراطية الغربية التي تقوم علي نظام ومؤسسات تدعم الرجعية .
مر نظام مايو بأزمات داخلية وخارجية خطيرة الأولى تمثلت في أن انتهاج النظام للأيديولوجية الشيوعية أثار سخط الأحزاب الدينية التي تمثل أغلبية الأحزاب الموجودة في الساحة السياسية، التي عملت متحدة لقلب نظام الحكم، وصلت لقمتها في أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي، وعقب هذه الأحداث أدلى الرئيس نميري بيان جاء فيه: أن الولايات المتحدة تآمرت مع حزب الأمة وجماعة الإخوان المسلمين لقلب نظام الحكم واتهام الولايات المتحدة بأن ذلك يتم تحت إشرافها وذلك لأنه يتعارض مع مصالحها في المنطقة وعملت على التخلص من النظام اليساري عن طريق دعم المعارضة الخارجية وتقديم الدعم العسكري لحركة أنانيا بالجنوب وعقب انقلاب هاشم العطا، عمل نميري على التخلص من الشيوعيين.
وعليه، هذا السرد كان ضروري لاستيفاء مقتضيات تطور الحركة الإسلامية بحسب تطور الأنظمة السياسية في السودان، وذلك في إطار التحولات الجذرية التي طرأت على الحركة في إطار المنظومة السياسية التاريخية، لأنها لا تعمل بمعزل عن الأحداث بل تتأثر بها وتؤثر فيها.
ونجد أنه عقب انقلاب مايو وضح للإسلاميين أن المشروع الحضاري للانقلابيين يعاكس اسماً ورسماً المشروع الإسلامي وتم اعتقال الترابي، وصادق عبد الله عبد الماجد، ويس عمر الإمام، وآخرين وأصدرت جبهة الميثاق الإسلامي منشوراً أدانت فيه مايو، وصرحت فيه: أنها أتت لتوطيد أركان الإلحاد ومحاربة الإسلام ونشطت الحركة وسط قطاع الطلاب الذي استطاع أن ينجح في تأليب المجتمع ضد النظام، ولاحقاً استخدام القوة العسكرية حتى تاريخ المصالحة الوطنية، والتي غيرت مسار الحركة الإسلامية، فأصبحت منذ عام 1977م حتى سقوط نظام مايو، أصبحت الحركة شريكة في الحكم وما قبل ذلك كانت معارضة للنظام.
وبدأت الحركة في تطوير التنظيم من حيث توزيع وظائف العمل الإسلامي، وترتيب إدارة الجماعة التي تتولاها، وتطور تنظيم جبهة الميثاق الإسلامي واستوعب المستجدات في حركة الجماعة ونضجت النظم الإدارية الحركية وطورت أداءها وكسبها من خلال تطوير المنهج والأداة والنقد، والاستفادة من الحزب الشيوعي في مجال الإدارة والتنظيم.
إلا أن أهم الأحداث الأيدولوجية التي برزت عقب المصالحة هو الخلاف الذي نشب بين صادق عبد الله عبد الماجد التي تبنى نهج قائم على أن الحركة جاهدت وعملت لإقصاء نظام مايو بكل السبل المتاحة ليس لتتصالح معه بل لإزالته ، وجاءت المصالحة لتؤكد نصرة الخط السياسي للحركة على الخط التربوي المجتمعي، واستقال صادق عبدالله عبدالماجد وأكد استمراره في تنظيم الإخوان المسلمين الجديد الذي يتفق مع منهج الحركة الإسلامية، وركز على عدم رضاءه عن الفتاوي والاجتهادات التنظيمية التي يقودها الترابي، وعدم اقتناعه بمسوغات المصالحة وإيمانه بوحدة الحركة الإسلامية العالمية، وإيثاره لأسلوب التربية والتنظيم، وإعلان د. الترابي لقرار حل تنظيم الإخوان المسلمين .
وكان رأي الترابي أن الذين خرجوا عن جبهة الميثاق كانوا يمثلون ثلاثة مدارس كانت موجودة كأصوات داخل التنظيم: الأول: ضد التطور في الاجتهادات التنظيمية والحركية. الثاني: ضد بدء الحركة الفقهية والاجتهادية. الثالث: سياسي ينادي بالنزول إلى المجتمع . ويرى كذلك أن مجموعة صادق عبد الله عبد الماجد عناصر محافظة متعصبة لتراث المنقول، وكانوا مرتابون من الاجتهاد والتوجه الاجتهادي، وعن هذه التجربة يذكر د. الترابي عند وصفه لشراكته مع نميري أن المدخل كان كريهاً إلى النفوس لذاته والإقدام عليه جاء لأنه جزء من الخطة المرسومة إلى الوصول إلى المجتمع الواسع وعليه جاء نتاج ذلك أن أصبح الترابي في لجنة مراجعة القوانين لتتماشى مع الشريعة الإسلامية.
وفي منتصف 1983 أعلن نميري تطبيق الشريعة الإسلامية وأصبح الترابي مستشاراً للرئيس في الشئون الخارجية واعتبرت الحركة ذلك كسباً مرحلياً لتعبئة الشعب إسلامياً.
في ظل ذلك جاءت ثورة ابريل والتي أدت فيها القوى الاجتماعية الحديثة الدور الأساسي على نحو غير سابق تنظيماً وتخطيطاً ، وبالنظر إلى رصيد الحركة من جراء شراكتها مع نظام مايو نجد أنه في المقام الأول افقدها مجموعة تربوية كان يمكن أن توازي الخط الحركي الذي ساد ولعل الحرية التي نالتها كأحد إيجابيات التعاون مع النظام بالإضافة إلى التسهيلات الأخرى عقب إعلان الشريعة حيث انتقلت من المعارضة إلى الدفاع عن الوضع القائم . ونجد أن نميري كان يبحث عن سند والحركة كانت تبحث عن حرية ومجال فاتفقا خدمة لمصالح كلا الطرفين، ويبدو أن تعامل الحركة مع مايو اتسم بالازدواجية فكانوا يتعاملون مع السلطة وكأنهم شركاء ويخاطبون الشعب كأنهم معارضة للنظام.
وعقب سقوط النظام انتقلت الحركة إلى تسمية جديدة وأصبح الاسم الجبهة الإسلامية القومية وذلك للانتشار القومي. وأطلق د. الترابي على هذه الفترة مرحلة النضج لبلوغ الحركة درجة من الوعي بذاتها وفهم الواقع الذي يهيئ تجاوز الصراع وتوظف شتى الظروف لصالح نموها المضطرد وعهد النضج لأنه يجمع كسب الحركة المضطرد في التجريب والاستواء والتكامل.
وفي حقبة الديمقراطية الثالثة كانت أكثر الإحباطات على الصعيد السياسي للحركة الإسلامية، هي أنها فشلت في الوصول إلى السلطة عن طريق الديمقراطية، وذلك بعد اجتهاد الحركة في استراتيجية الانتشار التي فشلت في الوصول إلى كرس الحكم. ويبدو أن هذا التهميش أدى إلى أن تعي الحركة الإسلامية بالنهج الديمقراطي قد لا ينبثق عنه وصولها للسلطة، ولعل هذه النتيجة على طريقة النمط الديمقراطي أدت إلى أن تكون الحركة مهمشة ولم يتم اللجوء إليها إلا لاستخدامها كورقة ضغط على الآخر عقب التنافس بين حزب الأمة والحزب الاتحادي. ويبدو أنها استطاعت أن تتكيف وبسرعة ومهارة عالية مع المتغيرات السياسية والمستجدة، يذكر د. الترابي أن الديمقراطية لا تتمخض عن الإسلام بدفع التغيير للجماهير المؤمنة حتى تعالجها ضغوط الإجهاض والتشويه من الكائدين إلى الإسلام من الخارج ، وذكر كذلك أن وظائف التدين أصبحت أوسع بكثير فكان قرار الحل.
وعقب 30 يونيو وانقلاب البشير ودخول البلاد مرحلة الحكم العسكري اتضحت سطوة الحركة الإسلامية عليه في ذات الوقت الذي لا توجد فيه صفة رسمية للحركة بعد قرار البشير بحل وإلغاء كل الأحزاب السياسية وكان الحل هو: أن تلقي الحركة نفسها وتتعامل مع النظام كأفراد دون الجبهة الإسلامية القومية كحزب سياسي، وكان محصلة ذلك قيام المؤتمر الوطني الذي عرف بأنه الكيان الجامع لكل أهل السودان، وهو بشقيه يعتبر الصيغة الأخيرة لتطور الحركة الإسلامية السودانية ويشتمل على كل المجموعات الوطنية والإسلامية شريطة أن تكون الحركة الإسلامية هو التيار الرئيسي كماً وكيفاً داخل التيار العريض، وتكون بذلك عالجت إشكاليتها الزمنية في سعيها توسيع قاعدة ولائها ولأنها تشمل الصف المسلم بكل تنوعه مع الاحتفاظ بخصائصه وصفاتها الرئيسية، يصبح الكيان الجامع هو الحركة الإسلامية ذاتها في أفق جديد ومستوى جديد . وبرز المؤتمر الوطني بشقيه العام والخاص الحركة الإسلامية بمثابة لحزب حاكم وحدثت مشاكل سياسية جديدة: كالازدواجية، وتعدد مراكز اتخاذ القرار، وتوالت المشاكل السياسية من خلال إعلاء الحزب على قومية الدولة، وصولاً إلى محاولات تصدير الثورة، كاتهام السودان بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك حيث ظهرت تيارات تنادي بضرورة التمسك بالحكومة الإسلامية حتى ولو أخطأت. والتيار الثاني نادى بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من برامج الجبهة.
وبالنظر إلى طبيعة الخلاف داخل المؤتمر الوطني يمكن اقتباس مقولة أحمد الفنجري في تفسيره لفشل الحركات الإسلامية في تطبيق نظام الحكم الإسلامي في أنها تعتمد في إدارتها على الفردية المركزية فيصبح الرئيس هو كل شيء في الجماعة وبالتالي تصبح الطريقة الوحيدة لإبداء الرأي هي الانشقاق عن الجماعة وتكوين جماعة أخرى .
ولعل الانشقاق في المؤتمر الوطني ذهب بأعضاء الحركة الإسلامية إلى ثلاثة طرق: الأولى: رأت أن البشير تسرع واستجاب لاستفزاز وإثارة الشيخ الترابي واتخذ قرارات لا تسندها شرعية لتنظيم أو دستورية فوضع الناس على مفترق الطرق كمناصرة الدولة الإسلامية على علاتها وزلاتها أو معاداة البشير ورفض قراراته. وفرقة بقيادة الترابي يشايعه مجموعة من قيادات وأبكار الحركة الإسلامية والتي رأت في البشير وأتباعه أنهم خانوا أمانة التكليف وضحوا بعهد وميثاق الحركة الإسلامية. والثالثة: هم الحنابلة الذين آثروا الاعتزال .
مستقبل الحركة الإسلامية السودانية في ظل الوضع الراهن :
عند تناول مستقبل الحركة الإسلامية السودانية، لابد من تناول ذلك في إطار محورين الأول ذاتي داخلي متعلق بالحركة وأطرها الفكرية من حيث الأسس والمرتكزات والمبادئ والموجهات العامة، والثاني خارجي من خلال وضعية الحركة الإسلامية السودانية في منظومة الحركات الإسلامية العالمية، ووضعيتها في ظل النظام العالمي الجديد وذلك في ضوء ما سبق من توصيفات للنظام .
الجزء الذاتي أو الداخلي ينطبق على الحركة الإسلامية السودانية ما ينطبق على سائر الحركات الإسلامية المعاصرة وذلك من خلال ضعف المشروع التصوري المستقبلي وعدم وضوح رؤية مستقبلية واضحة لكيفية بناء الدولة الإسلامية عند استلام السلطة ، ونجد أن هناك فجوة بين النظرية والتطبيق اتضحت عند الحركات الإسلامية التي تقلدت السلطة كالحركة الإسلامية السودانية في فترتها الأولى، فقد كانت سياسة الإنقاذ في تلك الفترة توصف بغياب البعد التطبيقي للجانب النظري. وكما ذكر عبد الله النفيسي في ذلك غياب التفكير المنهجي ذي المدى البعيد وعدم بلورة نظرية عملية الاتصال بالجمهور. الحلقة المفقودة في التصور الاستراتيجي للحركة فاقمه عدم وجود تاريخ رسمي للحركة الإسلامية فعين تنظر للحاضر وعين على المستقبل. ويتفق الباحث مع د. عبد الله النفيسي في أن الحركة الإسلامية انشغلت في يومياتها عن التفكير المنهجي ذي المدى البعيد وصار من السهل احتواء الحركة وبتر علاقاتها السياسية أو الاجتماعية حسبما تقتضيه مصالح الأطراف المضادة، ويتفق معه كذلك في أن نظرية الاتصال الجماهيري تنص على أن الجمهور لا يتحمس لمساندة أي تيار إلا إذا تحقق شرطان: الأول: فهم مقاصد التيار وأهدافه. الثاني: أن يجد فيه حلاً لمشاكله الحقيقية.
وبالنظر للحركات الإسلامية نجد أن هناك شبه إجماع بين المفكرين على أن الحركة الإسلامية تبرز دائماً عقب الأزمات وتأتي الحركة الإسلامية لتطرح نفسها كبديل لما هو سائد من مشاريع قومية وحدوية أو أيدلوجية أو حزبية طائفية .. الخ. ولكنها لم تقم بطرح الحلول للمشاكل الموجودة في ظل الأنظمة التي حكمت فيها، كالسودان ورغم أنها حاولت طرح عدداً من الحلول إلا أنها محاولات نظرية دون تطبيق عملي وصاحب التطبيق سطوة النفوذ السياسي للدولة المعوق لعملية التقييم والإصلاح.
وعليه إذا أرادت الحركات مساندة الجمهور فعليها أن تحتضن قضاياه وتقوم بتحديد علمي موضعي لمشاكله. ومن جهة أخرى على الحركة الإسلامية وضع حلول متكاملة للقضايا المجتمعية سواء على الوضع في الداخل أو الدولي.
ثانياً: افتقار التجديد والاجتهاد والانفتاح على جموع المسلمين العريضة وواقعهم المختلف ثقافة وممارسة وافتقاد الحوار وغلبة الطاعة للقيادة على الشورى في حقيقتها وجوهرها، وغلبة الولاء للتنظيم والتقوقع فيه بدلاً عن النظر للحركة الإسلامية في مجموعها وللشعوب والإنسانية ككل. وفي التخطيط تجاهل القاعدة العريضة للمسلمين وكأنها لفئة معينة من المسلمين لا للمسلمين جميعهم، وضرورة أن تفترض خطط لعمل طويل المدى وبخطط للعمل المتوسط والقصير المدى ولابد لها من دراسة الواقع القائم سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً.
ثالثاً: افتقار الرؤية الموضوعية الشاملة لواقعنا العربي والإسلامي وما طرأ عليه من مستجدات ومتغيرات دولية وصراع القوى الكبرى فيه وان هذا الافتقار يجعل الحركات الإسلامية تتحرك بتحدي أقرب إلى ردود الأفعال منه إلى الانفعال الموضوعي، ونضيف لما سبق غياب خطة العمل الإسلامي، وعدم الالتزام الجاد بالمبادئ من داخل الحركة، وأن الحركة الإسلامية لا تلتزم في ذاتها وفي علاقاتها بالمبادئ والأصول الإسلامية، كالشورى، والعدل، والحرية، والنقد، وكذلك فرض الوصاية والهيمنة على الآخرين، والأمية الدينية لدي كثير من الشباب المسلمين المنضوي تحت ركب الحركة الإسلامية بالنظر للمؤتمر الوطني الذي انداحت فيه الحركة الإسلامية عقب ثورة الإنقاذ.
رابعاً : حاجة الحركات الإسلامية عموماً إلى تحديد موقفها من الصراع الفكري والمذهبي المعاصر، كالمذاهب اللبرالية التي تنادي بالتعددية السياسية، والرأسمالية الاقتصادية، والإباحية الاجتماعية، والفردية النفعية، وتحديد أطرها الفكرية لبعض المصطلحات، كالخلافة هل هي صيغة الحكم؟ أم الاستخلاف لجماعة معينة؟ وتأصيل مفهوم الخلافة أو الاستخلاف كنظام سياسي، أو أسلمة السياسة، وكذلك حسم بعض القضايا المتعلقة بالواقع الاجتماعي للمرأة وغيرها، قضايا الوحدة الوطنية، وإزالة ما لحق بها من شوائب تعرقل مسيرة الوحدة، وكذلك قضية تطبيق الشريعة الإسلامية في ظل مشروع حضاري إسلامي متكامل .
ارتكازاً على ما سبق لابد من إضافة ما ذكره محمد عمارة عن مواطن الخلل في الحركات الإسلامية:
الأول: الخلل في فهم التعددية، وتقف الحركات موقف الرفض العدائي منها ريبة وشك، وهو رفض نابع من خلل جعل هذه الحركات لا تميز بين الأصول والمبادئ والقواعد الإسلامية التي لا يجوز فيها الاختلاف، وكذلك الخلل في علاقة الذات مع الآخر، العلماني أو المتعلمن أو المحايد، وموقف الحركات منهم موقف الرافض لهم ولأفكارهم.
كذلك العلاقة بين الحركات الإسلامية بالذات الفكرية للآخرين والخلل الذي يسودها هو خلل الجهل والتجاهل ويقف بالحركات موقف النقيض ورد الفعل. وضرورة خروج الحركات من رد الفعل إلى البديل. والخلل كذلك في العلاقة بين المحلية والعالمية، والخلل في علاقة التاريخ بالعصر، والموروث بالإبداع، والخلل في علاقة التربية الروحية بالتربية السياسية.
ويمكن أن نجمل ما سبق في أن مستقبل الحركة الإسلامية السودانية رهن بقدرتها الذاتية على التكيف في صياغة التحولات السريعة على أصعدة مختلفة من بينها: تحولات تفرز تحديات مشتركة بينها والآخرين، وداخلياً البناء، والتنظيم، والحركة السياسية، وتحدي الفقه، والفكر، والخطاب، والاقتصاد، والتنمية … الخ كما ذكر غازي صلاح الدين ، مضافاً لذلك تحدي النظام العالمي الجديد الذي يفرض أيدولوجيته المتمثلة في (أمركة العالم) أو عولمة العالم أمريكياً والذي يضع هذه الحركات نصب عينيه ولا يميز كما ذكر (جون اسبوزينو) بين الإسلام المعتدل أو المتطرف وبين الإسلام العام والحركات الإسلامية.
الحركة الإسلامية السودانية وافتها الفرص منذ عام 1989 عقب انقلاب البشير ومنذ تلك اللحظة وصلت إلى غايتها في السلطة وانتقلت إلى وضعية تختلف عن وضعيتها كحزب وذلك بحسب الميلاد الطبيعي الذي يقود إلى اندياح الحركة في الدولة ولكن دون مصادرتها كتنظيم له خصوصيته ، إلا أن الحركة في الفترة 89 – 99 أعلت من مصلحة الحزب على مصلحة الدولة ومنذ 99 حتى الآن تحاول أن تنتهج منهج قومي في إطار إسلامي جديد يختلف عما سبقه. وكاستقراء لمستقبل الحركة السودانية القومية الحاكمة، هي أنها لاستدامة وجودها في السلطة لابد لها من المزاوجة بين التطور الداخلي القومي من خلال الاعتراف بالتعددية والديمقراطية، وإيجاد الحلول للمشاكل المجتمعية، والسياسية الداخلية، ومحاولة التواصل مع المواطن وتطوير التعليم والصحة والعلاج والبيئة … الخ .
وعلى الصعيد الدولي فان منظور النظام العالمي الجديد تجاه الحركات الإسلامية واضح ومحدد أنها تحاول إقامة نظام حكمي إسلامي، والذي بدوره يهدد المصالح الأمريكية، وان ذات الفهم لا يميز ما بين معتدل ومتطرف، وأنه يحاول بشتى السبل إقصاء الحركات الإسلامية عن السلطة، المؤتمر الوطني بشقيه الحاكم والمعارض هناك علاقة تربط بينهما علاقة تنشئة وتربية، والعمل السياسي التاريخي الطويل والشراكة السياسية في عهد الإنقاذ الأول وحالياً. الصراع بين الفصيلين مما يعني أن هناك تأثر على الأفكار والممارسة السياسية، والتساؤل الذي لابد من الإجابة عليه عند دراسة مستقبل الحركة دولياً هو ما سبب الرضا الأمريكي على الدولة الإسلامية السودانية ذات النظام الإسلامي في الحكم؟ وما هي وضعية هذا النظام لدى الولايات المتحدة هل هي وضعية مؤقتة مرحلية للاستفادة الاقتصادية السياسية خاصة إذا وضعنا في الاعتبار المقولة التي بدأت بها هذه الورقة أنه ليس للولايات المتحدة عداوة دائمة ولا صداقة دائمة بل مصالح دائمة؟ والتطبيق على ذلك هو أسامة بن لادن في احتضانه لاحتواء السوفيت ومطاردته لاحقاً. انطبق كذلك على الترابي في أخريات الشراكة على نميري وبعد وصوله للسلطة تم الانقلاب عليه. وينطبق على الجبهة الإسلامية القومية التي استلمت الحكم في 89 وانفصلت في 99 وتحكم الآن. بدأ بالصراع ثم الاحتضان والسبب هو المصالح الاستراتيجية الأمريكية في السودان ايدولوجياً واقتصادياً ويجب أن تحاول جماعة المؤتمر الوطني الحاكمة استصدار رؤية استراتيجية مستقبلية للاستفادة من علاقات الصداقة لأقصى درجة وأن تخطط لذلك تكتيكياً مستفيدة من كل الدراسات العلمية والسياسية والاستراتيجية وتنتهج نهج استراتيجي في تعاملها مع الولايات المتحدة.
وعليه يصبح مستقبل الحركة الإسلامية السودانية رهين بالاستراتيجية الأمريكية في الدولة والمنطقة وماهية الدور الذي تريد للسودان أن تلعبه خاصة وأنها قادرة على ذلك من خلال مقولة وزير الخارجية الأمريكي: “نستطيع أن نحمي مصالحنا الاقتصادية في أي رقعة جغرافية كانت”. ومن بين المصالح والاستراتيجية احتواء الإسلاميين سياسياً والعمل على عدم وصولهم للسلطة فتكون للنظام الحاكم خياران: الأول: الانسحاب من الدولة الإسلامية ويعني ذلك فشل الحركة الإسلامية في إقامة نظرياتها على أرض الواقع.
والثاني: علمنة الحركات الإسلامية، أي انتهاج نهج يزاوج ما بين الدين ويفصله عن السياسة ويربطه بالمجتمع وهذا نظرياً وتطبيقياً مرفوض، لأن الحركات الإسلامية دينية أي أن الدين مصدر التشريع مجمله حتى إذا أدى ذلك إلى الاستمرار تحت مهددات الحصار الاقتصادي والسياسي والأمني … الخ، وقد تكون هذه السيناريوهات الثلاثة مفتوحة ويبقي الأرجح أن الحركات الإسلامية لا تقبل التنازل عن البرنامج الإسلامي والشريعة والحركة الإسلامية، ومن جهة أخرى نجد ذات الحركات تكون أحياناً ابعد من الدين إذا قارناها في التزامها بعدائيتها لبعض المفاهيم كالآخر، والثقافة، التعددية والحوار.
ونخلص إلى أن مستقبل الحركة الإسلامية السودانية رهين الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والدولة، وإذا ارتأت هذه الاستراتيجية إنهاء العلاقة الودية مع حكومة الخرطوم للتوافق مع مصالحها فإنها لن تتواني في ذلك وإذا رأت ضرورة الاستمرار فستستمر، وأوضح مثال لذلك وقوف القرار الأمريكي مع خيار الوحدة دون تقسيم لأن المستثمر الأمريكي يعزف عن الاستثمار في جو عدائي وهذا يثبت أن المحرك هو وضع استراتيجية محكمة تستخدم فيها المجالات السياسية والإستراتيجية والأمنية.
وعلى الحركة الإسلامية إذا أرادت النجاح في مشروعها المهدد، تغيير الكثير من مفاهيمها، وأساليبها، في التعامل مع الثروة والسلطة وانتهاج الحوار للاستغلال الأقصى للموارد المحلية، وذلك من خلال العمل على توفير الاستقرار السياسي الذي يخدم الاستغلال الاقتصادي داخل أطرها التنظيمية، ومن ثم امتداد الحوار يشمل كل القوى العاملة في الساحة السياسية.
المراجع
(1)جون اسبوزيتو – الخطر الإسلامي وهم أم حقيقة؟ ص51، رسالة ماجستير غير منشورة، ترجمة صفاء محمد صديق، جامعة الخرطوم 1998م.
(2)مجلة السياسة الدولية ، العدد 113 ، 1993م ، ص88 ص89.
(3)جون اسبوزيتو ، ص51.
(4)جون اسبوزيتو ، ص51.
(5)جون اسبوزيتو ، ص11.
(6)حافظ فاروق ، الإسلام وقومية الدولة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الخرطوم ، ص29.
(7)طارق البشرى ، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، دار الوحدة، بيروت 1982م، ص472.
(8)مجلة المستقبل العربي ، العدد 183 ، 1994م ، ص39.
(9)خالدون حسن النقيب ، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1991م، ص90.
(10)محمد سعيد العشماوي ، الإسلام السياسي ، دار سيناء للنشر، القاهرة، ص45.
(11)رسلان شرف الدين ، الدين في المجتمع العربي والأحزاب السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص179.
(12)رسلان شرف الدين ، ص178.
(13)مجلة المستقبل العربي العدد 122 ، مارس 1990، ص4 – ص5.
(14)مجلة سياسة الدولية العدد113 ، يوليو 1993م، ص 57 ص58.
(15)اختلف عن النظام متعدد الأقطاب الذي كان فيه أكثر من أربعة أقطاب رئيسية وكذلك اختلف عن النظام ثنائي القطبية حيث كان الشريكين في النظام الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
(16)عبد القادر محمد فهمي، النظام السياسي : دراسة في الأصول والنظرية والخصائص المعاصرة ، الطبعة الأولى 1997م، دار وائل للطباعة والنشر ، ص115 – ص127.
(17)مورتمر سيلرز ، النظام العالمي الجديد ، ترجمة صادق إبراهيم عودة، دار الفارس للنشر، الطبعة الأولى ، 2001م، ص301.
(18)مجلة دراسات إستراتيجية ، السنة الأولى ، العدد الأول ، 1994م، ص97.
(19)مجلة المستقبل العربي ، العدد 217 ، مارس 1997م ، ص9.
(20)مجلة المجلة، علاقة الحركات الإسلامية بأمريكا هل بدأت بالاحتضان وانتهت بالصدام، العدد 131، 2/4/2005، ص18.
(21)أحمد يوسف، مستقبل الإسلام السياسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب 2001م، ص12.
(22)محمد إبراهيم مبروك، الإسلام والغرب الأمريكي بين حتمية الصدام وإمكانية الحوار، مركز الحضارات العربية 2002م، ص336.
(23)محمد عزيز، الإرهاب الدولي، دارسة قانونية نافذة، دار العلم للملايين 1991م، ص75.
(24)فتح الرحمن آدم أبو القاسم، الإرهاب وعلاقته بالإسلام والمسلمين، بحث دبلوم عالي غير منشور، جامعة الزعيم الأزهري، ص66.
(25)د. حسن الترابي ، مستقبل الدولة الإسلامية ، محاضرة بجامعة الخرطوم.
(26)مجلة دراسات أفريقيا ، العدد (10) ديسمبر 1993م ، ص 16 .
(27)حسين عبد المجيد أحمد رشوان، التطرف والإرهاب من منظور علم الاجتماع، مؤسسة شباب الجامعة 2002م، ص17 وما بعدها.
(28)سالم البهنساوي، التطرف والإرهاب في المنظور الإسلامي والدولي، دار الوفاء ، المنصورة ، ط1 ، 2004م ، ص46 – ص48.
(29)حسين عبد الحميد ، مصدر سابق ، ص157.
(30)أوليفي روا، عولمة الإسلام، ترجمة دار الساقي ، 2003م الطبعة الأولى، ص13.
(31)جون اسبوزيتيو، التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقية، ترجمة قاسم عبده قاسم، دار الشروق ، القاهرة ، ط2 ، 2002م، ص17-18-20-21.
(32)مجلة السياسية الدولية، العدد 113 ، ص 109.
(33)حسن مكي، حركة الأخوان المسلمين في السودان 1946-1986م، ص17.
(34)حسن مكي، الحركة الإسلامية السودانية، ص24.
(35)مجلة السياسية الدولية ، العدد 113 ، ص 109.
(36)حسن مكي ، مرجع سابق، ص7.
(37)حسن مكي ، مرجع سابق، ص31.
(38)مدثر عبد الرحيم ، أوراق مؤتمر الإسلام في أفريقيا، ص27.
(39)د.حسن الترابي ، الحركة السلامية التطور والكسب ، ص30.
(40)مدثر عبد الرحيم ، الإسلام في أفريقيا ، ص187.
(41)مدثر عبد الرحيم، مرجع سابق ، ص187.
(42)مدثر عبد الرحيم، مرجع سابق ، ص187.
(43)منشورات الجبهة الإسلامية : دعوتنا الاتجاه الإسلامي 1983م، ص11.
(44)محمد سعيد القدال، الإسلام والسياسة في السودان، ص75.
(45)الهاشمي الحامدي، الترابي آراؤه واجتهاداته في الفكر والسياسة، المستقلة للنشر 1991م، ص78.
(46)محمد سعيد القدال، الإسلام والسياسة في السودان، ص75.
(47)الهاشمي الحامدي، مرجع سابق ، ص33.
(48)الهاشمي الحامدي، مرجع سابق ، ص38.
(49)حسن الترابي، مرجع سابق ، ص90.
(50)حسن الترابي، مرجع سابق ، ص90.
(51)الهاشمي الحامدي ، مرجع سابق ، ص38.
(52)حيدر إبراهيم علي، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1995م.
(53)وزارة الإرشاد، مجلد كتيبات السودان رقم 182، ص1، جمهورية السودان.
(54)Bynard Sally Ann. Sudanese foreign Policy Under Nimiri, USA. The governances international 1983. P41 P42
(55)صحيفة السودان الجديد ، العدد 6975 ، 30/4/1970م.
(56)عبد اللطيف البوني، تجربة نميري الإسلامية في السودان، مايو 1969-1985م، معهد البحوث والدراسات الاجتماعية 1995م، ص28.
(57)حسن مكي، مرجع سابق ، ص20.
(58)محمد وقيع الله، الأخوان وسنوات مايو، دار الفكر الخرطوم، ص8.
(59)الترابي، مرجع سابق ، ص31.
(60)حسن مكي، مرجع سابق ، ص85-90.
(61)الهاشمي، مرجع سابق ، ص44-45.
(62)الهاشمي، مرجع سابق ، ص43.
(63)محمد أبو القاسم حاج حمد، سودان المأزق، التاريخ وافاق المستقبل، دار بن حزم بيروت ، ص97.
(64)عبد الوهاب الأفندي، الثورة والإصلاح السياسي في السودان، ص110.
(65)مجلة الحوادث البيروتية 29/2/1982م.
(66)د. الترابي، مرجع سابق ، ، ص35.
(67)د. الترابي، الشورى والديمقراطية، دار الفكر الخرطوم، ص43.
(68)غازي صلاح الدين، تصور للمؤتمر الوطني، ورقة غير منشورة، ص60.
(69)أحمد شوقي الفنجري، كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990م، ص30.
(70)عبد الرحيم علي ، الترابي والإنقاذ، صراع الهوية والهوى، ص389.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.