الخبرة السودانية في تشريعات مكافحة الإرهاب

تهويد القدس
30 أغسطس، 2016
الجزية في الإسلام
30 أغسطس، 2016

د. إسماعيل الحــاج موسي
•للسودان – في ظل كل العهود ونظم الحكم التي تعاقبت – موقف مبدأي، نابع من قيمه وأعرافه وتقاليده التي تدين – علي كافة المستويات … كل أشكال الأفعال الإرهابية التي تستهدف الأبرياء…
•وإنطلاقاً من الخلفية الثقافية و التراثية والحضارية والدينية لعامة أهل السودان، وتناغماً مع المبادئ السمحة الراسخة داخلياً وخارجياً، فقد عمل السودان / علي إصدار قوانين علي المستوي القطري لمكافحة الإرهاب وأسهم اسهاماً كبيراً قي التشريعات والاتفافات التي صدرت من المنظمات الإقليمية التي ينتمي إليها، كجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، بالإضافة علي المصادقة علي كل الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الارهاب.. كما سنبين ذلك تفصيلاً أدناه…
•وقد إرتكز موقف السودان حيال مكافحة الارهاب، علي المستوي المحلي والإقليمي والدولي، علي جملة من المبادئ العامة، نلخصها فيما يلي:-
1.أن الارهاب لا يتجزأ، وأننا لا نملك، ونحن نحاربه، أن نعاقب ونشدد العقوبة علي بعض ضروبه وأشكاله ونتسامح حيال ضروب واشكال أخري منه كإرهاب الدولة وتمويل وتشجيع الخارجين علي القانون ممن يتوسلون بالعنف والإرهاب لتحقيق الأهداف السياسية … مهما كانت تلك الأهداف.
2.أن الارهاب مهما كانت دوافعه وأسبابه، لا يمكن تبريرها، وأنه لا يقود إلا إلي دائرة جهنمية من التقتيل والتدمير يصعب الخروج منها…
3.أن علي الدول أن تمتنع عن تشجيع الأعمال والأنشطة الأرهابية وتمويلها في دول أخري … وأنه لا يمكن اعتبار تلك الأعمال والأنشطة عملاً داخلياً يقع خارج إطار الصكوك الدولية لمحاربة الإرهاب بحجة أن مرتكيبها من مواطني نفس الدولة، وأن هذه الأعمال والأنشطة تقع داخل إقليمها… إذاً أن التمويل والتشجيع – جزئياً كان أو كلياً، مباشراً كان أو غير مباشر، يضيف عنصراً خارجياً إلي هذه الإعمال والإنشطة ويجعلها داخل أختصاص الصكوك الدولية لمحاربة الإرهاب، مما ينفي عن هذه الصكوك نفسها تهمة أنها قد صيغت لمصالح ومشاغل دول بعينها.
4. أن الإرهاب ظاهرة عالمية بغيضة لا تتعلق بثقافة أو ديانة أو جنس بعينه… وأن الترويج لمثل هذه المغالطات والافتراءات، ومثل هذا التحامل والتحيز لا يخدم هدف محاربة الإرهاب بحق وفاعلية.
5.أن من أهم الوسائل المؤدبة لتحقيق هدف محارة الإرهاب والقضاء عليه تكثيف تبادل المعلومات وإيجاد الآليات التي تؤمن ذلك، والعمل علي نقل التكنولوجيا والتقنيات المستخدمة في محاربة الإرهاب إلي الدول التي لا تمتلكها مع توفير المساعدة الفنية والمادية… وفي هذا المجال أيضاً ينبغي تجنب الإعتماد علي المعلومات غير المؤكدة و المغرضة والكيدية، وعدم نشر أية معلومات إلا بعد التحقق منها.
6.وفي هذا الصدد لعَّل من الوسائل ذات الكفاءة والحيدة التي توفرها الأمم المتحدة، والتي ينبغي الأخذ بها اللجوء إلي لجان تقصي الحقائق، و التي نصت علي أنشائها الإعلانات وقرارات الجمعية العامة إلي جانب مثياق الأمم المتحدة نفسه.
7.أن إستئصال الإرهاب وقطع دابره يستلزم إمعان النظر في نشر ثقافة السلام والتسامح من خلال كافة مؤسسات صناعة الوعي وصياغة الرأي العام، كالأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام ومنابر الثقافة ودور العبادة وغيرها.. وأجراء حوار حضاري ثقافي دولي من خلال برامج طويلة المدي تتوفر لها الامكانات وفي هذا الصدد ننوه بالبرنامج الرائد لمنظمة اليونسكو لنشر ثقافة السلام والذي أشادت به الأمم المتحدة وبادرت بعض الدول – ومنها السودان بالدعوة إلي حوار جاد وجرئ بين الإديان والثقافات… وقد نظم السودان – من خلال اللجنة الوطنية لليونسكو ثلاث سمنارات إقليمية (عربية وأفريقية) عن ثقافة السلام…
8.ضرورة الإلتزام بالشرعية الدولية والعمل تحت مظلة الأمم المتحدة بطريقة لا ينقصها الحسم والحزم والكفاءة لمحاربة الإرهاب ونبذ الأعمال الانفرادية التي تعمد إليها بعض الدول – كالولايات المتحدة – متجاهلةً المجتمع الدولي والمنظمات والقوانين الدولية…
9.الشفافية والتعاون الكامل مع الأجهزة الأمنية والعدلية وأجهزة إنفاذ القانون في الدول الأخري لملاحقة المتهمين بإرتكاب أعمال إرهابية وتفكيك تنظيماتهم وتجفيف مصادر تمويلهم.
10.تأييد قرار منظمة الوحدة الأفريقية في قمتها الخامسة والثلاثين لعقد مؤتمر دولي علي مستوي القمة لوضع استراتيجية لمحاربة الإرهاب وتأييد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974م لعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب.. وتأييد قرار قمة عدم الانحياز في دير بان في عام 1998م بعقد مؤتمر دولي عالي المستوي لإعداد رد منظم للمجتمع الدولي علي ظاهرة الإرهاب، مع ضرورة العمل علي تنسيق هذه الجهود وتوحيدها للوصول للهدف المشترك وهو القضاء علي الارهاب الدولي.
11.أن الإنتقائية في محاربة الإرهاب لا تخدم هذا الهدف.. وقد وفرت الشرعية الدولية من خلال قرارات وإعلانات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن أداةً ممتازة للأنطلاق نحو تحقيق هدف القضاء علي الإرهاب بأكمله دونه تجزئة…
** هذه جملة من الأهداف المبادئ والموجهات أرتكز عليها السودان وأنطلق منها وهو يعمل – تشريعاً وقانوناً – لمكافحة الإرهاب علي المستوي المحلي والإقليمي والدولي… وعلي النحو الذي نستعرضه بإيجاز واقتضاب فيما يلي:-
**———— *** ————-*
علي المستوي المحلي:-
•لقد حرم القانون الجنائي السوداني الجرائم التي يُطلق عليها أسم (الجرائم الأرهابية) وتعامل معها بحزم وحسم شديدين..
•وقد قامت الجهات التنفيذية والتشريعية المختصة بمراجعة كافة التشريعات السودانية للتأكيد من مواءمتها مع المعايير الدولية علي ضوء مصادقة السودان علي الاتفاقيات الدولية المعنية بمكافحة الأرهاب.. وفي هذا الصدد استضاف السودان، بالتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات في فينا – ورشة عمل بالخرطوم لدول الإيقاد خلال العام 2003م.
•ثم أصدرت الحكومة السودانية تشريعاً جديداً في العام 2001م تضمن تعريفاً للجريمة الإرهابية وفصَلَ العقوبات علي مرتكبيها، وهي تتراوح بين الحبس والسجن المؤبد والإعدام… كما أن الجريمة الإرهابية في هذا القانون تشمل تلك الجرائم الواردة في الاتفافيات الإقليمية والدولية التي صادق عليها السودان أو أنضم لها فقد عَدَد وحَدَد قانون (مكافحة الإرهاب) لسنة 2001م الجرائم والأفعال الإرهابية علي النحو التالي..
1.الجرائم الإرهابية.
2.منظمات الإجرام الإرهابية.
3.الإستيلاء أو السيطرة علي الطائرات.
4.الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الطيران.
5.الإستيلاء أو السيطرة علي السفن ووسائل النقل البحرية والنهرية.
6.الإستيلاء علي وسائل النقل البرية.
7.حجز الأشخاص أو إلحاق الضرر بهم.
8.جرائم البيئة.
•وقد قرر هذا القانون تشكيل محكمة أو أكثر بموجب أمر من رئيس القضاء تُسمي (محكمة مكافحة الإرهاب) وكذلك قرر إنشاء محكمة استئناف لقضايا مكافحة الإرهاب..
•وقرر القانون أيضاً أن تُشكل، بأمر وزير العدل نيابةً خاصةٌ أو أكثر تُسمي (نيابة مكافحة الإرهاب) للتحري وتولي الأتهام أمام محاكم مكافحة الإرهاب.
•ونص القانون علي أن يضع رئيس القضاء، بالتشاور مع وزير العدل القواعد المتعلقة بإجراءات محاكم مكافحة الإرهاب وكيفية إصدار أحكامها.
•وأن يحدد وزير العدل الإجراءات التي تتبع بواسطة نيابة مكافحة الإرهاب في التحري وتولي الإتهام أمام محاكم مكافحة الإرهاب.
•قرر القانون وجوب عرض كل حكم بالإعدام أو السجن المؤبد تصدره محاكم مكافحة الإرهاب علي محكمة استئناف مكافحة الإرهاب لتأييده … علي إلا يتم تنفيذ الحكم بالإعدام إلا بعد موافقة رئيس الجمهورية…. ويقرر القانون أنه بالإضافة لأي عقوبة أخري توقعها المحكمة المختصة وفقاً لأحكام قانون مكافحة الإرهاب أو اي قانون آخر، يُصادر كل عقار أو أموال أو معدات أو سلاح أو وسيلة نقل أو غيرها يثبت أنها أستُخدمت في إرتكاب الجرائم الإرهابية أو الشروع فيها أو تسهيل إرتكابها أو المساعدة في ذلك أو أخفاء مدبريها أو مرتكبيها أو المحرضين عليها أو المتهمين فيها أو تشجيعهم علي إرتكابها سواء بالقول أو الفعل أو النشر أو الامتناع أو الرضا بإرتكابها ويعلم صاحب العقار سواء كان يستخدمه شخصياً أو بواسطة أي من تابعيه أو العاملين معه.
•كما ينص القانون ان كل أجنبي يدان بإرتكاب جريمة إرهابية أو الشروع فيها أو التحريض عليها أو توفير التمويل أو العون الفني لمرتكبيها يجب أن يشمل حكم المحكمة أبعاده أو طرده من البلاد أو تسليمه وفقاً للقانون لأي دول تتضرر من الجريمة الإرهابية.
*** كما أصدر السودان قانون مكافحة غسيل الأموال لسنة 2003م.
•وهذا القانون يقرر أنه يعد مرتكباً جريمة غسل الأموال، بالنسبة للأموال المتحصلة أو الناجمة من عدد من الجرائم من ضمنها:-
-الخطف والقرصنة والإرهاب.
•ويحظر القانون ممارسة أي عمل من أعمال غسل الأموال او المشاركة فيه أو التعاون مع أطراف أخري مشتركة أو التستر عليهم أو القيام بأي نوع من أنواع المساعدة علي تنفيذه ويسري هذا الحظر علي اي مرحلة من مراحل غسل الأموال وقد أستوجب القانون علي المؤسسات المالية عند إجراء أو اكتشاف العمليات المالية التي تثير الشبهات والشكوك حول ماهيتها أو مصدر أموالها أو الغرض منها أن تقدم تقريراً مفصلاً عن هذه العمليات يتضمن جميع البيانات والمعلومات المتوفرة التي تم الحصول عليها.
•واعتبر القانون المحكمة العامة هي المحكمة المختصة بنظر مخالفات جرائم غسل الأموال وقد نص القانون أنه بالأضافة لأي عقوبة أخري منصوص عليها في أي قانون آخر يعاقب عند الإدانة، كل من خالف أحكام هذا القانون علي الوجه التالي:-
‌أ-الشخص الطبيعي السجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات والغرامة التي لا تتجاوز ضعف المبلغ أو الأصول محل الجريمة.
‌ب-الشخص الاعتباري الغرامة لا تتجاوز ضعف المبلغ أو قيمة الأصول محل الجريمة ويعاقب الشخص الطبيعي الذي أرتكب الجريمة بأسم ولمصلحة الشخص الاعتباري بعقوبة السجن والغرامة المنصوص عليها في الفقرة (أ).
‌ج-كما ينص القانون علي أنه بالإضافة إلي العقوبة المذكورة تصادر الأموال والأصول محل الجريمة وعوائدها ويجوز للمحكمة المختصة أن تأمر بإسترداد الرسوم المستحقة لصالح الضرائب أو الجمارك أو الحقوق الخاصة المشروعة عند الإدانة في جرائم الضرائب والجمارك.
*———— *** ————-**
علي المستوي الإقليمي:-
•تعزيزاً للجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب صادق السودان علي الآتي:-
1)الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب مايو 1999م.
2)إتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) لمكافحة الإربهاب مايو 2003م.
3)إتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي لمنع الإرهاب ومكافحته مايو 2003م.
•بالاضافة إلي ذلك فقد شارك السودان بفاعلية في وضع خطة الإيقاد لمكافحة الأرهاب التي تبنتها قمة الإيقاد التي عقدت بالعاصمة اليوغندية كمبالا في عام 2003م.
•بناءً علي مبادرة الخرطوم لمكافحة الإرهاب علي المستوي الإقليمي صدر إعلان الخرطوم لمكافحة الإرهاب في قمة الإيقاد التي عقدت بالخرطوم في العام 2002م… كما تبنت قمة أديس أبابا في عام 2003م خطة مكافحة الإرهاب في الإقليم بناء علي مبادرة حكومة السودان.
**———— *** ————-**
علي المستوي الدولي:-
•علي الصعيد الدولي، وتمشياً مع التطورات التي شهدها المسرح الدولي، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر صادق السودان علي كافة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب… (12 أتقافية) وهي:-
(1)الإتفافية الدولية لقمع تمويل الإرهاب للعام 1999م.
(2)اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية 18/5/2000م.
(3)أتفاقية تمييز المتفجرات البلاستيكية بغرض كشفه 25/5/2000م.
(4)بروتوكول قمع أعمال العنف غير المشروع في المطارات التي تخدم الطيران المدني الدولي 15/5/2000م.
(5)أتفاقية مكافحة الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية 22/5/2000م.
(6)أتفاقية الجرائم والأفعال الأخري المحددة المرتكبة علي متن الطائرات 25/5/2000م.
(7)أتفاقية منع ومكافحة الجرائم المُرتكبة ضد الأشخاص المسؤلين بالحماية الدولية بما فيهم الدبلوماسيين 10/10/1994م.
(8)الأتفافية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن 19/10/19990م.
(9)أتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني 18/1/1979.
(10)أتفاقية قمع الإستيلاء غير المشروع علي الطائرات 18/1/1979.
(11)الأتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل 8/9/2000م.
(12)بروتوكول قمع الافعال غير المشروعة ضد سلامة المنصات الثابتة المقاومة علي الجرف القاري 22/5/2000م.
•ولم يكتف السودان فقط بالمصادقة علي هذه الاتفاقيات التي تشكل النظام القانوني الدولي لمكافحة الإرهاب ولكنه شارك في الجهود الدولية لصياغة أتفافيات متخصصة قطايعة لمحاربة أوجه الإرهاب المختلفة.
•وفي المجال الدولي هذا، وفي إطار تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وقرارات مجلس الأمن المتصلة بمكافحة الإرهاب خاصة القرار رقم 1373، والذي كَّون لجنة مكافحة الإرهاب، وبناءً علي طلب C.T.C شكل السودان هيئة تنسيقية لمكافحة الإرهاب أستجابةً لقرارات مجلس الأمن المتصلة بمكافحة الإرهاب وقام السودان، في إطار جهوده لتعزيز مكافحة الإرهاب وبناءً علي طلب C.T.C بحظر الجماعات والأفراد الذين تسببوا في قيام أ‘مال أرهابية أو تمويل الإرهاب فقامت الجهات السودانية المختصة بحظر دخولهم للبلاد..
**———— *** ————-**
** بعد ان لمسناً لمساً سريعاً واستعرضنا أستعراضاً مقتضباً بعض ملامح الخيرة السودانية في تشريعات مكافحة الإرهاب، وجهود السودان في هذا الشأن علي المستويات المحلية والإقليمية والدولية.. نري ضرورة في أن نتوقف قليلاً عند بعض المسائل التي تثيرها قضايا التشريعات المتعلقة بمكافحة الإرهاب .. إذا أن هذا الأمر يثير العديد من الملاحظات والتساؤلات نرجو أن نطرح بعضها علي طاولة حوار هذا المنتدي الهام علي النحو التالي:-
**———— *** ————-**
** قضية تعريف الإرهاب:-
•حتى الآن لا توجد اتفافية دولية متعددة Multilateral Convention تتضمن تعريفاً للإرهاب إلا أن اتفاقيات الأمم المتحدة الدولية الإثنتي عشرة تحرم وتجرم أعمالاً إجرامية محددة وتعتبرها أعمالاً إرهابية وهي الاتفاقيات الخاصة بسلامة الطيران المدني والطائرات المدنية والمطارات والملاحة البحرية وسلامة الأشخاص المتمتعين بالحماية الدولية والحماية المادية للمواد النووية والتفجيرات الإرهابية وتمويل الإرهاب.
•إذاً فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية نفسها، والتي تشكل الأساس الدستوري والمؤسسي لتحقيق الغاية في محاربة الإرهاب، فأن ثمة نقصاً كبيراً يعتري هذه الاتفاقيات وهو أنها لم تعالج موضوع تعريف الإرهاب نفسه definition of terrorism فهناك أنقسام واضح بين دول العالم حول هذا الموضوع ففي حين تري الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً إرجاء أمر تعريف الإرهاب والاستعاضة عن ذلك بعقد اتفاقيات دولية (متخصصة) أم ما يسمي بالـ piece meal agreements تعالج أكثر ظواهر الإرهاب شيوعاً مثل خطف الطائرات وتهديد الملاحة الجوية والبحرية وتهديد سلامة رؤساء الدول والممثلين الدبلوماسيين وتري دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بصفة عامة أنه ينبغي اولاً تعريف الإرهاب حتي يتمكن المجتمع الدولي بطريقة واضحة من الركون إلي نظام محدد يستطيع أن يميز عن طريقه بين الأعمال الإرهابية وغيرها من الأعمال الإجرامية العادية الأخري وبين الأعمال الإرهابية وكفاح الشعوب للتخلص من الاحتلاك والسيطرة الأجنبية وحتى يمكن أيضاً معالجة مسألة إرهاب الدولة حيث تري دول المجموعات المذكورة أن إرتكاب الأعمال الإرهابية ليس حكراً للجماعات الإرهابية والأفراد وأن الشواهد تثبت ضلوع الدول في أعمال الإرهاب لتنفيذ مشاريعها السياسية أو لتحقيق أمنها القومي أو لمجرد الانتقام.
•ومنذ البداية، فأن السياسة التي اختطتها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لعقد اتفاقيات دولية متخصصة في مجال محاربة الإرهاب، تنبئ بوجود اختلال قد يؤدي إلي استمرار أعمال الأرهاب وتفاقمها مثلما هو الحال اليوم إذ باغت هذه الأعمال درحة تهديد الأمن القومي للولايات المتحدة مثلاً وجرها إلي حرب مجهولة، فالدول الغربي غضت النظر من مسببات الإرهاب ودوافعه Root Causes بتجاهل مسألتي تعريف الإرهاب وإرهاب الدولة وعسكت الاتفاقيات الدولية عدم وجود الإرادة السياسية الدولية لمواجهة هذه المسائل التي نقر بأنها تتسم بالصعوبة وتباين الآراء حولها.. غير أنه يجب التصدي لها إذا كانت الجهود تنصب فعلاً في إتجاه القضاء الحقيقي علي الإرهاب.
•إلي جانب ما تقدم فأن قراءة الاتفاقيات الدولية الخاصة بالقضاء علي الإرهاب الدولي تجعلنا نخلص إلي أنها، من حيث تاريخ إبرامها، بدأت منذ عام 19963م وتسارعت خطاها في عقد السبعينات ثم بعد ذلك في عقد التسعينات من القرن العشرين ومن حيث موضوعها تهدف إلي القضاء علي جرائم غرهابية معينة هددت الدول والمجتمعات الغربية بصورة رئيسية وجاءت استجابة لجرائم أرتكبت في النطاق الجغرافي لهذه الدول أو حلفائها مثل حادث ميونيخ في سبتمبر 1972م والذي سعي فقهاء القانون الدولي ومعاهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية في الغرب إلي القول بأنها بداية أعمال الإرهاب في هذا العصر.
•ورغم كل ذلك فأن إبرام الاتفاقيات الدولية الثلاثة عشرة في مجال مكافحة الأرهاب قد قدم خدمات جليلة لقضية السلم والأمن الدوليين ووضع الاسس للتعاون القضائي الدولي في محاكمة مرتكبي الأعمال الإرهابية أو تسليمهم كما وضع الأسس للتعاون في مجال تبادل المعلومات والمساعدات الفنية إلا أن تفاقم الأعمال الإرهابية ووصولها درجة تهديد السلم والأمن الدوليين ونتائجها المهولة التي هي أمامنا الآن تفرض علي المجتمع الدولي فرضاً معالجة اسباب الإرهاب تمهيداً لاستئصاله وقطع دابره وذلك لن يكون مواتياً إلا بالتصدي لهاتين المسالتين أرهاب الدولة وتعريف الأرهاب وبعبارة أخري فأن أجتثاث الإرهاب وإظهار الجدية اللازمة والمجردة لبلوغ ذلك الهدف لن يكون مواتياً إلا ببسط العدالة والقضاء علي البؤر التي توفر المناخ المناسب لنشوء ونمو الإرهاب.
**———— *** ————-**
** ورغم أن الصكوك القانونية توفر الأداة الدولية المناسبة والمجمع عليها لمنع أعمال الإرهاب Punishment إلا ان نواقصها تمثل في الحقيقة عرضاً لمشكلة أشرنا إليها آنفاً وهي عدم توفر الإرادة السياسية الدولية للتصدي الحقيقي والفعال لهذه الظاهرة والاستعداد لوضع معالجات صعبة تستهدف جذور هذه الظاهرة ويقع علي الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة العبء الأكبر في تصحيح الأخطاء والنواقص ومن أكبر الصعوبات التي تواجهها الإدارات الأمريكية المتعاقبة في التصدي الحقيقي والفعال لهذه الظاهرة الأتي:-
•الخطاب الأنفعالي والعاطفي الذي يستهدف تأمين التأييد الانتخابي في الداخل ويسهل هنا تأمين التأييد الشعبي داخل الولايات المتحدة بالتأكيد علي الميول غير الموضوعية التي تغذيها الآلة الإعلامية الضخمة والتي كانت تصور الإرهابي في عهد الاستقطاب الدولي علي أنه ينتمي لإمبراطورية الشر وهي الكتلة الشيوعية والتي تصور الإرهابي اليوم علي أنه مسلم من منطقة الشرق الأوسط او الأدني.. وداء المكارثية Mc Charthism هو داء قديم تعاني منه السياسية الإمريكية.
•اللجوء إلي الخيار العسكري في محاربة الإرهاب وهذا نتيجة منطقية لما ورد سابقاً وبصفة عامة فأن اللجوء إلي العمل العسكري لمحاربة الإرهاب يشكل نقطة فارقة في القناعات السياسية بين الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية والتي تري أن الخيار العسكري يأتي لاحقاً وللتصدي لعمل إرهابي وشيك وانه يجب إعمال حزمة من الحلول تأخذ بالعوامل السياسية والثقافية والتاريخية في الاعتبار.
•التقارير الاستخبارتية الخاطئة وتلك الموضوعة بغرض ونية تشويه الحقائق وتوجيهها وجهة محددة.؟
•أن تدمير برجي المركزالتجارة الدولي في نيويورك وجزء من وزارة الدفاع الأمريكية في عملية إرهابية مقيتة هو ضربة قاصمة للسيادة الإمريكية وروح الاستعلاء الإمريكية لذلك فأن رد الفعل الأمريكي الطبيعي والمتوقع بالأضافة إلي أمتثاله لتقليدها السابق المتمثل في الردود قصيرة النظر سيكون بلا شكهو توجيه ضربات عسكرية قاصمة لأماكن وجود المجموعات الإرهابية والأفراد الضالعين في السابق أو حالياً في الأعمال الإرهابية أو المتهمين بذلك وربما يقود هول الحادث الدول الأوربية الغربية إلي عدم الجهر باعتراضاتها الموضوعية والجوهرية علي مجمل السياسية الأمريكية تجاه محاربة الإرهاب في المستقبل القريب غير أنه بمضي الوقت سوف تسعي هذه الدول الي تنبيه الولايات المتحدة إلي هذه الاعتراضات خاصة فيما يتعلق بالقضية العربية والاحتلال الإسرائيلي والاستقاطات الخطيرة لهذا الامر علي السلم والأمن الدوليين.
**———— *** ————-**
•من المغالطات الخطيرة والتي نري أنها اثرت بطريقة سالبة علي المساعي الدولية للقضاء علي الإرهاب الدولي وأدت إلي توجيه الاتهام لحضارة او ثقافة معينة بأنها وراء الإرهاب ودمغ الإسلام والمسلمين به أن عدداً كبيراً من المفكرين المثقفين والإعلاميين في أوربا والولايات المتحدة يؤرخون لبداية الإرهاب الدولي الحديث بحادث ميونيخ في سبتمبر 1972م.
•ونرجو هنا تعداد الجرائم الإرهابية التالية علي سبيل المثال وليس الحصر لدحض هذا الإفتراء:-
‌أ-إلقاء قنبلة في أحد مقاهي لندن استهدفت بعض الفلسطينين في مارس 1937م.
‌ب-تفجير فندق الملك داؤد الذي كان يشغله مدنيون وزوار في القدس استهدف البريطانيين بغرض إخراجهم من فلسطين تميهداً لقيام الدولة العبرية يوليو 1946م وقد بلغ عدد القتلي 91 والجرحي 46.
‌ج-أغتيال وسيط الأمم المتحدة لفلسطين الكونت برناردوت ومساعده في 16/9/1948م وقد قامت به عصابة اشتيرن Stern اليهودية والتي كان يتزعمها إسحاق شامير.
‌د-مذبحة دير ياسين في 17/3/1948م والتي أقدمت عليها عصابة أرقون والتي كان يتزعمها مناحيم بيجين وقد ذبح فيها 250 بين رجل وأمرأة وطفل وفي 1980م تم كمس معالم هذه القرية الفلسطينية واطلق أسماء زعماء عصابة أرقون علي شوارعها.
‌ه-خطف طائرة مدنية سورية بواسطة القوات الجوية.
‌و-خطف طائرة مدنية ليبية بواسطة إسرائيل في 4/2/1986م كانت تقل مسئولين سوريين وإجبارها علي الهبوط في إسرائيل.
•أن الإرهاب ظاهرة عالمية تتورط فيها دول عديدة في العالم بما فيها الولايات المتحدة نفسها التي سمحت لنفسها بإسقاط طائرات مدنية كوبية ودعم الثوار والمتمردين في أمريكااللاتينية وأفريقيا والذين أرتكبو جرائم إرهابية خطيرة ويمثل ما أرتكبت دول شمولية هذه الأعمال فقد أرتكبتها دول ديمقراطية ويبقي أن إرهاب الدولة هو أخطر وأبعد أثراً من إرهاب الجماعات والأفراد.
•فيما يتعلق بالسودان فأننا نواصل سياسيتنا في المشاركة الإيجابية في الجهود الدولية لصياغة اتفافيات متخصصة أو قطاعية لمحاربة الإرهاب الدولي مع العمل جنباً إلي جنب مع دول حركة عدم الانحياز والمجموعة العربية والإسلامية في الدعوة إلي إبرام اتفاقية شاملة تتصدي لمسألتي تعريف الإرهاب وإرهاب الدولة…. مع التأكيد علي عدم تحبيذ الأفعال الأنفرادية Unilateral actions في مجال محاربة الإرهاب الدولي لأنها تؤدي إلي تغليب الاعتبارات السياسية والمصالح السياسية عل الاعتبارات الموضوعية المجردة الهادفة إلي القضاء علي هذه الظاهرة كما أن نتائجها تكرس الشعور بالظلم والغبن وهو شعور يؤدي إلي خلق أسباب جديدة لإرهاب يؤدي بدروه إلي خلق دائرة جهنمية لا يمكن الفكاك منها.
•ثم نعود لنقول في خاتمة هذه الورقة أنه الأهمية الموضوعية لمسألة القضاء علي الإرهاب الدولي، والتي أشرنا إليها أعلاه تتأكد في أن دول العالم قاطبة تتأثر بالجرائم الإرهابية بأنواعها سواء كانت جرائم يقترفها الإفراد أو المجموعات أو الدول نفسها ومن هنا يأتي الإجماع الدولي علي هدف القضاء علي الإرهاب الدولي واتخاذ التدابير الرامية لبلوغ ذلك الهدف وفي الحقيقة فأن للإجماع الدولي سبب آخر تمثل في الجدية وعدم التهاون اللذين تبديهما الدول الغربية بصفة خاصة في هذا المجال حيث أصبح مستوي العلاقات الثنائية والإقليمية يتحدد بمدي استعداد ورغبة فرادي الدول في ألانخراط في مكافحة الإرهاب الدولي وفق الصيغة التي دفعت بها الدول الغربية وجعلت منها موقفاً للمجتمع الدولي وخاصة في الأمم المتحدة.
•لما تقدم من أسباب ووقائع وظروف أصبح السعي للقضاء علي الإرهاب الدولي مبدأ متفقاً عليه وذا أولوية واضحة علي القضايا الأخري ومهددات السلام الدولي.. وبالإقرار الجماعي بذلك الهدف والعمل لبلوغه وتحقيقه تم الاطمئنان تماماً علي ثبات وررسوخ هذا المبدأ ونيله الحظ الأوفر من الاهتمام وطنياً وإقليمياً ودولياً..
تعريف الإرهاب:-

•غير أن ذلك لم يحجب بصر المجتمع الدولي وبصيرته عن حقيقة أن هناك بعض المسائل والخلافات المهمة مازالت عالقة فيما يختص بمكافحة الإرهاب الدولي وعلي رأسها تعريف الإرهاب نفسه وتمييزه عن النضال المشروع للتحرر من السيطرة الأجنبية ونيل الاستقلال والدفاع عن النفس وإرهاب الدولة..
•وقد أدت أحداث 11 سبتمبر إلي غلبة النزعة الإنفرادية الإنعزالية في الولايات المتحدةبالذات والرغبة والتصميم علي تجاوز المؤسسات الدولية بطريقة أو بأخري.
•ورغم أن القضاء المبرم أو الفعال علي الإرهاب الدولي يتطلب التصدي لقضايا التعريف و التمييز وإرهاب الدولة وأجتثاث الجذور والأسباب المؤدية لارتكاب الأعمال الإرهابية إلا أنه وللأسف ما زال العمل علي التصدي لهذه القضايا والمهام محفوفاً بالصعوبات.
•وتختلف اتفاقيات قمع التفجيرات الإرهابية بالقنابل لعام 1997م وقمع تمويل الإرهاب لعام 1999م عن بقية الاتفاقيات السابقة لها باتساع نطاقها وبالتالي فأن التفريف الوارد في كل منهما للأفعال التي تجرمها وتعتبرها أعمالاً إرهابية هو تعريف واسع غير أن ما يعيب التعريف الوارد فيها هو اقتصارهما علي أغراض الاتفاقيتين فقط وعدم تصديهما بطبيعة الحال للمسائل المتعلقة بالتمييز بين الأعمال الإرهابية وأعمال الكفاح المسلح المشروعة وعدم التصدي لمسألة إرهاب الدولة بل وأن الاتفاقية تتضمن نصوصاً تحمي الدولة من أعمال كان يمكن تصنيفها في عداد الأعمال الإرهابية لولا وجود تلك النصوص كما سنفصل لاحقاً..
•وإلي جانب الضرورة القانونية لتعريف الإرهاب والضرورة العملية، فأن السعي لتعريفه له سنده التاريخي وله مشروعيته الدولية من واقع القرارات المتواترة الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن واقع الصكوك الإقليمية في مختلف إحزاء العالم التي تم سنها لمكافحة الإرهاب الدولي.
•فقد دعا رؤساء دول وحكومات مجموعة عدم الإنحياز في قمة دير بان في عام 1999م إلي إيجاد تعريف للإرهاب يمكن بموجبه التمييز بينه وبين الكفاح المشروع للتحرر من الاستعمار والسيطرة الأجنبية والاحتلال الأجنبي.
•أما منظمة الوحدة الأفريقية فقد أولت موضوع عقد مؤتمر دولي لوضع استراتيجية لمحاربة الإرهاب وتعريفه اهتماماً كبيراً كما أن المادة الأولي من اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمكافحة الإرهاب لعام 1999م قد وضع تعريفاً (للعمل الإرهابي)..
•وأيدت الجامعة العربية كل الجهود الدولية الرامية لتعريف الإرهاب والتمييز بينه وبين النضال المشروع للتحرر من السيطرة الأجنبية وإنهاء الاحتلال ووضعت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لعام 1998م في ماجتها الأولي تعريفاً للإرهاب لم يخرج عن المفهوم العام للإرهاب في القانون الدولي وفي المادة الثانية إستثنت الاتفاقية الكفاح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان – وفق ما تعنيه هذه التعابير في القانون الدولي – من جرائم الإرهاب.
•وبموجب معاهدة التعاون لمكافحة الإرهاب لعام 1999م بين مجموعة الدول المستقلة في شرق أوربا Commonwealth of Independent States تواطأت هذه المجموعة أيضاً علي وضع تعريف للإرهاب.
•أما منظمة المؤتمر الإسلامي فقد أعرب وزراء خارجية دول المنظمة في دورتهم السادسة والعشرين في بوركينا فأسو عام 1999م عن التأييد لعقد مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة لتعريف الإرهاب والتمييز بينه وبين نضال الشعوب في سبيل التحرر الوطني ودعوا الدول الأعضاء إلي التأكيد علي ضرورة عقد ذلك المؤتمر وقد تم اعتماد اتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي لمحاربة الإرهاب الدولي في عام 1999م وتتصدي الفقرة الثانية من المادة الأولي من هذه الاتفاقية لتعريف الإرهاب وهو تعريف مأخوذ بصفة عامة من تعريف الجرائم الإرهابية في الاتفاقيات الدولية المتخصصة التي صيغت في الأمم المتحدة لمحاربة ضرور معينة من الإرهاب الدولي مثل اتفاقية قمع الهجمات الإرهابية بالقنابل لعام 1997م وتواءم التعريف في عمومه مع تعريف الإرهاب في اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب.
•فيما يتعلق بهذه المسألة الهامة وهي مسألة تعريف الإرهاب فأننا نرمي إلي أن نخلص مما تقدم إلي أن الدعوة لتعريف الإرهاب الدولي له سنده وله منطقه وله سوابقه التي يعتمد عليه بدء من الأمم المتحدة مروراً بالتجمعات الإقليمية في كل أنحاء العالم وأنتهاء بالترتيبات الثنائية والقوانين الوطنية وهي بذلك ليست دعوة نشازاً وليست دعوة خطابية ديماجوجية…
•وحتى الآن فأن المنابر أو الوسائل أو الطريقة التي تتم بها معالجة مسألة التعريف هي إما الاتفاقية الشاملة والتي دعت كثيرُ من الدول إلي ضرورة التصدي من خلالها لتعريف الإرهاب الدولي، أو المؤتمر الدولي الذي تعددت الدعوات لعقده للنظر في تعريف الإرهاب الدولي..
•والفرص ليست مضمونة بل تبدو واهية علي الأقل في الوقت الراهن في إدراج تعريف للإرهاب في مشروع الاتفاقية الشاملة فالهند التي طرحت المشروع تعرضت لضغوط شتى فصرفت النظر عن تقديم مقترح بتعريف الإرهاب في مشروع الاتقافية وكان هذا هو الشرط الأساسي الذي قبلت الدول الغربية طرح مشروع الاتفاقية الشاملة علي أساسه في الفريف العامل الذي كونته الجمعية العامة للأمم المتحدة لإجازته.. أما المؤتمر الدولي لتعريف الإرهاب فأن الولايات المتحدة تعارض عقده بصفة خاصة.
** ——- ** ——- **
اتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب.
•تم اعتمادها في بوركينا فأسو في عام 1999م وتدخل حيز النفاذ بعد مصادقة أو أنضمام سبع دول أطراف والدول التي صادقت علي الاتفاقية حتى الآن هي المملكة العربية السعودية ومصر ودولة فلسطين وسلطنة عمان.
•هذه الاتفافية هي الوثيقة الإساسية للمنظمة في مجال مكافحة الإرهاب الدولي ولذلك تتم الإشارة إليها في كل القرارات المتعلقة بهذا المجال التي تصدرها المنظمة وكما أسلفنا فأن الاتفاقية قد عَرفت الأرهاب وميزت بينه وبين النضال المشروع للتحرر من السيطرة والاحتلال..
إرهاب الدولة.
•يتم التركيز في العادة علي الأفعال (الجنائية) التي يرتكبها الأفراد أو الأشخاص الطبيعيون باعتبار أنها هي الأعمال الإرهابية التي ترمي الاتفاقيات إلي قمعها ومحاربتها ووقفها..
•وفي الصكوك الدولية التي نحن بصددها والخاصة بقمع الإرهاب الدولي ومعاقبته فأن الدولة باعتبارها شخصاً اعتبارياً Legal Person هي خارج هذه النصوص إذا ما أقتفينا النصوص الواردة في هذه الصكوك لذلك ومن الوجهة القانونية المجردة فأن المسئولية القانونية يمكن أن تترتب علي الأفراد كما حدث لمتهمين الليبيين في قضية لوكربي في حين تترتب المسئولية السياسية علي الدولة في محافل سياسية كمجلس الأمن الدولي مع ما تنطوي عليه بالضرورة من غلبة الاعتبارات التي تنقطع وتنبت صلتها بالعدالة أو القانون..
•وتندرج تحت المعالجات السياسية الانتقائية لإرهاب الدولة التدابير الأنفرادية التي تتخذها الدول ضد دول أخري (راعية للإرهاب) Sponsoring Terrorism أو متسامحة حياله ونشر قوائم بذلك وفق تدابيرها وإجراءاتها وقوانينها الوطنية الانفرادية..
•هناك توافق في مواقف المجموعات التي تنتمي إليها المؤتمر الإسلامي الوحدة الأفريقية الجامعة العريبة وحركة عدم الانحياز في الإشارة إلي إرهاب الدولة وتجريمه وتحميله مسؤولية بعض الإعمال الإرهابية ومسؤولية خلق الأسباب التي تؤدي لإرتكاب أعمال الإرهاب مثل العدوان Aggression والاحتلال وضرب المدنيين والمنشأت المدنية لذلك فأن الإشارة لإرهاب الدولة وإدانته عمل ينبغي أن يتواصل ويتم التأكيد عليه في المحافل الدولية ومنها بالطبع محفل منظمة المؤتمر الإسلامي.
أستهداف المدنيين والعلاقة بالقانون الإنساني الدولي وكفالة حماية المدنيين.
•رغم عدم وجود تعريف دولي متفق عليه للإرهاب كما سلقت الإشارة فأن استهداف المدنيين بضربهم أو أصابتهم أو قتلهم أو أستهداف المنشأت المدنية كالمنازل والمستشفيات والمدارس وأماكن العبادة يعتبر من العناصر الأساسية والرئيسية التي تشكل العمل الإرهابي وهناك أجماع كامل علي ذلك..
•ولما كان ترويع الآمنين المدنيين العزل نساءً كانوا أو رجالاً أو أطفالاً يتصادم مع الفطرة الإنسانية فأن هذا العنصر قد ثبت وترسخ كفعل إرهابي منبوذ وتعزز ذلك بالنصوص الواردة في الاتفاقيات الدولية التي يطلق عليها القانون الإنساني الدولي ومنها اتفاقية جنيف الرابعة والملحق الثاني لاتفاقيات حنيف الأربعة والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
•ومن المعضلات التي تواجه محاربة الإرهاب أن التمييز بين الإرهاب والكفاح المشروع للتحرر من السيطرة الأجنبية والاحتلال قد يؤدي إلي أستهداف المدنيين خلال أعمال الكفاح المشروع وهو ما أثار لغطاً علي سبيل المثال أثناء أعمال الدورة الخاصة لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي حول الإرهاب في كوالالمبور في أبريل 2002م عندما أشار رئيس الوزراء الماليزي في خطابه إلي أن أستهداف المدنيين بواسطة الهجمات الانتحارية الفلسطنية هو عمل إرهابي..
•لذلك فأن مبدأ التمييز المشار إليه أعلاه قد يجر إلي الاتهام بالتسامح حيال استهداف المدنيين وهو – اي استهداف المدنيين – كما قلنا هو العامل الرئيسي الأول في تشخيص العمل الإرهابي.
•والبديل لهذا الموقف أو الوسيلة لدحض هذا الاتهام هو أما اشتراط إلا يؤدي الكفاح المسلح المشروع إلي أصابة المدنيين أو قتلهم عمداً أو التركيز علي أدانة إرهاب الدولة باعتبار أن إرهاب الدولة هو المسؤول الأول عن خلق الأسباب التي تؤدي لارتكاب الإعمال الإرهابية ومن تلك الأسباب الاحتلال والسيطرة الأجنبية والعنصرية.
•ورغم أن مبدأ تمييز الكفاح المشروع عن العمل الإرهابي لن يواجه صعوبة في الإشارة إليه في محفل كمنظمة المؤتمر الإسلامي أشارت وثيقته الأساسية في هذا المجال- وهي اتفافية محاربة الإرهاب – إليه إلا أن النجاح في الإشارة لهذا التمييز في الصكوك الدولية المتعددة مثل اتفاقيات الأمم المتحدة سيكون صعباً جداً أن لم يكن مستحيلاً بل ستواجهنا نفس الصعوبة في مستوي القرارات التي يمكن أن تصدر من الأمم المتحدة (الجمعية العامة) والمحافل الدولية الأخري… ولم يجد مبدأ التمييز طريقه إلا لبعض الاتفاقيات الإقليمية لمكافحة الإرهاب وهي اتفاقيات منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية..
** ———- ** ———- **
ربط الإرهاب بثقافة أو دين معين.
•لعب الإعلام في الغرب دوراً كبيراً في محاولات إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب وبالمسلمين ونجحت أجهزة الإعلام في الغرب في خلق صورة نمطية سالبة للعرب والمسلمين..
•وبدلاً من أن يؤدي قيام دولة إسرائيل علي أنقاض الدولة الفلسطينية وعلي المآسي الفلسطينية إلي خلق تعاطف عام مع القضية العربية إلا أن استغلال الإعلام نفسه في هذا الصراع قد أدي إلي خلق صورة ظهر فيها المحتل الغاصب كالحمل الوديع وظهر فيها العرب والمسلمون في صورة الأسد الكاسر أو الذئب المفترس.
•إضافة إلي ذلك فأن ردود الفعل من بعض الأفراد والمنظمات الفلسطينية لحالة الاحتلال والأحباط والشعور باليأس والتي تمثلت في تنفيذ أعمال أدت لسن تشريعات دولية لمحاربة الإرهاب، قد كرست تلك الصورة السالبة بتعددها أحياناً وبتضخيمها أحياناً أخري ومن تلك الأفعال خطف الطائرات وحجز الرهائن وقتل المدنيين ومنها عملية ميونيخ عام 1972م التي قتل فيها عدد من الرياضيين الأسرائيليين في الدورة الأولمبية والتي يؤرخ بعض الفقهاء في الغرب إلي أنها تمثل بداية الأعمال الإرهابية في العصر الحديث متناسين العصابات اليهودية مثل (الهاغاناه) و (أرجون) وغيرها والتي أرتكبت أفظع الجرائم في التاريخ الحديث ضد المدنيين.
•لما تقدم فأن الإشارة إلي خطل وخطأ الربط المتعسف والباطل للإرهاب بالمسلمين أو العرب هو أمر ضروري لمجافاته الصريحة للحقيقة وللهدف العنصري البغيض الذي يتستر خلفه.
** ———- ** ———- **
دور مجلس الأمن في القضاء علي الإرهاب الدولي.
•تاريخياً فأن الجمعية العامة للأمم المتحدة، خاصة بعد عام 1972م، هي التي كانت تتولي متابعة إتخاذ التدبير الرامية للقضاء علي الإرهاب الدولي ومتابعة تنفيذها، وهي التي كانت تقوم بالإعداد لصياغة الاتفاقيات الدولية في هذا المجال.
•وبزيادة تدخل العوامل والاعتبارات السياسية في هذه القضية تزايد تدخل مجلس الأمن والذي تفتحت شهيته أكثر بعد سقوط القطبية الثنائية بسقوط الكتلة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق وحلول القطبية الأحادية وانتصار الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة.
•في أكتوبر 1999م أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1269 والذي اشار إلي أن الإرهاب يهدد السلم والأمن الدولي ولأن صيانة السلم والأمن الدولي هو مسؤولية مجلس الأمن الأولية، فأنه يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة التركيز في تقاريره علي ما يشكله الإرهاب من تهديد للسلم والأمن الدولي.. وقرر المجلس أن يبقي الموضوع قيد نظره.
•وكانت أحداث 11 سبتمبر 2001م هي القشة التي صمت ظهر البعير والتي أدت إلي أن يستلب مجلس الأمن سلطة الجمعية العامة في مجال مكافحة الأرهاب وإصدر مجلس الأمن القرار رقم 1373 في ذات الشهر وكوَّن تحت الفصل السابع من الميثاق وهو الفصل الخاص بالتدابير القسرية ومنها العقوبات والتدابير العسكرية، لجنة لمتابعة تنفيذ القرار وألزم كل الدول بتقديم تقارير عن تنفيذها للقرار في موعد محدد لا يتجاوزه..
•ليس أمام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلا الانصياع لقرارات مجلس الأمن خاصة إذا كانت تحت الفصل السابع لأن مجلس الأمن – نظرياً وبموجب الميثاق علي الأقل – يتخذ قراراته ويعتمد إجراءاته نيابةً عن المجتمع الدولي وليس نيابةً عن أعضائه.
•ثم ان البديل عن قرارات مجلس الأمن – علي الأقل في الوقت الراهن وفي ظل هيمنة النظام الأحادي الدولي الجديد – هو القرارات والإجراءات الأنفرادية وهي غير مشروعة في القانون الدولي وظالمة بطبيعتها.
** ———- ** ———- **
عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب.
•دعا القرار رقم 44/29 لعام 1989م الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء للنظر في أمر عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب.
•أما حركة عدم الانحياز فقد تبنت الدعوة، بمبادرة من مصر لعقد مؤتمر دولي لإعداد رد منظم للمجتمع الدولي علي ظاهرة الإرهاب.
•أما الدول الغربية وعلي رأسها الولايات المتحدة – كما ذكرنا آنفاً – فأن فكرة عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب او لتحقيق أي هدف يختص بمحاربة الإرهاب لم يرق لها واعتبرت أن مثل ذلك المؤتمر لن يعدو أن يكون منبراً خطابياُ تتباري فيه الدول في تدبيج الخطب والبيانات والدول الغربية في حقيقة الأمر تري أن النهج المتبع حتى الآن في صياغة الاتفاقيات القطاعية وفي تولي مجلس الأمن مؤخراً أمر قيادة جهود المجتمع الدولي في هذا المجال وفي الإجراءات الآحادية التي تتخذها، تري أن هذا النهج كافٍ ويوافق مصالحها وأن مثل هذا المؤتمر لا طائل من ورائه وانه يثير مسائل لا ترغب هي في إثارتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.