النزعة العالمية للتعددية السياسية

الجزية في الإسلام
30 أغسطس، 2016
مفهوم الدولة بين النظريات الإسلامية والوضعية
30 أغسطس، 2016

هذه ورقة مقدمه الى منتدى التعددية السياسية الذى نظمه مركز التنوير المعرفى بالخرطوم فى اطار فعاليات انشطته السنوية ،تناولت الورقة الابعاد النظرية للتعددية والتوجهات الراهنة فى اطار الانفتاح العالمى نحو الديمقراطية والتداول السلمى للسلطه.
المقدمة:
نعيش اليوم في عالمٍ لا يمكن لأي دولةٍ أو مجموعة دينية أو حضارية العيش فيه بمعزلٍ عن الآخرين. كما أن التطوُّر التقني غير المسبوق في جميع أوجه الحياة ، وتوسُّع المنظمات المتعدِّدة الجنسية وتدخُّلها بشكلٍ متزايدٍ في أوجه النشاطات الاجتماعية ، وكذلك وجود مطالب شعبية متزايدة لشرعنة وتفعيل دور الفئات السياسية… كل هذه الأمور تبقى جزءاً من تحديات القرن الحادى والعشرين. فليس هناك من حدثٍ إلا ويؤثر في بقاعٍ كثيرة، فغيرت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 العالم فشهدت بعض الدول ، وبسرعة لم تكن مألوفة من قبل ، ظهوراً علنياً للأحزاب السياسية وممارسة التعددية وعن مجموعة من الإصلاحات السياسية والتحولات الديمقراطية التي يمكن وصفها أنها جاءت بالطرق القسريه أو الجبرية دون أن يكون للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني أي دور فيها ولم تقتصر التغيرات على الجوانب السياسية بل شملت تغيرات في جوانب أخرى مهمة كثيرة كالجانب الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الديني، ومن المتوقَّع أن يؤدي الدين في النظام العالمي الجديد دوراً أساسياً في السياسات الدولية والإقليمية، سواء تمظهر هذا الدين في حركاتٍ إسلاميةٍ شعبية أو كعنصرٍ ديناميكي من عناصر الحضارات العالمية. لذا نرى اليوم توليفات التمدُّن والعلمنة والعقلانية تترنَّح أمام العولمة وما وراء الحداثة والروحانية. ويشهد فجر القرن الحادي والعشرين سيطرة الرأسمالية المتمركزة والتكنولوجيا المخترقة للحدود، ويشكل كلاهما تهديداً متنامياً لمفهوم الدولة القومية . إذ أن روحية الرأسمالية المتقدِّمة والتكنولوجيا المتطوِّرة مناقضةً لروحية الدولة القومية وحقائقها. إلا أن المطالب الشعبية سواء منها المحلية أو العالمية ما زالت تدور حول التمكين للتعددية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى أفرزت العديد من التنظيمات الأصولية المتشددة والمعارضه للحريات وللعمل السياسي الحر وتعمل ضد الديمقراطية وفلسفتها الليبرالية ، وتلك المنفتحة والمعتدلة في سلوكها السياسي لذا يبقى التساؤل حول معرفة حقيقة الأصولية والمخاوف منها جزءاً مهماً لا بدَّ للأصولية الإسلامية أن تتعامل معه بدقة. إذ أن مستقبل التعددية السياسية في العالم الاسلامى مرتبط بشكل وثيق بنوعية الخطاب الإسلامي وبقدرته على إزالة صفة الإرهاب عنه ، وتطوير خطاب تعددي ديمقراطي لا يسعى إلى التوصُّل إلى السلطة عن طريق القوة.
الفـصل الأول
الأبعـاد النظرية
المبحث الاول : التعددية وانواعها :
يرجع أصل التعددية إلى الفلسفة اليونانية حيث ظهرت الفكرة لمناهضة فلسفة وحدة الوجود ، ومضمونها أن الوجود ليس واحداً بل متعدداً، حيث بدأ الغرب استعادة النهوض بإحياء مخلفات التفكير اليوناني، ببعث فكرة التعددية الفلسفية من جديد التى ظهرت في القرن السابع عشر الميلادي وظلت حبيسة في الإطار الفلسفي حتى بداية القرن العشرين حيث نمت من جديد على أيدي المفكرين الإنجليز مثل (وليم جيمس) و(برتراند رسل) الذين وجدت آراؤهما روجاً فائقاً في مناخ من اليأس السائد آنذاك بسبب إخفاق العلوم التجريبية في حل معضلات الكون. ومن الفلسفة انتقل المفهوم إلى ميدان العلوم الاجتماعية حيث دعا المفكرون في أوربا وأمريكا الي تحطيم سلطة الدولة العظمى في الفترة التي تلت انهيار الاستعمار في البلاد الآسيوية والأفريقية وظهرت كثير من النزعات والحروب الإقليمية والعرقية بسبب عوامل داخلية وخارجية مما أبرز تفكيراً جديداً في العلوم الاجتماعية عن التعددية وتعايش الثقافات والديانات، ثم انتقل الصراع إلى أوربا بسبب الهجرات الأفريقية والآسيوية الواسعة وما أفرزته من قيم وسلوكيات مغياره واستيعاب هذا التنوع والتباين في البرامج التعليمية، والمؤسسات الاجتماعية التى تبنت خيار التعددية كحل لتلك المشكلات.
يعتقد البعض أن التعددية تختلف فيما لو كانت مفهوماً عنها لو كانت مصطلح، ويرى البعض أن التعددية كمفهوم ترادف التنوع والاختلاف. كما أنها تمثل النظام السياسي الذي له خلفية فلسفية ترتبط بإدراك دور الدولة وطبيعة المواطنة بل وطبيعة الإنسان ولها ملامح مؤسسية ثابتة متفق حولها، وتقترن بتطور اقتصادي واجتماعي محدد، ومناخ ثقافي يقوم على فصل الدين عن الدولة وتهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي. وتعني التعددية كمصطلح تعبير عن أحد أشكال الممارسة الديمقراطية. هذا التميز بين المفهوم والمصطلح يعطي ديناميكية للحياة العامة، حيث يفصل ما بين التنوع كأصل طبيعي وفطري فى الحياة وبين النظام أو الآلية التي أن تدير هذا التنوع.
المفهوم:
مفهوم التعددية (Pluralism) في اللغة يعود أصلاً إلى كلمة تعُددPlural وتشير دلالة اللغة العربية للكلمة (التعددية) إلى مصدر صناعي مأخوذ عن المصدر الأصلي تعُدد فعلة تعدد ويقال تعدد يتعدد تعدداً، أي صار ذا عدد متعدد: تعدد الأصول ، تعدد اللغات، تعدد الحقائق[1]..والذي يشير إلى أكثر من مبدأ واحد أي أن هنالك ما هو أكثر من شئ واحد. وللاسم صفتان(Pluralistic- Plural) ويطلق لفظ (Plurality)أيضاً على حالة كون الشئ متعدداً وعليه فإن المعني اللغوي للمفهوم في اللغتين العربية والإنجليزية يشير إلى وجود أكثر من شئ واحد عددياً.
يعد مونتسكيو (1689-1755) المفكر الفرنسي من أوائل المفكرين الذين صاغوا هذا المفهوم حيث أورد في كتابه (روح القوانين) مبدأ الفصل بين السلطات، ونتيجة لملاحظاته حول الوضع غير المتجانس للأفكار والعادات والتقاليد والقوانين والمؤسسات والمصالح اقترح آلية للتعامل مع هذا الواقع المتنوع بإحلال تنسيق واضح متجانس محل التنوع غير المتجانس[2]. وذلك من خلال إعجابه بالنظام السياسي في انجلترا حينذاك ..
ويشير الدكتور جابر سيد عوض أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن مفهوم التعددية يتصف بالخصائص التالية[3]:
أولاً: أنه مفهوم عام قابل للتطبيق على كافة المجتمعات والنظم المعاصرة ويعبر عن ظاهرة عامة وشائعة الانتشار.
ثانياً: أن التعددية مفهوم حمال أوجه ، ليس فقط كونه تعبيراً عن ظاهرة عامة، بل أيضاً لتباين تطبيقاته واستخدامه في كثير من الأحيان للإشارة إلى حالات وأوضاع متتاقضه الأمر الذي يصعب معه عزل المفهوم عن سياقه التاريخي وطبيعة تطوره المجتمعي في كل حالة على حده.
ثالثاً: هو مفهوم مركب بوصفة معبراً عن ظاهرة متعددة الأبعاد فهنالك التعددية الثقافية والاجتماعية و السياسية.
رابعاً: هو مفهوم معقد بحكم كونه مركباً، وان كان ليس كل تركيب يقود بضرورة إلى التعقيد، الا أن عملية التركيب في الظاهره جعلت من المفهوم المعبر عنه مفهوماً معقداً وذلك لارتباطه بمفاهيم مثل الطائفية والعرقية والديمقراطية.
خامساً: أن التعددية مفهوم مراوغ لا يمكن استخدامه بإشارة للتعددية السياسية كصيغة تهدف بالأساس إلى إمتصاص السخط الشعبي كما يستخدم تعبير التعددية السياسية بمعناه الشامل الذي يرمي إلى إقرار كفالة حق القوى في التعبير عن نفسها.
التعريف:
هي احدى من المفردات السياسية – الاجتماعية الحديثة، تصف حالة من الحالات الفضلى التي تحلم الديمقراطية ببلوغها، والتعددية حديثة، بمعني إنها مصدر للاختلافات بكافة أوجهها[4]. الاختلاف الايجابي الذي يفضي إلى نفع الأمة لا إلى تشرزمها وإضعافها وهو أمر مرفوض عقلاً وشرعاً وعرفاً، فليس من الاختلاف والتنوع المقبول أن يسير كل إنسان في اتجاه مخالف للآخر سعياً لإلغائه أو محوه من الوجود. والتعددية تعني مشروعية التعدد، وحق جميع القوى والآراء في التعايش، وفي التعبير عن نفسها والمشاركة في تسيير الحياة في الدولة وعدم الاعتداء على الآخرين بسبب معتقداتهم وأفكارهم.
يصف (محمد عابد الجابري) التعددية السياسية بأنها ” مظهر من مظاهر الحداثة السياسية، ويقصد بها وجود مجال اجتماعي وفكري يمارس الناس فيه “الحرب” بواسطة السياسة، أي بواسطة الحوار والنقد والاعتراض والأخذ والعطاء، وبالتالي التعايش في إطار من السلم القائم على الحلول الوسطي المتنامية … والتعددية هي وجود صوت أو أصوات أخرى مخالفة لصوت الحاكم “[5]. أما ا(لدكتور سعد الدين إبراهيم) فيعرف التعددية السياسية بأنها ” مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها ” . بينما عرفتها الدكتورة ثناء فؤاد بأنها ” الإقرار بوجود التنوع، وأن هذا التنوع يترتب عليه اختلاف المصالح والاهتمامات والأوليات ” [6]. وقد أشار هنري كاريل إلى التعددية بقوله أنها ” ترتيبات مؤسسية خاصة لتوزيع السلطة الحكومية والمشاركة فيها “[7]. أما (الدكتور احمد صدقي الديجاني) فقد وصف التعددية عندما قال انها ” مصطلح يعني أولاً الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما يفضل وجود عدة دوائر انتماء فيه ضمن الهوية الواحدة … و ثانياً احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من خلاف أو اختلاف في العقائد والألسن والمصالح وأنماط الحياة والاهتمامات … ومن ثم الأولويات ، ثالثاً أيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بحرية في إطار مناسب “[8].
أما (لدكتور محمد عمارة) فيعرف التعددية بأنها ” تنوع مؤسس على تميز وخصوصية ولذلك فهي لا يمكن إن توجد وتتأتي – بل ولا حتى تتصور لا في مقابلة و لا مقارنة – مع الوحدة والجامع[9]. فالوحدة الجامعة مركبة من وحدات صغيرة ولكل وحدة خصوصيتها فالوحدة مطمح، لكنها لا تلغى الخصوصية. وإنها اختلاف في الاجتهاد واجتهاد في الاختلاف[10]. فالاجتهاد يفضي إلى الاختلاف في الفهم الخارجي للموضوع، ولكنه لا ينبغي أن يكون مدعاه للتفرق إلى جانب أنه مدعاة لسد الفجوات في مناطق الاختلاف.وهذا يدفعنا إلى تقبل رأى الغير مهما كانت الثقة في النفس كما قال الأمام الشافعي محمد بن إدريس ( 767-820) “رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب”. أما التعددية من المنظور الفلسفي وتعني نظام يرفض الواحديه Monism في التفكير بمعني أن هنالك أكثر من حقيقة واحدة.[11]
أنواع التعددية:
التعددية السياسية
اقترن المفهوم بالديمقراطية والليبرالية التي تتسم بتعدد التنظيمات السياسية مثل الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وجماعات المصالح بما يعنى الإقرار بحتمية التنافس حول المصالح والاختلاف في الرأي و ما يتطلبه الوضع من توفير الإطار التنظيمي والمؤسسي الكفيل باحترام وحماية التعدد والتباين وما يتضمنه ذلك من قيم اجتماعية أساسية، وتعني أيضاً وجود الأحزاب والفصائل والتيارات السياسية التي تمثل آراء ومواقف قياداتها الهدف للوصول إلى السلطة وإدارة الدولة.
ويرى هنري كاريل أن التعددية السياسية هي ترتيبات مؤسسيه خاصة لتوزيع السلطة الحكومية والمشاركة فيها وهذا يعني أن:
1. الاعتراف بوجود التنوع في مجتمع ما، و وجود عدة دوائر انتماء فيه ضمن هويته الواحدة.
2. قبول التنوع وما يترتب عليه من اختلاف وخلاف في العقائد والألسن والمصالح وأنماط الحياة.
3. وجود صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك كله بحرية.
أما الليبرالية فقد تبلورت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتعني مجموعة الأفكار والقيم التي تدور حول الفرد والحرية[12] وقد نشأت كتعبير عن واقع اجتماعي جديد هو تبلور السوق الرأسمالي. ولم يكن دعاة الليبرالية يقصدون الحرية للجميع بل مرتبطة بالملكية. إلا أن اقرار حق الاقتراع العام شكل نقطة التحول الحاسمة من عصر الليبرالية إلى عصر الدولة الديموقراطية الليبرالية.
أن ما يروج له دعاة التعددية من ان الديمقراطية والتعددية تسمح بوجود أى أحزاب تتبنى اى أفكار كلام غير دقيق .. حيث تم منع الأحزاب النازية والفاشية ، ويتم مطاردة من يتبنى مثل هذه الأفكار فى الدول الغربية . وفى أمريكا شنت حملة اعتقالات أمنية شاملة أطلق عليها “المكارثية” ضد انتشار الشيوعية وكل من ينتسب إليها ، وكذلك فى الدول الغربية الأخرى، إلى جانب قضية المحرقة “الهولوكوست” فان اى إنكار أو تشكيك فيها يعد معاداه للسامية . فالديمقراطية والتعددية السياسية اكذوبه يجب أن ينظر لها بشكل واقعي لا نظري حيث لا توجد حرية ولا تعددية مطلقة. كما ان التعددية فى الغرب هى تعددية حزبية حقيقية ،وليست لها علاقة بالقبلية والعشائرية والعرقية كما ليس لها علاقة بالأديان والمذاهب.
أن التعددية السياسية كتجربة انسانية لممارسة العملية السياسية من خلال التفكبر الوضعى لها العديد من الإيجابيات منها : أنها مدارس للشعوب تعمل على توجيه الرأي العام وتعميق الوعي السياسي لدي الأمة، كما إنها تعتبر همزة الوصل بين الحكام والمحكومين خاصة في الديمقراطية النيابية التي ينتهي دور الأمة فيها عند اختيار نوابها في البرلمان ليقوموا نيابة عنها بمباشرة كافة حقوق السيادة، وليس للأمة عليهم من سلطان إلا عند إعادة انتخابهم مرة أخرى، كما أنها تعد عنصرا من عناصر استقرار الحياة السياسية بما تتيحه من الوجود العلني للمعارضة وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة في الحكم إذا حظيت بتأييد الأغلبية بدلا من لجوء المعارضة إلى أسلوب الجماعة السرية.
ومن سلبياتها : تشرذم الأمة، وتبديد جهود الدولة وتشتت قواها، وعجز آلية الحياة السياسية وتحويل الأنظمة الديمقراطية إلى أنظمة جوفاء حيث يتحول الأعضاء في البرلمان بمقتضي الالتزام الحزبي إلى مجرد أبواق تفسر قناعات أحزابهم أو تبررها للآخرين.
التعددية الدينية:
يستعمل كثيرون التعددية الدينية لتعني التعايش السلمي بين الأديان تحت شعار عالم واحد للجميع[13]. إلا أن تاريخ أوربا مثخن بالجراح من النزاعات والحروب واستضعاف المخالفين ليس فقط من النصارى واليهود والمسلمين، بل بين طوائف النصرانية نفسها، وما تزال النزاعات مستمرة في ايرلندا وأرض البلقان،ولم يضعف هذا الظلم إلا بعد التقدم الذي أحرزنه العلمانية التي أبعدت الدين عن قيادة الدولة، وحصرته في نطاق ضيق وأباحت له فيها حرية المعتقد والعبادة للجميع، وفي كنفها وجدت التعددية الدينية مجالاً للتعايش بين الأديان واعتبرت العلمانية بأنها الحل الأمثل لمشكلة التنوع الديني ، إلا أن نظرة فاحصه لها بينت عيوبهاحيث لا توجد مساواة بين الأديان أو طوائف الديانة الواحدة في كثير من بلدان الغرب مع دعواها التعددية الدينية حيث تعطي وتمول كلياً أو جزئياً كنائس وأديان دون سوها مثل الكنيسة الإنجليزية في إنجلترا أو الكاثولوكية في إيطاليا، واللوثرية في بعض الدول الاسكندنافية، وتتفاوت الدول الغربية في بعض مواقفها من حقوق الأقليات الدينية مثل حق التعليم الديني، ففي فرنسا وبريطانيا لا يسمح بتعليم الدين، بينما يسمح به في بلاد غربية أخرى مثل بعض الولايات الألمانية .الى جانب قيام الغرب على فكرة الكاثلوكية والتى تعنى المذهب الشامل أو الكلى و الذى يرفض الاعتراف بالآخر فرفض قبول فكرة المذهب البروتستانتى الذى ظهر كمذهب احتجاجى وكانت نتيجة ذلك اندلاع حروب ومعارك وثق لها “ول ديورانت” [14]
أما الإسلام، فيقر بوجود التنوع في الانتماء الديني في مجتمع واحد أو دولة تضم عدداً من المجتمعات ، كما يقر مبدأ المساواة في ظل القانون ويلتزم بمبدأ وجودهم حرية اختيارهم بقوله تعالي” لكم دينكم ولى دين”( سورة الكافرون الآية 6). وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بأسرى بدر وكانوا مشركين لم يقتلهم بل أخذ منهم الفداء وتركهم على شركهم فلم يجبرهم على الإسلام، وقال لأهل مكة عند فتحها “أذهبوا فأنتم الطلقاء” و كذلك تعامل مع اسرى حنين.ومثلت وثيقة المدينة التى وضعها الرسول الكريم حين جاء الى المدينة المنورة فتحاً جديداً فى تاريخ البشرية والتى كانت بمثابة الدستور الذى نظم قواعد العلاقات بين المسلمين وغيرهم من المواطنين ومع اليهود بقبائلهم الثلاث والوثنيين واعتراف الرسول (ص) بحقوقهم و وجودهم الاجتماعي والثقافي بشرط ان يكون تحت نظام دولة المدينة .وان لا يدعوا للكفر والإلحاد.كما ان الامام على رضى الله عنة احترم وجود الخوارج وقد كفروه ولم يقاتلهم الا بعد ان استخدموا القوة ضد المسلمين.وحتى يومنا هذا تؤكد كل دساتير الدول العربية والاسلامية على احترام الاسلام باعتباره دين الدولة ولا يوجد دستور يدعو الى الكفر والإلحاد وذلك لما يتمتع بة الاسلام من قيم تحترم حقوق الآخرين.
وبهذا التعامل يعد الإسلام من أول الديانات التي كرمت الإنسان وترك المخالفين له في المعتقد أن يعيشوا في ظل دولته ومنحهم الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم ولم يقول بمبدأ “أن الناس على دين ملوكهم” الذى كان ثابتاً فى الحضارات والديانات السابقة كالرومانية واليونانية والمسيحية ، فالمواطن الذى يخالف الملك يسمى “العدو”.
التعددية المذهبية:
تعنى تعدد المذاهب في إطار الدين الواحد وفي مجتمع واحد أو دولة ،ويتضمن مفهوم التعددية المذهبية الإقرار بأن أحداً لا يحق له نفي أحد وضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي في المجتمع والمساواة في ظل سيادة القانون ،وبذلك يعني المفهوم الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء المذهبى إلى جانب قبول ما ترتب عليه من اختلاف وخلاف في الفروع أو غيرها كما يعني إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك في إطار مناسب وبشكل يحول دون نشوب صراعات مذهبية تهدد سلامة المجتمع.[15]
إن تعدد الفرق والمذاهب في الدين الإسلامي تشكل ظاهرة طبيعية ، بل الفرق والمدارس الفقهية هي سمة ثابتة في جميع الأديان السماوية والوضعية لقد بدأت المذاهب الإسلامية في التكوين منذ بداية القرن الأول الهجري ولكن بعضها لم ينتشر و يكثر أتباعه مما أدى إلى انقراضها أما التي بقيت إلى يومنا هذا فاهمها مايلي:
-السنة بمذاهبها الأربعة:( الحنفي، الشافعي، المالكي، الحنبلي)-
-الشيعة بطوائفها الثلاثة:( الأمامية الأثني عشرية، الزيديه، الإسماعيلية).
-الخوارج والمعروف منهم حالياً: الأباضية.
اما الغرب الذى قام على الديانة الكاثولوكية التى تعنى المذهب الشامل او الكلى الذى رفض الاعتراف بالمذهب البروتستانتى الذى ظهر كمذهب احتجاجى ولم يعترف الكاثوليك بالبروتستانت الا فى الحدود المتاخمة للدولة العثمانية حيث كانت ملاذاً امناً لهم من محاكم التفتيش الاوربية ، وفى الاسلام توجد التعددية الفقهية الى جانب العقائدية فالعقيدة الغالبة كانت لاهل السنة ومع ذلك ظهر المذهب الشيعى واستلم مقاليد الادارة والسلطه الا انة لم يقتل من يخالفه الراى .فالآن فرنسا والدول الغربية لا تتحمل الخصوصيه الدينية (الحجاب..) وكمال اتاتورك ، من قبل ،لا يعترف بالاكراد فجميعهم لا يقرون حقوق الانسان بشكلها ومضمونها الواسع فالاسلام وحدة الذى عالج مثل هذه الاختلافات واقرها قبل اربعة عشر قرناً.
نستنتج من ذلك ، أن ظاهرة التعددية المذهبية ظاهرة طبيعية تتوافق مع الميول الطبيعية للتعددية الثقافية والفكرية والإنسانية ، وسمة لأزمة في جميع الأديان والعقائد.ان التعصب في جميع أشكاله، والعمل على إلغاء أراء الآخرين وفرض أراء الذات بأي وسيلة لن يحقق إلا تمزق الأمة وتفتيت المجتمع وإضعاف الروح المعنوية وخلق الفتن والصراعات والحروب ولا خيار للأمة إلا إقرار التعددية المذهبية.
التعددية الثقافية والاجتماعية:
أهم ما يتعلق بها مبدأ حق المواطنة: إذا أن الدولة المعاصرة تقوم على مبدأ القومية، وتسود بذلك ثلاثة اتجاهات في هذا الصدد:
الاتجاه الأول:لا يعترف إلا لمن ينتمي بالنسب إلى أصول البلد، ومن أمثلة ذلك ألمانيا واليابان حيث لا يتمتع الأتراك المستوطنين من الجيل الثالث في ألمانيا بحق المواطنة.
الاتجاه الثاني: فتمثله فرنسا التي تفصل فصلاً تاماً بين الحياة العامة والخاصة. فتعطي كل من نال المواطنة حقوقاً متساوية كأفراد وليس كمجموعات محافظةً منها على وحدة الدولة حسب زعمها، ومن ثم تتحاشى الاعتراف بأي انتماء عرقي أو طائفي في مجالات الحياة العامة، وان كانت تسمح بتنظيم المجموعات لأنفسهم في جمعيات تحافظ على هويتهم الثقافية، ولكن لا يظهر عملياً أن ذلك يحقق التعددية، بل من الواضح أن الذوبان هو الغالب.
الاتجاه الثالث : وتمثله كندا واستراليا أكثر من غيرها. فهو الذي يسمح بالتعددية العرقية والثقافية، ويظهر ذلك في السياسات العامة والتشريعات والتعليم ومع هذا فإن المساواة من الناحية النظرية لا تتحقق عملياً إذ أن العنصرية أمر مستأصل في النفوس، ولا تحل بالقوانين ولا التعليم ، إن لم يكن ذلك عقيدة راسخة في النفوس. ونضال حركة الحقوق المدنية وإزالة التمييز العنصري في كل من أمريكا وجنوب أفريقيا شاهد على ذلك.[16]
تشكل التعددية الاجتماعية ظاهرة ملازمة للمجتمع منذ أن عرف هذا المجتمع ظواهر نشوء المجتمع الطبقي والتبادل السلعي فى الدولة. أن فالتمايزات الثقافية والعرقية والدينية والمواقع الطبقية هي تمايزات ملازمة لطبيعة المجتمع البشري ذاته.
ارتبطت تاريخياً فكرة نبذ الاختلافات والتعددية بالأيديولوجيات التي تستند على فكرة امتلاك ناصية الحقيقة سواء تأتي لها بمصدر ديني أى مقدس أو سوغت لها شعاراتها فكرة احتكار المنطق باسم الحقيقة المطلقة، وهنالك ثلاثة نماذج من هذه الأيديولوجيات:
أولها الإيديولوجية الأصولية الدينية: ونقصد بها جميع الأديان وهذه الإيديولوجية احتكرت تفسير الأديان ، واعتبرت كل تفسير للدين غير تفسيرها بدعة فألغت الآخر وسفكت دماءه
ثانيها الأيديولوجية المركزية التي تعتبر نفسها محرراً للإنسانية من الظلم والاستغلال ، وقد احتكر الماركسيون الحقيقة الثورية ونصبوا أنفسهم ناطقين رسميين باسم الطبقة العاملة.
ثالثها الأصولية الليبرالية: وهي الأصولية التي تلغي كل الأفكار وتطلق لثقافة السوق مطلق العنان لتحديد توجهات الناس وقيمهم، وتلخص كل شئ في قيمتة المادية، ولا تري للقيم الرمزية والروحية دوراً، مستفيدةً من مجموعة من التحولات العالمية التي أطاحت بالمشاريع الكبرى الطامحه إلى التغيير، أي أنها وليد أزمة الفراغ.
المبحث الثاني: مبادئ التعددية وأدواتها:
1.الحماية الدستورية و التنظيمية :
ينطوي مفهوم التعددية السياسية على مبدأ أساسي وهو البعد المؤسسي أو التنظيمي بمعني الترتيبات المختلفة التي يتخذها النظام لاحترام وحماية التعددية والتي تتمثل في توفير الحماية للتنظيمات والمنظمات لممارسة عملها ودورها ولضمان الحرية والمساواة الكاملة بين هذه التنظيمات وحماية الحريات الصحافية والحريات العامة. فضلاً عن إقامة التوازن بين السلطات العامة في المجتمع، بحيث لا تطغي أو تهيمن احدها على الأخرى.وفق الدستور او اى وثيقة مرجعية أخرى تنبثق عنها منظومة القوانين التى تنشى السلطات وتتمازج مع بعضها البعض صوناً للحقوق وتوزبعاً للاختصاصات ومنعاً للاحتكار وتفعيلاً لاليات الرقابه.
كما تتطلب التعددية الإقرار والاعتراف بحق القوي السياسية والاجتماعية في الدولة في تنظيم نفسها بالشكل الذي يخدم مصالح الأمة وعدم وضع قيود على تكوينها وممارستها لأنشاطتها بغض النظر عن هويتها وعقيدتها التى تقود الى التعددية السياسية التى تبنى على ممارسة الحقوق المدنية وحرية التعبير وعن حق تأسيس الكيانات التى تشملها الحقوق المدنية والسياسية ، كما تعتبر تعبيراً ضمنيا عن إرادة كسر احتكار المجال السياسي من قبل فريق دون أخر ، وتحويل الممارسة السياسية إلى شأن عام ، والعمل السياسي إلى حق عمومى، فهنالك تعددية سياسية شكلية(مقيدة) تذهب إلى تفريخ الأحزاب بأعداد كبيرة .
2. النظام التمثيلي :
لا معنى لأية حريات عامة أو حقوق مدنية وسياسية ولا تعددية سياسية إن لم تقترن ببناء الحياة السياسية على مبدأ التمثيل .التمثيل الذى تؤمن المشاركة السياسية وهى شرط وجوب للديمقراطية الحديثة والذى يتحقق به قيام السلطة الدستورية التشريعية بوصفها من أركان الدولة الوطنية الحديثة ، ولكى نفرز مؤسسات تمثيلية حقيقية تمثل الشعب وتتمتع بالمصداقية لابد من إحاطة عملية الاقتراع بالضمانات الدستورية والقانونية حتى تكون نزيهة وشفافة .
3.حرية تداول السلطة :
تعتبر من أهم أسس التي تستند إليها نظم التعددية السياسية الحزبية، لكونها تكفل عبر الانتخابات الدورية الحرة التداول السلمي على السلطة. ويسمى في بعض الدول بالتناوب وهو عملية فتح مجال السلطة أمام الجميع في الإدارة وتدبير للقوى التي رسمها الجمهور لإدارة الدولة وهو الحق الذى يقرره المواطنون بالإرادة الحرة المعبر عنها في الانتخابات .
4.التوزيع المتكافى للفرص :
يعني إتاحة الفرص المتكافئة والمتساوية لجميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الأخرى للاتصال بالقواعد الجماهيرية وممارسة نشاطها بالشكل الذي يمكنها من القيام بوظائفها في التمثيل والتعبير الحر عن مطالب ومصالح القوى، أيضاً المساواة في حرية الترشيح للانتخابات وممارسة الدعاية الانتخابية مع ضمان نزاهة وحرية عملية التصويت وسرية الاقتراع وعدم هيمنة حزب واحد على وسائل الأعلام ..، ويتطلب هذا حياداً للإدارة الحكومية ونظاماً انتخابياً يتيح لجميع المؤسسات والأحزاب التنافس الحقيقي مما يتمخض عنه تمثيل واقعي.
ادوات التعددية:
1. الأحزاب:
عرُف (ادمون بيرك) الحزب بأنه “إتحاد بين مجموعة من الأفراد بغرض العمل معاً لتحقيق الصالح القومي وفقاً لمبادئ خاصة متفق عليها جميعاً”[17] أو “هو إئتلاف من مجموعة مصالح تمثل جزءاً من المجتمع”[18] ، أما (لازويل) فقد عرَفه بأنه المنظمة المختصة بتقديم المرشحين والقضايا السياسية تحت اسمها في الانتخابات[19] . وهو تنظيم دائم يتحرك على المستوى الدولي والمحلي من أجل الحصول على الدعم الشعبي … إى الوصول إلى السلطة بغية تحقيق سياسة محددة[20] ومن هذه التعريفات المختلفة نخرج بالخصائص الآتية للحزب :
– أن الحزب منظمة من الأفراد قادرة على التعبير عن مطالبها ولديها تصورات حول المجتمع.
– يهدف هذا التجمع إلى الوصول إلى السلطة كهدف أساسي ، إلى جانب أهدافه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية الأخرى .
– لديه برنامج سياسي يصل من خلاله إلى هدفه الأساسي وهو الوصول الى السلطة. ولكـي يتصف الحزب بانه ديمقراطي يجب أن يلتزم المبـادئ والآليات التى تمكن من قيام التعددية وهى :
1/ أن لا يكون في الحزب سيادة على أعضائه من قبل زعيم أو عائلة أو صاحب صفه دينية أو طائفية لها حق أو عرق ثابت يكرس موقعها في القيادة .
2/ أن تكون العضوية بضوابطها الديمقراطية هي وحدها مناط الواجبات ومصدر الحقوق .
3/ أن تكون العضوية في الحزب من حيث المبدأ مفتوحة لجميع المواطنين دون إقصاء أو تمييز من حيث العرق أو اللون أو الدين أو المذهب وأن يكون اكتساب العضوية متاحاً من حيث المبدأ حقاً لكل من أكتسب صفة المواطن في الدولة .
4/ أن يحتكم أعضاؤه في علاقاتهم الداخلية إلى نظام أساسي وشرعية دستورية متجددة يتوافقون عليها ابتداءً بحيث يكون الأعضاء هم مصدر السلطة للحزب ولا وصاية لفرد أو لقلة أو عائلة على قرار الحزب كما يجب الفصل بين السلطات . مع وجود شكل من أشكال المحكمة الحزبية الدستورية المستقلة لحل أي تداخل أو خلل في السلطات إلى جانب تداول السلطة في الحزب وفق آلية انتخابية حره ونزيهة من القاعدة إلى القمة .أن تلك المبادئ والمؤسسات والآليات هي ضوابط رسمية وقانونية من أجل التجويد والممارسة الحزبية للديمقراطية .
وتأسيساً على ما تقدم ، إن ما يجعل إدراج تنظيم حزبي ما ضمن قائمة التنظيمات الديمقراطية بحق هو تبنيه لتلك المبادئ والأسس التي لا تقوم لمفهوم الديمقراطية والتعددية السياسية فيما نزعم قائمة من دونها، والتعبير عنها عملياً في تفاعلاته المشاهدة والتي تلتزم بالحد الأدنى لها .
2. منظمات المجتمع المدني :
هي القنوات التي يجري عبرها التنافس بين القوى الاخرى ويمر من خلالها، الأمر الذي يجعل وجودها بمثابة العمود الفقري لعملية صنع واتخاذ القرارات السياسية ، وعلى مستوى العمل الديمقراطي ليست مؤسسات المجتمع المدني غير الأدوات السياسية المستخدمة من جانب قواه الرئيسية ، فلا وجود للديمقراطية الحديثة إلا بوجودها وإبلائها الدور الفعلي والحقيقي في التعبير عن المصالح التي تنشدها وتمثيلها في أجواء ديمقراطية سلمية .
تذهب بعض التحليلات لاسيما عند ( هيجل ) إلى أن المجتمع المدني سابق لوجود الدولة وأن يعتمد على الروابط الخاصة بين المواطنين ولكن يشمل أيضاً بعض مؤسسات الدولة .
يمكن تعريف المجتمع المدني بأنه مجموعة القيم والأعراف التي يقبلها المجتمع المنظم على نحو سلمي وطوعي ، ويشمل كل المنظمات والتجمعات المدنية غير الساعية للوصول إلى السلطة والتي تتوسط بين الأفراد والدولة ، ويرتبط أساساً بوجودها وتكون هناك حدود لممارسة أدائها بينها وبين الدولة وأجهزتها المختلفة . وهي مؤسسات اجتماعية تقود المجتمع إلى دعم المشاركة وتعزيز دوره في بناء الدولة وبذلك يتداخل المفهوم مع العديد من المفاهيم السياسية وفي مقدمتها مفهوم جماعة المصالح والأحزاب السياسية التي تعبر عن مصالح متميزة لجماعات من المجتمع تعمل على تنحيتها وحمايتها في مواجهة الغير .
تتوافر صفة المدني لأي مجتمع مع توافر ثلاث خصائص ، أولها: منظمات رسمية متعددية الأشكال ، ثانيتها: أن تخترق الطبقات والجماعات الاجتماعية وتمثيلها ، وثالثتها: سيادة روح التسامح بينهما وبين الدولة .وفي الفكر الليبرالي التقليدي يعني المجتمع المدني بكل ما هو خارج عن سيطرة الدولة ، ثم يتطور ليشمل التوسع في حقوق المواطنة والديمقراطية . وفي الإطار الليبرالي الحديث أخذ المفهوم خطوة أوسع بإضفاء الأبعاد الأخلاقية على حركة التفاعل الاجتماعي الذي تبلور في مفهوم الحقوق الأساسية للإنسان وحماية الأقليات وحماية الحريات وقبول الاختلاف .
الفصل الثانى
التعددية والعالمية
المبحث الأول: النزعة العالمية للتعددية

على الرغم من المحاولات العديدة ، عبر التاريخ، لطمس التمايزات الاجتماعية والسياسية ، ابتداء من نظم ديمقراطية الأقلية (جماعة الأحرار) في الدويلات اليونانية مروراً بدكتاتوريات صفوة الشيوخ والفرسان في الإمبراطورية الرومانية، أو حكم طبقة الإقطاعيين من ملاك الأرض الكبار في أوربا العصور الوسطي،أو نظريات روح الشعب وسيادة الدولة الفاشيه، ودكتاتورية البرولتاريا ( الطبقة العاملة ) في الفكر الماركسي اللينيني ، وغيرها من الأفكار التي حاولت تبرير حكم الفرد أو الطبقة … استناداً إلى التنكر أو التجاهل .. للتمايزات الاجتماعية والثقافية والسياسية والتعبير عن مصالحهم وحقوقهم في إدارة الشأن العام، إلا أن سعي الإنسان ونضاله في سبيل الحرية والعدالة والمساواة أفرز الاعتراف والإقرار بالتعددية وممارستها. لذلك جاءت التعددية لاقرار:
– حق الوجود: إي حق التمايز الاجتماعي والثقافي في الوجو
– حق التعبير: إي حق المتمايزات في التعبير عن مصالحها وحقوقها.
– حق المشاركة: إي حق المتمايزات في المشاركة في إدارة الشأن العام وفي اتخاذ القرارات[21].
إن طرح مسألة « التعددية » جرى في بعض بلاد أوروبا الشرقية وما يسمى بالعالم الثالث مؤخراً على المستوى السياسي البحت ، طلباً لتعدد الأحزاب السياسية في مجتمعات ظلت عقوداً طويلة لا تعرف سوى نظام الحزب الواحد. ولكن في بلد غربي رائد ومؤثر كأمريكا طرحت المسألة في سياق اجتماعي ثقافي سلوكي مع ارتفاع صوت فئات متعددة عرقية ( الزنوج وذوي الأصل الأمريكي الجنوبي والآسيوي) ولغوية (أسبانية) وسلوكية (جماعات ما يسمى بتحرر المرأة وحقوق الشواذ وأنصار البيئة و « الأصولية المسيحية » ) ، لتطالب بوجود متوسع ، ونفوذ قوي لها داخل المجتمع الواحد ، وهنا اتخذت قضية التعددية أبعادها المختلفة التي وصلت إلى حد التبشير بالتعددية في أنماط الزي والطعام والسلوك الشخصي ، لكنها لم تصل إلى إسقاط الإطار الموحد العام الذي يربط أشتات المجتمع الأمريكي ، فهذه التعددية مثلاً لم تتسع أو تشمل دعاة إقامة مجتمع ديني « أصولي » ، ولا دعاة إقامة نظام نازي مما يسمى باليمين الجديد المتطرف.
والحديث عن «التعددية» في بعض بلدان أوروبا الغربية كفرنسا وألمانيا وإلى حد أقل إنجلترا ، بدأ تحت ضغط وجود تجمعات كبيرة ومتزايدة من المهاجرين الأجانب ، مما فتح احتمال الثنائيات بل والتعدديات اللغوية والعرقية والدينية (وأبرزها الإسلام) داخل البلد الواحد ، لكن مفهوم التعددية في هذه البلدان جرى تحجيمه في الحال ، بحيث أصبح فى أحسن الأحوال لا يتجاوز مجرد السماح لبعض هذه الفئات بحقوق محدودة للتعبير وببعض الخدمات الاجتماعية .
ويمكن حصر دواعي التعدديّة السياسيّة فى العصر الحالى فى:
1- التزايد الهائل في عدد الناخبين الذي صاحب مبدأ الاقتراع العام في القرن التاسع عشر، دعا إلى ظهور الحاجة لقيام تنظيمات شعبيّة يتجمّع حولها الناخبون.
2- الأحزاب أكثر التصاقاً بالشعب، فالآراء والمقترحات التي تتقدّم بها هذه الأحزاب للحكومة تعبر عن نبض الشارع الشعبي.
3- الاختلاف في الرأي أمر طبيعي وعلامة صحّة، وتفاوت المدارك سنّة من سنن الله في الخلق.
4- التعدد قد يكون ضرورة في هذا العصر لأنّه يمثّل صمام الأمان من الاستبداد والتسلط على مصائر العباد.
5- كثر الحديث عن التداول السلمي للسلطة مؤخراً حيث اعتبر السبيل الأمثل والأفضل لحل إشكاليّة الصراع على السلطة وضمان استقرار الاوطان وأمنها والحفاظ على استقلالها وحماية وحدتها وكسر احتكار السلطة المستبدّة وإعطاء الفرصة للشعب للمشاركة في الحكم عبر إشاعة التعددية.
أبعاد التعددية السياسية في المواثيق الدولية
أدت الحروب الكونية الى ممارسة العديد من الانتهاكات المريرة على البشرية، تمخض عنها ميثاق الامم المتحدة وأسفر نضال الإنسانية في سبيل الحرية والعدل والأداء السياسي الأفضل عن ضرورة الاعتراف بالتعددية السياسية داخل المجتمع وعن ضرورة أن يؤمن النظام القانوني لكافة الفئات الاجتماعية الحق في التنظيم المستقل والتعبير عن آرائها وعن ضرورة التسليم بالطموحات المشروعة لمختلف الفئات الاجتماعية في سعيها السلمي للوصول الى السلطة السياسية تحت مظلة تنظيم مشروع يسمح بذلك ويقننه. ونستطيع أن نستقرئ هذا الإجماع الإنساني المعاصر حول ضرورة الاعتراف بالتعددية السياسية بواسطة النظام السياسي الرسمي في النصوص المتعددة الموجودة في عديد من الوثائق الدولية ذات الطابع العالمي. المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي جاءت وليدة للتجاذبات السياسية والتمايزات الثقافية والطموحات المختلفة هي عنوان توافق إنساني دولي على مبادئ وبنود تعكس موازين القوى الدولية من جهة حيث لا يمكن مقارنة نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والمصدرة بنوده الثلاثين بعبارة لكل فرد الحق في .. أي إعلان الحقوق الفردية كانعكاس عن اختلال موازين القوى الدولية لصالح الليبرالية الفردية ومن جهة ثانية مع الحقوق الجماعية التي انتزعتها الشعوب المناضلة فى سنوات منتصف الستينات وخاصة في سنة إعلان العهدين الدوليين 1966 لدلك فالتعامل الشمولي المتكامل مع الشرعية الدولية لحقوق الانسان لا يجب أن يخفي تاريخية كل نص على حدة وظروف نشأته.
أن الفهم المتكامل للمواد19-20-21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤدي إلى استخلاص أن الإعلان قد أقر مبدأ التعددية السياسية شريعة ومنهاجا في النظام السياسي المعاصر. اذ تقضي المادة 19 بأنه (لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها الى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود).وتنص المادة 20 من الإعلان على حق كل شخص في الاجتماعات والجمعيات السلمية وعلى أنه لا يجوز إرغام أحد على الانتماء الى جمعية ما. وتؤكد المادة 21 على حق كل شخص في المشاركة في إدارة الشؤون العامة للبلد أما مباشرة و أما بواسطة ممثلين يختارون في حرية. وتنص الفقرة الثالثة من نفس المادة على أن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم وعلى أن إرادة الأمة يجب أن تتجلى من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت[22]
هده النصوص مجتمعة تؤكد مبادئ حرية الرأي والتعبير وحرية تكوين الجمعيات السياسية وحق المشاركة في إدارة الشؤون العامة مباشرة أو من خلال ممثلين وهذا معناه أن كل المجموعات والجماعات السياسية لها حق المشاركة في السلطة وفي تسيير الشأن العام. وقد تضمنت كذلك بشكل تفصيلي المواد 19-21-22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق التعددية السياسية وحق المواطنيين والأحزاب في اعتناق الاديان والافكار والترويج لها بكل حرية ومسئولية.
وتؤكد المادة 22 على انه لكل فرد الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين بما في دلك حق إنشاء النقابات والانضمام اليها من اجل حماية مصالحه وانه لا يجوز وضع قيود على ممارسة هذا الحق الا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديموقراطي لصيانة الأمن القومي او السلامة العامة او النظام العام او حماية الصحة العامة او الآداب العامة او حماية حق الآخرين وحرياتهم.
المبحث الثانى: التعددية السياسية في الإسلام
تعني التعددية الحزبية، وفق الرأسمالية والليبرالية، أن يترك لفئات المجتمع حرية تشكيل الجماعات ، إنشاء التكتلات ، والأحزاب والتنظيمات.. التي تعبر عن اتجاهاتهم وآرائهم حول تصورهم للحياة العامة وتحقيق مصالحهم، وفق قوانين ودساتير تتوافق مع فلسفة المجتمع وتنوعه.
أما في الإسلام فإن الأحزاب والتنظيمات السياسية تؤسس دون الحاجة إلى ترخيص أو تصريح من الدولة، ويجوز إن تكثر في الأمة وأن تتعدد بهدف ممارسة العمل السياسي وفق منهج الإسلام ومقاصد الشريعة التي تقوم على أساس الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لجميع الناس حكاماً ومحكومين، يقول الله تعالي” ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”( آل عمران 104). ففي الآية طلب بصيغة الأمر – وهو الفعل المضارع المقرون بلام – من الأمة أن يكون فيها جماعة لها صفات ثلاث وهي الدعوة إلى الخير وهو الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للعامة والخاصة. وهذا الالتزام يفترض إيجادها وتهيئة البيئة لها. وعلى الدولة مطالبة الأحزاب والتنظيمات والمنظمات لبيان برامجها وأفكارها ووسائلها وطريقة عملها لتتأكد إنها قائمه على الإسلام ونظمه. ظهرت فكرة «التعددية» مؤخراً لكي تكون مجرد الغطاء والمبرر الذي يسمح بوجود واستمرارية بقايا الأفكار العلمانية المتغربة في وقت بدا للعلمانيين أن التيار الإسلامي الجارف سيجتاحها كلها. نحن إذن نواجه بفكرة وليدة الخوف الطاغي لدى من مارسوا القمع والاستبداد والنفي والاحتكار في أن يستبعدوا وينفوا مع فارق بالطبع هو أنهم مارسوا هذه الأشياء في موقع الأقلية التابعة للخارج والموالية لأنظمة غير شعبية ، بينما الإسلام هو دين وثقافة وحضارة البلاد وعقيدة أغلبية سكانها الساحقة .
لا ينكر الإسلام التعددية والاختلاف والتنوع وهى سنة من سنن الله فى الكون على مستوى الالسنة والالوان وقد دلت على ذلك نصوص القرآن الكريم “ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ” و يحث على التفكير والاجتهاد والتأمل وبذل الجهد في استنباط الإحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. فتعدد واختلاف أئمة الإسلام حول المسائل الفقهية الأمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام جعفر، والإمام زيد وغيرهم خير دليل على التعدد فلكل منهم مذهبة وتلاميذه ورؤيته،وهو دليل عافية لا علة وهو رحمة ، لذلك جعل الإسلام صالح لكل زمان ومكان أي يستجيب لكل المتغيرات التي تعترى المجتمعات.
أن التعددية التي تقوم على تداول السلطة بين مختلف الأطراف فكرة غربية نشأت في أوربا في أعقاب تحررها من الطغيان الكنسي والملكي ، واحلال الحريات الفردية، ونقل السيادة من رجال الدين والملوك إلى الأمة، فانتهي بهم المطاف إلى هذه الصيغة التي تقر للأغلبية بالحق في الحكم وللأقلية بالحق في المعارضة إلى حين ..، هذه الفكرة على هذا النحو لم يعرفها التاريخ والتراث الإسلامي، وإن كان الاسلام قد ارسي حق الأمة في السلطة العامة تولية و رقابة وعزلاً، كما أرسي حقها في الحسبة على السلطان وعلى من دونه، وإن كانت أصولة لا تمنع من الاخذ بها في ظل الالتزام بالإطار الإسلامي المتمثل في سيادة الشريعة والإقرار بالأصول الثابتة والكتاب والسنة والإجماع، لذلك يقر الإسلام التعددية السياسية المبنية على أصول العقيدة الإسلامية والتي تؤسس على القواعد التالية:
1- تلتزم الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني بأصول العقيدة الإسلامية والشرعية المنبثقة عنها، قال تعالي ” أن الدين عند الله الإسلام ” آل عمران19، وقال: ” ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ” آل عمران 85.
2- لا يجوز لأي حزب سياسي أن يمارس نشاطه في الدولة الإسلامية، وهو يتعاون او يوادد الفئات والجماعات غير المسلمه والمعادية للدولة الإسلامية قال تعالي:”يأيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء يعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدى القوم الظالمين” (المائدة51) وقال تعالي:”يأيها الذين أمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار اولياء واتقوا الله ان كنتم مؤمنين( المائدة57). وأكدت أيات وأحاديث كثيرة عدم مولاة الكفار.
3- عدم السعي لتغويض وإزاحة الإسلام عن الساحة السياسية وحصره في النشاطات الاجتماعية والثقافية..، قال تعالى : “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون”( المائدة 44).
4- المراقبة المستمرة لتطابق الأحكام السياسية والقرارات الحزبية مع المبادئ الشريعة الإسلامية وعدم مخالفتها لها ، فالقرآن الكريم يؤنب بشدة كل من يحاول تفسير أحكام الإسلام على نحو ينسجم مع مصالحه قال تعالى : ” يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم … يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون أن أوتيتم هذا فخذوه وأن لم توتوه فاحذروا..”( المائدة41)، وقال:”أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون” ( البقرة 75).
5- التمسك بالموازين الشرعية عند حصول اختلاف في وجهات النظر أو في سياق التنافس مع الأحزاب الأخرى، وهذا الأمر يستلزم اتخاذ أساليب مشروعة في الدعاية الحزبية وجتزاب المؤيدين ووضع البرامج الحزبية بحيث لا يقع أثناء ذلك ظلم وبهتان للأشخاص والأحزاب والجماعات المنافسة، فقد روي عن الرسول ( صلى) أنه قال ” اتق الله حيث ما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن” وهناك خطر آخر كثيراً ما يهدد الأحزاب السياسية وهو إنها حينما تتسنم السلطة السياسية قد تضيع الأمانه بسبب التنافس حول المناصب بين أعضاء الحزب ، ومن المعروف أن القاعدة الشرعية تستوجب المحافظة على الأمانة، وصيانه الأمانة من المبادئ التي أكدها الاسلام قال تعالي: ” يأيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون” (الأنفال 27).
6- اهتمامها بوحدة المسلمين و الوحدة الوطنية ومن هنا فإن النضال السياسي والمنافسة السياسية الشرعية يجب أن تكون فاعلة على أن لا تمس بوحدة الأمة الإسلامية، وأن تحافظ على أصول التنافس القائم على عدم استخدام أسلوب العنف وتفتيت وحدة الأمه، فالتعددية السياسية في الدولة الإسلامية تتصف بصفتين هامتين:الأولى: الرأفة والرحمة إزاء الأحزاب الإسلامية المنافسة والثانية: تعبئة الطاقات ضد الكفار والمهاجمين ، وهاتان الصيفتان صرحت بهما الآيات التالية:قال تعالى: “محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم”( الفتح29) وقوله:”..”فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذالة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومه لائم” ( المائدة 54).وقوله: ” واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخونا” ( آل عمران 103).
من خلال تلك القواعد تباينت آراء العلماء المسلمين فى موضوع التعددية فمنهم من حرمها ومنهم من أجازعا ومنهم من أباحها أما رأى القائلين بالحرمة فيتمثل فيما تفضي إلية التعددية من تشرذم الأمة وتفرق كلمتها، وما تتضمنه من عقد الولاء والبراء على مادون الكتاب والسنة، وما تتضمنة المعركة الانتخابية من تزكية النفس والطعن في الآخرين قال تعالي : “…فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقي” (النجم32)، وما تعنيه من الخروج على الجماعة ومنازعة الأئمة، بالإضافة إلى انعدام السوابق التاريخية، وفشل التجارب المعاصرة، وخطأ القياس على تعدد الأحزاب العلمانية.
أما رأى القائلين بالجواز داخل الإطار الإسلامي فيمتثل فى أن هذا الأمر من مسائل السياسة الشرعية التي تعتمد الموازنة بين المصالح والمفاسد ولا يشترط لمشروعيتها إن تكون على مثال سابق، وان الأصل في العادات والمعاملات الحل حتى يأتي ما يدل على التحريم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالتعددية أمثل طريق إلى تحقيق الشورى والرقابة على السلطة وصيانة الحقوق والحريات العامة، وأن ما ذكر من المفاسد فمنها ما يمكن تجنبه بالكلية، ومنها ما يمكن تقليله بحيث يبدو مرجوحا إذا ما قورن بما في التعددية من المصالح الراجحة، كما أن التعددية لا تعني بالضرورة التنافس على موقع الإمامة بل قد يكتفي فيها بالتنافس على موقع الوزارة ( وزارة التفويض).
أما رأى القائلين بإطلاق الإباحة فهو الاستشهاد بالفرق الإسلامية القديمة، وباستيعاب الإطار الإسلامي للمجوس والوثنيين..هو استدلال مردود لان الفرق ظاهرة مرضية وان وجودها لا يعنى تسليمها مقاليد الحكم اما المجوس وغيرهم فهم أهل ذمة(1)
وبتلك الآراء والقواعد والأدله يعتير الاسلام الدين الوحيد الذي عرفته البشرية الذى عمل على تحقيق معني التعددية واحترام المخالفين لة حتى فى الاعتقاد في حين أن الأديان الأخرى لم تكن تعرف أي تسامح مع المختلفين وتاريخ أوروبا ملئ بالصراعات.أما بالنسبة للحياة السياسية وبالنسبة للأحزاب التي تتبنى توجهات لا يمكن وصفها بأنها إسلامية فإنه لا حرج من الناحية الشرعية في قبول مثل هذه الأحزاب والحركات اذا كان الجهد المختلف فيه متعلق بجانب الاجتهاد السياسي والاقتصادي والثقافي وأن لا يمارس مثل هذا الحزب دعاية سوداء ضد مقدسات المجتمع لأن هذا بمثابة اعتداء على مقدسات المسلمين .ثم إنه عند مستويات معينة من الخلاف السياسي فإنه من الجائز أن يقبل الاجتهاد أو يرفض وهذا ليس متعلقاً بالحالة الإسلامية وحدها وإنما بالمناخ السياسي العام ، كذلك لابد أن تكون هناك ضمانات ألا يمثل هذا الاجتهاد خطراً على الأمن القومي أو المجتمع أو أن يهدد الوحدة الاجتماعية .. فلا يوجد في الديمقراطية شيء مطلق فهناك قواعد عامة ثم استثناءات .. فأوروبا لا تسمح بقيام أحزاب نازية وهي محظورة ولا يقبل في ذلك أن يحتج بأن الديمقراطية تقبل أو تسمح لكل صاحب رأي بالتعبير عن أفكاره ..وكون أن هناك استثناءات لا يقدح في القاعدة وهي استثناءات تقدر بقدرها وحالاتها .. وفي التصور الإسلامي ضمانات وتحفظات يقدرها ويقرها ولى الأمر والراسخون فى الفقه فلا يعني ذلك أن الإسلام لا يقبل بالتعدد ..
الخاتمة:
أصبحت التعددية ظاهرة عالمية وخاصةً بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وبروز الهيمنة الراسمالية الليبرالية على الساحة العالمية ، واضحت موضة يتطلع الجميع الى ردائها ، على الرغم من الاخفاقات الكبيره التى لازمت تطبيقها فى انحاء كثيره من دول العالم وصراعها مع القيم المحلية للمجتمعات وسعى دعاتها الى احداث تغييرات قيمية و سلوكية ودعوتهم الى تبنى المفاهيم الغربية . فالتعددية الديمقراطية التي يريدها الغرب، وبخاصة أميركا، ليست تعددية تحترم الاختلافات والتنوعات بكل اشكالها أو المعتقدات الدينية ، بل إن التعددية المقترحة للبلاد الإسلامية والعالم الثالث هى التعددية القبلية والاثنية والمذهبية والطائفية، التى تؤدى الى إثارة الفرقة والتجزئه في البلاد المستهدفة واضعافها والسيطرة عليها باسلوب جديد .
يمكن استيعاب التعددية داخل منظومة النموذج السياسي الإسلامي والتغلب على آفاتها التى صاغها العلماء .. وذلك ببقاء منصب الإمامة على ثباته ليكون رمزاً لوحدة الأمة، ويكون التنافس على منصب وزراء التفويض ، فيفوض الإمام الوزارة لأرشد تجمع سياسي (حزب)يحوز ثقة الخبراء في المجلس الاستشاري العام الذي يضم صفوة العلماء والخبراء في مختلف المجالات ويحظى بتأييد الأغلبية أثناء المعركة الانتخابية، ويكون ذلك لميقات معلوم يعود الأمر بعده إلى الأمة لتجدد اختيارها ويتم التعريف بهم بواسطتها خروجاً من شبهة طلب الولاية وتزكية النفس، والتزام النقد بضوابط الحسبة وشرح برامجها للأمة على أن تلتزم بدعم السلطة القائمة في كل ما يتعلق بالإطار المشترك المجمع على قبولة من الكافه، وان لاتنازعها مده اجلها المقرره الا وفق القانون .
علية ، فالتعددية السياسية نافعة ولازمة رغم بقاء الناس مختلفين لأن في هذا الاختلاف رحمة واثرء واعتراف بالتنوع ، عرف الإسلام كيف ينظمها ويجعها أولي لبنات بنيته السياسية الصالحة للوصول لأهداف الشورى المتلخصة في وحدة الأمة واكسابها عقل جمعي قادر على قيادة العالم بكل تنوعه الثقافي والعرقي والجغرافي، في مرونة تتيح أكبر قدر من الاستيعاب للعناصر المتشابكة في تكوين المجتمع الإسلامي وعلى رأسها هدي نصوص الكتاب والسنة،لأن النصوص والسنن لا تقوم بذاتها بل تقوم بمن يعلمها ويفهمها ويختار بينها.
النتائج :
– التعددية مفهوم قابل للتطبيق على كافة المجتمعات والنظم المعاصرة بشرط توفر الظروف والمعطيات التنظيمية والمؤسسية الكفيلة بحماية واحترام التعدد والتباين وهي مصدر الاختلافات بكافة أوجهها التي تفضي إلى نفع الأمة لا إلى تشرفها وإضعافها، وتعمل على امتصاص السخط الشعبي وتكفل حق القوى السياسية في التعبير عن نفسها .
– أدى ظهور اللبيراليه وما تحتويه من أفكار وقيم تدور حول الفرد والحرية، وما صاحبها من أقرار حق الاقتراع العام إلى ظهور الدولة الديمقراطية الليبرالية اعتمدت التعددية السياسية لممارسة العملية السياسية .
– إن القول بأن الديمقراطية تسمح بممارسة التعددية السياسية المطلقة وتقوم على أحزاب تتبني أي أفكار تتعارض مع توجهها وأهدافها وتهدد قيمها وسلوكها قول غير دقيق . حيث تم منع الأحزاب النازية والفاشية في الدول الغربية ..
– أقر الإسلام التعدد والتنوع في الانتماء دينياً وسياسياً في مجتمع واحد أو دولة تضم عدداً من المجتمعات ، كما أقر مبدأ المساواة والحرية قال تعالى”لكم دينكم ولى دين”(سورة الكافرون6).
– يعد الإسلام من أوائل الديانات التي كرمت الإنسان وتركت للمخالفين له في المعتقد إن يعشوا في ظل دولته ومنحهم الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم ولم يقول بمبدأ ” أن الناس على دين ملوكهم ” .
– تقوم التعددية السياسية على العديد من المبادئ التي تحميها وتثرى تجربتها ومنها الحماية الدستورية والتنظيمية ، حرية تدوال السلطة والتوزيع المتكافئ للفرص للمؤسسات السياسية.
– حاولت بعض الأفكار التنكر أو التجاهل لاستحقاقات التمايزات الاجتماعية والثقافية والسياسية وتبرير حكم الفرد أو الطبقة مثل الفاشية والنازية والماركسية .. إلا إن سعى الإنسان في سبيل الحرية والمساواة والعدل أكد الاعتراف بالتعددية .
– ساهمت عدة عوامل ومتغيرات عالمية وعلمية فى الاهتمام بالتعددية السياسية منها التزايد فى أعداد الناخبين نتيجة لتزايد عدد السكان والتقدم التكنولوجي ، وارتفاع مستويات التعليم .
– أكدت التحولات العالمية التي إصابة بنية النظام العالمي ثنائي القطبية على مبدأ التعددية السياسية شريعة ومنهاجاً في النظام السياسي المعاصر والتي أوردها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مواده (19،20 ، 21) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدينة( 19، 21 ، 22 ).
– نؤسس الأحزاب والتنظيمات السياسية في ظل الإسلام بدون ترخيص أو تصريح من الدولة ، ويجوز إن تكثر وممارسة العمل السياسي وفق منهج الإسلام ومقاصد الشريعة التي تقوم على أساس الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لجميع الناس .
التوصيات :
-ضرورة مراجعة النظم والمؤسسات المكونة للمجتمع السوداني ومعرفة مدى إمكانية ممارسة التعددية وتوفر قيمها في أبنيتها المختلفة ودراسة أوجه القصور فيها .
-الرأسمالية والليبرالية والديمقراطية .. نظم وضعية شابها الكثير من القصور والتحيز عند ممارسة التعددية السياسية ، عليه فالإسلام بحضارته وتراثه حاضراً لمعالجة تلك الاختلافات .
-العمل على التدرج والانتقال مرحلياً في تطبيق وممارسة التعددية بالشكل الذي يتيح فرصاً للمراجعات والتصويبات الآنية لأي أزمة وقصور يصاحبها .
-التعددية السياسية قدراً حتمياً لكل المجتمعات ، فالتكيف الهيكلي والمؤسسي أصبح ضرورة لا مفر منها والاستجابة لمتطلباتها تكفل الاستقرار للمجتمع .
-الاستفادة من القيم والسلوكيات المحلية التي تدعم الممارسة السياسية في وقت تداعت فيه القيم الرأسمالية .
-ارتفاع إعداد السكان والتقدم التكنولوجي العلمي يحتم الامتثال إلى مطالب الانفتاح السياسي والتعددية السياسية الأمر الذي يعزز من الاستقرار السياسي .
-المساهمة في إثراء التشريع العالمي بالقيم التي تدعم التعددية السياسية والاستفادة من التجربة الإسلامية في ذلك .
المصادر والمراجع
[1] جميل صليبا، المعجم الفلسفي للألفاظ العربية، الإنجليزية والفرنسية واللاتينية،ج1،ص205.
[2] عبد لرحمن الطعان ، الفكر السياسي الحديث ، بغداد ، ص96.
[3] فاخر سلطان ، التعددية في بحر وجودها وتعريفاتها ، موقع انترنت : www.alfayhaa.tv.
[4] دلال البزري، مداخلات وتعقيبات، نشر أسلام 21، لندن ، المنبر الدولي للحوار الإسلامي، العدد24، 2000، ص14.
[5] د. رياض عزيز هادي ، من الحزب الواحد الى التعددية ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1995 ، ص63 .
[6] د. ثناء فؤاد عبد الله، الحزب والسياسة والديمقراطية، بغداد، مجلة الإسلام والديمقراطية، ع 3، آب 2003 ، ص 40 .
[7] المصدر نفسه، ص 23 .
[8] د. رياض عزيز هادي ، المصدر السابق، ص 64 .
[9] محمد عمارة ، التعددية ، الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية فصلية الجامعة الإسلامية، لندن ، الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية، السنة الأولى ، العدد2، 1994م ، ص67.
[10] صالح عضيمة، التعددية بين الرؤية والواقع: نقد وتصويب ، فصلية الجامعة الإسلامية، لندن ، الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية، السنة الثانية ، العدد7، 1995م ، ص272.
Dicitonary of Social Sciences ,1968.P.507.[11]
[12] إيمان محمد حسن ، وظائف الأحزاب السياسية في نظم التعددية المقيدة دراسة حالة حزب التجمع في مصر 1976- 1991 ، رسالة ماجستير، كتاب الأهالي رقم 54 ،م مؤسسة الاهالى ، القاهرة ، أكتوبر1995 ، ص38
[13] تحديات التعددية ، جامعة هارقورد، موقع أنترنت www.Pluralism.org.
[14] اسامة الهتيمى (محقق)، حدود التعددية التى يسمح بها الاسلام، ،5فبراير 2006 ،موقع مفكرة الاسلام ،www.islammemo.cc/
[15] أحمد صدقي الدجانى ، التعددية السياسية في التراث العربي و الاسلامى ، في سعد الدين إبراهيم (محرراً) ، التعددية السياسية في الوطن العربي ،1989، ص26
[16] د.بسطامى محمد سعيد خير،رؤية إسلامية لمشكلة التعددية،موقع المختار الاسلامى:www.islamselect.com
[17] بطرس بطرس غالي ومحمود خيري عيسى ، المدخل في علم السياسة ، م الأنجلو مصرية ، القاهرة ، 1976 ، ص 268
[18] Carlton C . Rodee T. J Anderson and C.Q. christol , Intorduction to political science . Mc Graw Hill .INC . 1967 Ed . p 490 .
[19] Harold D. Lasswell and Daniel Lerner . World Revolutionary Elites , Cambridge . Mass M.L.T . press 1965 .
V.O.key . politics, pressure groups, new ….,1964.P.201[20]
[21] د.صلاح الصاوى ،حدود التعددية السياسية فى الدولة الاسلامية ، مجمع فقهاء الشريعة بامريكا ،www.amjaonline.com
[22] على صادق ابوالهيف ، القانون الدولى العام ،م منشورات المعارف ، الاسكندرية ،(ب\ ت) ، ص 873

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.