الهوية، والاندماج القومي

مفهوم الدولة بين النظريات الإسلامية والوضعية
30 أغسطس، 2016
منظمات المجتمع المدني ودورها في والديمقراطية والحكم الراشد
30 أغسطس، 2016

حيدر ابراهيم علي
مفتتح:
(الهوية هي ما نورث لا ما نرث. ما نخترع لا ما نتذكر. الهوية هي فساد المرآة التي يجب ان نكسرها كلما اعجبتنا الصورة !)
محمود درويش
مدخل:
ظل مفهوم الهوية بارتباطاته مع الوحدة والتعدد الثقافي والدولة الوطنية، يشغل الفكر السياسي والثقافي والاجتماعي في السودان لزمن طويل. ورغم الاهتمام الشديد والمتزايد في بحث الهوية واجلاء معانيه، ما زال المفهوم بلغة الغموض ويقع باستمرار في الاختلاف وعدم الدقة. فالمفهوم – في الأصل – مهاجر حديثاً من الفلسفة الى علوم السياسة والاجتماع والثقافة، لذلك ما زال لم يكتسب الصرامة النسبية التي تحاول تلك العلوم ان تتبناها. كما ان الفلسفة يتعايش داخلها الواقعي والميتافيزيقي، وهذا هو ليس الحال في ميدان السياسة او المجتمع او الثقافة. ففي المجال الأخير يفترض ان يحكم الواقع فقط مضمون ومعنى ووظيفة المفهوم.
افترض في كثير من الاحيان ان مفهوم الهوية هو (مفهوم ازمة) اي يتزامن ظهوره والاهتمام به مع وجود أزمة، والمقصود بالأزمة هنا اي تكون القدرات عاجزة عن تحقيق الغايات. ففي الأزمة قد تكون الامكانات كبيرة ولكن الانجاز ضئيل، وكان يمكن ان يكون أعظم مما هو كائن. ففي الحالة السودانية، حين يثار نقاش الهوية تكون الامكانات الوطنية او القومية قد عجزت او قصرت في حل مشكلات التوحد بل انزلق الوطن الى النزاعات المسلحة. فالأزمة حسب المتنبي، عجز القادرين على التمام. وهنا تبرز قضية الهوية او الهوية الثقافية، ظانين انها المفتاح السحري لصعوبات الوحدة الوطنية والدولة القومية والاندماج والانسجام الاجتماعيين. والدليل على انه مفهوم أزمة، فنحن لا نجد مثل هذا الاهتمام بالهوية لدى السويسريين او الامريكيين او البرازيليين. رغم انهم يعيشون في دولة ومجتمعات متعددة الثقافات. فهم لا يحاولون (خلق) او اكتشاف هوية ثقافية واحدة جامعة تسيطر على بقية الثقافات. فقد يتواصلوا الى وجود هويات متعددة وبالتالي يبحثون عن كيفية تعايش هذه الهويات بسلام وان يتعايش اصحابها في تسامح يقبل بالآخر المختلف ثقافياً. فالمجتمعات والدول المستقرة تضع أولويات مختلفة لتطورها مثل النمو الاقتصادي والرفاهية للمواطنين والحريات وتقدم العلوم والتكنولوجيا، ولا ينشغلون بسؤال: من نحن ؟ فقد حددوا ذلك. فهم بشر في أوطان تعمل على الرقي والتقدم، ولهم مصالح داخلية وخارجية يعملون على رعايتها بما يعود على أوطانهم بالفائدة والخير ورضي المواطنين.
الهوية: المعنى والاصطلاح
تتداخل كلمة الهوية مع عدد من المفاهيم التي تساعد في جلاء المعنى احياناً او تعقيده في احيان أخرى. وذلك بسبب مجالات الاستخدام مثل الثقافة والسياسة وعلم النفس والمنطق والاجتماع وغيرها من المعارف، مما يقتضي البحث عن جذر ثم تطويعه دون الابتعاد كثيراًز ولا تقدم المعاجم القديمة معنى شاملاً يعبر عن واقعها ونجد في معاجم أخرى، مثل المعجم الوجيز ان الهوية تعني: الذات (مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1997، ص654) وفي المعجم الوسيط: تعني حقيقة الشئ او الشخص التي تميزه عن غيره (الجزء الثاني، 1989، ص998) وقد ساعد الفلاسفة اكثر من اللغويين في تفسير الهوية (بضم الهاء) وهي منسوبة الى (هو) وهي تقابل الآخر او الغيرية. وتعني في كتاب التعريفات عند الجرجاني: (الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق) ويكمل (الصديق) في قاموسه الفلسفي المعني بقوله:
(هوية، ما يعرف الشئ في ذاته دون اللجوء الى عناصر خارجية لتعريفه، ويستعمل ايضاً للدلالة على الجوهر والماهية. وعند المتصوفة هي الحق المطلق الذي يحتوي كل الحقائق احتواء النواة على الشجرة في الغيب المطلق. اما في المنطق فان هذه اللفظة تشير الى معنيين:
1.التساوي او التشابه المطلق بين كين او كيفين وهنا تعني التوافق.
2.ان يكون الشئ ثابتاً لا يتغير بما يعتريه او يعتري ما يحيط به وهنا تعني الثبوت(1) (تقول الموسوعة الفلسفية العربية) هي كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من الـ(هو) لينقلوا بواسطتها الى العربية كما يقول – الفارابي – المعنى الذي تؤديه كلمة (هسست) بالفارسية وكلمة (استين) باليونانية اي فعل الكينونة في اللغات الهندوأوروبية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة (الموجود) مكان الـ(هو) والوجود مكان (الهوية) ومع ذلك فقد فرضت كلمة الهوية نفسها كمصطلح فلسفي يستدل به على كون الشئ هو نفسه(2).
تتداخل الهوية مع مصطلحات عديدة مثل الخصوصية بالذات حين يكون الحديث عن قيم ومبادئ عامة وانسانية مثلما نلاحظ في نقاشات حقوق الانسان على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية. والاعتراض بسبب مفهوم الخصوصية يستدعي مباشرة وجود هوية مختلفة مما يتطلب سلوكاً وردود فعل مختلفة او حتى مقاومة لما يمكن ان يعتبر تهديداً للهوية بسبب (غزو ثقافي) مثلاً. وتزايد التركيز على الهوية مع تصاعد سيرورة العولمة التي يرى فيها أصحاب فكرة الهوية الضيقةن خطراً ماحقاً على الثقافات الاخرى (غير الغربية). ويطابق البعض بين العولمة والامبريالية او القطب الغربي الواحد، ويرون فيها مخططاً او حتى مؤامرة للهيمنة على الثقافات الاخرى: بوعي وقصد. فالعولمة حين تسقط الحواجز والحدود وتحول العالم الى قرية تهدد بالفعل ثقافات أخرى ولكن ليس بقصد المؤامرة والمخطط بل حتمية تطور التداخل: ثقافياً واقتصادياً. وقد يقف دعاة الهوية عموماً او المغلقة امام خيارين (أقرب الى المستحيل) وقف العولمة او تعميق الخصائص والميزات والصفات التي تحضن من دون اي تأثير خارجي. فأين الحل؟ هو حسب رأي – التكيف بأقل خسارة ممكنة. ولكن ماذا يبقى من الهويات؟ قد تكون هناك حالة انسانية عالمية لا يفترض فيها بالضرورة التعارض مع الهويات او تذويبها قسراً، اي تضمينها والتبادل معها، وهذه وضعية تعبر فيها الثقافات التقليدية او الوطنية عن الحاجة الى الاندماج في العولمة وفي نفس الوقت تبحث عما هو خاص بها. ويقول Wallerstein (فالحقيقة ان الكونية يمكن معاينتها خلال الخصوصية والعكس صحيح)(3).
يرى البعض صعوبة تحديد وتعيين الهوية او الخصوصية على صعيد الواقع وبالتالي اعتبر الكثيرون ان مفهوم الهوية مصطلح ايديولوجي اكثر منه علمي. وذلك لان الهوية يمكن التعبير عنها او تجسيدها من خلال الدين او اللغة او الدولة الوطنية او القومية. وكل هذه خصائص متغيرة حسب طريقة استخدامها وتوظيفهان لذلك يمكن لمجتمع واحد ان يبدل (هويته) حسب المراحل المختلفة تاريخياً ووفقاً للظروف الحاكمة. ومثال ذلك التاريخ العربي المعاصر، حيث أثرت الايديولوجيا على تحديد الهوية. فالأمة التي كانت مقتنعة بحتمية سيادة القومية العربية ورآها البعض رسالة خالدة للأمة في الستينيات، يتردد الآن بين الكثيرين شعار: الاسلام هو الحل(4).
هناك من يرى الهوية أصلاً مجرد مصطلح سياسي ولد ضمن عملية صراع سياسي(5). ويستهل المفكر الفرنسي (بايار) كتابه عن الهوية بمفهوم (بيان السياسة) منطلقاً من (العلاقات المعقدة بين التصورات الثقافية والممارسات السياسية والاساليب الشعبية في التحرك الساسي والخيال السياسي) هي سبب النزاعات التي تملأ العالم ونرجعها الى الهوية. وذلك حسب افتراض يزعم بان (الهوية الثقافية) تقابلها بالضرورة هوية سياسية لا تخلو ايضاً في الواقع من طابعها الوهمي. والحق ان كلا الهويتين تكون في أحسن الاحوال بناءً ثقافياً او سياسياً او ايديولوجيا اي بناءً تاريخياً أصلاً. فلا توجد هوية طبيعية تفرضها الاوضاع(6). ويؤكد ان الخبرة التاريخية تثبت ان هوية الفرد مرتبطة بالاوضاع ومتعددة الجوانب ونسبية وهي مفترضة ضمنياً. ويعطي مثالاً لهذه الهويات: (فالشخص المقيم في سان مالو سيعرف نفسه على انه مالوني (نسبة الى سان مالو) في مواجهة مواطن آخر من رين، وكمواطن من مقاطعة بريتانيا في مواجهة مواطن من باريس، وكفرنسي في مواجهة مواطن ألماني، وكأوروبي في مواجهة امريكي، وكأبيض في مواجهة مواطن أفريقي، وكعامل في مواجهة صاحب العمل، وككاثوليكي في مواجهة البروتستانتي، وكزوج في مواجهة زوجته، وكمريض في مواجهة طبيبة)(7). قد تكون هذه أدوار اجتماعية ولكنها هي التشكيلة الكبيرة لتعريف الذات. ويدين التفكير الثقافي الانغلاقي: (لانه لا يكتفي بتحويل الهويات المتغيرة باستمرار الى مسألة لا ترتبط بالزمن بل وتتستر على العمليات الملموسة التي يعرف انفسهم بها مجموعة من الافراد او فرد واحد في لحظة تاريخية معينة، وفي ظروف محددة ولفترة محدودة)(8) ويطرح اسئلة هامة مثل لماذا انتظر الهوتو والتوتسي في رواندا طويلاً حتى يتقاتلا لو كان السبب هو يتعلق بالهوية الاثنية فقط ؟ وسنجد صعوبة في فهم لماذا توقف الكاثوليك عن الصراع مع البروتستانت او كيف تصالح الفرنسيون مع الألمان؟
ويذهب (معلوف) في نفس الاتجاهن حيث يرى ان الهوية هي الانتماء الرئيس الوحيد الذي يستمر في مختلف الظروف أقوى من الانتماءات الاخرى، وقد يكون لدى البعض هو الوطن او الدين او الطبقةز ولكن حين نتفحص النزاعات القائمة ندرك انه ما من انتماء له الغلبة بصورة مطلقة. فعلى سبيل المثال حين يشعر البعض بانهم مهددون في عقيدتهم الايمانية يرتفع الانتماء الديني مختصراً لهويتهم. ولو تهددت اللغة الأم او جماعتهم الأثنية يمكن ان يواجهوا ابناء دينهم. يقول: (فالاتراك والاكراد مسلمون لكنهما مختلفون في اللغة فهل النزاع أقل دموية؟ الهوتو كما التوتسي هم من الكاثوليك، يتكلمون نفس اللغة، فهل منعهما ذلك من التذابح؟ التشيكيون والسلوفاك كاثوليك ايضاً فهل يسر ذلك العيش المشترك فيما بينهم؟)(9).
عندما ربط القائمون بأمر هذا اللقاء بين الهوية والمواطنة لم يكونوا بعيدين – بالتأكيد – عن المعاني المتشابكة بين الهوية والقومية والأمة والوطنية (Patriotism) وقد تكون هذه المترادفات والمتشابهات هي التي تثير الاهتمام بين السودانيين وهم يعالجون تحديات بناء الدولة والوحدة الوطنية. فهناك سؤال كيف تتشكل دولة وطنية حديثة تجمع بين كل المواطنين بلا صراعات أثنية او دينية او لغوية ؟ ويتجه الناس نحو البحث عن (هوية) ما تجمعهم وتوحدهم تجاه اي شكل للانقسام او الانفصال او التوتر والحروب الاهلية. وعلى ضوء هذه الهوية يتخلق الانتماء الوطني، فهناك شروط درج الاغلبية من الناس العاديين او المختصين الى تعدادها مثل الاقليم (الأرض) ومجموعة او مجموعات أثنية او عرقية ذات ثقافة او ثقافات سائدة بالاضافة لتاريخ مشترك والاستقرار. وفي بعض الاحيان يضاف الدين او اللغة الواحدة، ومثل هذا الرأي يشترط التجانس مع انه من الممكن ان يجمع الوطن الوطن العديد من الثقافات المتعايشة. وهنا قد تظهر شروط تمثل ضمانات لعدم وصول الاختلافات الى حد التناقض والصراع مثل المصالح الاقتصادية المشتركة والبعض يتحدث عن مفاهيم تبدو غامضة مثل: الآمال المشتركة او وحدة المسير. يلاحظ ان كل هذه العناصر متغيرة ومتحولة تاريخياً ولكن يجعل منها المواطنون المحتملون (حقيقة) خاصة بهم. وهذا هو الوضع في دول العالم الثالث التي لم تعرف بناء الدولة الوطنية على النمط الاوروبي، فهي دول مصطنعة او مزروعة. فالحدود الدولية وضعت حسب اتفاقيات وترتيبات تراعي مصالح الدول الاستعمارية في القرن التاسع عشر وما بعده. ولم تكن تعبر عن المقومات المذكورة الا بمحض الصدفة او تلبية الاغراض السياسية والتوسعية. ومن هنا حاولت الدول الجديدة ان تملأ هذه الحدود الجغرافية بمضامين ثقافية هي التي مثلت القومية او الوطنية في مضمونها الأشمل. والاهم من ذلك، تأخذ الاسم المقدس: الهوية !
لذلك فالحديث الاكثر دقة يجب ان يكون عن الهويات – بالجمع – خاصة حين نربطها مع المواطنة. فهناك هوية ذات صلة بالقومية (الأمة) (nationalism) واخرى هوية وطنية (national or partriot) وأخرى هوية دينية (religious) وهوية اجتماعية (Social) وقد يكون جماع هذه الهويات هو ما يساهم في خلق مواطنة جديدة منفتحة. وهذا ما يمكن ان يشغل الناس حقيقة مع تنامي العولمة. وكان التساؤل بين المسلمين والعرب حين واجهوا اوروبا مع مدافع نابليون وما بعد ذلك من تطورات وتحديات: كيف يمكن ان يكونوا انفسهم (هوية) وان يكونوا جزءً من هذا العالم الجديد ؟ وهذا هو السؤال الحاضر والمتجددوا الاكثر حدة وحرجاً بسبب تطور العالم حولنا.
ملأت فكرة الأمة او القومية كهوية الفضاء العربي لسنوات وجعلت كل الهويات الاخرى تنحسر. وقد قام الفكر القومي العربي على تعريف رينان ونموذج بروسيا – بسمارك في التطبيق و(احياناً ايطاليا). فقد حاول القوميون اعتبار الأمة العربية ثقافة روحية وسياسية وليست عرقاً. وهذا ما يفسر العودة باستمرار الى القول بان العربية لسان ومن تحدث العربية فهو عربي. وتجاوز القوميون العرب قضية ان القومية وحدة طوعية او اختيار – حسب رينان – حين تبنوا فكرة حتمية الوحدة بكل السبل. وخاصة حين جاء بعضهم مثل (نديم البيطار) – بمبدأ الدولة القاعدة التي تبرر الغزو المباشر او التدخل في شئون دولة اخرى. وساد لفترة طويلة تعريف ستاليني يقول بان الأمة هي: الأرض المشتركة واللغة المشتركة والاقتصاد المشترك والتكوين النفسي المشترك وفي فترات اختلط او تماهى الاسلام والعروبة، وقد فوجئ العقيد القذافي حين علم ان جورج حبش قومي عربي ومسيحي في نفس الوقت! وهذا الفهم يرجع الى رشيد رضا الذي كان يفخر بالقول: (انني عربي مسلم ومسلم عربي فأنا قرشي علوي، من ذرية محمد النبي العربي)(10). ولكن القوميين اللاحقين – مثل عبدالرحمن البزاز – عارضوا هذه الفكرة فقد اعتبروا الاسلام ديناً قومياً، واللغة العربية هي روح الأمة العربية والحضارة الاسلامية في ذاتها مضمون اللغة العربية. لذلك في امكان الناطقين بالضاد ان يجعلوا من الحضارة الاسلامية ومن الماضي الاسلامي، كله حضارتهم وماضيهم. فالعرب المسيحيون جزء من الأمة العربية. ومنظر القومية العربية (ساطع الحصري) أكد ضرورة اللغة والتاريخ المشتركين وتلجلج في عنصر الدين. ولكن القومية العربية غلب عليها العمل السياسي اكثر من تأكيد الهوية الثقافية. ويخلص (صاغية) في كتاب اسماه: وداع العروبة، الى ظاهرة: النفسية التي بلبلتها القومية وصادرتها الوطنيات السلطوية، حيث (وفي النهاية يجد العربي نفسه عربياً لا عربياً، وابن بلد بعينه لكنه ليس ابنه في الوقت ذاته، وأية نفسية هي تلك التي تنطوي على كل هذه المتضادات)(11).
تعتبر جنوب افريقيا من آخر واوضح الامثلة في البحث عن الهوية الوطنية حيث يتم تعريف هذه الهوية من بين ركام قضايا نتجت عن محاولة زرع احساس بالوطنية من هويات متنوعة: أثنية، عرقية، اقليمية، طبقية، نوعية (gender). وهذا هو التعريف الاقرب لموضوع الورقة لانه يبحث عن أسس لمواطنة أشمل وفي نفس الوقت يفوق بعض قيود ومحدودية الهوية المعتادة. ويقابل مفهوم الهوية الوطنية فكرة بناء الدولة او الأمة (national-building) وهي في جوهرها خلق جديد لهوية من خلال تكامل وتمازج شعوب وجماعات تمثل أغلبية وأقليات وهذه عملية قد لا تخلو من توترات(12). ويسمى البعض هذه العملية الهوية الاجتماعية (Social identity) التي تحاول جمع مجتمعات متعددة لتحقيق الاستقرار السياسي والديمقراطية. ويردد الكثيرون ان مشكلة الديمقراطية هي في الحقيقة تكمن في العجز عن تكامل الهوية الوطنية مع المجتمع المتعدد ثقافياً واجتماعياً: الاجماع حول هوية او مقومات مشتركة. لأن المجتمعات المتعددة يفترض فيها دائماً ان تتميز بتنوع الهويات الاجتماعية التي لا تتلاقى بسهولة. والسبب في الاختلاف والتنوع انها تكون في كثير من الاحيان تقليدية او حتى بدئية (primordial) وبالتالي صعبة التغيير والتكيف. يضاف الى ذلك كثرة الولاءات وهذا يقود الى أزمة الشرعية على المستوى السياسي لاحقاً(13). ومثل هذه التحليلات تحتاج الى فهم أعمق لدور الاقتصاد في الاستيعاب والدمج حسب المثال الاوروبي الذي تكونت فيه الدول الوطنية وبالطبع لن نمر بثورة صناعية ولكن التنمية الحقيقية ستخلق علاقات اجتماعية جديدة. كما ان السوق لابد له من جغرافية فيزيقية وبشرية مختلفة يكونها بآلياته الخاصة وقد لا نحتاج للمرجعيات القديمة التي لا تزدهر في حالات الأزمات.
كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن الهوية الدينية والبعض يسميها الهوية الحضارية باعتبار الدين هو الحضارة الأعلى بالذات وسط هذا العالم المادي. وهذا مجال ملئ بالكتابات الرصينة وفي نفس الوقت بالخطب والدعاية، يهمنا فيه ما يخص الاسلام – الهوية، ومن بين تعريفات عديدة نجد من يقول:
(ان الهوية الاسلامية قد بلورت الى حد كبير الملامح البارزة لوجود هذه الأمة المتمايزة في أصالتها القرآنية ووسطيتها الحضارية، ولقد تجسدت القسمات البارزة لهذه الهوية تجسيداً حياً عبر مسار الوجود الحضاري لهذه الأمة، منذ تلك اللحظة التاريخية الباكرة التي انبعثت فيها لأول مرة من رحم التاريخ الحضاري الاسلامي، عندما نزل سفير السماء وأمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام بالقرىن الكريم على قلب رسولنا الأكرم (ص))(14).

وهذه هوية ذات طابع عالمي ومضمون رسالي يحاول ان يجنب العالم ويلات التطور المادي والذي يراه الكثيرون طابع هذا العالم المعاصر، انه يسير في طريق السقوط بسبب خلوه من الاخلاق والقيم. ويدرج الباحثون في الهوية الدينية كل الأصوليات الدينية التي تعرف نفسها من خلال معتقدها الديني بطريقة حادة ترفض وتشيطن كل المختلفين عنها. ولكن هناك هويات دينية ذات طابع قومي او وطني بمعنى تستخدم الدين لتاكيد وتقوية عناصر الهوية في وطن محدد وتكتفي بادخال ما يسمى بالعامل الديني في الهوية الخاصة ببلد معين. وهذا يعني ضمناً وجود عوامل اخرى يختلف وزنها.
صناعة الهوية
تعرض مفهوم الهوية مع تصاعد الاتجاهات الفكرية النقدية لكثير من النقد والتساؤل كما حدث لجميع المفاهيم والنظريات. ولكن مفهوم الهوية الذي يوحي بالجوهرية والأساسية essentialism والثبات وعدم التغيير صار أكثر هشاشة وعجزاً عن تقديم معنى شاملاً، جامعاً مانعاً – كم يقول المناطقة (أهل المنطقة). وتحرك سؤال الهوية: من نحن او من اين أتينا؟ الى ماذا يمكن ان نصير؟ وكيف نتصور انفسنا ومدى تعبير التصور عن انفسنا؟ وهكذا تتكون الهويات ضمن تصوراتنا وليس خارجها. فهي ذات صلة باختراع تقليد وتراث بالاضافة لهذا التقليد نفسه والذي يجب علينا ان نقرأه، ليس كتكرار لا نهائي بل باعتباره الشئ نفسه متغيراً. فهي ليست عودة الى الجذور – كما يقال – ولكن الاتساق مع سبل الحياة التي نعيشه فالهوية حكاية عن الذات ولكن الطبيعة الخيالية لاي قصة لهذه العملية يجب الا تقلل باي طريقة من موضوعيتها وماديتها او فعاليتها السياسية. فقد يكون للمخيلة دورها في تشكيل هذه الهوية ولكنها ليست خيالاً صرفاً، اذ قد تستعين بعناصر واقعية في حبك الحكاية. فالهوية مكونة (constructed) ومشكلة ومخلوقة ثقافياً واجتماعياً. ويتشكل خطاب الهوية في سياق تاريخي واجتماعي معين ويعتمد على انماط محددة للسلطة. فهو نتاج عملية اختلاف وابعاد اكثر منه نتيجة تناسق داخلي كامل اي وجود تشابه وتطابق وتماثل كاملين. وهذا الاختلاف عن الآخر هو الذي يعطي الهوية معناها الايجابي. فهي تبحث عما ينقصها حين تضع نفسها في مرآة الآخر.
ومن الملاحظ ان الهويات تعمل باستمرار من خلال قدرتها على الاستبعاد، والرفض والرمي خارجاً او حتى الاذلال. فهي فعل سلطة طالما تقوم على الاستبعاد وفي نفس الوقت تأسيس تراتبية (هرمية) صارمة وقوية في تحديد قطبين قد يكون في هذه الحالة الأنا والآخر.
هناك فقط استراتيجيات للهوية يوجهها فاعلون اجتماعيون لديهم قدرات على الاقناع والتجييش والتعبئة. ويدور الحديث عن عملية التهميش (marginalization) حيث تقوم مجموعة من خلال شروط معينة: اللغة، الدين، الثقافة، العرق، اكتساب منافع اقتصادية وسياسية تضف لتلك الشروط امتيازات جديدة لكي تكرسها وتكسبها قوة وقدرة على الضم (inclusion) او الاستبعاد (exclusion) وهذه ايضاً فكرة المركز والهامش. ويتضافر التاريخ والمجتمع والثقافة في جعل هذه السيرورة (process) واقعاً. وتكون البداية في تشكيل صورة (image) عن الذات الآخر، والتي يتم تنميطها (stereotype) وتعميمها والأهم من ذلك وهو النجاح الاكبر ان يقبلها – اقتناعاً او قسراً – الآخر ويتعامل معها اي يستنبطها (internalization) اي يجعلها جزءً من تفكيره وسلوكه. وأهم شئ في عملية التعميم (generalization) ان نقصي ونستبعد اي خصوصيات (specificity) والتمايزات والاستثناءات التي يمكن ان تقلل من عمومية وشمولية الصورة المكونة او النموذج.
عند صناعةن الهوية او الذاتية لابد من تكوين صورتي الأنا والآخر باستخدام هذه الآليات: ايجاباً وسلباً. وتبدأ عملية صناعة الهوية بالحديث عن ثقافة معينة او شخصية قومية اساسية (Basic National Character) يفترض فيها صفات وطبائع وخصائص وضاحة واقطعة لوصف شعب او أمة او جماعة مثل الذكاء او الكرم او الشجاعة او المثابرة او الابداع او الوفاء او الروحانية، والعكس عند المجموعة الاخرى: الغباء او البخل او الكسل او التقليد او الغدر او المادية والشهوانية. ويفترض ان تكون الصفة او الصفات عامة في المجموعة اي كل الافراد بغض النظر عن القدرات والفوارق الفردية او اختلاف الشخصية داخل المجموعة، وقد يكون الفرق في الدرجة وليس في النوع (quality) باي حال من الاحوال. ويتم دعم هذه الفكرة عن الصورة من خلال التكرار حتى يصبح من مسلمات (dogmas) الفرد التي لا تقبل التراجع واعادة النظرة اي فكرة نهائية مطلقة يصعب زحزحتها. وهذا ما يقود الى التعصب، وهو موقف او نظرة عدائية تجاه الآخر او موضوع ما، ويتميز غالباً بالثبات والنمطية، وحتى المعلومات الجديدة التي يمكن ان تغير الموقف، توظف بقصد تأكيد الصورة او الرأي المسبق وليس بهدف تعديل او تغيير الصورة او النظرة السلبية. لان المتعصب يتعامل عاطفياً وليس عقلانياً او منطقياً مع مدركاته وآرائه. فالصورة جاهزة ومسبقة وتبحث عن ترسيخ عناصرها في كل التجارب، خاصة وانه لا يريد المغامرة فقد استراح وشعر بالأمان لما هو موجود. هذه الآليات تكون لدى الانسان وعياً زائفاً يحافظ عليه ويقويه.
تقوم الجماعة الثقافية المتعصبة او المعتزة بذاتها بتكوين رأسمال رمزي يغذي الصورة ويوظفها في عملية التفاعل والسلوك والثقافة عموماً. وهناك العديد من الآليات المستخدمة: ذهنية ادراكية تظهر في عمليات التفسير والتأويل والتحوير والتحويل، واستعمال المجاز والرموز بالاضافة الى الاسقاط والادماج ثم الحذف والاضافة والتعزيز. وينطبق تحليل ادوارد سعيد في الاستشراق على كل حالات تكوين الصورة، اذ يقول عنه انه طريقة في الانشاء الكتابي وقد يكون الشفاهي له ما يعززه من المؤسسات والمفردات وتراث البحث والتداول، والصور والمعتقدات المذهبية. ويرى ان الاستشراق تكوين للصورة واسلوب من الفكر القائم على تمييز وجودي (انطولوجي) ومعرفي (ابستمولوجي). والهدف هو: (الوصول الى تمييز أساسي بوصفه نقطة انطلاق لسلسلة محكمة الصياغة من النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الاجتماعية والمسارد السياسية التي تتعلق بالشرق وسكانه وعاداته وعقله وقدره وما الى ذلك)(15). وهنا تقابل بين الذات والآخر او الغرب والشرق، والأخير هو فكرة سلبية ولكنها ايضاً ذات تاريخ وتراث من الفكر والصور والمفردات التي (أسبغت عليه حقيقة وحضوراً في الغرب ومن أجل الغرب) (نفس المصدر السابق، ص40). وتتميز الصورة – حسب سعيد – في تكوينها بما يسميه التحديد (identification) بطابعه التقليصي والاستخلاصي ويهدف (الى تنقية الآخر والوصول الى خصائصه الجوهرانية – بالطبع كما يراها الناظر – والبحث عن الثابت والمستمر. ويتم ذلك بفضل مفردات وأدوات معرفية تحقق: (الوصول الى لباب الاشياء وتجنب تشتت التركيز الذي يسببه الحدث العارض او الظروف او التجربة). (نفس المصدر السابق، ص238).
يرى بعض الباحثين في صناعة الآخر ارتباطاً بصناعة العدو او (بصورة العدو). وقد يكون ذلك لانه مختلف بشكل اساسي عن الأنا او النحن. وفي متابعة تاريخية لصورة الآخر – يكتب هارلي – بالنسبة الى ارسطو فان الآخر المستبعد هو الغريب، الذي لم يتمكن من استخدام وفهم اللغة المشتركة (اليونانية) ونتيجة لذلك اصبح البربري هدفاً للمطاردة، اي اصبح عبداً)(16). ويذهب باحثون معاصرون مثل ميشال فوكو الى ادراك الآخر باعتبار انه شخص غير طبيعي، ومجنون ومعوق. وهذا يعني اختلافه جذرياً وفي هذه الحالة يفهم التمييز بين الأنا والآخر او النحن والهم على أنه انعكاس لصراع بين الخير والشر. كما انه عندما يجري تعريف شخص ما بانه العدو، ففي هذه الحالة قد لا يعود كائناً بشرياً بل قد يصبح حيواناً يجب ابادته في غرف الغاز او بواسطة قنابل ذرية. (نفس المصدر السابق، ص55) وهذا هو الحد الاقصى والذي يفسر الحروب الأهلية التي تسود كثير من البلاد ومن بينها السودان. ولكن ليس بالضرورة ان يكون كل آخر عدواً، فقد يكتفي بالاختلاف. ولكن التجارب اثبتت وجود تاريخ عداوة في كل ثقافة وكثيراً ما تستدعي عدوات تقليدية لتحديد اوضح لصورة الآخر.
تقود عملية صناعة الهوية الى المركزية الثقافية او العرقية (ethnocentrism). فمن المعروف ان لاي صورة مصادرها الأساسية، كما ان هذه الصورة مركبة ومعقدة في تكوينها لانها تتشكل بطريقة جدلية (اي تحتوي على تناقضاتها الداخلية) رغم الثبات والنمطية التي تحاول ان تعكسها. ومن البداية وقبل ان تحدد الآخر تكون قد كونت صورة لذاتها، وعلى ضوئها يتم تحديد وتقييم الآخر، وتؤثر عليها – خاصة في احكامها – الصورة التي يراها بها الآخرون، وفي وضعية المركزية الثقافية او العرقية، هناك اعتقاد قاطع لدى الفرد (ممثل الأنا او الذات) بسمو ورفعة تفوق جماعته التي يعتبرها مقياس كل الجماعات الموجودة الأخرى حسب معيار تلك الجماعة التي تدعي التفوق. وتقاس قيمة كل جماعة حسب قربها او بعدها من قيم هذه الجماعة – المركز. ومن العادي ان يشعر افراد ثقافة معينة باختلاف ثقافة الآخرين وبالتالي يقسم الناس مجتمعهم الى جماعة داخلية in-group او النحن we-group مقابل جماعة خارجية out-group او الهم they-group وهذا هو أساس اي هوية كتعرف تجريدي يخلو من القيمية او الاحكام الاخلاقية (value-free) لانها مجرد تمييز او تمايز وهي مقبولة وعادية طالما لم يتبعها اي شعور بالامتياز او التفوق اي مجرد الاختلاف والتنوع.
من أهم وأخطر وسائل صناعة الهوية هو الجانب التخيلي او المتوهم فيما يتعلق بنظرة الجماعة لنفسها او نظرة الآخرين لها. وهذا ما تظنه ولم تثبته بعد ولكن تؤمن به وتتمسك به وتنميه. وهذا ما يسميه البعض المتخيل او المخيال وهي كلمة تدل (على شئ متشكل تاريخياً في الذاكرة الجماعية او في الذهن وهو قابل للاستثارة والتحريك كلما دعت الحاجة الى ذلك (…) فهذا شئ متشكل تاريخياً وله جذور في اعماق اللاوعي. ان المتخيل هنا عبارة عن شبكة من الصور التي تستثار في اي لحظة بشكل واع وكنوع من رد الفعل)(17)
الهوية والاندماج
الاندماج او التكامل الوطني Social national integration
ان مفهوم التكامل والاندماج الاجتماعي يمثل ظاهرة مركبة ومتعددة الأوجه يصعب حصرهما في معنى قاطع ومحدد، وكذلك قياسها كمياً عدا بعض المؤشرات التي يختلف تفسيرها.
وهي فكرة قد تعني اشياء مختلفة لاناس مختلفين، وترى كراسة Vanisa قد تعني للبعض معنى ايجابياً اذ توحي بالفرص والحقوق المتساوية لكل البشر وبالتالي ان تكون اكثر اندماجاً هي ان تعظيم الفرص الاحسن في الحياة. ومن ناحية اخرى قد تعطي كلمة اندماج انطباع غير المرغوب فيه للتماثل. ولمجموعة ثالثة فالمفهوم محايد لا يعني حالة مرغوبة او غير مرغوبة فهو ببساطة طريقة لوصف انماط مختلفة قائمة لعلاقات انسانية في مجتمع معين. وبملاحظة اخرى تعني كلمة اندماج بالتكامل الطوعي والايجابي لعناصر غير متشابهة او متطابقة أصلاً.
وقد يعرف التكامل والاندماج الاجتماعي في كثير من الاحيان بغيره فهو عكس الاستبعاد او التهميش او التفكك الاجتماعي. وايضاً من اضداد المفهوم مصطلح التفكك او الانحلال الاجتماعي وهنا ايضاً من يفرق بين المفهوم وبين الاستقرار او بالأصح استمرار الواقع القائم.
ويمثل التكامل والاندماج الاجتماعي أرضية جيدة لسياسة تنموية توفر شروط مثالية او مرغوبة تحقق مشاركة جميع المواطنين بفئاتهم وأصولهم المختلفة في التنمية كصانعين لها مستفيدين منها. والتكامل والاندماج الاجتماعي يقترب ايضاً كمفهوم في الصيغ المناسبة لادارة التنوع والتعدد الثقافي ويحول التباينات الاثنية والدينية واللغوية لاشكال تساعد في بناء الوحدة على أساس التنوع.
كما ان التكامل والاندماج الاجتماعي بشقه العملي يرتكز على استراتيجيات وسياسات وابتكارات مؤسسية تستهدف الفئات المحرومة والهامشية في مختلف الاوضاع الثقافية والسياسية بقصد تحقيق تكافؤ الفرص والمساواة في الوصول الى الموارد من خلال قنوات تضمن تحديد وتلبية احتياجات وطموحات تلك الفئات.
ويضع التكامل والاندماج الاجتماعي حلولاً لكثير من المشاكل كالسخط الاجتماعي والانفصالية والنزاعات القومية والصراعات الإثنية.
يفضل البعض مفهوم الشخصية عوضاً عن الهوية. وقد استخدم د. محمد ابراهيم ابوسليم عنواناً هو (في الشخصية السودانية)(18) وهو مفهوم اكثر علمية لوصف الخصائص والخصال الاكثر ثباتاً وتكراراً في شعب بعينه. ويمكن في هذه الحالة التعميم، ووصف هذا الشعب – رغم احتمالات الفروق الفردية – بانها تتميز بصفات عامة وشاملة، ويستخدم (ابوسليم) مفهومي الشخصية السودانية والقومية.
السودانية بالتبادل وكأنهما مترادفان يحاولان استكشاف الذات. ومن الملاحظ ان مفهوم (الهوية) لم يرد بالمرة في موضوع (ابي سليم) اذ لم تكن موضة الهوية قد انتشرت بعد في سبعينيات القرن الماضي. رغم ان حديثه يدرج الآن آلياً ضمن اسئلة الهوية. فهو يفتتح كتابه بهذه الاسئلة ذات الطابع (الهويوي):
(اذا قدر ان استوقفك شخص في الطريق وسألك: من أنت، ومن أين، والى أين وما مرام؟ لابد انك ستتوقف لتخاطب نفسك بهذه الاسئلة وتبحث عن نفسك وسط الزحام وتحاول ان تستكشفها) (ص11).
ويحول الى السؤال الفردي الى آخر عام وقومي، اذ يقول:
(وبهذا القدر يمكن ان نتساءل: الأمة السودانية لماذا ؟ والشخصية السودانية هل لها وجود متميز وهل لها هدف وهل لها رسالة: رسالة نحو نفسها ورسالة نحو غيرها، وهل لوجودها غاية ام مجرد عرض، وهل لهذه الشخصية ذاتية ومسار في الحياة تعبر عن نفسها به). (ص11).
لا يلجأ ابوسليم الى العامل الثقافي فقط في تحديده للشخصية السودانية، اذ يوسعه ليشمل التفاعل الانسان السوداني مع البيئة والمكان. وهنا يقدم تحليلاً موازياص لجمال حمدان في كتابه: (شخصية مصر – دراسة في عبقرية المكان)(19)، والذي يرى ان التجانس الطبيعي صفة جوهرية في البيئة المصرية. فالوادي كله وحدة فيضية. اما التفرقة التقليدية بين الدلتا والصعيد فاختلاف في الشكل والمساحة قبل ان يكون في التركيب والنسيج (20). اما السودان – حسب ابي سليم – فأمره مختلف، لأن العوامل التي تعطي الحياة متعددة: النيل، الأنهر الصغيرة، المطر، المياه الجوفية، الجبال والسهول. كما ان اطراف السودان متصلة ببلاد مأهولة مما يعني الاحتكاك بشعوب وثقافات مختلفة ومتعددة. لذلك فقد تأثرت الشخصية السودانية بعاملين:
أولهما: أثر البيئات المتعددة. فداخل البيئة الخاصة يظهر الفرد السوداني ويأخذ صورته المميزة وينمو فيها ويتطور، ويخلق ثقافته الخاصة وربما لغته الخاصة، ونظمه المحلية.
اما العامل الثاني، فهو عامل الحضارة الأوسع الذي يربط بين هذه البيئات وبالتالي يعطي للشخصية بعداً اضافياً جديداً. هذا البعد هو محاولة الالتقاء بالغير والعيش معه دون تضحية بالفردية او المزاج الخاص او الشعور بالمحلية(21).
ويبدو ان الكاتب أهمل البعد الجنوبي في الشخصية السودانية لذلك أفرد له فصلاً منفصلاً. ويعترف باهمال الجنوب لسنوات طويلة، ولكنه يرى في اتفاقية اديس ابابا 1972 بداية لعلاقة وتفاعل جديد بين شقي الوطن. ويرى امكانيات كبيرة للوحدة بين الشمال والجنوب على أسس متينة رغم التنوع الثقافي، يكتب:
(ان وجود شخصيتين متميزتين لا يعني انتفاء القومية الموحدةن اذ تقوم على المصالح والترابط من أجل الاهداف لا على الاعراق والسحنات والمعتقدات، وان كانت الوحدة تقوى بطبيعتها بوجود هذه العناصر. ان القومية تقوم على الانتماء الى وطن لا الى دم او معتقد او لون، وطن تنبع منه المصالح او الروابط لابنائه. وهذا هو الحال بين الجنوبي والشمالي، اذ هناك مصالح قومية فوق مصالح الاقليمية)(22).
هذا الموقف الشامل والمتوازن مفهوم، لانه صاحب لا يدعي انه كامل العروبة ولا ينسب نفسه الى المركز الشمالي – الوسطي النيلي الذي يعلى من عوامل العروبة والاسلام في ثقافته على العوامل الاخرى. وهذا الرأى يأتي خلافاً للتيار الذي تشكل مع تكون الحركة الوطنية ونشأة مؤتمر الخريجين. وقد دأب هذا التيار على تأكيد عروبة السودان في الكتابات والمنتديات وتجمعات المثقفين مستخدماً مفهوم (العقلية السودانية العامة) والمجتمع السوداني. وفي محاضرة مشهورة صارت مرجعية لكثير من السودانيين المتعلمين للاستاذ محمد عبدالرحيم القاها بالقاهرة يوم 23 فبراير 1935، ونشرت تحت عنوان (محاضرة عن العروبة في السودان) وبعد مقدمة عن القوانين الاخلاقية والنفسية التي تصنع للمجتمع شخصيته المستقلة والمميزة، وترسم للفرد العادات والتقاليد، يقول:
(وهي تلك التي تبدو آثارها واضحة جلية في اوضاع حياتنا التي نحياها على نظام لا أثر فيه البتة لغير الدم العربي الملتهب غيرة وحفاظاً وتمسكاً بما أنس من قدميه الذي يعده كل شئ. وعلى العموم فان العملية السودانية والمجتمع السوداني هما بملا يحملان في تضاعيفهما من خصائص الحياة العربية والفهم العربي لا يتركان مجالاً للشك أبداً في ان السوداني اليوم هو بقية السلسلة الطويلة من آبائه العرب الاذكياء وانكم لتجدون في السودان كل ما كنتم تسمعون به عن العرب من صفات)
كان ميدان الأدب والشعر بالذات منطلق مراجعة تحديد الهوية، ولم يمتد ذلك الى السياسة والمجتمع والثقافة عموماً، الا مؤخراً. فقد مثلت حوارات قومية الأدب ثم ظهور مدرسة الغابة والصحراء، محاولات للاعتراف بتعددية الشخصية السودانية بسبب المكونات الثقافية غير العربية الصرفة المؤثرة في تكوينها. ويمكن اعتبار الفترة التي أعقبت ثورة 21 اكتوبر 1964 بداية لنظرة جديدة للشخصية السودانية. فقد كان من أسباب اندلاع الثورة، الندوة التي عقدت بجامعة الخرطوم لمناقشة الحرب الأهلية في الحرب، ثم جاء مؤتمر المائدة المستديرة في مارس 1965 وأكد المشاركون – من الجنوب خاصة – على تنوع السودان الثقافي. وطالب الجنوبيون بان يتم وضع الاختلاف الثقافي ضمن أجندة اي نظام سياسي مستقبلي، والا سيكون من الطبيعي انفصال الجنوب (موقف تيار أقري جادين). ومن الجدير بالذكر، ان احد الجنوبيين تقلد لأول مرة وزارة سيادية: وزير الداخلية كلمنت أمبورو. وكانت الفترة من 1972 حتى 1983 الفرصة التاريخية لتحقيق الشعار المؤجل: الوحدة والتنوع. فقد منحت الاتفاقية الجنوبيين الحكم الذاتي وممارسة حكم انفسهم.
احتل مفهوم الهوية مكانة متقدمة في السياسة والثقافة السودانيين خلال العقود الثلاثة الماضية، لاسباب داخلية وخارجية. فقد عاد كثير من الدول التي تسمى دول العالم الثالث او حديثة الاستقلال – نسبياً، او الدول التابعة او غير الغربية، الى التساؤل عن هويتها خوفاً من اخطار ثقافة العولمة الجارفة. وعلى مستوى العالم الاسلامي، ايقظت الثورة الايرانية الأمل في بعث او صحوة اسلامية تعيد المسلمين الى مكانة متقدمة كانت لهم في زمن قديم. اما في السودان، فقد أثار التوجه الاسلامي المتزايد شكوك الجماعات غير المسلمة بان يفقدوا حقوقهم كمواطنين ليكونوا أهل ذمة او مواطنين من الدرجة الثانية. وتعتبر فكرة (السودان الجديد) ايديولوجيا لاعادة تعريف السودان ثقافياً وسياسياً، وتعتمد مبدأ التعدد او التنوع والوحدة.
وهي من أهم المساهمات الحديثة في مساءلة العروبة والاسلام في السودان ومدى صلاحيتها كهوية شاملة وليس غالبة فقط.
انفتح النقاش حول الهوية وشغل كل المهتمين بالثقافة والسياسة. وكان الجنوبيون الاكثر جرأة في خلخلة الثوابت وكتب اغلبهم بجدية وعمق. وكان فرانسيس دينق من اهم المساهمين وقد طالب بعدم تسييس او أدلجة الهوية، وطرح سؤالاً هاماً بنى عليه كتابه: صراع الرؤى – نزاع الهويات،(23) وهو: كيف يحدد او يعرف الشماليون انفسهم ؟ فهم يختلفون حول حدود عروبتهم او افريقيتهم. وللاستاذ تعبان لوليونج دراسة بعنوان: اعادة تشكيل السودانيين (مشروع خطتي للسودان او لأكثر من سودان) بعد الحرب). وكان لابد ان تثير هذه الكتابات جدلاً بين الشماليين، ولذلك ظهرت كتابات: عبدالعزيز حسين الصاوي، عبدالله علي ابراهيم، عبدالغفار محمد احمد، طه ابراهيم، احمد الطيب زين العابدين وغيرهم. وهذه مجرد اشارة لغزارة وتنوع هذا الحوار، ولكن خير الورقة ومقام الورشة لا يسمح باستعراض ونقد كل ما كتبه او جله.
أخيراً، تمثل عملية البحث عن هوية لدى (السوداني) وهو هنا الشمالي العربي المسلم اشكالية معقدة خاصة وهو الذي يحاول تحديد نفسه وتحديد الآخر. ووجد (السوداني) نفسه في وضع شديد الالتباس، خاصة والسوداني يمتلك أدوات تصنيف عديدة ومعايير كثيرة. فهو يبدأ باللون، فالأسود لديه (عبد) واللون الفاتح او الاحمر او الابيض فهو (حلبي) او (خواجة). واحياناً الاسود او الاسمر المسلم فلاتي. ثم داخل الجماعة العربية المسلمة نفسها، القبائل ليست متساوية فهناك قبائل تدمغ بانتشار السرقة داخلها، وأخرى بالجبن والبخل، وثالثة بانحلال نسائها. وهكذا تطول قائمة التمايزات وما يصاحبها من تراتب: فالمشكلة ان (السوداني) يستطيع ان ينفي اي ان يحدد ماهو ليس السوداني، ولكن يجد صعوبة في التحديد الدقيق لمن هو السودان الذي تنطبق عليه مواصفات الهوية التي صنعها السوداني الشمالي ؟ وهذه هي معضلة هامش الهامش او الهامشية المزدوجة Multiple Marginalize فهذا (السوداني) الذي قد ينسب نفسه الى العباس او ابي طالب، يمكن ان تطلق صفة او وضعية (عبد) في البلدان العربية الاخرى مثل شبه الجزيرة العربية والخليج والشام وفي بعض الاحيان في المغرب الكبير. هذه وضعية قلقة.
يصعب ان نصف (السوداني) بانه عنصري بامتياز Perse فالرق انتهى في السودان كمؤسسة منذ بداية القرن الماضي، ولكن بقى كثقافة، واستغل (السوداني) هذه الوسئلة في التعامل مع الآخر الذي يراه أقل منه، لانه خائف وليس بسبب الشعور بالاستعلاء (فالسوداني) الشمالي العربي – المسلم يخشى دائماً ان يسقط في تصنيف دوني يراه (عبداً). لذلك أتت هذه المبالغة والحدة في التعامل بالذات حين يتعلق الأمر بالتزاوج مثلاً. ولكن التحولات الاجتماعية – الثقافية والاقتصادية لم تسمح لهذه الاساطير بالبقاء. اذ نتيجة الهجرة والتعليم وظهور سلم للقيم الاجتماعية مختلف يحدد المكانة prestige حسب معايير جديدة ليس من بينها النسب، لكل هذا اهتزت أسس تكوين صورة الآخر عند الاجيال الجديدة رغم بعض رواسب التنشئة الاجتماعية في تأكيد فوارق ولكن المواقف الراهنة اختلفت كثيراً.
تحاول الدول بعث القبلية لاسباب سياسية بقصد الهيمنة من خلالها والقضاء نهائياً على الانتماءات الحزبية التي قد كانت مصدر للمعارضة والاحتجاج. وفي حالة اللاتسييس التي فرضتها القوانين الاستثنائية وغياب حريات التعبير والتنظيم والحركة، يكون من السهل على السلطة السياسية تشجيع مثل هذه النعرات القبلية كبدائل للاحزاب والنقابات. والحدود العرقية ليست واضحة في التقسيم القبلي ويصعب تحديد سمات قاطقة لتمييز الآخر لأن أهل القبائل قد تكون أصولهم البعيدة واحدة. لذلك صورة الآخر شديدة الغموض وهنا قد تستخدم الامتيازات السياسية والاقتصادية كمعيار للتمايز وهكذا تعود السياسة القحة من مدخل آخر. وهنا يفقد السودان كدولة وطنية الوحدة وفي نفس الوقت لا ينجح في خلق او نحت هوية سودانية ظاهرة سواء قامت على الدين او اللغة او اللون. وهذا وضع هجين ليست على مستوى العرق بل على المستوى الثقافي وخطورته في غياب ثقافة مشتركة تساعد في انتماء يحقق الوحدة الوطنية.
في الختام، نتساءل هل من الممكن الوصول الى هوية تقوم على حق المواطنة والحقوق المتساوية للسودانيين الذين يعيشون في رقعة جغرافية معينة وتشاركوا بطريقة او أخرى في تاريخ واحد ؟ ثبت صعوبة تحديد ذات وآخر في السياق السوداني المتعدد والمتنوع والمعقد، ولم يؤدي هذا البحث العقيم الا الى الصراع والعدائية في بلد يغلب عليه التسامح لو سارت أموره بطريقة طبيعية وعفوية اي بدون الجهود التي بذلت لبناء أسطورة وهمية عن الهوية/الذات وهي عملية لا تتم الا من خلال تحديد آخر واضح المعالم. لذلك فكرة الوحدة في التنوع هي الحل لصراع الرؤى الهويوية، لسبب بسيط هو انها تسمح بقبول الآخر مهما كان مختلفاً في لونه او دينه او ثقافته او عقيدته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.