القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > تقييم تجربة الحكم الاتحادي السوداني للفترة ما بعد 1994م

تقييم تجربة الحكم الاتحادي السوداني للفترة ما بعد 1994م

د. محمد أحمد محمد راني
أستاذ الإدارة العامة – قسم العلوم السياسية
جامعة النيلين
مقدمة:
الحديث عن تقييم التجربة الفيدرالية السودانية أو بمصطلح آخر "الحكم الاتحادي السوداني"، لا يخلو من التعقيد الشديد. لتعقيد وتداخل مكونات البيئة السودانية، لذا فإن تقييم تجربته بمنهج وشكل موضوعي فلسفي يحتاج إلى اجتهاد كبير ودقة وإحكام للحديث والتعبير، عن الواقع النظري والأيديولوجي كمرشد وموجِّه لعمليات البناء المؤسسي للنظام المستند على معرفة واسعة حول الموضوعات والمضامين التي بني عليها النظام السوداني المرتكز على تراث كبير من الحكم والإدارة اللامركزية للبلاد. ويزاد الأمر تعقيداً بتقييم مراحل تطوير النظام واستكمال بنيانه وتفعيله في ظل المباديء الحديثة للحكم الصالح؛ في بيئة اجتماعية واقتصادية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري؛ وتحديات التنمية المتوازنة والمستدامة، والاتجاه الديمقراطي التعددي للنظم السياسية المعاصرة، والانفتاح الدولي الكبير، وثورة الاتصال والمعلومات التي جعلت من الكون قرية صغيرة بفضل الفضائيات والتقانة المعلوماتية المتقدمة، التي رجّحت كفت المجتمعات المعلوماتية والحكومات الإلكترونية في العلاقة بين الإدارة والمواطن.
تأسيساً على ما تقدم فإن المؤشرات والموجهات الافتراضية الإستراتيجية التي ارتكزت عليها هذه الورقة العلمية العملية لتقييم النظام الاتحادي للفترة ما بعد 1994م، تهدف إلى توضيح وتفسير ومناقشة المضامين والغايات والاعتبارات النظرية والأيديولوجية العملية التي تحدو النظام الاتحادي منذ تأسيسه عام 1991م؛ ولكن بالتركيز على معطيات ونتائج تعليقات فلسفته للفترة ما بعد 1994م. ولذا حصرت الورقة الافتراضات حول إشكالية بناء واستكمال وتفعيل مؤسسات الحكم الاتحادي لتقييم مواطن القوة والضعف في الجهود المتعلقة بتأسيسه وتطويره على الوجه التالي:-
1. اتسمت جهود بناء واستكمال وتفعيل مؤسسات النظام الاتحادي بالمرحلية والتدرج البنيوي الهيكلي والإداري، والإيقاع السريع في عمليات التغيير والتطوير، الشيء الذي أضعف القدرة على استيعاب مضامينه الأصيلة بالدرجة المرغوبة من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
2. تطورت جهود بناء النظام الاتحادي وهي تسعى لترسيخ مبادئه بتبني محتوى ومضمون وشكل الفيدرالية التعاونية الحديثة في ظل مباديء الشريعة الإسلامية والحكم الراشد؛ وقد أفلحت هذه الجهود من تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية والسلام الاجتماعي واللامركزية الفيدرالية بصورة نسبية ومن منطلقات بناء استراتيجي للوصول إلى الغايات والأهداف التالية:-
أ/ تحقيق المشاركة السياسية الديمقراطية الواسعة في السلطة والمسئولية والشراكة المجتمعية في الثروة والموارد بصورة أفضل نسبياً مما كان عليه الحال ما قبل 1991م.
ب/ تحقيق الوحدة في التنوع الاجتماعي والثقافي وتكامل البناء القومي الإقليمي والوطني، بالحضور الإداري والأمني الواسع.
ج/ تبني مباديء الحكم الراشد كأساس للحراك والتنافس والتدافع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الحر، المؤسسي في إطار مباديء الشريعة الإسلامية والعُرف الجيد والمعتقد الحسن.
د/ العدالة في قسمة السلطة والثروة والموارد من أجل تكامل البناء القومي والتنمية المتوازنة والوحدة في التنوع.
3. حل قضية الجنوب والولايات الأخرى بالحوار والتفاوض السلمي: حول قسمة السلطة والثروة والموارد، وحق تقرير المصير للجنوب والحكم الذاتي للولايات من أجل تحقيق التوازن التنموي والديمقراطية المستدامة.
وقد ناقشت الورقة واختيرت تلك الفروض والإشكاليات في ضوء المحاور البحثية التالية:
1/ توضيح مفهوم الفيدرالية كحل لقضايا التنوع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الدولة الحديثة؛ كخلفية يمكن أن تفسر في ضوئها معالم وملامح ومرتكزات البناء الاستراتيجي للفيدرالية السودانية كصيغة أنسب لإدارة التنوع الاجتماعي السوداني.
2/ وصف ملامح ومرتكزات النظام الاتحادي السوداني من حيث النوايا والمضامين والأهداف الإستراتيجية، وتبيان مراحل بنائه وتطويره في ضوء مباديء الفيدرالية التعاونية.
3/ تقييم جهود بناء واستكمال وتفعيل وتطوير النظام الاتحادي في الفترة ما بعد 1994م إلى ما بعد الاتفاقية الشاملة للسلام (CPA) نيفاشا 2005م؛ في ضوء التغييرات والمقاصد الإستراتيجية لإعلان تأسيس النظام الاتحادي في ضوء مباديء الشريعة الإسلامية والموجهات والمراشد المضمّنة في إتفاقية نيفاشا والدستور الانتقالي المنبثق منها.
4/ توضيح التحديات والإشكاليات النظرية والتطبيقية التي واجهت وستواجه حاضر ومستقبل عمليات استكمال وتفعيل وتغيير وتطوير الفيدرالية السودانية لتستوعب قضايا إدارة التنوع الاجتماعي وتحل أزماته الإدارية والسياسية والتنموية في ظل الحكم الصالح.
5/ وصف آفاق الحلول للأزمات والإفرازات السالبة للفيدرالية السودانية التي تصبو إليها وتحدو جهد البناء القومي والإقليمي والمحلي للوصول لأهدافها وغاياتها؛ في وحدة وتكامل بناء؛ وحب للوطن الواحد الحر المستقل؛ القوي بإرادة شعبه المتنوع الأعراق والحضارة والثقافة.
مفهوم وأهداف الفيدرالية الحديثة:
لا يوجد نمط واحد للحكم والإدارة في الفيدراليات الحديثة، يمكن تطبيقه في كل الدول الحديثة بصورة نمطية، ولكن هناك أنظمة فيدرالية واتحادية عديدة، أملاها التطور الدستوري للدولة والرغبة في اللامركزية السياسية، والحكم الذاتي الإقليمي للأمم والشعوب، التي تمليها البيئة المتنوعة للنظم الإدارية. لذلك اختلفت النماذج التطبيقية للنظم والاتحادات الفيدرالية كآليات فعّالة لحل قضايا التنوع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأمني فيما يسمى دولة المؤسسات والقانون والحكم الصالح.
وفي هذا السياق نورد ما قاله رونالد ل. واتس Ronald L. Walts في تعريف المصطلحات والمباديء الخاصة بالفيدرالية حيث يقول أن هناك نقاش مستفيض بشأن الفيدرالية... إلا أن المرء يستطيع أن يحدد بشكل مميز ثلاثة مصطلحات تتعلق بمفهوم الفيدرالية هي مصطلح: "الأنظمة السياسية الفيدرالية" ومصطلح "الفيدرالية"، "والاتحادات الفيدرالية". أما عن الفيدرالية فقد وضح أنها في الأساس مصطلح معياري وليس وصفي ويشير إلى التشجيع على نظام حكومي متعدد المستويات، بحيث تضم عناصر من الحكم المشترك والحكم الذاتي في الأقاليم، وعلى أساس القيمة المصداقية المفترضة في الجمع بين الوحدة والتعددية، وعلى استيعاب الهويات المميزة والحفاظ عليها، وتعزيزها ضمن اتحاد سياسي أكبر حجماً. لذا فإن جوهر الفيدرالية كمصطلح معياري هو "ترسيخ الوحدة اللامركزية والمحافظة عليها في آن واحد".( )
هناك تعريفين آخرين نوردهما من أجل توضيح الآراء المختلفة حول تحديد مفهوم وتعريف الفيدرالية الحديثة على الوجه التالي:-
(1) مصطلح الفيدرالية مشتق من اللفظ اللاتيني Foedus، ومعناه المعاهدة أو الاتفاق. وقد ارتبط في الأصل بمذهب العهد أو العقد الموثق من الناحية الدينية Covenant كما ارتبط في الإطار السياسي بمعنى الاتحاد فيما بين الدول Union، لتكوين كيان أو دولة جديدة تتيح قدراً من الاستقلال الذاتي للأطراف المتعاهدة"(2).
(2) تعتبر دائرة المعارف البريطانية الجديدة The new Encyclopedia Britannic أن الفكرة الاتحادية من أكثر مباديء النظم السياسية انتشاراً في عصرنا الحديث. فالنظام الاتحادي حتى عام 1971م كان ساري المفعول على الأقل في سبع عشرة دولة. واستخدمت على الأقل ثمان عشر دول أخرى أسس نظمها الحكومية، معتمدة إلى حد ما على الأسلوب اللامركزي الاتحادي للحكم والإدارة.
تأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن الفيدرالية بالمفهوم الواسع تهدف حقيقة للمشاركة السياسية والشراكة المجتمعية في السلطة السياسية والإدارية عن طريق الحكم الذاتي اللامركزي الواسع، وبحضور إقليمي ومحلي كبير للأطراف المكونة للاتحاد الفيدرالي المركزي. ولهذا نجد البناء الهيكلي والوظيفي الاتحادي متميزاً بالآتي:-
أ/ تقسيم سلطات الدولة دستوراً وقانوناً، بين حكومة عامة "مركزية/ إتحادية"، وحكومات إقليمية (قومية/ ولائية) بحيث يكون كل مستوى حكومي مستقلاً ذاتياً عن الآخر، ولكن متكاملاً ومتعاوناً ومتناغم الأداء الكلي والجزئي للنظام الإداري المتعاقد أو المتعاهد عليه؛ في إطار الوحدة في التنوع الاجتماعي أو الوحدة من أجل التكامل الاقتصادي أو السياسي أو العسكري الأمني.
ب/ تدرج وتسلسل النظم والأوضاع التشريعية والتنفيذية والقضائية. ويقصد بهذا التدرج حق كل وحدة من الوحدات المكونة للاتحاد "الولايات مثلاً"، أن يسن نوابها أو ممثلوها المنتخبون انتخاباً مباشراً او غير مباشر أو بالاثنين معاً، وبطريقة ديمقراطية أو شورية، من التشريعات المختلفة بما يتناسب وظروفها البيئية المختلفة، ولكن تخضع في نفس الوقت جمع الوحدات المكونة للاتحاد للتشريعات الاتحادية (المركزية) تحت مبدأ سمو التشريع الاتحادي على التشريع الإقليمي (الولائي/ والمحلي)، وهكذا.
في ضوء المفاهيم والتعريفات لمصطلح الفيدرالية الحديث تتميز بالتراتيب الآتية:-
1/ تتكون الدولة الاتحادية من الحكومة الاتحادية والحكومات الولائية أو الإقليمية أو مزيج من الاثنين معاً وتضم بعض الفيدرالية بعض القوميات ذات الأصول العرقية والثقافية المتماثلة.
2/ تتقاسم الحكومة الاتحادية والحكومات الولائية أو الإقليمية السلطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بمبدأ التخويل الدستوري للسلطة والشراكة المجتمعية للثروة والموارد.
3/ تتمتع السلطات الإقليمية أو الولائية بالحكم الذاتي، وبالتالي الاستقلال التشريعي والإداري والمالي.
ولهذا فإن الفيدرالية ما هي إلا تجمع لكيانات ضالعة في اتحاد تعاقدي أو تعاهدي "كنفيدرالي" لتجاوز قصور الدوافع القومية أو الإقليمية الضيقة في حل إشكاليات التنمية والنهضة الاقتصادية والقوة المادية والأمنية والدفاعية؛ الشيء الذي يدفعها للتنازل عن جزء من السيادة القومية أو الإقليمية المطلقة بثروتها ومواردها الذاتية من أجل خلق كيان أكبر جديد يضم عدة قوميات أو أقاليم أو دويلات أو دول (الاتحاد الأوروبي نموذج) هذا الاتحاد يمكن أن يسمى الاتحاد الفيدرالي المركزي الذي أصلاً يتم تكوينه من حكومتين بموجب دستور مكتوب متفق عليه هما: الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم أو الولايات وغيرها من التراتيب الخاصة بالتجمعات الإقليمية والمحلية للحكومات اللامركزية على المستوى القاعدي للدولة.
الحكم الاتحادي السوداني: الفلسفة والنوايا والأهداف:
يعتبر الحكم الاتحادي أو النظام الفيدرالي السودان المنشود هو قمة الإصلاحات اللامركزية للحكم والإدارة الرشيدة للبلاد المترامية الأطراف والمتنوعة الموارد والمتعددة الأعراف والتقاليد والأديان والثقافات الأخرى. وقد اعتمدت الدولة الصيغة الفيدرالية أو الاتحادية للحكم كمخرج من إخفاقات تجارب الحكم اللامركزي السابقة بدءاً من نظام إدارة المديريات في الفترة ما بعد الاستقلال مباشرة، عبوراً بالحكم الشعبي المحلي (1971-1980)، ثم الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب 1972م، الذي أملى ضرورة تبني الحكم الإقليمي للمديريات الشمالية 1980م. والذي استمر كصيغة متقدمة لإدارة البلاد حتى إعلان الفيدرالية بالتزامن مع تطبيق نظام الحكم الفيدرالي 1991م.
ومن اجل الفهم السليم لمباديء الحكم الاتحادي أو الفيدرالية السودانية الجديدة ما بعد نيفاشا 2005م، ينبغي أن نلقي الضوء على بعض الأزمات والإشكاليات التاريخية التي واجهت الصيغ اللامركزية المتغيرة للحكم والإدارة ما بعد الاستقلال الوطني؛ إذ يمكن حصرها فيما يلي:-
1/ الرقابة والهيمنة المركزية الصارمة والأبوية أحياناً من حيث الوصايا والرعاية، على سكان الأقاليم أو المديريات والمحليات المتنوعي الثقافة والأعراف والتقاليد، الشيء الذي خلق فجوة وجفوة وقوى طرد إقليمية ومحلية من مركز السلطة في الدولة "العاصمة المثلثة"، وبالتالي المطالبة بالحقوق مقابل الواجبات، وبالتالي حمل السلاح والحرب الأهلية في العديد من الأقاليم والولايات كما يعلم القاريء.
2/ التوزيع غير العادل للسلطة والثروة والموارد بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية والإقليمية. فقد كان للسلطة المركزية دائماً "نصيب الأسد" كما يُقال إن النسبة الأكبر في السلطة والثروة والموارد. فهي التي توزعها حيث تشاء وكيف تشاء، الشيء الذي أدى إلى النزاعات الإقليمية والصراعات السياسية والجهوية العسكرية كحل لإشكالية القسمة العادلة للثروة والموارد والمشاركة السياسية الواسعة في السلطة وتوزيع الموارد المالية والبشرية.
3/ سلب تمركز السلطة مركزياً Concentration Policy الحكم الذاتي الإقليمي والمحلي للمديريات. فقد أخذ الحكم اللامركزي للبلاد نمط اللامركزية الممركزة على مستوى الولاية Deconcetration وهذه صيغة لا مركزية تنقل السلطة من الحاكم المركزي الأعلى إلى حكام الأقاليم سواء أكانوا مديرو مديريات أو حكام أقاليم أو ولاة ولايات. أما المستوى المحلي القاعدي للدولة فهو مسلوب الإرادة مقهور الحقوق، مهمش حضوره الإداري والسياسي والدفاعي الذاتي الإداري لمواجهة العدو الخارجي والداخلي للدولة. وهذه أكبر إشكالية تواجه تحديات الحكم الراشد أو الصالح في السودان الحديث. والتي ما انفكت تساهم مساهمة فعّالة في توسيع الفجوة بين الحاكم والمحكوم، و............. الوحدة في التنوّع الاجتماعي، وتهدد تهديداً مباشراً المن الوطني والقومي للبلاد.
4/ الانهيار لعملية بناء القيادات المحلية والإقليمية بسبب التمثيل غير الحقيقي لها في ظل النظم السلطوية، المتنازع على شرعيتها الدستورية، أدى إلى عدم الاستقرار السياسي والإداري والاجتماعي والاقتصادي مما أضعف قدرة الدولة لحلحلة المشاكل التنموية الاجتماعية والاقتصادية، وأعاق التنشئة والتنمية السياسية السليمة من أجل خلق قيادات محلية وإقليمية ذات إجماع إقليمي ومحلي وقومي واسع.
5/ ضآلة نصيب الإدارة الإقليمية والمحلية من الدخل القومي الإجمالي، أدى إلى ضآلة الموازنات الإقليمية والمحلية، وانعكس هذا الشأن في تخلف البنية التحتية والمساواة في تقديم الخدمات الأساسية ومن ثم تفشي مظاهر التخلف التنموي السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وظهور مصطلحات جديدة في قاموس العلوم السياسية مثل التهميش، والجهوية والغبن الاجتماعي، والإقصاء السياسي، والإرهاب واللامبالاة السياسية Indifference وغيرها من أمراض التصدع والضعف الاجتماعي.
تأسيساً على ما تقدم تبنت ثورة الإنقاذ الوطني الصيغة الفيدرالية أو الحكم الاتحادي كأسلوب حكم وإدارة يعتبر الأنسب لحل قضايا أهل السودان المتنوعة التي سبق ذكرها. ويعتبر خطاب رئيس الجمهورية عمر حسن احمد البشير الذي ألقاه امام مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء في 13/1/1993م الوثيقة التأسيسية للحكم الاتحادي الذي أعلن بالتزامن مع إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية كمنهج أصيل للحكم والإدارة في السودان الحديث في ضوء المضامين التالية:-
"عهد المواطنة يقوم على الولاء للوطن والإخلاص، فالمسلمون والمسيحيون وغيرهم أبناء وطن واحد هو السودان، يتولون حمايته والزود عنه جميعاً وينعمون بالأمن والاستقرار، ويقتسمون خيراته وخدماته جون تفريق بسبب الدين أو العنصر أو الجهة تماماً كعهد المواطنة في دولة المدينة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)(3).
وأشار الخطاب إلى ما يمكن أن يسمى أيديولوجية تطبيق النظام الاتحادي في ظل الشريعة الإسلامية، وقد أورد تفاصيل موجهاتها على الوجه التالي:-
أ/ الشمول بمعنى التطبيق الكامل للشريعة عقيدة وشريعة وعبادات ومعاملات وجنايات دون تركيز على جانب إلا بمقدار حاجة المجتمع إليه دواء لعلته وصلاحاً لاعوجاجه.
ب/ البُعد عن الاستغلال السياسي امتثالاً لحكم الله واستجابة للإرادة الشعبية الغالية، واحتكاماً للشريعة في الشأن الخاص والعام دون رغبة في علو أو استكبار في الأرض بلا مطالبة لمسئول أو امتيازاً عن الآخرين ولا احد فوق القانون – أي المحاسبة أو النصيحة أو المساءلة.
ج/ الشورى وهي فريضة إسلامية ملزمة تتخذ إليها الأسباب ويُستعان في ضوئها بأهل الرأي الغني لأهل الفقه الشرعي... بما يحقق المصلحة العامة ولا يُشق على الأمة وبلا ضرر ولا ضرار.
د/ حفظ الكرامة ورعاية حق المواطنة. فلا تشهير ولا تحقير ولا أخذ للناس بالشبهات ولا دخول للبيوت من غير أبوابها، ويدرأ الحد بالشبهة، ولا تهاون في إقامة حد حال ثبوته شرعاً.
هـ/ إسناد التطبيق لمؤسسات الدولة وأجهزتها الرسمية وصنعاً للثقة فيها، فبداية تطبيق الشريعة عهد جديد بين العاملين والدولة في كل مرافقها، إستقامة وثقة متبادلة وثقة خاصة في أهل القضاء والنيابة والشرطة والأجهزة العدلية سعياً وراء النموذج الأفضل لتجربة أهل السودان، وبلا تهاون آخذاً بالشدة والعزم كل من يحاول استغلال موقع تشويه للتجربة أو الإساءة إليها مهما علا الموقع وسمت مكانة الفرد.
بناء على المنهج الشامل لتطبيق الشريعة الإسلامية والنظام الاتحادي وضَّح خطاب رئيس الجمهورية المرتكزات الأيديولوجية السلوكية العقدية لبناء النظام الاتحادي وحددها بضرورة الإيمان بالله والتوحيد والتوكل على الله والإيمان بالرسول سيدنا محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) كنبي ورسول خاتم للمرسلين، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب السماوية والدار الآخرة دون تفريق بين الرسل، والمساواة في المسئولية القانونية، ووجوب العدل بين المواطنين في الحقوق والواجبات والمعاملات، والتسامح وحسن الخلق والبر والصدقة والعلم والعمل، والاعتدال أو الوسطية في الأمور، وعدم النكوث بالعهود والمواثيق الدولية وحقوق الجوار.(4)
وفي ضوء الموجهات الحقوقية والعدلية والمؤشرات التنظيمية الإدارية والمرتكزات العقائدية السلوكية قام النظام الاتحادي على أساس التدرج البنيوي الهيكلي والوظيفي، واستكمل البناء الهيكلي وتم تفعيله في ثلاثة جوانب على الوجه التالي:-
1/ شمول الإصلاحات الهيكلية والتقسيمات التنظيمية والوظيفية لأهداف الحكم الاتحادي في ضوء التجارب اللامركزية السابقة لتخطي سلبياتها.
2/ إصلاح النظام السياسي بتأصيل وتطوير المشاركة السياسية والإدارية في التشريع والشراكة المجتمعية في الثروة والموارد.
3/ استقلال النظام القانوني العدلي وتطويره ليواكب الهوية الحضارية والثقافية للدولة، بلا ضرر ولا ضرار بالطبع.
ولذلك صدرت العديد من التشريعات والقرارات الخاصة بقسمة السلطة وتوزيع الموارد والتراتيب البنيوية الهيكلية والوظيفية من أجل بناء النظام الاتحادي المرغوب واستكمال بنياته وتفعيل أدائه. ويمكن حصر هذه التشريعات في الفترة 1991-1998م في الوثائق القانونية الآتية:-
(1) المرسوم الدستوري الرابع لسنة 1991م وهو القانون الذي قام عليه بنيان النظام أو الحكم الاتحادي.
(2) قانون إعادة تقسيم المحافظات لسنة 1991م.
(3) قانون الحكم المحلي لسنة 1991م.
(4) قانون النظام السياسي نظام المؤتمرات الشعبية 1991م.
(5) لائحة النظام السياسي لسنة 1991م.
(6) قانون اللجان الشعبية لسنة 1992م.
(7) المرسوم الدستوري العاشر لسنة 1993م "قانون إعادة تقسيم الولايات".
(8) المرسوم الدستوري الحادي عشر لسنة 1994م (قانون تنظيم أجهزة الحكم الاتحادي بتقسيم الولايات إلى ستة وعشرين ولاية بدلاً من تسعة ولايات).
(9) المرسوم الدستوري الثاني عشر لسنة 1995م (وهو مرسوم إعادة تقسيم السلطات بين الولايات والحكومة الاتحادية، والذي ألغى المرسوم الدستوري الرابع لسنة 1991م، قانون تأسيس الحكم الاتحادي.
(10) المرسوم الدستوري الثالث لسنة 1995م وهو قانون القصد منه إعادة تنظيم العلاقة بين أجهزة الحكم الاتحادي.
(11) قانون الحكم المحلي لسنة 1995م الذي ألغى العمل بقانون الحكم المحلي لسنة 1991م وهو قانون تأسيسي.
(12) المرسوم الدستوري الرابع عشر لسنة 1997م والذي ينظم الإدارة الخاصة بالجنوب بعد توقيع اتفاقية الخرطوم للسلام 1997م.
(13) هناك مراسيم وقوانين أخرى عديدة مدنية وجنائية وتنظيمية تهدف في مجملها إلى استكمال وتطوير وتفعيل الحكم الاتحادي في مرحلة ما يمكن أن نسميها وآخرون معي، مرحلة الشرعية الثورية. وقد اتسمت هذه الفترة (1994- 1998م) بالإيقاع الإصلاحي القانوني السريع الذي أثار جدلاً ما وسط المهتمين والمختصين بالعلوم الإدارية والسياسية.
ولقد كانت لهذا الإيقاع المتسارع للإصلاح القانوني والإداري للحكم الاتحادي في الفترة ما بعد 1994م وحتى 1998م عدة أسباب أهمها رغبة النظام السياسي في استيعاب القادمين الجدد بعد اتفاقية الخرطوم للسلام 1997م، وكذلك الضغوط السياسية الجهوية والقبلية للمشاركة السياسية والحكم الذاتي على مستوى المحليات، مما أضر بعض الشيء بالكفاية والفعالية الإدارية للحكم الاتحادي في الفترة ما بعد 1994م حتى صدور الدستور الانتقالي 2005م، تطبيقاً لاتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية وحكومة السودان؛ والتي انتقلت بالنظام الاتحادي مضموناً وشكلاً من نظام أحادي التشريع المركزي "المجلس التشريعي الواحد وهو المجلس الوطني" Unicameral إلى الهيئة التشريعية الثنائية على مستوى المركزي bicameral؛ على نمط الفيدرالية الأمريكية من حيث الهيكلة التنظيمية المركزية والإقليمية الولائية، مع الفارق الكبير في التفاصيل التنظيمية والإدارية والفلسفية والأيديولوجية، مما يدل على صعوبة تطبيق أي نموذج فيدرالي نموذجي نمطي. إذ أن لكل نظام إداري لدولة من الدول الحديثة معطياته ومؤثراته البيئية التي تشكله وتحدد ملامحه الخاصة به. إلا أن الملامح الأصيلة للفيدرالية السودانية منذ تبنيها كصيغة حكم وإدارة ثم وصفها بأنها تعاونية كغيرها من الفيدراليات المعاصرة، اعتمد في تفعيل تطبيقاتها على الدعم والتنسيق المركزي والتعاون المتبادل بين الحكومة الاتحادية والولايات لفض النزاعات التنظيمية والسياسية والإدارية عن طريق الإئتمار والاتصال والتنسيق عبر ديوان الحكم الاتحادي ثم وزارة الحكم الاتحادي.(5)
تميزت تجربة الفيدرالية السودانية أو بمصطلح آخر الحكم الاتحادي منذ تأسيسه إلى الوقت الحاضر بالتدرج في التطبيقات عبر مراحل ثلاثة:-
(1) مرحلة المراسيم الدستورية (1991- 1998م)، والتي يسميها البعض مرحلة الشرعية الثورية.
(2) مرحلة ما بعد الدستور 1998م، أو ما يسمى بالشرعية الدستورية، ودخول النظام الاتحادي في التعددية السياسية بديلاً لنظام المؤتمرات الشعبية ككيان سياسي حكومي واحد مهيمن على شؤون الحكم والإدارة إقصاء لغيره من الأحزاب والجمعيات والحركات السياسية.
(3) مرحلة ما بعد نيفاشا 2005م والتي تميزت بالتطوير الدستوري القائم على أفكار ومباديء الفيدرالية الحديثة المبنية على التعاقد والتعاهد غير المحكم مركزياً، إلا أنه يستند في مرجعيته على اتفاقية دولية الأبعاد، تهدف إلى لا مركزية فيدرالية جديدة واسعة القسمة للسلطة والمسئولية والثروة والموارد بين الجنوب والشمال ككل مع وضع بعض الاعتبارات للولايات الشمالية. وتنادي الاتفاقية في مجملها بالحكم الصالح والتنمية الإقليمية المتوازنة والمستدامة.
كما أسلفنا القول أن مرحلة المراسيم الدستورية تميزت بالإيقاع السريع للإصلاحات القانونية من أجل تطوير التجربة الفيدرالية بتوسيع أهدافها ومضامينها لاستيعاب المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
فقد أُعيدت هيكلة النظام التنظيمية عدة مرات من أجل تفعيل الكفاية المواردية المالية والبشرية للولايات والمحليات، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية والشراكة المجتمعية. وتفعيل واستكمال البناء الاتحادي في ضوء المباديء المعلنة والمتغيرات البيئية المحيطة بالنظام السياسي داخلياً وخارجياً. كما وهدفت الإصلاحات في هذه الفترة إلى ترقية وتطوير العلاقات البيئية لأجهزة النظام الاتحادي بتفعيل عمليات العلاقات بين المؤسسات الاتحادية والأجهزة الإقليمية الولائية والمحلية عن طريق الائتمار والاتصال والتنسيق والاجتماعات الدورية للولاة والمحافظين والوزراء المختصين والقيادات التنفيذية الولائية والاتحادية في الشؤون المشتركة في القطاعات والأنشطة المختلفة لأجهزة الدولة على المستوى المركزي والإقليمي الولائي والمحلي. هذا الأمر عكس الطبيعة التعاونية للفيدرالية السودانية في إطار شعار الاعتماد على الذات والحكم الذاتي الإقليمي. وقد رُفعت العديد من الشعارات الإعلامية في هذه المرحلة مثل شعار الاعتماد على الذات "من لا يملك قوته لا يملك قراره" وشعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع". وقد أفلحت هذه الشعارات إلى حدٍ ما من إنجاز العديد من المشروعات القومية الإستراتيجية مثل استخراج البترول والذهب، وغيرها من مشروعات التنمية التي تحققت في ظل حصار دولي وعداوات إقليمية شديدة. إلا ان الطبيعة الانفتاحية لنظام الإنقاذ ساعدت النظام كثيراً في تجاوز الآثار السالبة للحصار الدولي والمعارضة الوطنية المسلحة وغير المسلحة. وقد سحب النظام البساط من القوى الوطنية المعارضة ثلاث مرات عندما وقّع أولاً اتفاقية الخرطوم للسلام 1997م وهز بعض الشيء تماسك الحرب الشعبية لتحرير السودان في ذلك الوقت. وكانت الهزة اكبر عندما أعلن التعددية السياسية أو التوالي السياسي بموجب دستور 1998م الذي مهَّد للعديد من الاتفاقيات الفرعية للقوى المعارضة المشتتة مثل الاتفاقية التي وقّعها حزب الأمة القومي بدخول زعيمه لممارسة العمل السياسي العلني داخل البلاد في مسار سماه تهتدون، ثم إتفاقية أبوجا مع حركة مناوي مساعد رئيس الجمهورية الحالي ثم اتفاقية الاتحادي الديمقراطي الأصل بين زعيمه السيد محمد عثمان الميرغني. واتفاقية جبال النوبة وغيرها من الاتفاقيات الثنائية بين الحكومة والحركات المسلحة في غرب وشرق السودان. كما وانشطرت الطبيعة الانفتاحية لمسيرة الإنقاذ الوطني العديد من الانشطارات والانقسامات الحزبية حتى في داخل الحركة الإسلامية المستولية، والمرابطة على السلطة والمتربعة على دست الحكم والإدارة منذ 1989م.
وفي رأينا أن هذه الطبيعة المتغيرة والإيقاع السريع لحركة الإصلاح الإداري والسياسي بعد إعلان مباديء الحكم الاتحادي وتطبيق الشريعة الإسلامية، ذات آثار إيجابية وسلبية إلا أن إيجابيات تجربة الحكم الاتحادي وإصلاحه في الفترة ما بعد 1998م ساعدت كثيراً في الوصول إلى الاتفاقية الشاملة للسلام، بتقديم الحل الجذري للأزمة المزمنة وهي الحرب الأهلية في جنوب السودان. وكما ساهمت في تطوير أهداف الحكم اللامركزي في البلاد والتي يمكن حصرها في الإيجابيات التالية:-
أ‌) إرساء الحكم الفيدرالي على أسس واضحة لتوزيع السلطة والمسئولية والثروة والموارد بموجب قوائم لتوزيع السلطة إتحادياً وولائياً، وبيان السلطات المشتركة وقد أعطت الشخصية الاعتبارية للمجالس المحلية فأصبحت ذات استقلال إداري ومالي واضح بموجب قانون خاص بالحكم المحلي.
ب‌) توكيد وتأمين المشاركة في السلطة بصورة واسعة في إطار مركزية ديمقراطية تعددية سياسية محدودة ساهمت في خلق تعددية سياسية أصيلة ما بعد 2005م. وأفرزت الكم الكبير من الأحزاب والتنظيمات السياسية التي تصبو لحكم وإدارة البلاد للمرحلة ما بعد الانتخابات القومية والإقليمية المعلنة في أبريل 2010م.
ج) تقصير الظل الإداري والسياسي بتقريب النظام الإداري لعتبة البيت السوداني لتصبح السلطة قريبة من المواطن لحلحلة إشكالياته الخدمية والتنموية بالدعم الحكومي أحياناً وبالاعتماد على الذات في كثير من الأحيان.
د) الوصول إلى وضع صيغ متغيرة للسلطة والمسئولية والموارد، من أجل تفعيل سياسات التنمية المتوازنة، والتي لعب صندوق دعم الولايات دوراً كبيراً في هذا المجال ما قبل نيفاشا 2005م وقيام مفوضية تخصيص ومراقبة الموارد المالية 2006م، وإنشاء الصندوق القومي للعائدات.
هـ) تقديم الحل لإشكالية الدين والدولة بإعطاء الجنوب وضع خاص والولايات حق التشريع بما يناسب أعرافها وتقاليدها وثقافتها الإقليمية والمحلية، مما ساعد على حل هذه القضايا في اتفاقية نيفاشا في ضوء مباديء الحكم الذاتي الإقليمي الراشد وتقرير المصير والاعتراف بالهوية ومباديء الحكم الراشد.
و) تقوية الشعور بالمسئولية الذاتية والحد من تصدير القادة السياسيين والإداريين من المركز للولايات والمحليات بصورة نسبية مقارنة بالماضي الأمر الذي مكّن أهل الولايات والمحليات من الإدارة الذاتية لشؤونهم، وأعطى الجنوب مكيالين للسلطة والمسئولية والموارد، إذ أصبح يتمتع بإدارة كل الأجهزة الفيدرالية المركزية وانفرد بإدارة نفسه بنفسه تماماً وهذه إحدى السلبيات الكبيرة للاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة مع الحركات المسلحة المنادية بتحرير السودان عموماً أو الانفصال عن الشمال.
ز) تنشيط التنمية الاجتماعية والاقتصادية بازدياد معدلات الناتج الإجمالي القومي والمحلي، والتوسع في البنى التحتية، اعتماداً على الذات بالإضافة إلى الدعم المالي القومي الذي زاد بصورة هائلة ما بعد 1998م.
الإفرازات السالبة للنظام الاتحادي ما بعد 1994م:
أ‌) عدم استقرار الهياكل التنظيمية والوظيفية كأوعية للسلطة والمسئولية والمسائلة نتيجة للإيقاع السريع للإصلاحات الإدارية والقانونية والسياسية والاقتصادية.
ب‌) بروز إشكالات عديدة أفرزتها عملية التداخل المخل للسلطات بين أجهزة الاتحادية الولائية والمحلية، الشيء الذي أدى إلى عدم تناغم عمليات التخطيط والتنسيق وإثارة النزاعات التنظيمية والحدودية بين الولايات والمحليات. ويحتفظ ديوان الحكم الاتحادي ووزارة الحكم الاتحادي بتراث كبير في هذا المجال، عن طريق الائتمار والتقارير والسمنارات وورش العمل والاجتماعات الدورية التفاكرية للقيادات الدستورية والتنفيذية.
ج) اختلال معايير إنشاء الولايات والمحليات وإعادة تنظيمها مما زاد من عدد المحليات وأضعف وقلل من كفايتها التنظيمية والاقتصادية وفعاليتها الإدارية الخدمية ورفع من حدة المطالبات بوحدات إدارية سياسية ذات طابع جهوي أو قبلي أحياناً لا علاقة له بالكفاية الاقتصادية للموارد، وفعالية الأداء الخدمي بالجودة الإدارية الشاملة.
د) الصراع حول السلطة والثروة والموارد والتكالب نحو الوظائف والامتيازات الشخصية والوظيفية القيادية التنفيذية والوزارية الدستورية إلى التقاضي أو نسيان المباديء والموجهات المعلنة في خطاب رئيس الجمهورية في يناير 1991م والذي يعتبر الوثيقة الأساسية الذي من المفترض أن تحكم السلوكيات القيادية والإدارية للنظام الإداري الذي تم إعلانه ورسمت معالم صورته المرغوبة في ضوء مباديء الشريعة الإسلامية. وقد أوضح المرسوم الدستوري الرابع الصورة المرغوبة لسلوكيات الولاة في بعض نصوصه ومواده. إلا أن هذا الأمر تقاضت عنه التعديلات القانونية اللاحقة في هذا المجال، حتى دستور 1998م الشيء الذي أطلق عنان التجاوزات السلوكية والقانونية للولاة والقيادات التنفيذية لاحقاً وقاد ضعف الرقابة التشريعية إلى بعض الفساد السياسي والإداري والمالي الذي يعاني منه الحكم الاتحادي يومئذ وحتى الوقت الحاضر.
هـ) ضعف الحس الديمقراطي المسئول في غياب الالتزام بمباديء الشريعة الإسلامية المعلنة، أدى إلى شخصنة الوظائف القيادية الدستورية والتنفيذية والمحسوبية في عمليات الاختيار والتعيين للخدمة العامة في فرعيها النظامي والمدني، إذ غابت أيضاً الرغابة الإدارية والمالية الحازمة والحسبة الإدارية أو الرقيب الإداري Ombudsman الشيء الذي أدى إلى الحاجة الماسة للعمل المؤسسي المحكم والمناداة بالفصل الواضح لسلطات الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية وتقوية الرقابة البرلمانية التشريعية والإدارية والمالية على أجهزة الدولة على كل مستوياتها التنظيمية. وقد أدت هذه الإشكاليات إلى حل المجلس الوطني 1999م. وانشقاق الحركة الإسلامية برمتها بعد النزاع الشهير بين ما يسمى بمجموعة القصر بقيادة الأخ رئيس الجمهورية ومجموعة المنشية بقيادة الأخ الزعيم حسن الترابي. وفي رأينا إن النزاع في صورته القاهرية اختلاف حول الأسلوب الأمثل لتفعيل حركة النظام الاتحادي لاستيعاب مرحلة ما بعد التوالي السياسي 1998م في ضوء مباديء ونصوص دستور 1998م. وبالتحديد توسيع سلطات رئيس الجمهورية فيما يخص تعيين وإقالة الولاة (وهنا نأخذ ولاية غرب دارفور كنموذج) إذ تصاعدت المشكلة لخلل في العلاقة في تناغم الأداء الدستوري بين المجلس الوطني ورئاسة الجمهورية وتجسم الخلاف في انعقاد الجلسة الخاصة بالتعديلات الدستورية لتغيير بعض علاقات السلطة الأفقية والرأسية، ولمصالحة الإشكالية الخاصة باختيار الولاة بالانتخاب وتعيينهم بواسطة رئيس الجمهورية ومسئوليتهم أمامه، إشرافاً عاماً ورقابة وإقالة، إذا لزم الأمر بالتعاون مع المجالس التشريعية الولائية. إلا أنه يبدو أن هناك مسائل أصولية برزت بعد إعلان التوالي السياسي ودخول النظام درجة أكبر من الشفافية في النقد الذاتي، أدى إلى توسيع الفجوة والجفوة بين أطراف النزاع بين ألوان الطيف في الحركة الإسلامية، خاصة بعد حلها كتنظيم اجتماعي سياسي موازي لنظام المؤتمرات، الكيان السياسي الأوحد للحركة في بداية استلامها للسلطة. وهناك أسباب أخرى نعلمها لا حاجة لذكرها في هذا المقام. وهناك العديد من الكتابات للفيف محترم من الأساتذة، حسن مكي، التجاني الطاهر والتجاني عبد القادر وغيرهم من الباحثين والخبراء.


تقييم مرحلة الفيدرالية السودانية ما بعد التوقيع على الاتفاقية الشاملة للسلام (نيفاشا 2005م):
يعتبر توقيع اتفاقية نيفاشا معبراً أصيلاً للدخول في اللامركزية الفيدرالية الحديثة القائمة على العهد الديني والعقدي Covenant الموثق وطنياً وإقليمياً ودولياً. وهذا شيء إيجابي في حد ذاته يقوي من دعائم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ويؤدي إلى بناء الدولة القوية الموحّدة والمتكاملة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.
ويمكن وصف ملامح الفيدرالية السودانية في ضوء إتفاقية نيفاشا بأنها تطوير للسياسات اللامركزية التي هدفت إليها كل صيغ الحكم والإدارة ما بعد الاستقلال الوطني. فقد سعت الاتفاقية لحسم معظم إشكاليات قسمة السلطة والثروة والموارد التي شكّلت تاريخياً العديد من الأزمات للحكم اللامركزي في البلاد؛ خاصة فيما يخص مشكلة الجنوب. فقد وضعت هياكل للسلطة يمكن أن تنال إجماع أهل السودان بشيء من التعديلات الدستورية والقانونية، خاصة وأن البلاد في مرحلة انتقال دستوري يصبو أن يقول وداعاً للسلاح أيتها القوة الاجتماعية الإقليمية والوطنية الحاملة له لمدة طويلة، بحثاً عن التداول السلمي للسلطة والتنمية السياسية والاقتصادية المتوازنة والمستدامة. فقد نصت الاتفاقية على أن يُدار ويحكم السودان بتقسيم السلطة والمسئولية على الوجه التالي:-
أ‌) تكون الهيئة التشريعية المركزية من مجلسين هما المجلس الوطني ومجلس الولايات ويعملان جنباً إلى جنب مع المجالس التشريعية التي مُنحت سلطات تشريعية أكبر والحق بصناعة دساتيرها الخاصة بها في ضوء الدستور الاتحادي.
ب‌) تشمل الهيئات التنفيذية أجهزة ومؤسسات الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات ومؤسساتها.
ج) تتكون الهيئة القضائية العليا من الأجهزة ذات الصلة الحقوقية والعدلية القانونية والإدارية والجنائية والرقابية، وأدخلت مصطلحات إدارية قانونية وعدلية جديدة مثل المفوضيات المختلفة التخصصات القانونية الرقابية الإدارية والسياسية والمالية. كما وضعت بعض الشروط والمتطلبات الدستورية والقانونية لممارسة السلطة والمسئولية والسلوكيات التي تحكم التشريع والتنفيذ والتقاضي على الوجه التالي:-
أ/ ضرورة قيام حكم لا مركزي بسلطات واسعة يأخذ في الاعتبار المستويات الحكومية القومية والولائية والإقليمية والمحلية.
ب/ وجود دستور قومي وآخر للجنوب وأن لكل ولاية دستورها الخاص وقوانين الحكم المحلي الخاصة بها والمصاغة في ضوء مباديء ونصوص الدستور الانتقالي 2005م. وهو بدوره مرتكز على مباديء الاتفاقية 2005م.
ج/ تكون العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات الجنوبية عبر حكومة إقليم الجنوب.
د/ أن يكون التعاون بديلاً للتنافس لتنفيذ المهام الدستورية والتشريعية والتنفيذية في ظل مباديء الحكم الراشد أو الصالح. وبالطبع فإن مباديء الحكم الراشد تشير إلى أن أداء الحكومات ينبغي أن يراعي تكافؤ السلطة مع المسئولية والمساءلة من أجل تجويد الأداء وأن تكون هذه في شفافية معلوماتية واتصالية وتحت الرقابة القضائية القانونية العادلة بوجود القاضي العادل وغيرها من المباديء العديدة التي يتميز بها الحكم الصالح.(6)
هـ/ الالتزام بالحدود القانونية للسلطة عند التطبيقات وممارسة السلطة، مع ترسيخ مباديء التعاون والتواصل وتقديم المساعدة والانفتاح على الآخرين والاحترام لأوضاع وظروف الأطراف فيما بينها.
و/ كفالة التفاعل والانسجام وتناغم الأداء في إطار السعي لتحقيق الوحدة الوطنية وتكامل البناء القومي.
وقد أشارت الاتفاقية إلى الموجهات التي تحكم الأداء التشريعي والتنفيذي والقضائي على الوجه التالي:-
1- قيام نظام لا مركزي بسلطات واسعة.
2- وجود دستور قومي وآخر للجنوب وثالث لكل ولاية كحق أصيل.
3- تكون العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات الجنوبية عبر حكومة إقليم الجنوب.
4- أن يكون التعاون بديلاً للتنافس لتنفيذ المهام الدستورية لأجهزة السلطة الثلاثة.
5- الالتزام بالحدود القانونية عند ممارسة السلطات.
6- تناغم الأداء الاتحادي والولائي والمحلي من أجل تحقيق الوحدة الوطنية وتكامل البناء القومي.
ونصت الاتفاقية على كيفية قسمة السلطة والثروة والموارد، وطرق فض النزاعات بين السلطات الثلاثة للدولة في هذا المجال؛ والرقابة الدولية المباشرة على تنفيذ بنود الاتفاقية من أجل ترسيخ مباديء الحكم اللامركزي الراشد والتمكين السلطوي للأقاليم؛ ونصت على ................ وغيرها من مباديء الحكم الصالح.(7)
تأسيساً على ما تقدم بينت المادة 1- (1) من الدستور الانتقالي 2005م طبيعة بناء الدولة في مرحلة الانتقال على الوجه التالي:-
أ/ جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة وهي دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات واللغات وتتعايش فيها العناصر والأعراف، وتلتزم باحترام وترقية الكرامة الإنسانية، وتؤسس على العدالة والمساواة والارتقاء بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتتيح التعددية السياسية. فالسودان وطن واحد جامع تكون فيه الأديان والثقافات مصدر قوة وتوافق وإلهام.
ب/ تنص المادة (2) أن السيادة للشعب وتمارسها الدولة طبقاً لنصوص الدستور والقانون دون إخلال بذاتية جنوب السودان والولايات وتؤكد المادة (4) ضرورة تأسيس هذا الدستور على المباديء التالية:-
1) وحدة السودان بالإرادة الشعبية الحرة وسيادة حكم القانون الديمقراطي اللامركزي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة.
2) الأديان والمعتقدات والتقاليد والأعراف هي مصدر القوة المعنوية والإلهام للشعب السوداني.
3) التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز استغلاله لإحداث التفرقة.
4) تستمد سلطة وصلاحية الحكم من سيادة الشعب وإرادته الحرة المباشرة والدورية التي تجرى في اقتراع سري عام لمن بلغ السن التي يحددها القانون.
في ضوء هذه المباديء المعلنة في اتفاقية السلام الشامل والدستور الانتقالي يمكن تقييم مسار تجربة الفيدرالية السودانية للفترة ما بعد 2005م، وفي هذا المقام والمقال يعتبر المؤتمر العلمي السنوي الثاني لجمعية العلوم السياسية مرجعاً أصيلاً لتقييم إفرازات تجربة الحكم الاتحادي الإيجابية والسلبية وتحديد مواطن الضعف والقوة فيه، وتتباين آفاق تطويره من واقع المؤسسية السياسية والجهود المبذولة لتطوير النظام في شقيه الرسمي الحكومي والمدني المتمثل في أداء منظمات المجتمع المدني والأحزاب بالذات باعتبارها روافع ومحركات تدفع نحو تطبيق الحكم الراشد والمشاركة السياسية الفاعلة والشراكة المجتمعية الأصيلة في السلطة والثروة والموارد والرقابة العامة الفاعلة لتحقيق مباديء الحكم الصالح التي تضمنت بعض أهدافها ومضامينها الاتفاقيات الثنائية والجماعية العديدة التي وقّعها النظام السياسي للإنقاذ مع الحركات الشعبية والأهلية، المطالبة بهذه المشاركة والشراكة في حكم وإدارة البلاد والرقابة على الأداء الحكومي، في إطار الديمقراطية المستدامة والحكم الشوري والعلماني الراشد في جنوب البلاد. لم تحسم قضية الهوية الحضارية بعد للسودان ككل. وهذا بالطبع سيُحسم أمره في انتخابات أبريل القادم 2010م. وبحسم قضية تقرير المصير للجنوب بالاستفتاء المباشر لأهل الجنوب في 2011م(7).
وفي مجال التطبيقات المتعلقة بالمؤسسية في أداء أجهزة الدولة ما بعد (نيفاشا) نورد بعض الآراء في هذا المجال على الوجه التالي:-
1) يرى حسن الساعوري أن ثورة الإنقاذ الوطني أن ثورة الإنقاذ الوطني منذ استلامها السلطة ركّزت جهود بناء السلطة الرسمية والشعبية في بناء النظام الاتحادي وتحريك فعاليات المجتمع المدني في كل أنحاء البلاد، عبر ثلاثة مراحل هي مرحلة المراسيم الدستورية والتي ألغاها دستور 1998م لتدخل الإنقاذ في مرحلة البناء الدستوري 1998م الذي تعدل وألغى العمل به بعد الاتفاقية الشاملة للسلام (نيفاشا 2005م) والدستور الانتقالي 2005م المنبثق منها.
وقد ناقش في ورقته عن الجهود المؤسسية السياسية على ضرورة التمايز الواضح في الوظائف الأساسية للنظام السياسي والإداري، الذي من المفترض ان يتبع قاعدة التخصيص التنظيمي والذي يساعد على بلورت قنوات الاتصال من اجل تفعيل عملية القرار السياسي وتنفيذه بطريقة يسود فيها الحياد والموضوعية. وهذا يتطلب معايير التمايز البنائي والتخصيص الوظيفي في النشاط السياسي الرسمي والمدني والشعبي. وهذا امر مهم من اجل التماسك الداخلي لأجهزة الدولة لتعمل بصورة مؤسسية. فالعبرة ليست بقدرة فرض آليات وأساليب التشريع والتنفيذ والقضاء من أجل تحقيق سيادة الدولة (والصالح العام) على الجميع، ولكن العبرة بالكيفية التي تم بها والرقابة وخلق الكوابح اللازمة لضبط السلوك التنظيمي والسياسي تقليداً وعرفاً ودستوراً وقانوناً. ويكون ذلك أفضل باتباع أسلوب الحوار والانفتاح السياسي وإشاعة ثقافة السلام من أجل بناء ديمقراطي مؤسسي راشد.(8)
2) قدّم عوض السيد الكرسني آراءه حول مستقبل النظام السياسي من واقع المؤسسية السياسية في السودان بعد تطبيق اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005م. ويقول أن تطبيق اتفاقية السلام يشكل مرحلة جديدة وهامة، إذ خرجت الدولة من مرحلة الشرعية المستمدة من مركزية ما بعد الاستعمار. وهي أس شرعية الدولة رغم ما اعترى الدولة من حقب من الاضطراب. وهي الشرعية المقننة في مجتمع يبحث عن تحقيق بناء نظام سياسي جديد أكثر استعداداً للقيام بوظائفه منذ 1956م. "إن نيفاشا لم تولد تلك الشرعية ولكنها دفعتها إلى اعلى من خلال التأكيد على ضرورة الحكم الراشد، الذي يجعل خيار وحدة السودان من أجل حفظ السلام". ومن جانب سياسي آخر يرى الكرسني انهيار المؤسسية في قطاع عريض للمجتمع السوداني.. كسبب أصيل للنزاعات وبروز قوى سياسية جديدة؛ تسد الفجوة عندما فشلت المؤسسات الجديدة للحكم المحلي، عن طريق الانتفاضات الشعبية ضد النظم التي جاءت عبر الانقلابات العسكرية وهذه كلها عوامل جعلت حكومة الإنقاذ تلجأ لتبني نماذج اللامركزية والتحرير الاقتصادي وصولاً للوحدة في التنوع وتحقيق توازن وترابط مختلف مستويات الحكم عبر اللا تماثل الدستوري واللامركزية المالية.
أما عن إشكالية السلطة فيقول أن الأمية الإسلامية التي بشرت بها حكومة الإنقاذ في وقت إنهارت فيه الأيديولوجيات؛ ربطها النظام الدولي الجديد في عهد إدارة كلينتون بالأصولية الشيء الذي صعب مهمة الإنقاذ في تحقيق الاستقرار في البلاد، وكان بمثابة واصلة لضغوط القوى الإقليمية المعارضة المسلحة المدعومة عسكرياً ودبلوماسياً من قِبل القوى الدولية. وفي الجانب التطبيقي ركّز الكرسني على الإشكاليات التي تواجه العلاقات المالية اللامركزية وعلاقات السلطة ومعاناة بعض مؤسساتها مثل الصندوق القومي للعائدات، ومفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات المالية. فهو يرى أن معاناة الصندوق القومي للعائدات تكمن في مشكلتين: الأولى تتعلق بالهيئات والوحدات التي اعتادت بالاحتفاظ بكل أو بعض إيراداتها باعتبار أن لديها نصيباً منها أو آن وزارة المالية لا تتجاوب معها في دفع الاعتمادات ثم تورد ما يفيض عن النصيب. وهذا أمر يتعارض مع مباديء علم المالية العامة... ومخالفة للدستور 2005م والقانون ... ويشير الكرسني إلى بعض النجاحات التي حققتها مفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات المالية في تمكين الحكومة من إعداد الموازنات وتقديم النصح لها فيما يخص تعديل وتبويب الميزانية، وترشيد المصروفات وضرورة إحداث زيادة حقيقية كبيرة في التحويلات المالية للولايات.(9)
3) وفي جانب تأصيل العمل المؤسسي للنظام الاتحادي يرى محمد مجذوب محمد صالح أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين، أن مشكلة الفكر الإسلامي وخاصة التقليدي هي مشكلة داخل الثقافة الإسلامية، لا في محاولة المزاوجة بينه وبين نظرة الفكر الليبرالي، أو حتى الاستعانة بهذا الأخير لشرح مفاهيم إسلامية مثل الولاية والشورى والبيعة المحكومة بمفاهيم السيادة الديمقراطية والعقد الاجتماعي ... فالأوفق هو تجديد مفهوم عهد البيعة "المؤسس على دالة الإيمان ومرجعية الخطاب القرآني وفقه الواقع الظرفي بدلاً من إعطاء العقد الاجتماعي الليبرالي للديمقراطية معنى إسلامياً. بالمزاوجة بين العقدين الإسلامي والليبرالي ... بمعنى أن اتجاه قبول البنى المؤسسية الغربية من جهة، ومحاولة "أسلمتها" من داخلها من جهة أخرى، إتجاه محكوم عليه بالخطأ العلمي مسبقاً من الناحية النظرية. ويعزى ذلك لقوة الترابط أو الربط بين الرؤية والأداة التي تعبر عنها أي (الفلسفة والأيديولوجية المنبثقة عنها). وهذا أمر يستحيل معه الجمع بين مؤسسية "الحركة الإسلامية الحاكمة" ومؤسسية الدولة من جانب آخر.. ويعتقد مجذوب في تقييمه لمفهوم السلطة والمؤسسية في نظام الإنقاذ الوطني وخاصة فيما يخص العاهد الاجتماعي، أن إشكالية الحرية والنظام والشورى والوحدة ومراحل الانتقال والتحوّل نحوها ... زاد من إشكاليات النظام الاتحادي والعمل المؤسسي، وأصبحت أكثر تعقيداً ...عندما توسلت الحركة الإسلامية للوصول للسلطة السياسية بالانقلاب العسكري، فكانت القوة وحق القوة حاضراً في إجراء التحول نحو مسلمات الحركة في الشورى والمؤسسية؛ بدلاً عن الحق وقوة الحق لا حق القوة، مما أوجد تناقضاً نظرياً وإضطراباً عملياً. فكانت النتيجة انهيار المؤسسية في الحركة والانشقاق بين القوى الحاكمة. وقد أوضح مجذوب الكيفية التي يمكن أن تخرج منها الحركة الإسلامية الحاكمة من مأزقها باعتبارها القوى الفاعلة في المجتمع، إذا ما أعادت رؤيتها بالقراءة السليمة للاجتماع السياسي والمدني لأهل السودان، وتنظيم نفسها من واقع القاعدة الجماهيرية العريضة على المستوى المحلي أو القاعدي لمجتمع الدولة.(10)
مقترحات الحلول لإشكالية بناء الفيدرالية السودانية الجديدة:
في اعتقاد كاتب هذه الورقة "باعتباره أستاذ جامعي أكاديمي يتحدث من داخل النظام إذ تقلد يوماً ما بعض المناصب القيادية التنفيذية المهنية كضابط إداري تنفيذي" أن ما ورد في هذه الورقة، من آراء دعمها بباحثين ومهتمين كبار موثوق بها وبطرحهم ورؤاهم العلمية والعملية كما تدل على ذلك سيرهم الذاتية، تحت مسئوليته. إذ درجت ألا انقل أو أشرح أو أوثق شيئاً إلا ما أؤمن به إرضاء لله ولرسوله الكريم، القوي الأمين ذو الخلق العظيم، كما مدحه ربنا الله سبحانه وتعالى وكفى بالله وليّاً وكفى بالله نصيراً.
تأسيساً على ما تقدم تطرح الورقة مقترحات حلول إشكاليات النظام الاتحادي ما بعد 1994م في الجوانب الفلسفية والتنظيمية الوظيفية الأيديولوجية، وعلاقات السلطة والموارد والفيدرالية المالية على الوجه التالي:-
1) الالتزام مع الاحترام والمهابة للمواثيق الاجتماعية والسياسية التي تبنتها بعد الاتفاق مع الأطراف الموقعة عليها. وهذا لا يتعارض في رؤيته أو حتى شكل من أشكاله مع خطاب تأسيس النظام الاتحادي المتزامن مع تطبيق مباديء الشريعة الإسلامية، التي أعلنها الأخ رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير. وقد أشار الخطاب على أخذ "نمط دولة المدينة المنورة كنموذج يحتذى به في التعايش السلمي والحوار والرؤية للمواطنة وحقها وحقوقها وواجباتها والله أعلم.
2) ضرورة إجراء الإصلاحات التنظيمية والوظيفية في ضوء تحقيق المشاركة والشراكة المجتمعية الفاعلة في النظام الإداري والسياسي والاجتماعي للدولة. في ضوء الاعتبارات التي أشار إليها خطاب التأسيس والاهتمامات المصلحية والمنفعية التي تم الاتفاق عليها بين سلطة الإنقاذ الوطني والحركات الإقليمية والمركزية بالحوار والتدافع السلمي الديمقراطي والشوري من أجل الوصول إلى معادلات للقسمة العادلة للسلطة والمسئولية والثروة والموارد تنال الرضا الاجتماعي لأهل السودان كافة. وهي أس معايير العلاقة بين المواطن والدولة والحكومة. وقد كان المعيار والموجه الأصيل، للإستراتيجية القومية الشاملة للتنمية (1992- 2002م)، وقد كانت الإستراتيجية يومئذ وليدة الحوار الوطني حول كيفية حل قضايا التنمية والسلام بشيء من الإجماع الوطني في ضوء التراث الكبير للحكم اللامركزي الموروث منذ أن تبنت إدارة السودان الحديث النموذج البيروقراطي الماكس فيبري كصيغة جديدة لحكم السودان في العهد التركي (1821- 1885م) وعلى النهج الفرنسي لإدارة الدولة الحديثة عن طريق المديريات.
3) تأكيد أن الصيغة الفيدرالية لحكم وإدارة السودان المؤمنة بمباديء الحكم الراشد أو الصالح هي الصيغة الأنسب لإدارة التنوع الاجتماعي في البلاد؛ حتى ولو كانت في إطار فيدرالي كما هو الحال باستثناء الجنوب من الشمال. فقد نال الجنوب الحكم الذاتي الإقليمي 1972م ثم إدارة خاصة به بعد اتفاقية الخرطوم للسلام. وهذه نيفاشا 2005م فتحت الباب في هذا الاتجاه على أوسع مصراعيه.
4) الالتزام "بنظام الجدارة والاستحقاق الوظيفي" والابتعاد عن نظام المحاصصة الذي لجأت إليه اتفاقية نيفاشا 2005م في قسمة الوظائف السياسية والإدارية العامة. إذ أن ذلك يهزم بنود الاتفاقية نفسها. فالتنوع الاجتماعي في بلد كالسودان يصعب إدارته بالصورة الموصوفة في الاتفاقية، وكأنما ثروات السودان وموارده حكراً لإقليم أو جهوية أو قبلية أو طائفية أو حزبية سياسية معينة. وهذا ما شعرت به بالضبط الأغلبية المطلقة لأهل السودان الذين هم متفرقون في أكثر من ستمائة قبيلة ولهجة، وأكثر من سبعين حزباً سياسياً، وكماً هائلاً من المنظمات وفعاليات المجتمع المدني التي تنادي بمتطلبات مختلفة ومصالح ومنافع مختلفة.(11) فالصالح العام لأهل السودان لا يتجزأ، خاصة في نوع من الفيدرالية التعاقدية المحكمة والتعاونية الملامح. ومن جانب آخر لا ينبغي أن يختل معيار الجدارة في شغل الوظائف العامة عن طريق التنافس في عمليات الاختيار والتعيين، على النهج الذي ورثناه في العقد الأول للاستقلال الوطني (1960- 1969م). فقد اختل هذا المعيار كثيراً في ظل الفكر والأيديولوجيات الشمولية وخاصة في عهد ثورة الإنقاذ، وهو انحراف ضد مبادئها التي قامت عليها، سواء أكان ذلك في ميثاق أهل السودان أو ما نادت به من أخلاقيات للعمل الإداري والسياسي عندما تبينت نظام المؤتمرات الشعبية للإنقاذ والشريعة، وبالطبع ينبغي أن ينتفي أمر المحسوبية والولاء والغنائم لأهل السلطة والأقوى اجتماعياً وقبلياً وعسكرياً. ونحن لا نرمي الأمور على عواهنها "والدين المعاملة والدين النصيحة، كما يقول رسولنا محمد بن عبد الله عليه السلام".
فكل الفعاليات السياسية والمهنية والاجتماعية، تذكر أمر الجدل السياسي المؤسسي حول ما سمي بالكتاب الأسود، وشمل هذا الجدل مناقشات حادة في المجلس الوطني وساحته الخضراء، وكان كالنار من مستصغر الشرر. دعا تيم نبلوك في كتابه "السلطة والثروة في السودان" قد ضرب أوتاره في هذا المقام والاتجاه لصراع السلطة والمسئولية والثروة في البلاد.(12)
5) ضبط سلوكيات القيادة السياسية والسلوك التنظيمي للنظام الإداري السوداني الفيدرالي بموجب المباديء التي أعلن رئيس الجمهورية في خطاب إعلان الفيدرالية السودانية في الثالث عشر من يناير 1991م. وهو يستوعب كل النوايا الحسنة للنظام الإداري المرغوب لأهل السودان، والذي أشارات وأطرت اتفاقية نيفاشا الشاملة للسلام 2005م العديد من مبادئه ومقوماته في الإشارة إلى ضرورة تبني الحكم الصالح أو الراشد والحكم الذاتي والإقليمي لإدارة التنوع الاجتماعي والحضاري الثقافي لأهل السودان.
6) الصدقية في التعامل وتصريف المهام العامة والوفاء بالعهد الموثق دينياً والمتضمن في الدستور والقانون؛ من اجل بناء الثقة في القادة السياسيين والإداريين وهذا ما زال هوة كبيرة في العلاقة بين الإدارة والسياسة والمواطن والدولة والحكومة والمجتمع تصعد من أزمات البلاد ليست في مجال أزمة القسمة العادلة للموارد والسلطة والثروة فقط، وإنما تعتبر أزمة كبيرة في وجه سلوكيات وأخلاقيات العمل السياسي والإداري وينعكس ذلك في تجاوز حدود السلطات والمسئوليات بواسطة القيادات الإدارية والسياسية والبيروقراط والتكنوقراط الذين يديرون شؤون البلاد لمعظم الفترة ما بعد الاستقلال الوطني، وخاصة ما بعد أكتوبر 1964م بظهور جبهة الهيئات التي رفعت "التطهير واجب وطني" كشعار لإدارة ماكينة الدولة رفضاً للنظم الشمولية. ولكنها وقعت في نفس الأخطاء بتصفية الخدمة المدنية من كوادرها المؤهلة، وزاد الطلة بلة النظام الشمولي لثورة مايو، بتصنيف العاملين حسب ولائهم وانتمائهم للنظام، لا بل حسب معتقدهم؛ هذا رجعي وهذا تقدمي، وأصبح هذا الأمر أكثر حدة وشراسة في السيرة الأولى للإنقاذ وما زال مستمراً بصورة أخف، بتدخل ومعالجات مستمرة خاصة بعد إزالة البند المتعلق بالصالح العام من قانون الخدمة العامة. ويعلم المهتم والمختص بالشأن العام الكم الهائل من مصطلحات السخرية السياسية والاجتماعية التي أوحتها السلوكيات القيادية والسياسية المتجاوزة لسلطاتها ومهامها الموصوفة لها في قانون والدستور، وهناك صور "كاريكاتورية" عديدة تسخر من العلاقة غير الحميدة بين المسئول والمواطن. وقد كانت في أوجها بقيادة الساخر عز الدين؛ إلا أن العدد زاد بصورة مذهلة في عهد الإنقاذ الوطني. وهذا يكفي لتوضيح هذا الأمر في هذا المقام.
7) معالجة القضايا العديدة للفيدرالية المالية، وعلاقات المال والموارد البشرية التي هي أس الكفاية الاقتصادية والفعالية الإدارية للنظام الفيدرالي السوداني. وقد سعت الدولة في ضوء كل اتفاقيات السلام التي توصلت إليها لترسيخ مباديء القسمة العادلة للسلطة والثروة والموارد، وتبيان الحقوق والواجبات دستوراً وقانوناً في هذا الاتجاه. إلا أن مقررات ومداولات المؤتمر العلمي لواقع المؤسسية السياسية في السودان توضح بعض الصور القاتمة في هذا الاتجاه، سواء أكان هذا الأمر متعلق بالتراتيب التنظيمية الخاصة بقسمة الموارد أو السلوكيات المتعلقة بها. وهذا أمر تحتاج معالجته لشيء من الصدقية. وقد أوضح كاتب هذا المقال بعض الآراء حول مؤسسية علاقات السلطة البينية في الفيدرالية السودانية يمكن الاستفادة منها.(13)
خاتمة:
يحسب كاتب هذه الورقة أنه استوفى مناقشة الفرضيات التي بُنيت عليها. وهي تنحصر في كيف تمت معالجة بناء واستكمال وتفعيل النظام الاتحادي للفترة ما بعد 1994م على وجه الخصوص، كما أوضحت الفرضية المتعلقة بمسار النمط الفيدرالي التعاوني السوداني والأزمات التي وقع فيها وكيف تتم معالجتها من منطلق نقاط القوة والضعف، فيما يخص تحقيق النظام الاتحادي لغاياته ولأهدافه المعلنة في مواثيقه الدستورية والقانونية الكثيرة العدد. وهي في مجملها سعت للقسمة العادلة للسلطة والثروة والموارد بالمشاركة السياسية والشراكة المجتمعية في ظل الحكم الراشد، وهل قضية الجنوب والولايات الأخرى من منطلق مباديء الحكم الذاتي والاعتماد على الذات؛ بملامح فيدرالية تعاونية سودانية محصنة بالشريعة الإسلامية والمباديء الأخرى المتفق عليها في الاتفاقيات المعلنة بين الحكومة وأطراف النزاع من أجل حل إشكاليات دارفور وشرق السودان وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق، وقضايا التعددية السياسية المنادية بالحوار السلمي الديمقراطي من أجل التداول السلمي للسلطة، والمشاركة السياسية، والتوازن الديمقراطي للسلطة والمسئولية، وتحمل أعباء إدارة الدولة دون إقصاء اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي. ونحن نعتقد أن الضمان الوحيد لترسيخ مفاهيم الحكم الراشد أو الصالح هو المعالجة الصدوقة والأمينة للإشكاليات التي أفرزتها تطبيقات فلسفة الحكم والإدارة عبر كل مراحل البناء الوطني المؤسسي ما بعد الاستقلال الوطني 1956م وبالتحديد ما بعد 1964م في ظل النظم العقائدية الشمولية.
وبالله قصد السبيل، "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" قرآن كريم.
" ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين" (الآية 86 :سورة البقرة).

المراجع والهوامش
1) راجع رونالد ل. واتس Ronald.L. Watts، الأنظمة الفيدرالية "ترجمة، منتدى الاتحادات الفيدرالية، شبكة دولية للفيدرالية. أوتاوا- كندا 2006م الصفحات (6 – 9).
2) راجع محمد أحمد محمداني. إدارة السودان الحديث: المسئوليات والتحديات. حيث أورد الكاتب بالتفصيل المباديء والأنماط والأشكال للعديد من الفيدراليات والاتحادات الفيدرالية المعاصرة.
3) أنظر خطاب رئيس الجمهورية المعلن أمام مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء في 13/1/1991م بخصوص إعلان الحكم الاتحادي وتطبيق الشريعة الإسلامية.
4) المرجع السابق.
5) ملحوظة: تعتبر الأدبيات التي نشرها ديوان الحكم الاتحادي باعتباره الجهاز الإداري التنسيقي المركزي في بداية مرحلة بناء الحكم الاتحادي المسئول عن عمليات بناء واستكمال وتفعيل الحكم الاتحادي عن طريق الائتمار والاتصال، فهو حلقة الوصل بين رئاسة الجمهورية والولايات والمحافظات في الفترة ما قبل نيفاشا 2—5م. وقد أدى عمله بصورة مهنية عالية إذ استعان بالمتخصصين في هذا المجال عبر أمانات متخصصة لتطوير الحكم الاتحادي والمتابعة والتنسيق والاستشارات القانونية وشؤون التوأمة، والشبكة الاتحادية للاتصال والمعلومات. وعلى سبيل المثال أذكر بعض المساهمات الأكاديمية التطبيقية الممتازة التي قدمتها الأستاذة بدرية سليمان مستشارة رئيس الجمهورية يومئذ للشؤون القانونية في مجال تطوير عملية البناء المراسيمي للنظام الاتحادي وأهدافها. خاصة فيما يخص التشريع والتطبيق. وكذلك المساهمات العلمية العملية للأستاذ طارق المبارك المستشار القانوني لوزير العلاقات الاتحادية في الفترة (1993- 1997م) حول شرح طبيعة الفيدرالية السودانية والعلاقات البينية للسلطة في النُظُم الفيدرالية في إطار مقارن من وجهة نظر قانونية.
6) راجع المؤشرات التسعة عشر حول الحكم الراشد، في كتاب: محمد أحمد محمداني. الحكم المحلي: قراءة جديدة – هيئة التربية للطباعة والنشر 2006م. الصفحات (271- 278).
7) لمزيد من التفاصيل راجع الاتفاقية الشاملة للسلام "نيفاشا 2005".
8) راجع الوثائق المتعلقة بالاتفاقية الشاملة للسلام (CPA) نيفاشا، والدستور الانتقالي 2005م.
9) أنظر تفاصيل الورقة العلمية لـ: حسن الساعوري. جهود المؤسسية السياسية في نظام الإنقاذ. وهي ورقة مقدمة مقدمة للحوار حول واقع المؤسسة السياسية في السودان في إطار مداولات المؤتمر العلمي السنوي الثاني لجمعية العلوم السياسية المنعقد بقاعة الشارقة، جامعة الخرطوم في الفترة من : 25- 26 يناير 2010م.
10) راجع تقييم عوض السيد الكرسني لواقع المؤسسية السياسية في السودان للفترة ما بعد نيفاشا 2005م في ورقة علمية بعنوان: ما بعد نيفاشا: نحو تطوير مؤسسية النظام السياسي السوداني. المؤتمر العلمي السنوي الثاني. الجمعية السودانية للعلوم السياسية. قاعة الشارقة، جامعة الخرطوم 25- 26 يناير 2010م.
11) راجع بالتفصيل الورقة التي قدمها محمد مجذوب محمد صالح لتقييم واقع العمل المؤسسي الإسلامي السوداني بعنوان: أوضاع العلاقات المؤسسية في الحركة الإسلامية السودانية. المؤتمر العلمي السنوي الثاني للجمعية السودانية للعلوم الإدارية 25- 26 يناير 2010م وهي ورقة تأصيلية ثرة بالمعرفة عن الولاية والرعاية والتنظيم في الدولة المعاصرة أو الحديثة وكيفية إدارة التنوع الاجتماعي السوداني من منطلق فكر تنظيمي حركي مرن يتجاوز المنهج الإسلامي التقليدي للنظرة الدولة والدين والمجتمع.
12) ملحوظة: إذا راجع المرء قوانين ولوائح الحزمة منذ الاستعمار البريطاني وللفترة ما بعد الاستقلال أن المشرع يضع نصب عينيه مبدأ الجدارة والاستحقاق الوظيفي Merit System كأساس لعملية الاختيار والتعيين في الخدمة العامة في فرعيها المدني والنظامي. إلا أن الخلل في عدم الالتزام به في كثيراً من الحالات للفترة ما بعد الاستقلال من بعض النُظُم الشمولية ذات الحزب أو الكيان السياسي الواحد، قد أحدث شروخاً عميقة في هذا المرفق الهام المسئول عن إدارة الدولة بموضوعية وحيادية كبيرة. فقد أخلت بعض النُظُم الإدارية التي حكمت الإنقاذ في عهد ثورة اكتوبر وثورة مايو وثورة الإنقاذ الوطني كثيراً بمبدأ الحياد السياسي، بل رفضته، علماً أو جهلاً بمفهومه لا أدري بالضبط، ولكن ما أعرفه أن الولاء للنظام الحاكم أو الحزب أو الكيان الحاكم أو حتى الطائفة أو القبيلة أصبح أحد المعايير الأصيلة في الاستيعاب للخدمة العامة حتى على المستوى السيادي الحساس في الدولة. وهذا أحد الأسباب التي أدت إلى تنشيط قوى الطرد الإقليمية من المركز والمناداة بالمحاصصة والتخصيص للموارد والثروة في الموازنات العامة. ومن ثم اختلط الحابل بالنابل واتسع الخرق على الرافع. وهذا ما نود أن نشير إلى ضرورة اصلاحه في الفترة ما بعد نيفاشا 2005م وكل الاتفاقيات التي تصبو للسلام الشامل والتنموية المتوازنة المستدامة في أيامنا المقبلة الزاهرة بإجماع أهل السودان واحترامهم للحقوق والواجبات ومباديء الحكم الصالح في دستور شامل ومتفق عليه، محترم ومهاب.
13) د. محمد أحمد محمداني، مؤسسية علاقات السلطة البينية في الفيدرالية السودانية- المؤتمر السنوي العلمي الثاني لجمعية العلوم السياسية. سبق ذكره.
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية الأنماط الإدارية في السودان لمستويات الحكم دون المركز (الحكم اللامركزي) النظام الاتحادي بين التماسك القومي والتفكيك الإقليمي الأطر النظرية وواقع الممارسة 1993-2009م : اقتراح مشروع إعادة هيكلة المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim