القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > حركة الإخوان الجمهوريين بالسودان: الاتجاهات والمآلات

حركة الإخوان الجمهوريين بالسودان: الاتجاهات والمآلات

حركة الإخوان الجمهوريين بالسودان: الاتجاهات والمآلات
د. قيصر موسي الزين
مقدمة :

يرمي هذا البحث إلى تلمس الخطوط العريضة الخاصة بواحدة من التجارب السودانية السياسية الفكرية الدينية، تلك المتعلقة بما سماه "الظاهرة الجمهورية " وهذا التعبير يعني " الحركة الجمهورية " بقيادة محمود محمد طه – دون فصل بين نشاطها العملي وفكرها – وما أثارته من تيارات مضادة في شكل ردود أفعال وما أحدثته من تأثيرات، وذلك في إطار ومبنى ودينامية التطور في السودان المعاصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويهدف البحث إلى تلمس الخطوط العريضة في هذا الموضوع معتمداً على توفير الإشارات الخاصة بالنقاط ذات الدلالة، وهو مبحث متعدد المداخل تقوم منهجيته على السوسيولوجيا والسوسيولوجيا التاريخية مع الاستعانة بمناهج تحليل أخرى – سياسية، تاريخية، فلسفية – وما إلى ذلك، وتركز الدراسة على المداخل " الظاهراتية " والوظيفية في التحليل – وليس من ضمن أهدافها إصدار أي أحكام قيمية – دينية أو فلسفية – على تلك الحركة وفكرها، فمنظورها يقتصر على محاولة فهم حركة المجتمع السوداني من خلال تناول هذه الجزئية المحدودة ، التي تمثلها الظاهرة المشار إليها.
وتقوم الدراسة على فقرات: أولها إشارة نظرية إلى خلفية.
وثانيها دراسة الكتيبات في وحول الحركة الجمهورية وذلك باعتبارين: الأول: كونها من صميم " الظاهرة "، والثاني: كونها مصادر للدراسات عامة حول الموضوع.
وثالثها: عن سياق الحركة الجمهورية العام ودلالة ظهورها وتطورها.
ورابعها: عن دور الفرد والجماعة والمجتمع في الحركة الجمهورية.
وخامسها: عن معالم الفكر الجمهوري الأساسية، ذلك بعد المقدمة وقبل الخاتمة، التي تشير بإيجاز إلى مآلات ومستقبل الحركة الجمهورية.
إشارة إلى خلفية:
تنتمي القضايا والظواهر والتطورات والوقائع التي ترد في هذه الدراسة إلى إطار محدد، جغرافي – سياسي – مجتمعي – ثقافي، يمثله القطر السوداني الحالي، وهذا القطر بالأبعاد المشار إليها ليس منعزلاً أو منبتاً عن محيط واسع له اتجاهات مختلفة. إن العالم العربي والإسلامي والإفريقي وما وراء ذلك، وما يدور فيه يتأثر – ويؤثر أحياناً – بما يحدث في تلك العوالم، ولكن دون أن يفقد القطر خصوصيته، ومن ناحية أخرى فإن القطر نفسه يمثل عالماً متسعاً متنوعاً، ومع ذلك فهو يتمتع بمركزية سكانية واقتصادية وسياسية وثقافية قوية – على أهمية هوامشه وأطرافه ودينامية اتصالها بمركزه وتأثيرها عليه وتأثرها به، وفي دائرة المركز الجغرافي توجد كذلك تباينات أثنية وطبقية بل وشرائحية داخل كل من تلك الطبقات، التي لا تزال متداخلة وغير منعزلة عن بعضها بعضاً. والقطر في مرحلة انتقال وتلمس لأشكال وأطر أكثر استقراراً تضبط غاياته وتوجهاته الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية والتقنية – الدينية وغيرها وذلك بطبيعة المجتمع الإنساني، لا يتم إلا بصورة نسبية، ومن ضمن التيارات والجماعات المتعددة في الوسط المركزي وفي إطار محاولات التبلور النسبية نجد جماعات الصفوة الحضرية والحفرية، الريفية تحتل دوراً بارزاً في الحراك أو الدينامية المشار إليها – التي تتصل فيها " الايدولوجيا" ب( التكتل) ب " الفعل " في تداخل مستمر وهذه الدراسة متخصصة في تناول طرف واحد من أطراف تلك المعادلات المتشابكة، وهو الحركة الجمهورية وبالرغم من ضعف تأثير هذه الحركة على البلورة المشار إليها، إلا أن لها قيمة نوعية فيما يتعلق بالدلالة على اتجاهات التطور نحو المستقبل.
الكتابات في حول الحركة الجمهورية :
مصادر ومناهج دراسة الحركة الجمهورية
يتصل منهج أي دراسة أكاديمية بصورة وثيقة بموضوعها، ولا يمكن تحديد المنهج بدون تحديد الموضوع بدقة، ولا تمثل " الحركة الجمهورية " موضوعاً واحداً للدراسة إذ أنها حقل كبير يستوعب عدداً كبيراً من المواضيع والدراسات، ومن ذلك أنه يمكن تناولها من منظور الرؤية الدينية والفكرية، وهذه الرؤية بدورها تشمل عدداً كبيراً من المداخل المختلفة – مثل التناول القائم على مرتكز عقائدي دوغمائي، أو التناول القائم على منظور تحرري ليبرالي ديني، أو ذلك القائم على أساس فلسفي غير كلامي وغير لاهوتي، أو ذلك القائم على منظور استعباري صوفي، أو علم نفس ديني أو علم اجتماع ديني .. الخ .. كما يمكن تناولها من منظور الرؤية التاريخية، أو الرؤية السياسية، أو الرؤية السوسيولوجية، أو من منطلق منهج تحليل النصوص، وتختلف مناهج الدراسة في هذا الحقل وفقاً لاختلاف الموضوع والمنهج الخاص به، ومع ذلك توجد دائماً مصادر أساسية مشتركة ويسري هذا بصورة أساسية على المصادر الأولية، وتأتي على رأس هذه المصادر الأولية مؤلفات محمود محمد طه، باعتباره قلب تلك الحركة، منتج فكرها الرئيس ومنظمها وراعيها، حتى تنفيذ حكم الإعدام عليه.
ومؤلفات الأستاذ محمود من نوعين: كتب متوسطة الحجم، وكتيبات صغيرة، وهي ظاهرة التباين فيما تطرحه من مواضيع – خاصة وأن جانبا منها جاء استجابة لمستجدات وأحداث (1) من ناحية أخرى فإن بعضها يتعلق بمواضيع فكرية أساسية لا علاقة لها بالتطورات الواقعية حوله(2) وهي بذلك تختلف عن النوع الأول الذي حول أشخاص وأحداث وقعت خلال مسيرة محمود الصراعية، ومن بين كتبه الفكرية الأساسية " لا إله إلا الله : رسالة الصلاة، تعلموا كيف تصلون، طريق محمد " الرسالة الثانية في الإسلام، تطوير شريعة الأحوال الشخصية، الإسلام والفنون الجميلة، القرآن ومصطفي محمود، والفهم الصحوي . رسائل ومقالات – الماركسية في الميزان، الدين والتنمية الاجتماعية " الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين – مشكلة الشرق الأوسط، وقد صدر معظم هذه الكتب في الفترة بين عامي 1966- 1974 وهي فترة تمتعت فيها الحركة الجمهورية بحريات واسعة، خلال الحكم الحزبي الليبرالي 1964 – 1969 ومعظم فترة حكم مايو – حينما كانت تلك الحركة مؤيدة لذلك النظام (3).
وجانب من هذه الكتب كان في الأصل محاضرات مثل كتاب "لا إله إلا الله" أو أقرب إلى النشرات في صورة كتيبات، ويعود هذا إلى الطبيعة الدعوية للحركة الجمهورية – أو بعبارة أخري التبشيرية (4) وهذا الجانب تعكسه بصورة أكبر طائفة أخرى من كتابات الجمهوريين صدرت باسم الأخوان الجمهوريون، وفي أحيان قليلة باسم الحزب الجمهوري، أو رابطة الفكر الجمهوري (5) وهي قد كتبت أو صدرت بإشراف محمود نفسه – قد كان يسيطر بصورة كاملة على كل النشاطات الفكرية وغيرها داخل جماعته، ومن هذه الكتب زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان الثقافة الغربية والإسلام، الذي صدر باسم الحزب الجمهوري ولكن من الواضح أن كاتبه هو الأستاذ محمود نفسه، وهذا الكتاب مخصص لتناول آراء د. حسن الترابي حول الأزمة الدستورية في السودان التي أعقبت حل الحزب الشيوعي عام 1965، وقد صدر بعد حوالي عشرة أعوام في عام 1976 م بعد ما عُرف بأحداث يوليو 1976م كتاب آخر باسم " الأخوان الجمهوريون " فخصص للهجوم على زعيم حزب الأمة والأنصار: الصادق المهدي، وشملت نشرات الأخوان الجمهوريون " الهجوم على شخصيات دينية بارزة ومؤثرة مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي: "هذا هو الشيخ محمد متولي الشعراوي". وقبل ذلك عام 1975م ورد منشور في نفس الاتجاه ضد القضاة الشرعيين باسم الأخوان الجمهورية وهو كذلك نفس اتجاه الحملات العنيفة التي شنها الجمهوريون ضد "الجامعة الإسلامية" ومن أسموهم بالدعاة السلفيين. وفي هذا السياق صدرت عدة كتيبات وواحد منها كتبه محمود نفسه – ضد محكمة الردة وهي التسمية التي درج الجمهوريون على إطلاقها على محكمة الخرطوم الشرعية العليا التي أصدرت يوم 18/11/1968 حكماً بالردة على محمود محمد طه. ويبدو أن أثر ذلك كان قاسياً وعميقاً على الجمهوريين حتى أنهم أخذوا يصدرون كتيبات سنوية في ذكرى ذلك اليوم ينددون فيها بالحكم ومن قام بالادعاء ( الأمين داؤود وحسين محمد زكي ). وكذلك بالقضاء الشرعي ذلك مع ملاحظة أن تلك المحاكمة لم تكن تملك سلطة تنفيذ أحكامها وأنها كانت معنوية في المقام الأول، مع أن ما أصدرته من أحكام كانت بداية الطريق نحو تنفيذ حكم الإعدام على محمود بعد حوالي ستة عشر عاماً فقط، في 18/1/1985م. ويمكن ملاحظة أن رسائل " الأخوان الجمهوريين " كانت تعني – عكس كتابات محمود – بالتجاوب مع وقائع الأحداث والصراع بين الحركة الجمهورية وخصومها أكثر من عنايتها بالفكر التأملي المتعمق، ذلك مع طابعها التبشيري الذي لخص أفكار الحركة في شعارات مثل انتهازية الأخوان المسلمين – يكذبون على الشعب ويضللونه باسم الإسلام – الزي عنوان عقل المرأة وخلقها – هذه ليست بجامعة – الفكرة الجمهورية هي الإسلام- وهكذا.
وهذه النشرات كانت مصحوبة بحلقات نقاش تعقد في الجامعات و الأسواق والطرقات الرئيسية في مدن الخرطوم وغيرها وتحاول أن تربط الاتجاهات المثالية والنظرية بالواقع اليومي – رغم التناقض بين الاتجاهين ويعتبر ما صدر باسم الأخوان الجمهوريون بعنوان " عودة للمسيح 1980 والمسيح 1982 استثناء لتركيزهما على الفكر الأساسي وفي هذا السياق صدرت عن الأخوان الجمهوريون كتيب في موضوع نادر في طرحهم الفكري، وهو عن الضائقة الاقتصادية عام 1981م – وذلك في أخريات أيام تأييدهم للنظام المايوي، الذي أخذ في الابتعاد عنهم في توجهه نحو ما كانوا يسمونه بالفكر السلفي الديني وقد توج ذلك بإصدار ذلك النظام لقوانين سبتمبر 1983م الإسلامية التي كانت مفترق الطريق بين الجمهوريين والنظام المايوي، ولم تتوقف إصدارات الأخوان الجمهوريون بتنفيذ حكم الإعدام في محمود ولكنها دخلت في مرحلة جديدة، وأصبحت تدور حول محاكمته وإعدامه خلال فترة الحزبية الثالثة في السودان 1985- 1989 ومنها د. عبد الله الطيب المجذوب ومواقف الأستاذ محمود محمد طه" حيثيات المحكمة العليا في قضية الأستاذ محمود محمد طه، ماذا قال العالم عن الأستاذ محمود " الكيد السياسي والمحكمة الهزلية، ويبدو أن خلفاء محمود قد قرروا تجميد نشاطهم العلني لإحساسهم بخطورة وضعهم بعد قيام نظام الإنقاذ بقيادة جانب من أعدائهم السياسيين، وكان هذا سبباً في توقف النشرات والكتابات الجمهورية إلا على صفحات الانترنت، ذلك على وجه عام، وهذا لا يعني توقف الحركة ولكنها انتقلت إلى مرحلة سرية.
في الحديث عن مصادر دراسة الحركة الجمهورية لابد من الإشارة إلى نوع آخر من المادة الفكرية التي بثها " الجمهوريون: في الفضاء الثقافي والاجتماعي السوداني وهي " الشعر العرفاني "، ويدور عن الحب الإلهي في صورة وجدانيات تتخللها بعض الأفكار والاتجاهات الدعوية، وقد تم خرج التراث الصوفي المتمثل في أشعار ابن الفارض، وعبد الغني النابلسي، والسهروردي، والشهرزوري، من قلب العالم الإسلامي في مصر والعراق والشام وإيران، بأشعار متصوفة سودانيين مثل الشيخ قريب الله السماني، وبابكر ود المتعارض من أبرز شعراء الطريقة الختمية في الماضي، وتم مزج ذلك بأشعار جمهوريين، كان نصيب الأسد فيها لعوض الكريم موسي (5) وكانت هذه الأشعار تنشر، بعد تسجيلها في جلسات بالإنشاد والتنغيم ، وهو تراث ضخم ذو فاعلية كبيرة في تعميق أفكار الحركة وصياغة نفسية وذهنية الفرد الجمهوري بمنهج غير عقلي أو جدلي يعتمد على الإحساس واستخدام المؤثرات الفنية، وقد كان محتوى هذا الشعر عن العذاب والنشوة الروحية في تجارب " الحب " من مستوي البشرية إلى الألوهية – والغناء الصوفي بدحض الذات الإنسانية والعالم الواقعي وارتقاب " المخلص " في هذا السياق ، وكان ذلك يتم في مناخ تواصل نفسي وجداني في حركة تقوم علي " الاخوانيات " ولا تفرق في ذلك بين الجنسين.
الشق الآخر من مصادر دراسة الحركة الجمهورية والذي يمكن وضعه في إطار المصادر الثانوية – هنا علي وجه التحديد – يتمثل في كتابات غير الجمهوريين والغالب الأعظم منها يمكن تصنفيه إلي قسمين: كتابات المعارضين وكتابات المتعاطفين، ويلاحظ ضآلة كتابات المحايدين في هذا السياق، ويعكس ذلك طبيعة الانقسام الحاد حول الحركة في المجتمع السوداني.
يبدو من الوهلة الأولي أن كتابات المعارضين للحركة الجمهورية تتشابه من منطلقاتها ونتائجها، غير أن ذلك غير دقيق بالنسبة للتحليل المستقصي، وبالرغم من أن هذه الكتابات تأخذ اتجاها عاما نحو الحكم علي الفكر الجمهوري بالخروج عن إطار الإسلام واتهام الحركة الجمهورية بالعمل علي تقويض الدين الإسلامي وسط المسلمين في السودان، وأنها جميعها ترتكز على المنظور الديني في نقد حركة ذات أبعاد متعددة، دينية، واجتماعية وسياسية ويستثنى من ذلك القليل الذي كتبه مؤلفون يشاركون الجمهوريين مواقفهم ضد أعدائهم من الإسلاميين (6) بالرغم من ذلك فإن المعارضة الفكرية الدينية للحركة الجمهورية انطلقت من اتجاهات فكرية ومنهجية متباينة، وهو تباين يعكس التنوع في تركيب تلك التيارات من الناحيتين الفكرية والاجتماعية، وقد كان من أبرز المنتقدين للفكر والحركة الجمهورية علماء الدين الإسلامي في الجامعة الإسلامية، مثل حسن محمد زكي، وقد كتب "القول الفصل في الرد على مهازل محمود محمد طه" وهو المدعي الثاني ضد محمود في محاكمته الأولى وقد سار على نفس اتجاه مجموعة من العلماء العاملين في وزارة الشئون الدينية والأوقاف في فترة الحكم المايوي وقد أصدروا كتاباً بعنوان "الإسلام رسالة خاتمة لا رسالتان : وذلك عام 1977، ويلحق بهؤلاء متأخرون مثل شوقي بشير عبد المجيد، وهو بالإضافة إلي كونه من أساتذة جامعة أمدرمان الإسلامية ينتمي إلى التيار الفكري السياسي الذي يقوده حسن الترابي، وقد كتب شوقي بشير " منهج الجمهوريين في تحريف القرآن الكريم " وقد صدر عام 1986م، وهو يواصل الكتابة في الموضوع وقد نشر عام 2005 في مجلة دراسات دعوية التي تصدرها جامعة إفريقيا العالمية مقالا بعنوان " التأويل الباطني عند فرقة الجمهوريين في السودان " وهو مستمر في نشر مقالات صحفية في هذا الاتجاه. وفي العادة يطلق الجمهوريون على هذه المدرسة تسميات مثل رجال الدين السلفيين أو التقليديين .. الخ..
وتتصف هذه المدرسة بأنها تتحدث حول الموضوع من منصة أو موقع سلطوي – وليس المقصود هنا سلطة الدولة ولكن سلطة المؤسسات الدينية، مثل جماعة علماء السودان، والجامعة الإسلامية، القضاء الشرعي، إلى إصدار الفتاوى والأحكام وفقاً لمرجعية إسلامية علمية تقوم منهج علماء السنة ( أول أهل السنة ) (7) وذلك بالاستناد على معطيات علوم القرآن، والتفسير، والحديث والعقيدة، وقد توصلت هذه المدرسة إلي فساد العقيدة الجمهورية في ركن أساسي متعلق بالألوهية، ويتصل بذلك فساد منهجها في الاستدلال من النصوص الإسلامية، على رأسها القرآن الكريم، إضافة إلى اعتمادها على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد شكل علماء هذه المدرسة، أساس المحكمتين في 1968 و1985م وقد لاقى أحكام المحاكمة الثانية تحت نظر المهلاوي ( قاضي محكمة الموضوع ) والمكاشفي ( قاضي محكمة الاستئناف ) حظها في التنفيذ للملابسات السياسية القائمة على مهاجمة محمود العملية، على مستوى الشارع، للنظام المايوي وهو في قمة أزمته السياسية وشعوره بخطر السقوط بالإضافة إلى هذه المدرسة، ومعظمها من المتخرجين من كليات العلوم الشرعية.
برزت مدرسة أخرى معارضة للفكر والحركة الجمهورية بقيادة مفكرين إسلاميين من ذوي الخلفية الفلسفية ومن أبرز هؤلاء جعفر شيخ إدريس (8) الذي قدم في هذا الاتجاه محاضرات عديدة، نشر منها في كتب محاضرة بعنوان " الإسلام رسالة واحدة " وجعفر أستاذ الفلسفة هو أيضاً من علماء السنة المرتكزين على مرجعية الاستدلال الشرعي من نصوص القرآن والسنة – مع ملاحظة قوة اهتمامه بالحديث النبوي مقارنة باهتمام أصحاب المدرسة الأولى لمقررات العلوم الشرعية المدرسية، يضاف إلى ذلك استخدام جعفر شيخ إدريس للأساليب المنطقية في نقد الفكر الجمهوري والسخرية منه في سياق من المساجلات الكلامية، ولكن دون أن تخرج من منطلقاته السنية – السلفية –
ويمكن أن يدخل في إطار مدرسة جعفر هذه مفكر آخر قوي الاهتمام بالفلسفة الغربية والإسلامية وعلم الكلام بالإضافة إلى خلفيته الصوفية وإلمامه بالعلوم الشرعية، وهو عبد الجبار المبارك موسي، ويتميز عبد الجبار بالأسلوب الحواري الدقيق المبتعد عن الحدة والتجريح بخلاف اتجاه المدرسة السلطوية الأولي – بالرغم من أنه قد لا يختلف معها في الرفض المنهجي لنتائج الفكر الجمهوري ويمكن ملاحظة تأثير ثقافته الصوفية القوية في تمييزه عن المدرسة الأولى وحتى عن اتجاه جعفر شيخ إدريس الفلسفي – المنطقي وكتابه الأساسي في هذا السياق هو " الفكرة الجمهورية في الميزان ".
ويمكن إضافة النور محمد أحمد إلي هذا الاتجاه الفلسفي ، وقد كتب دراسة موجزة مركزة في رفض الفكر الجمهوري من منطلق ديني إسلامي ، وذلك بعنوان " الفكر الجمهوري تحت المجهر " وقد تميز هذا العمل المهم بتطبيق منهج تحليل النص الديني ولفت النظر إلى محورية " المصطلح" وكيفية استخدام محمود له لبناء فكر ديني مغاير لما هو معروف عن الإسلام عند أهل السنة – ولكن دون أن يستخدم مصطلح أهل السنة أصلاً (9).
وهناك من كتب عن آراء محمود في قضايا جزئية دون بروز منهج متماسك أو واضح في كتابته ، مثل عبد السميع حيدر الذي ركز على قضية " المسيح " في كتابه بعنوان " محمود محمد طه " الرجل الذي أراد محاسبة الناس يوم القيامة(10)، وذلك من نوع الكتابات القائمة على رد الفعل في السياق اللحظي للمجادلات بين الجمهوريين وغيرهم، وقد كتب هذا الكتيب بعيد إعدام محمود وهو لا يخرج عن الإطار العام التكفيري الذي يرى في محمود مدعياً للألوهية.
تتمثل كتابات المتعاطفين (11) مع الحركة الجمهورية أساساً في دراسات قام بها بعض الجمهوريين – مثل عبد الله أحمد النعيم – أو من بين أفراد الاتجاه الليبرالي الذي يدعو إلى الدفاع عن الحريات ، مثل حيدر إبراهيم علي، ومحمد أحمد محمود، وعلم الدين عمر، وغيرهم، ويغلب على هؤلاء الكتاب من غير الجمهوريين احترام الفكر الجمهوري مع عدم الاتفاق معه. ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء عبد الله الطيب، وهو من أركان التيار الديني الثقافي السني السلفي في السودان، وقد عبر عن موقفه شعرا بقصيدة في رثاء محمود (12) ضمنها كثير من الإشارات التي تضع آراء محمود محمد طه ضمن دائرة الخلاف في الرأي المشروع بين المسلمين، وتضع خصومه، ممن ساهموا في إصدار حكم وتنفيذ الإعدام فيه في عداد الأشرار. ويمكن أيضاً وضع كتابات محمد خير علي عيسى، وهو جمهوري سابق – ضمن الكتابات المتعاطفة مع الحركة والفكرة الجمهورية رغم اتجاهها النقدي (13) وهو يتهم محمود محمد طه بالتكرار بعد الرسالة الثانية عام 1967، وبالمبالغة في فرض الوصاية على أتباعه، الذين اتصفوا، في رأيه بالتعصب المذهبي والثقة المبالغ فيها في زعيمهم (14) وفي رأيه أن ما ذهب إليه محمود حول آيات الأصول غير صحيح لأن ما اعتبره أصولاً هو عبارة عن فروع (15)، فالأصول لا يعتريها النسخ وهي الآيات التي تنص على أن القرآن الكريم غير متناه لأن كلمات الله لا تنفذ، وذلك هو الضمان الوحيد لاستمرار الاجتهاد في أي زمان وهو يرى أن ما يأتي به محمود هو اجتهاد يقبل الحكم بالخطأ أو الصواب لأنه لا يأتي من وحي من السموات ولكنه يأتي من وحي من الفكر، ويمكن القول أن محيسي، الذي كتب " القرآن هو هذا الوجود " "ونقد بين الفكر والدين"، و" الفكر بين الله والعبادة" و"محمود محمد طه بين الأصالة والشك"، يأتي امتدادا للفكر الجمهوري ، وعلى أساس، منهجه، في إطاراته العامة مع اختلافه في التفاصيل، وهو يمثل دليلاً على إمكانية خروج مدارس متباينة من هذا الفكر في مقبل الأيام، ولم تكن الحركة الجمهورية في إطار فترة محمود وفترة الصدمة التي أعقبت مقتله بقادرة على مثل هذا التطور، لأسباب منها أن مرحلتها التأسيسية تلك، وطبيعة تنظيمها الداخلي المحكم وطابع الاستلاب النفسي في علاقة " الزعيم المقدس " مع الأتباع لم تكن تسمح بذلك.
بالإضافة إلى ما سبق توجد أعمال أكاديمية محدودة عن الحركة الجمهورية، ورغم طابعها الأكاديمي فإنها في معظمها تصب في خانة التعاطف مع الحركة الجمهورية – مثل ما كتبه حيدر بدوي الصادق، عن الأخوات الجمهوريات والأخوان الجمهوريون، وقد كتبهما في إطار شعبة علم الاجتماع بجامعة الخرطوم عامي 1987 – 1988 تحت ظل انتمائه للحركة الجمهورية وكان المبحث الأول في الدبلوم والثاني رسالة ماجستير. ويأتي في هذا السياق بحث مصطفي عمر الجيلي في الدكتوراه ( الولايات المتحدة- جامعة كلارك ) وهو في الجغرافيا عن مشكلة الجفاف جلها من وجهة نظر فكر محمود محمد طه- عام 1987، ويمكن أيضاً الإشارة إلى بحث الدبلوم لياسر خضر محمود بعنوان " النشاط الفكري والسياسي للأخوان الجمهوريين في الفترة 1969 – 1985 – عام 1989. وبحث الدبلوم لإنصاف أبكر أحمد، بعنوان "العبادة عند الجمهوريين". وبحث الدبلوم أيضاً لبهجة جلال الدين محمد سليمان بعنوان " المرأة في الفكر الجمهوري " 1996، والتقرير المقدم لمؤتمر الحركة الوطنية السودانية عام 1986 بعنوان " دور الحزب الجمهوري في الحركة الوطنية 1945 -1956 وقد تمت الأعمال الخمسة الأخيرة في إطار معهد الدراسات الأفريقية، بعضها تحت إشراف كاتب هذه الدراسة ( إنصاف وبهجة وقد أشرفت د. محاسن عبد القادر حاج الصافي على بحث ياسر ويمكن هنا أيضاً الإشارة إلى رسالة الماجستير للباحث الألماني يورجين روجالسكي وقد قدم في جامعة برلين الحرة، وترجم أجزاء من د. حيدر إبراهيم علي في الكتاب المشترك بينه وبين آخرين بعنوان " الأستاذ محمود محمد طه : رائد التجديد الديني في السودان " وقد صدر عام 1992م. وقد قدم كاتب هذه الدراسة في مؤتمر التصوف في السودان الذي نظمته جامعة بيرغن ودار الوثائق السودانية ومعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية عام 1993 دراسة مقارنة.
لابد من الإشارة هنا إلى الهدف المزدوج في هذه الدراسة من التعرض للمؤلفات السابقة، فهو بيان مصادر دراسة، الحركة الجمهورية من ناحية ومن ناحية أخرى بيان مدى الثراء الفكري والحراك الاجتماعي – الفكري والسياسي الذي تسببت فيه هذه الحركة في الفترة بين عامي 1945 – 1985 وذلك جزء من ما سمته الدراسة الظاهرة الجمهورية. والواقع أن الاقتصار على هذه الفترة دون التعرض لما قبلها في العمق التاريخي القريب والمتوسط والبعيد وكذلك ما بعدها لا بد أن يحجب قدراً مهماً من الدلالات والمعطيات اللازمة للفهم المتعمق للدينامية الفكرية الاجتماعية – الثقافية السياسية في السودان وآليات تحقق تلك الدينامية وقد يفيد قليلاً هنا التعرض للسياق العام الذي ظهرت وترعرعت فيه هذه الحركة.
سياق الحركة الجمهورية العام ودلالة ظهورها وتطورها :
ظهرت الحركة الجمهورية في المرحلة الانتقالية بين نهاية الحقبة الاستعمارية وبداية الحقبة الوطنية في تاريخ السودان المعاصر، وقد عكست هذه الفترة الحيرة السياسية – الفكرية التي سادت القيادات السياسية الصفوية في السودان حول تحديد وصيانة مهام وأهداف الدولة – المجتمع الجديد وتحديد مرجعيات ذلك: هل تتمثل في المدينة الحديثة ومعطيات الفكر الإنساني؟ أم في المصادر الإسلامية؟ وبأي منهم ومرجعية لتلك المصادر؟ أم أن ذلك لا يتعلق بالكتب والأفكار وإنما يتعلق بمهارات الحكم والإدارة ومنطق وحاجات الواقع.؟ أم هو مزيج مما سبق .؟ ولم تكن الفترة التي تم تأسيس الحزب الجمهوري فيها – أكتوبر 1945 – خارج إرهاصات الاستقلال، الذي أصبح تحقيقه مجرد مسألة وقت بعد أن ظهرت رغبة المستعمرين أنفسهم في ذلك (16). لذلك لم تكن الأجواء السياسية بالنسبة للوطنيين مأساوية قاتمة كما كانت بالنسبة لهم عام 1924 وكانت قيادات القوى الجديدة التي ظهرت بين عامي 1944 و1946 (الأمة، الأحزاب الاتحادية، الشيوعيون، الإخوان المسلمون، الجمهوريون .. الخ) وهي تتحدث لغة مقاومة الاستعمار، تتطلع إلى وضعها في مرحلة ما بعد الاستعمار وما يمكن توقعه من صراع بينها حول السلطة تحت ظل الحكم الوطني المستقل، وكانت القوتان الأساسيتان ( الأنصار والختمية وتعبيراتهما الحزبية، ترتكزان علي الريف بتكوينه العشائر التقليدي، وكانت التطورات في ما يخصهما تجري وفقا لتدبيرات الإدارة البريطانية الإستعمارية، مع استقلال كل منهما النسبي عن تلك الإدارة، واختلاف أجندته، غير أن التطورات الحضرية وبروز المدن الجديدة والتحول باتجاه التحديث في المدن التقليدية قد أدى إلى بروز قوى جديدة لم تكن مأذونة بالعمل السياسي بواسطة السلطات الاستعمارية، وقد كانت الأيدولوجيا من لوازم قيام وتطور وتوسع هذه المجموعات الحضرية ومع أن مثل هذه الأيدولوجيا تظهر عادة في صورة أحلام مثالية ورؤى فكرية منسقة، إلا أنه لا يمكن هنا، برؤية التحليل الواقعي، إغفال النظر عن الدوافع غير المثالية التي حركت المجموعات والأفراد في هذا السياق، مثل التطلع والطموح والعوامل النفس – اجتماعية ( ولا يمكن هنا حذف العوامل الاقتصادية والاجتماعية خاصة وأن معظم زعماء التيارات والجماعات الجديدة كانوا في مرحلة الشباب ( كان محمود محمد طه عند إنشائه الحزب الجمهوري في حدود منتصف الثلاثينات من العمر ) .
ولا يمكن النظر إلي السياق المشار إليه من وجهة النظر المهتمة بتلك القيادة الصفوية فقط ، ولابد من التوازن في النظرة بين هذا الجانب وبين جانب المجتمع العريض ومستوياته القاعدية ، التي لا يمكن التأثير عليها بمعزل عن تحقيق حاجاتها المختلفة ومعالجة وضع ( الأزمة ) (17) الخاص بها – خاصة وأن هذه التطورات تأتي رتق آثار الهزيمة التاريخية في كرري 1898 بآثارها المعنوية المنسحبة علي أكثر من جيل بعدها ، وقد كانت تعني تلك الهزيمة إفلاس الرؤى والمؤسسات التقليدية التي كانت تحت هيمنة الزعامات الدينية المنتمية إلى القرن التاسع عشر، وكان الاضطراب وسط الشرائح الاجتماعية – ومنها النخبوية – يعني بالضرورة اضطراب الأفراد الذين يصعدهم النظام الاجتماعي إلى مستوى القيادة الفكرية والسياسية، وكان التكيف الناجح المطلوب يقتضي، بالنسبة للأفراد والمجتمعات معاً، الصمود في وجه الزلزلة الثقافية : التي أوجدها الغزو العسكري الثقافي والخلخلة الاجتماعية الناجمة عن ذلك، وفقدان الثقة في " الذات " والانقسام تجاه " الآخر " بحكم كونه قاهراً وظالماً من ناحية ومتفوقا حضاريا من ناحية أخري ، ولم تكن الأيدولوجيا التقليدية تستطيع فعل ذلك في الأوساط الحضرية النامية وكانت الحاجة الاجتماعية الوظيفية تقتضي تجاوزها وتقـتضي تطوير شخصيات قيادية جديدة مؤهلة للقيام بدور " البطولة " مثلما حدث في حالة محمد أحمد المهدي الذي ارتبط بسياق مختلف سادته " أزمة " مختلفة إلى حد ما ، في نفس الإطار المكاني، وإلى حد ما في نفس الإطار الاجتماعي، في هذا السياق حدثت تكيفات مختلفة، خلقت تيارات وجماعات وقيادات متباينة، كان من بينها محمود وجماعته وفي هذا السياق الاجتماعي يمكن النظر لبعد دور الفرد الذي أحبه محمود محمد طه النظر في هذه الحركة المختلفة عن أخواتها في نفس السياق الاجتماعي.

دور الفرد والجماعة والمجتمع في الحركة الجمهورية
المدخل الطبيعي في هذا الجزء من المعالجة هو التعريف بشخصية محمود، غير أن ذلك لا يمكن أن يتم هنا إلا بإيجاز شديد ومسألة صياغة سيرته الشخصية لا يمكن التسليم فيها بما ورد من خلاصات قدمتها الحركة الجمهورية – أو غيرها هو متوفر حاليا لأن صياغة السيرة الشخصية تمثل مرحلة مهمة في تحليل الشخصية ودورها الاجتماعي والتاريخي، ولا بد أن تتم بدقة أكثر مما تفعل به، وكذلك الصياغات الرسمية وإذا لخصنا تلك الصياغات الرسمية فيما ما يتعلق بالوقائع الصلبة (18) يمكن القول: إن محمود محمد طه ولد عام 1909 ببلدة رفاعة وتعلم فيها في مرحلتي الأولية، والوسطى، ثم انتقل للدراسة بالخرطوم في كلية غردون التذكارية وتخرج مهندساً عام 1941 ثم تحول للعمل الخاص مستقلاً عن الحكومة، وكان متصلاً بموطنه رفاعة، حتى أنه قاد فيها ما يشبه الانتفاضة ضد السلطات الاستعمارية – عرفت بحادث رفاعة (19) وذلك ضد قانون الخفاض الفرعوني، واعتقال امرأة قامت بختان طفلة، وكان ذلك عام 1946 وقد أنشأ مع آخرين الحزب الجمهوري قبل ذلك في أكتوبر 1945، أي أن حادث رفاعة كان أول نشاط بارز لهذه الحركة بعد إنشاء الحزب الجمهوري، وقد تكرر استجواب وسجن محمود بسبب نشاطه الجريء خلال هذه الفترة، وأعقب إطلاق سراحه عام 1946 اعتكافه للعبادة لمدة عامين في رفاعة وبعد ذلك في عام 1951 (20) وبدأ بعد ذلك توجهه نحو تطوير الفكر الديني وربطه بفكره وحركته السياسية والاجتماعية، واتسم نشاطه في هذه الفترة بالمواجهة الحادة للجماعات الدينية التقليدية وتعبيراتها السياسية وعندما وقع انقلاب 17 نوفمبر 1958، أصبح على وفاق مع النظام الجديد بسبب عدائه لخصومه من القوى التقليدية، وكذلك لمساحة الحرية المحدودة التي أتيحت له للتبشير الهادي بأفكاره في منتديات المثقفين والمتعلمين، وعند عودة النظام الحزبي بعد حركة أكتوبر 1964 وازدياد وتيرة النشاط السياسي والفكري في السودان، صعد محمود وجماعته من حركتهم العلنية وبدأت قاعدة الحركة في التوسع وفكرها في التبلور والتباعد عن الفهم العام المألوف بالإسلام، وقاد الصراع إلى تجمع العلماء الشرعيين (21) ضده وتقديمه للمحاكمة في الخرطوم عام 1968 وإصدار أحكام غيابية عليه تضمنت إعلان ردته وإجراءات أخرى لم يكن من الممكن تنفيذها.
وعندما وقع انقلاب 25 مايو 1969 أيده محمود وجماعته للموقف السياسي المشترك بينه وبين النظام المايوي ضد القوى المناوئة للحركة الجمهورية، غير أنه حدثت بعض الاحتكاكات في ديسمبر 1976م عندما اعتقل النظام الحاكم محموداً لمدة شهر حتى يناير 1977م بسبب هجومه علي النظام السعودي حليف النظام المايوي، وأخذت الجفوة تزيد بين الحركة الجمهورية والنظام المايوي منذ عام 1981م عندما قويت نزعة النظام المايوي في تبني الشعارات الإسلامية التي تعود الجمهوريون محاربتها باعتبارها لا تمثل الإسلام من وجهة نظرهم، وتصاعدت هذه الجفوة حتى بلغت أوجها بعد إعلان النظام المايوي لبعض القوانين الشرعية الإسلامية في سبتمبر 1983م، وانتهت المواجهات بمحاكمة محمود وبعض معاونيه المقربين، وصدر ضده حكم الإعدام الذي نفذ في 18 يناير 1985م – قبل أقل من ثلاثة شهور من سقوط النظام المايوي.
هذه السيرة لا تتضمن كثيراً من المعلومات الأساسية التي يمكن جمعها الآن حول بيئته – ولا يكفي مجرد القول أنه عاش في بيئة صوفية وكان أخوه الأكبر، مختار، متصوفاً – كذلك عن تاريخ أسرته وجوانب حياته الأخرى في مراحل طفولته وصباه وتفاصيل مجتمع وثقافة المناطق التي عاش فيها في مراحل حياته الأولى وتفاصيل طبيعة الأسرة الممتدة التي رعته بعد فقدان أبويه في مرحلة مبكرة ولابد من التعرف علي الجوانب المضيئة وغير المضيئة في كل ذلك ووصفه تحت مجهر التحليل، والتعرف كذلك على مغزى وأبعاد اعتقاده القوي في نسبه وحسبه، واتصاله في هذا النسب ببعض الشخصيات الصوفية – مثل محمد الهميم من شخصيات طبقات ود ضيف الله، كما هو شائع، أو حسن ود بليل كما يقول بعض المقربين له، (22) وجمع المعلومات هنا وحده لا يكفي بل لا بد أن يصاحب ذلك تطوير منهج ومفاهيم التحليل وينبغي كذلك ألا يقتصر تحليل الشخصية على محمود وحده بل وأن يتجاوزه إلى بعض أفراد جماعته الذين تغيروا عبر مراحل حياته المختلفة ومثل هذه المعلومات المطلوبة لا يمكن الحصول عليها غالباً من مصادر غير التاريخ الشفاهي، مما يستلزم بعض الاعتبارات والتحوطات المنهجية، وبجانب سيرة محمود الشخصية، هناك كثير من الجوانب الغامضة في تاريخ الحركة الجمهورية، فالمؤشرات مثلاً- تدل على أن فترة الاعتكاف منذ 1946 لم تكن تقتصر عليه وإنما كان معه بضعة أفراد آخرين(23) وهناك من يقول إنه عندما خرج من الخلوة أدعى انه " عيسى بن مريم " ولكن ومن المقربين من محمود ينفي ذلك. (24) ولابد كذلك من معرفة كل أبعاد حادث رفاعة، وكيف يتحرك ذلك الجمهور الكبير لتحقيق فكرة " رجعية " بالمنطق الظاهري للجمهوريين، وهي فكرة حماية ختان الإناث الفرعوني، ولن يكون هنا كافياً القول بأن موقف محمود كان موجهاً ضد الاستعمار البريطاني بغض النظر عن مناسبة المواجهة (25) يضاف إلى هذا ضرورة البحث عن كثير من التفاصيل حول علاقة محمود بالجماعات والزعامات الصوفية والباطنية الأخرى، حتى غير السودانية ولابد كذلك من إجابات مستمدة من الالتصاق بواقع محمود وحركته عن مغزى اعتداله الفكري والعملي في جوانب، وتطرفه في جوانب أخرى، مثل تجريده للحركة الدينية المؤسسية في السودان من كل فضيلة واتجاهه نحو تقويض ما سماه بنظام " الأحوال الشخصية" السائد في المجتمع (26) وضع تعدد الزوجات، وإثارة الدخان حول " الطلاق " ولباس المرأة المسلمة، ودرجة اختلاطها بالرجال، وشعارات مثل " العفة في الصدور " وذلك كبديل للضبط الاجتماعي – وسيلة المجتمع الوحيدة العملية لحماية النظام الأخلاقي السلوكي في ما يتعلق بعلاقة الجنسين، ما هو المغزى الاجتماعي لإثارة مثل تلك القضايا وجعلها محوراً أساسياً من محاور حركته الاجتماعية والسياسية؟ لماذا يكون محمود محافظاً وتقليدياً في آرائه حول الحسب والنسب في تحديد الكفاءة عند الزواج؟ وفي تشبثه بالحدود؟ وكذلك في اعتقاده حول بعض الأولياء – مثل السيد الحسن الميرغني (27) وفي التمادي في الغيبيات – من غير ما هو معلوم من الدين بالضرورة عند العلماء والعامة، ويكون متحرراً ومتحللاً في جوانب أخرى عديدة، هي التي ساعدت المجموعات المتشددة على دفعه إلى حبل المشنقة؟ هل كان حبل المشنقة من ضمن رغباته الشخصية. وهل مبرر ذلك يقع في الإطار الصوفي الديني أم الإطار النفسي – الشخصي وما هو مغزى التناقض بين طابع العنف المادي الذي ارتبط بحركته في البداية ثم تحول إلى عنف لفظي، استمر معها حتى اختفائه من الساحة بإعدامه .؟ وبين شعارات السلام والحرية والديمقراطية البارزة في اتجاه الحركة الجمهورية.؟ هذه نماذج لأسئلة أساسية يفيد التحليل النفسي – اجتماعي في تطوير إجابات لها – قد لا تكون شاملة أو نهائية ولكنها مفيدة في محاولة إدراك دور الفرد والشخصية وعلاقته بمجرى أحداث ووقائع هذه الحركة ويساعد ذلك أيضاً في الكشف عن بعض حقائق التكوين والتناقض والأزمة في المجتمع السوداني، وهو البطل الحقيقي الذي أثار هذه القضية وذيولها، وهي على أي حال قضية في غاية من الأهمية والخطورة.
ولابد أن يضع الباحث في الاعتبار هنا أن ظاهرة الحركة الجمهورية في السودان منذ عام 1945 تنتمي جزئياً إلى سلسلة حركات العيسوية، والمسيحيانية القديمة المتجددة في البيئة الاجتماعية والفكرية والسياسية في السودان، غير أنها أوسع من ذلك وتشمل جوانب أخرى في تركيب فريد، وأنها قد تمكنت من بث وتوطين طائفة كبيرة من الأفكار والنزعات في هذه البيئة – هي الآن في طور اختزان وكمون، وسيكون من قبيل التبسيط المخل الاعتقاد أن الحركة الجمهورية هي حركة فرد واحد أو مجموعة صغيرة من أتباعه المعينين، وذلك لأنها كانت في الواقع واحدة من أشكال التعبير المتناغم والمتفاعل والمتصارع مع غيره من أشكال تعبير تطورت في المجتمع المشار إليها وظهرت على السطح التاريخي في دائرة أقرب إلى الشبكة المتداخلة التكوين.
لابد من التنبيه هنا إلى مسألة منهجية هامة تتعلق ببعض المفردات والمصطلحات التي وردت في هذا التحليل في هذه المرحلة مثل " بيئة سودانية" وتكوين شبكي، تناغم وتفاعل وما إلى ذلك، فهذه المفردات وما شابهها، ذات طابع تجريدي مجازي يهدف إلى بيان ما يشير إليه شتات الأحداث الظاهر من منظومات لكنه لا تتحقق إتجاهات الصيرورة التاريخية بدونها وليس بإمكان المنظور الذري التجريبي الواقعي وضع يده بسهولة على أمثال تلك المجردات باعتبار درجات العمى وقصور النظر العالية في مثل هذا المنظور.
معالم الفكر الجمهوري الأساسية :
يمكن تلخيص الفكر الجمهوري بصور مختلفة، يعكس كل من منها نظرية ورواية مختلفة، ومن أسباب ذلك أن المنتج الأساسي لهذا الفكر كان عبر مسيرة حياته الفكرية في حوالي أربعين عاماً ناشطاً سياسياً ومرشداً روحياً ومنظماً اجتماعياً ومفكراً في نفس الوقت، يكتب ويتحدث في سياق تفاعل مع أحداث ومستجدات متغيرة، ولم يتمكن من تنسيق أفكاره في منظومة واحدة، بل كانت هذه الأفكار تظهر في رسائل بعناوين متفرقة في مواضيع متفرقة، ومع ذلك ربطت بينها نواظم أساسية ومحاور مركزية.
يمكن اعتبار أكثر الأجزاء مركزية في فكر محمود تلك التي عن علاقة الله والإنسان والنبي محمد (ص ) وهو يرى أن (الله) يمثل أعلى صور الكمال الإنساني، وكل ما في الوجود له مقابله، للنهار الليل وللموجب السالب وللذكر الأنثى وللحرارة البرودة .. الخ .. ومقابل الله (زوجه) هو الإنسان الكامل والإنسان الكامل يلقح الذات الإلهية فتولد الكلمات اللدنية ( لابد من ملاحظة رمزية اللغة هنا ) والغاية النهائية للإنسان هي أن يصبح الله ، ولكنه لن يكون لأنه ليس لله صورة محددة فيكونها، والطريق للمعرفة الحقة هو طريق محمد، لأن محمداً الذي يشير إليه محمود عادة بالمعصوم، أتى ليلعلمنا كيف نحقق الكمال الإنساني، والطريق لذلك هو تقليد محمد، ومحمد أصيل في ما يفعله بينما أتباعه مقلدون له، وهو قد تتبع في المعراج آثار أقدام جبريل حتى وصل إلى أصالته عندما توقف جبريل وتقدم وحده، وعلى كل مسلم تتبع آثار أقدام محمد حتى يصل إلى مقام أصالته، وشعائر الإسلام، ومن بينها الصلاة – هي أصيلة فقط بالنسبة لمحمد وعند بلوغ المسلم لمقام الأصالة تكون له شريعته الفردية الخاصة به فقط، وحتى ذلك ينبغي أن يستمر المسلم مقلداً، ومحمد يمثل الحقيقة المحمدية التي تحليت من قبل الأنبياء السابقـــين، وهـذه الحقيقة المحمدية توازي " الحقيقة الإلهية ".
أما المحور الثاني الأساسي في أفكار محمود فهو يتعلق بالرسالة، ويرى أن في الإسلام رسالتان: الأولى بلغها محمد (صلي الله عليه وسلم ) إلى أهل القرن السابع الميلادي، وهي لا تصلح لإنسانية القرن العشرين ، فهذه الإنسانية بما بلغته من وعي وتقدم تستحق رسالة جديدة، وبشأن رسول الرسالة الثانية: من هو ؟ فإن الإجابة البسيطة، عند الجمهوريين، أنه النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) فهو رسول الرسالتين، وأما الإجابة الأخرى، كما يقول محمود – هو رجل أتاه الله الفهم من عنده وأذن له بالكلام وله أن ينسخ المحكوم ويحكم المنسوخ (28).
لقد رأى محمود أنه، في مرحلة حياته، الأصيل الواحد وصاغ بموجب فكرة الرسالة الثانية آراء اجتماعية تلغي ما اعتبره مرحليا في التشريع الإسلامي – مثل ما يتعلق بالجهاد والمرأة والنظام الإقتصادي ( ودعا في هذا الإطار إلى الإشتراكية وإنفاق ما زاد عن الحاجة (أو العفو) والنظام السياسي ( ودعا في ذلك الإطار إلى الديمقراطية والحرية الفردية المطلقة).
وفي الفترة الأخيرة من دعوته طوّر مفهوم " المسيح المحمدي" وتقوم هذه الفكرة على أساس أن عيسى بن مريم قد صُلب ومات – عكس الاعتقاد الإسلامي السني – والمسيح الذي يظهر آخر الزمان هو مسيح محمدي يحقق السلام في العالم ، ولم يقل محمود أنه هو " المسيح المحمدي " وإن اعتقد كثيرون أنه كان يؤمن بذلك.
لقد أدت هذه " المنظومة الفكرية " الجمهورية إلى اتهام البعض لمحمود بادعاء الألوهية أو العيسوية أو النبوة – وما إلي ذلك والواقع أن محمود محمد طه قد تطور في إطار الإرث الصوفي الباطني، الذي رأى التوحيد الإلهي بمنظور مختلف عن المنظور الظاهري، وهو مشابه لبعض الصوفية الذين قاموا بأدوار سياسية من منظور تصورهم الروحاني العقائدي بحقيقة الحياة والوجود، وهؤلاء عادة مثل من يناظرهم في أديان أخرى – عند حديثهم عن " أنا " لا يعنون بها ذواتهم الفانية وإنما يعنون" أنا " الأزلية الخالدة وليست المتشخصة (29).
خاتمة:
عند تتبع مسار الحركة الجمهورية من بداياتها بإنشاء الحزب عام 1945 وإعدام محمود محمد طه في 1985م ، نلاحظ استمرار خط أساسي فيها. عبر تلك الفترة، وهو مصادمتها للقوى التقليدية الدينية في السودان، وكذلك القوى الإسلامية الحديثة ذات المرتكز السني أو الإسلامي العام، ومصادمة النظم الحاكمة، استعمارية كانت أم وطنية، مع الوفاق مرحلياً مع النظم العسكرية أو الشمولية، التي تقف ضد ممثلي الجماعات الدينية التي تعارضها الحركة الجمهورية، ولم تكن الحركة الجمهورية ذات طابع برغماتي أو حتى واقعي في معاركها السياسية، لذلك لم تنمو بالقدر الكافي رغم وجود دلائل على استخدامها لأسلوب التنظيم السري، ولا يمكن الجزم بأنها لم تكن تضع هدف الوصول إلـى السلطة من بين أهدافها البعيدة.
لقد استطاع النظام المايوي بضربة واحدة القضاء علي زعيم الحركة وعلي الحركة نفسها في شكل التنظيم الذي أسسه محمود، مما أدى بها إلى التراجع إلي السرية والتخفي، ولم تتمكن الحركة خلال حياة محمود من تجاوز " الصفوية " إلي " الشخصية " أو من بناء هياكل تنظيمية قوية وسط قاعدة قابلة للاستمرار والمقاومة، ولكن لا يمكن الجزم بأن هذه الحركة قد انتهت ولن تقوم لها قائمة في المستقبل في السودان، وذلك لعدد من الأسباب:
من بينها أن العوامل الثقافية والحاجات النفسية، الاجتماعية التي تسببت في بروز ظاهرة الحركة الجمهورية لازالت موجودة في التكوين السوداني.
بالإضافة إلى أن تأثير الحركة الاجتماعي والفكري التبشيري حتى عام 1985م لازال موجودا وسط بعض الشرائح المحدودة وأن اختفاءها من السطح قد منع النظم السياسية المعادية لها من تتبعها واجتثاث جذورها ذلك مع احتمالات حصولها على شكل من أشكال الدعم من قوى عالمية قد ينعكس مردوده محلياً.
إن ما يبدو من تنوع يمكن أن يصل درجة التناقض في اتجاهات " الحركة الجمهورية" وشخصية مؤسسها، يعكس التعارض والاختلاف في عوامل تكوين الاثنين، فالمحيط الثقافي الاجتماعي وملابسات النشأة والتطور قد خلقت في الحركة ومؤسسها جوانب روحانية صوفية، وتحررية مستغربة، ونزعات تمرد اجتماعية سياسية، وملامح في عناصر القيم والسلوك ذات أصول ريفية متحضرة، وكانوا نوعاً من رجال الدين في ثياب الأفندية غير أنه هذه الصفات لا تنحصر فقط في دائرة الحركة الجمهورية وإنما يمكن أن تطبق على جماعات " الاستحداث الديني " في التيارات المختلفة، ولكن بدرجات وأشكال مختلفة، وهذه الحركة – أي الجمهورية – مثل غيرها من حركات التمرد الثقافي الاجتماعي تجد أنصارها من بين المتأزمين اجتماعياً بسبب الصدام النفسي – الثقافي – الاجتماعي الجزئي بينهم وبين المجتمع الكبير، وهذا لا يمنع القول إن مصادر تكوين الحركة الاجتماعية متعدد ولا تقتصر على هذا المصدر، ويبقى في النهاية سؤال أساسي إلى أي مدى نجح محمود في استقطاب الروافد من تلك المصادر وإلى أي مدى نجح في بلورتها وإلى أي مدى أدى طريقه بالسير بها في اتجاه العزلة الشعورية والسياسية – خاصة بسبب نزعة التمرد والتطرف في اختيار لغة خطابه الفكري والسياسي؟ ربما اعتقد آخرون أنه ضحى بالحاضر من أجل المستقبل ولم يكن التنظيم الجمهوري إلا أداة تم استخدامها لزرع بذور حركة مستقبلية، من ضمن استراتيجيتها تحويله إلى شهيد من درجة خاصة تتصل بالقداسة.
إشارات البحث :
1)معظم هذا النوع من الكتابات الجمهورية جاء في شكل هجوم لفظي عنيف في ثنايا التحليل الفكري ضد ما كان يحدث ويهم الحركة ، مثل من مداولات مجلس الشعب وبعض برامج التلفزيون ومحكمة الردة وذكراها السنوية .
2)انتهت فترة الوفاق بين مايو والجمهورية بصدور قوانين سبتمبر 1983م
3)تعود ظاهرة التكرار في تلك الكتابات التي اشتكي منها البعض ، إلى هذا الطابع الدعوي التبشيري وسعيه لترسيخ أفكار الحركة وسط الجمهور.
4)هي رابطة طلابية في جامعة الخرطوم خلال فترة الحكم المايوي وقد بدأت تسمية " الأخوان الجمهوريون " تحل محل الحزب الشيوعي خلال فترة مايو
5)عوض الكريم موسي شاعر ومفكر جمهوري بارز تميز بنزعته الباطنية الصوفية مع اهتمامه بالفكر السياسي وظل مواليا للحركة الجمهورية حتى وفاة محمود ثم خالفها بانضمامه إلى المؤتمر الوطني ، التنظيم الحاكم في فترة الإنقاذ وسعيه ليكون واحدا من مفكري ذلك النظام .
6)من الأعمال النادرة في هذا الاتجاه كتيب منشور أصدره الخاتم عدلان من الجبهة الديمقراطية خلال فترة السبعينات إتهمه فيه بعدم المنطق وسحب الجماهير إلى الخيال النظري وإقامة ما أسماه " مملكة الكلام الجمهورية " والواقع أن العامل التكتيكي هو الذي منع القوى اليسارية والعلمانية من السودان من الإسهاب في انتقاد الحركة الجمهورية، مع وضوح الاختلاف الفكري بين الاتجاهين.
7)لابد من الإشارة هنا إلى الحركة الإسلامية الحديثة التي ناصبها محمود العداء لا تنتمي بكليتها إلى تيار العلماء السنيين المدرسيين بل أنها تصطدم معه في نقاط عديدة ومن أبرز ممثليها هنا الزعيم التاريخي لتلك الحركة حسن عبد الله الترابي.
8)بالرغم من الأرضية المشتركة الكبيرة بين جعفر شيخ إدريس وعلماء " الجامعة الإسلامية " إلا أن جعفر من خريجي جامعة الخرطوم وقد حاز بذلك بحكم تتلمذه على أساتذة أوربيين أو تلاميذ هؤلاء الأوربيين، قدراً من الثقافة الغربية، وقد جعله ذلك مختلفاً نوعاً ما من علماء جامعة أمدرمان الإسلامية وهناك تباين – وربما صراع فكري وغير فكري – بين الإسلاميين المنتمين إلى الجامعتين.
9)النور محمد أحمد- الفكر الجمهوري تحت المجهر ص(5-30).
10)هذا يعود إلى الطابع الدوغمائي " الوثوقي " عند هؤلاء المفكرين غير الليبراليين – جمهوريين أو معارضين لهم - وهو يجعلهم لا يعترفون بمشروعية أي تفكير خارج دائرة كل منهم.
11)يمكن مراجعة نموذج هذه الكتابات في : حيدر – الاستاذ محمود ، وهو محرر لعدة مقالات حولها ذلك الكتاب .
12)بدأها بقوله : شجاني مصابه محمود مارق قيل وهو عندي شهيد
13)محمد خير – نقد بين الفكر والدين جامع كذلك : محمود محمد طه بين الأصالة والشك
14)محيسي - نقد ص 85 وما بعدها.
15)المصدر السابق ص 85 وما بعدها.
16)هذا لا يعني غياب الصراع الحقيقي بين الوطنيين والاستعمار في الفترة بين 1945 – 1955، ولكن كان جزء مهم من ذلك الصراع متجها نحو تشكيل صورة المستقبل في إطار السودان المستقل.
17)أي مجتمع إنساني يكون في حالة " أزمة " غير أن حدة " الأزمة " تختلف من مجتمع إلى آخر.
18)من مصادر هذه الصياغة الرسمية مقدمة عبد الله أحمد النعيم للترجمة الإنجليزية للرسالة الثانية في الإسلام.
19)انظر بعض التفاصيل عن ذلك في جريدة الرأي العام عدد 1/10/1946 .
20)الفترة التي قضاها محمود في الخلوة وملابساتها تحتاج للمزيد من البحث.
21)قدم حوالي واحد وخمسين منهم نشرة دينية موقعة بأسمائهم إلى أئمة المساجد والوعاظ في السودان – انظر حسين محمد زكي – القول الفصل ص 172- 177
22)ذلك وفق إفادة شفاهية سمعها كاتب المقال من سعيد الطيب شايب، خليفة محمود في قيادة الحركة عام 1988م
23)يذكر في الإفادات الشفاهية أن من بينهم أحمد صافي الدين، أستاذ الاقتصاد ومحمد المهدي المجذوب الشاعر المعروف .
24)سعيد الطيب شايب في إفادة شفاهية لكاتب المقال عام 1988م
25)اصدر الحزب الجمهوري في ديسمبر 1945 منشورا ضد قانون الخفاض الفرعوني، ورد فيه " لا شك أن مجرد التفكير في الالتجاء إلى القانون للقضاء على عادة متأصلة في النفوس مثل استئصال الخفاض الفرعوني دليل قاطع على أن حكومة السودان أما أن يكون قدرت في ذهنا أنت شعب تستطيع القوة وحدها أن تثنيه عن كل من أو عقيدة تقرير دور الحزب الجمهوري في الحركة الوطنية ص 69.
26)انظر كتاب تطوير شريعة الأحوال الشخصية لمحمود.
27)تذكر الإفادات الشفاهية أن محمود كانت إذا أحاطت به الكروب يرسل بعض الجمهوريين إلى ضريح سيدي الحسن في كسلا ليسألوه رفع تلك الكروب، ويمكن في هذا الصدد تأمل قصيدة عوض الكريم موسى، التي مطلعها " أيها الحسن المعمور مثواه .. " وهي من إنشاد ابن أخ الشاعر : عبد الكريم موسى الملقب بكرومة.
28) محمود محمد طه – الرسالة الثانية ص 11 ط 6 نوفمبر 1986م
29) راجع فكرة " الاتمان " والبراهين في الكتب المقدسة الهندوسية وشروطها .
30) لم تبذل الدوائر الغربية أي مجهودات جادة لمنع إعدام محمود وتصفية جماعته ولكنها متمثلة في الولايات المتحدة قدمت لهم بعض المساعدة بعد ذلك.

المصادر والمراجع:
1- الأخوان الجمهوريون : الفكر الجمهوري هو الإسلام ط 1 أمدرمان نوفمبر 1982م.
2- " " " : الضائقة الاقتصادية الراهنة ، ط 1 أمدرمان ديسمبر 1981م
3- " " " : محكمة الردة، عار القضاء السوداني – بمناسبة الذكري
الثالثة عشر ط 1 أمدرمان 1981م.
4- " " " : نميري والنهج الإسلامي والدعاة السلفيون ط 2 مايو1981م
5- " " " : اتحاد نساء السودان وقضية المرأة – ط 1 أمدرمان يوليو
1975م.
6- " " " : عودة المسيح – ط 1 أمدرمان ديسمبر 1982
7- " " " : المسيح – ط 2 امدرمان ديسمبر 1982م
8- " " " : د. عبد الله الطيب المجذوب ومواقف الأستاذ محمود محمد طه امدرمان - أكتوبر 1985م.
9- " " " : ماذا قال العالم عن الأستاذ محمود – يونيو 1985م.
10- " " " : الكيد السياسي والمحاكمة المهزلة ط 2 مايو 1985م.
11- " " " : حيثيات المحكمة العليا في قضية الأستاذ محمود محمد طه نوفمبر 1986م.
12- " " " : لماذا وكيف خرجت المرأة الجمهورية للدعوة للدين ديسمبر 1978 م.
13- الحزب الجمهوري زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان الثقافة الغربية والإسلام من كتاب أضواء علي المشكلة الدستورية ط 2 مطابع سودان ايكو- بدون تاريخ.
14- الشئون الدينية والأوقاف – الإسلام رسالة خاتمة لا رسالتان المطبعة الحكومية الخرطوم 1977م.
15- النور محمد أحمد- الفكر الجمهوري تحت المجهر- دار جامعة أمدرمان الإسلامية 1983م.
16- إنصاف أبكر أحمد – العبادة عند الجمهوريين – بحث دبلوم غير منشور – إشراف د. قيصر موسي الزين – معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية – جامعة الخرطوم 1993م.
17- بهجة جلال الدين محمد سليمان – المرأة في الفكر الجمهوري – إشراف د. قيصر موسى الزين – بحث دبلوم غير منشور معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية جامعة الخرطوم 1996م.
18- جعفر شيخ إدريس – الإسلام رسالة واحدة – الاتجاه الإسلامي جامعة الخرطوم – مطابع إيمان الخرطوم 1979م.
19- حسين محمد زكي القول – القول الفصل في الرد على مهازل محمود محمد طه – دار الرحاب الإسكندرية ط 2 1406هـ.
20- حيدر إبراهيم علي ( محرر ) الأستاذ محمود محمد طه – رائد التجديد الديني في السودان – دار قرطبة – الدار البيضاء ط1 1992م.
21- رابطة الفكر الجمهوري ( جامعة الخرطوم ) يكذبون على الشعب !! ويضللونه باسم الإسلام – ط 2 ابريل 1982م.
22- رابطة الفكر الجمهوري (جامعة الخرطوم) أسألوا المدير ط 1 ابريل 1980م.
23- رابطة الفكر الجمهوري (جامعة الخرطوم) ماذا يراد بالجامعة؟ أبوادر فتنة جديدة – ط 1 سبتمبر 1980م
24- شوقي بشير عبد المجيد – منهج الجمهوريين في تحريف القرآن الكريم، دار الفكر – الخرطوم 1989م.
25- " " " التأويل الباطني عن فرقة الجمهوريين بالسودان – مجلة دراسات دعوية، مركز الدعوة وتنمية المجتمع بجامعة إفريقيا العالمية الخرطوم عدد 9 يناير – يونيو 2005م.
26- صحيفة الرأي العام : الخرطوم عدد 26/2/1946 وكذلك عدد 1/10/1946
27- عبد الجبار المبارك موسي –الفكرة الجمهورية في الميزان- الكتاب الأول – دار الطابع العربي الخرطوم بدون تاريخ
28- عبد السميع حيدر – محمود محمد طه : الرجل الذي أراد محاسبة الناس يوم القيامة – بدون مكان وتاريخ الصقر يعلو وحده.
29- عوض الكريم موسى من وضعه على منصة الإعدام؟ بدون مكان وتاريخ.
30- قيصر موسي الزين : الحركة التاريخية: المدينة والدين في أفريقيا الشرقية 1945 – 1990.
31- " " " بحث دكتوراه غير منشور جامعة الخرطوم الآداب 1992م.
32- " " " النموذج الحلاجي ( باللغة الانجليزية ) ندوة التصوف في السودان – جامعة بيرغن الخرطوم دار الوثائق الخرطوم 1993م.
33- محمد خير علي عيسي : نقد بين الفكر والدين – مكتبة ابن رشد ، دار الجيل – دمشق ط 2 1984م
34- " " " القرآن هو هذا الوجود – بدون مكان وتاريخ .
35- محمود محمد طه : رسالة الصلاة – ط 1 امدرمان ط 1 يناير 1966م
36- " " " طريق محمد ط 1 مارس 1966م
37- " " " الرسالة الثانية من الإسلام ط 1 يناير 1967
38- " " " لا إله إلا الله – ط 1 امدرمان مايو 1969م
39- " " " الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين - أمدرمان
40- " " " القرآن ومصطفي محمود والفهم العصري – 1971م
41- " " " رسائل ومقالات – ط 1 مايو 1973
42- " " " الدعوة الإسلامية الجديدة ط 1 سبتمبر 1974م
43- " " " الدين والتنمية الاجتماعية – ط ديسمبر 1974م
44- " " " بيننا وبين محكمة الردة – ط 4 مايو 1977م
45- " " " تطوير شريعة الأحوال الشخصية - ط 3 1979م
46- " " " تعلموا كيف تصلون – بدون مكان وتاريخ- معهد الدراسات الإفريقية الآسيوية – تقرير مقدم لمؤتمر الحركة الوطنية في السودان يناير 1986م : دور الحزب الجمهوري في الحركة الوطنية في الفترة 1945- 1956 .
47- النور محمد أحمد : الفكر الجمهوري تحت المجهر - دار جامعة امدرمان الإسلامية – امدرمان 1983م
48- ياسر خضر محمود : النشاط الفكري والسياسي للإخوان الجمهوريين في الفترة 1969 – 1989 بحث دبلوم غير منشور جامعة الخرطوم – معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية إشراف د. محاسن عبد القادر حاج الصافي مايو 1989م.
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية مفهوم منظمات المجتمع المدني ودورها في السودان الحركات الاسلامية _ صراعاتها التاريخية المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim