القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > تطبيق الصيغ الإسلامية في النظام المصرفي وأثره علي السياسات النقدية

تطبيق الصيغ الإسلامية في النظام المصرفي وأثره علي السياسات النقدية

تطبيق الصيغ الإسلامية في النظام المصرفي وأثره علي السياسات النقدية
د. أحمد مجذوب أحمد، وزير دولة بوزارة المالية السودان
مقدمة:
إن موضوع (تطبيق الصيغ الإسلامية في النظام المصرفي وأثره على السياسات النقدية) موضوع فريد, وللسودان فيه تجربة مميزة. فهو حتى الآن يعتبر الدولة الأولى التي التزمت بالإقتصاد الإسلامي في جميع مناحي النشاط الاقتصادي وأصبح المرجعية التي تحكم عمل الدولة وعلاقاتها الاقتصادية كما يحكم عمل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين في النظام المصرفي والمؤسسات و الشركات المالية و التمويلية. وقامت في السودان منظومة متكاملة من المؤسسات الاقتصادية والمالية فتم إصلاح نظام الشركات كمرجعية أساسية للعمل الاقتصادي كما قام نظام التأمين على فكرة التعاون و التكافل الإسلامي وتطور الجهاز المصرفي وتكامل دور البنك المركزي مع المصارف التجارية وانطلقت مؤسسة ضمان الودائع المصرفية بمساهمات من المصارف لتؤدي دورها في درء مخاطر المودعين. واكتمل بنيان سوق الأوراق المالية كرافد يكمل حلقة العمل المالي ويؤدي دوره في النشاط الاقتصادي. وكل ذلك وفق منهج ورؤية شرعية شاملة في التشريع و الإدارة والتطبيق و المراقبة. ويحرس هذا النهج حرصّ وتوجه واضح من الدولة للالتزام بالأحكام الشرعية في النشاط الاقتصادي ويتكامل معه دور مؤسسات الرقابة التشرعية ومؤسسات الرأي العام. هذا وسوف أتناول في هذه الصفحات جزءا من هذه التجربة الثرة الغنية باستعراض لصيغ التمويل الإسلامي المستخدمة في النظام المصرفي السوداني وحجم الودائع وتوزيعها بين هذه الصيغ ومن ثم أتحدث عن الخصائص النقدية و المالية لصيغ التمويل الإسلامي وأنتقل بعد ذلك للحديث عن التطورات التي مر بها الجهاز المصرفي في السودان والتغيرات التي طرأت على السياسة النقدية و التمويلية. ومن ثم أتحدث عن أثر الصيغ على هذه السياسات من جانب التمويل للدولة ومن جانب تحقيق أغراض السياسة النقدية. على نحو ما سيأتي في هذا البحث. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
صيغ التمويل المستخدمة في النظام المصرفي السوداني
إن طبيعة النظام المصرفي الإسلامي القائمة على الالتزام بالأحكام الشرعية في المعاملات المالية تجعل المشاركة في الربح و الخسارة (الغنم و الغرم) هي البديل الشرعي للفائدة الربوية التي يرتكز عليها النظام المصرفي الربوي. وتجعل من الصيغ التمويلية التي ترتكز عليها هذه العلاقة هي الأساس في التعامل التمويلي بين البنوك وعملائها. هذا ويحقق مبدأ المشاركة في الربح و الخسارة المزايا الآتية:
أ/ عدالة توزيع الثروة بين أفراد المجتمع لأن الربا يضمن غنم طرف دائما وابدا بينما يضمن فائدة محتملة للطرف الآخر إذ قد يخسر أو يربح.
ب/ تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المالية لأنه يحول المصرف إلى شريك في العملية الإنتاجية مما يدفعه إلى التدقيق والتحقيق في دراسات الجدوى و البحث عن أحسن الخيارات الاستثمارية.
ج/ يؤدي إلى زيادة الناتج القومي بتوجيهه للموارد الاقتصادية في أفضل استخداماتها.
د/ يزيد من معدل التراكم الرأسمالي ويحقق الاستقرار الاقتصادي.
هذا وتشمل صيغ التمويل الإسلامي المستخدمة في النظام المصرفي السوداني معظم صيغ التمويل الإسلامي المعروفة. حيث توزع المصارف السودانية مواردها بين الاستخدامات المختلفة بحسب المخاطر المتصلة بكل صيغة من الصيغ وبحسب السياسات المقررة من بنك السودان. والصيغ المستخدمة في التمويل هي:
1. المضاربة (المطلقة والمقيدة)
2. المشاركة
3. المرابحة
4. السلم
5. الاستصناع
6. الإجارة
وظلت هذه الصيغ تمثل مرجعية التعامل في النظام المصرفي السوداني ووزعت استخدامات الموارد في البنوك بين هذه الصيغ. والجدول الآتي يوضح نصيب كل صيغة من صيغ التمويل في جملة موارد النظام المصرفي خلال العام (بالمليار دينار) كما يوضحها كنسبة من إجمالي التمويل.
جدول رقم (1) حجم وتوزيع التمويل المصرفي حسب صيغ التمويل في الفترة 1998-2002م
السنة 1998 1999 2000 2001 2002
صيغ التمويل المبلغ النسبة/المبلغ النسبة /المبلغ النسبة/ المبلغ النسبة/ المبلغ النسبة
المرابحة 25,5 54%/36,2 49,1%/ 34,2 33,7%/57,9 39,5%/ 74,2 35,9%
المشاركة 9,9 21% / 22,7 30,8%/ 43,5 43%/ 45,3 38% / 57,7 28%
المضاربة 2,8 6% / 3 4% / 3,8 3,7%/ 9,1 6,3% / 9,6 4,6%
السلم 3 6,5% / 3,7 5% / 3,3 3,3% / 7,3 5% / 6,9 3,4%
أخرى 5,6 12% / 8.1 11% / 16,6 16,2%/ 26,7 18,2%/ 58,4 28,2%
جملة التمويل 46,9 / 73,7 / 101,4 / 146,3 / 206,8
1. إن التمويل المصرفي بصيغة المرابحة ظل يستحوذ على النصيب الأكبر من إجمالي تدفق التمويل المصرفي حسب الصيغ, وذلك للخبرة الطويلة للبنوك في ممارسة التمويل بهذه الصيغ بالإضافة إلى قلة المخاطر في هذه الصيغة مع ضمان العائد و الربحية في التمويل بصيغة المرابحة بعكس الصيغ الأخرى.
2. ابتداءً من العام 2000 ظلت المرابحة تشكل نسباً منخفضة عاماً تلو الآخر نظراً لتوجه السياسات التمويلية لبنك السودان الرامي إلى النزول بالتمويل المصرفي عن طريق المرابحة وتشجيع التمويل المصرفي عن طريق الصيغ الأخرى, بالإضافة إلى إلزام البنوك بتطبيق صيغة المرابحة حسب ما ورد في المرشد الفقهي لصيغة المرابحة.
3. ارتفاع التمويل المصرفي عن طريق صيغة المشاركة اعتباراً من العام 2000م في ذات اتجاه السياسات التمويلية لبنك السودان, الرامي إلى النزول بالتمويل المصرفي عن طريق المرابحة وتشجيع استخدام صيغ التمويل الأخرى.
الخصائص النقدية والمالية لصيغ التمويل الإسلامية
نستهدف في هذا الجانب استعراض بعض الخصائص النقدية والمالية لصيغ التمويل المستخدمة في النظام المصرفي لمعرفة مميزاتها التي تجعلها صالحة للعمل كأدوات لتحقيق أهداف السياسة النقدية.
(أ‌) صيغ المشاركات:
1/ المضاربة:
أ‌- تقدم تمويلاً نقدياً يتمتع بمرونة واسعة في الاستخدام في المضاربة المطلقة ومرونة مقيدة في المضاربة المقيدة.
ب‌- يتم تحديد نسب توزيع الربح على الطرفين مسبقاً في شكل حصة شائعة لكل من المضارب ورب المال.
ج- يتمتع بمرونة أكبر في تحديد حصص الربح.
2/ المشاركة:
أ‌. تقدم تمويلاً نقدياً في غالب الأحيان.
ب‌. يسهم كل الشركاء بحصة في رأس المال.
ج‌. يمكن توزيع الربح بحسب اتفاق الشركاء مع تحديد هامش للإدارة
د. نسب توزيع الربح تحدد مسبقاً عند توقيع العقد.
(ب) الصيغ القائمة على الديون:
المرابحة:
1) تقدم سلعة حاضرة للعميل ونقود آجلة للبنك.
2) يمثل ربح البنك والذي يحدد مسبقاً من وجهة نظر التحليل المالي كلفة تمويل لطالب السلعة إذ يمثل هذا الربح بين الثمن الحاضر في السوق والثمن المؤجل للمرابح.
الإجارة:
1) تمثل عائداً نقدياً لمالك الأصل.
2) يمكن تحديد الأقساط الإيجارية الكلية على ضوء جملة عوامل من بينها التكلفة الكلية لحيازة الأصل.
3) الأصل يظل مملوكاً للمؤجر مما يمكن من تداول صكوك الإجارة بيعاً وشراء.
السلم:
1) يوفر تمويلاً نقدياً للمسلم إليه لأنه يمكن المسلم إليه من بيع سلعته المؤجلة بسعر نقدي حاضر.
2) لا يشترط أن يستخدم المسلم إليه رأسمال السلم في الحصول على سلعة السلم, وله أن يستخدمه كما يشاء.
3) يصعب معرفة تكلفة التمويل المتمثلة في الفرق بين سعر البيع الحالي والسعر المتوقع عند تسليم السلعة بصورة قطعية.
4) أخذ النظام المصرفي السوداني سياسة إزالة الغبن أو تطبيق مبدأ الإحسان في عقد السلم خاصة عندما يحين أجل السلم ويكون السعر قد تغير تغيراً كبيراً مما يلحق ضرراً بأحد الطرفين.
الاستصناع:
1) يوفر تمويلاً عينياً (سلع وأصول)
2) يمكن تحديد هامش الربح كنسبة من التكلفة الكلية على ضوء العلاقة التعاقدية بين طرفيه.
3) لا يمكن تداول دينه إلا بشرط تداول الدين المعروفة والمرتبطة بالقيمة الاسمية وأجل التسديد كالمرابحة.
السياسات النقدية والتمويلية
السياسات النقدية هي مجموعة الإجراءات التي يتخذها البنك المركزي بهدف رقابة التمويل والتأثير في حجمه وأنواع استخدامه وشروط الحصول عليه لتحقيق الأهداف الاقتصادية المقررة. وبهذا فإن السياسة النقدية تتصل بالموضوعات الآتية:
1. إنها مجموعة إجراءات تصدر بموجب قرارات من البنك المركزي.
2. تستهدف هذه الإجراءات التأثير على التمويل المصرفي وحجم السيولة في النشاط الاقتصادي وبالتالي فهي تتعلق بالآتي:-
أ‌- حجم التمويل الذي ينبغي أن يضخ في النشاط الاقتصادي.
ب‌- شروط الحصول على التمويل من حيث الأجل والكلفة المالية.
ج-المجالات التي يستخدم فيها هذا التمويل وأولوياته القطاعية و الجغرافية.
3. إن الأهداف الاقتصادية المقررة في الزمان والمكان المحددين هي التي تحدد هذه الإجراءات وتحكم إصدار القرارات المتصلة بالسياسة النقدية.
4. الضوابط التي تضمن سلامة الأداء الاقتصادي وتحفظ لكل المتعاملين فيه حقوقهم.
وبهذا فإن السياسات النقدية والتمويلية ترتكز في تحقيق أهدافها وبلوغ غاياتها على فلسفة النظام الاقتصادي والمصرفي وبالتالي فهي ترتبط بكيفية أداء النشاط الاقتصادي لوظائفه والعلاقات التعاقدية التي تحكم مؤسساته وبهذا يصبح لصيغ التمويل المصرفي المتعامل بها في النظام المصرفي والتي تحدثنا عنها من قبل وما تتمتع به من خصائص مالية ونقدية-أثر بالغ وواضح على السياسة النقدية والتمويلية, من حيث تحديد نوع الإجراءات والأدوات المستخدمة لتحقيق الأهداف الاقتصادية المقررة.
مراحل تطور النظام المصرفي في السودان وتأثيره على السياسة النقدية و التمويلية
مرّ النظام المصرفي في السودان بعدة مراحل بدأت قبل الاستقلال منذ عام 1903م حيث كان أول بنك فتح هو فرع البنك الأهلي المصري وتتابعت بعد ذلك فروع البنوك الأجنبية وظلت هذه المرحلة هي مرحلة البنوك الأجنبية حتى عام 1957م حيث افتتح البنك الزراعي السوداني في عام 1957م كأول بنك وطني في السودان وتتابعت بعد ذلك البنوك التجارية-وإذا تجاوزنا التطور التاريخي الذي يحكم عملها فيمكن تقسيم هذا التطور إلى المراحل الآتية:-
1)المرحلة الأولي: مرحلة النظام المصرفي الربوي الكامل:
وتمثل هذه المرحلة الفترة التي أمتدت منذ الاستقلال في عام 1956م بداية عهد البنوك التجارية الوطنية. حتى عام 1978 حيث أسس مصرف فيصل الإسلامي.وكانت السيادة في هذه المرحلة للفكر الاقتصادي الرأسمالي وكانت قاعدة عمل النظام المصرفي تقوم على الربا. فارتكز عمل كل البنوك التجارية في علاقاتها المصرفية وتعاقداتها المالية على سعر الفائدة فكانت هي الحافز على الادخار والحق الذي يمنح لحملة الودائع كما كانت تمثل العائد الذي يحصل عليه البنك في جميع قروضه وتسهيلاته المالية. ولا نستغرب ذلك ونحن نعلم أن النظام المصرفي الرأسمالي يعرّف البنك بأنه تاجر ديون( يقترض بفائدة أدنى ويقرض بفائدة أعلى ويجنى الفرق بين السعرين). وبهذا يصبح سعر الفائدة والتحكم فيه ارتفاعاً وهبوطاً هو المؤشر الذي يحدد اتجاهات السياسة النقدية والتمويلية. وهكذا كانت السياسة النقدية والتمويلية تعتمد على آلية سعر الفائدة في كل الاجراءات التي ترتكز عليها السياسة النقدية فكان سعر الفائدة على الودائع هو المحرك الاساسي الذي تعتمد عليه البنوك في استقطاب الودائع كما كان سعر الفائدة للمقترضين هو المحدد لحركة توزيع موارد البنوك بين الاستخدامات المختلفة يضاف إلى ذلك في أدوات السياسة النقدية الأدوات التقليدية الأخرى كنسب الاحتياطي القانوني والتدخل المباشر.
2) المرحلة الثانية: مرحلة النظام المصرفي المزدوج:
وتمثل هذه المرحلة الفترة الممتدة من منتصف السبعينات (ما بعد عام 1976) إلى منتصف الثمانينات عام 1983 حيث أصدر الرئيس نميري التشريعات الإسلامية وتكاملت بهذه الإجراءات التشريعية القناعة لدى العديد من أرباب الأموال في استثمار أموالهم وفق أحكام الشريعة الإسلامية ثم بدأ تأسيس المصارف الإسلامية بدءاً بمصرف فيصل الإسلامي وبنك التضامن ثم لحقته مجموعة من البنوك الأخرى. وبهذا أصبح النظام المصرفي يعمل بنظامين-النظام الربوي تمثله البنوك التجارية التقليدية والنظام الإسلامي و تمثله باكورة المصارف الإسلامية. وهكذا كان المرتكز الغالب على السياسة النقدية في تلك الفترة هو الأدوات الربوية وكان منهج التدخل المباشر هو الأمثل في استخدامات موارد المصارف الإسلامية في ذلك الحين. لأن موارد المصارف الربوية كانت تمثل النسبة العظمى في حجم الموارد المتاحة للنظام المصرفي ولم تكن للبنك المركزي وقتها توجهات ولا آليات يتعامل بها مع النظام المصرفي الإسلامي سوى نسب الاحتياطي النقدي واحتياطي السيولة الداخلية وسياسة التدخل المباشر وسياسات توزيع السقوف الائتمانية.
3) المرحلة الثالثة: مرحلة إسلام النظام المصرفي:
بدأت هذه المرحلة في عام 1983م بعد تطبيق الشريعة الإسلامية وبعد صدور قانون المعاملات الذي ألزم كل النشاط الاقتصادي في السودان بالمعاملات الشرعية حيث أصدر بنك السودان بموجب هذا القانون منشوراً ألزم فيه البنوك التجارية بالتحوّل إلى الصيغ الإسلامية وإزالة الربا من كل معاملاتها واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1991م. وقد أصبح الربا محرماً بالقانون ولم تعتبره المحاكم حقاً يطالب به, وعاقبت من يتعامل به. وفي هذه المرحلة بدأت البنوك التجارية في الانتقال الشكلي إلى النظام المصرفي الإسلامي ولكنها جابهتها جملة من العقبات أهمها: 1/ عدم قدرة العاملين في هذه البنوك على استيعاب طرق التمويل الإسلامي.
2/ عدم القناعة لدى بعضهم بمفهوم النظام المصرفي الإسلامي وبالتالي شيوع التعامل الصوري في هذه المصارف.
3/ صعوبات الانتقال القانوني واللائحي والمهني و الإجرائي في هذه البنوك حيث كانت تسود فيها ثقافة النظام الربوي.
وجاءت السياسة النقدية في هذه المرحلة وهي تعتمد على التدخل المباشر فركزت على الآتي: 1- ضبط السيولة عن طريق التحكم في نسبة الاحتياطي القانوني و الاحتياطي النقدي للبنوك.
2- العمل بنظام السقوف الائتمانية الكلية والسوق القطاعية.
3- توجيه البنوك للدخول في التمويل التنموي بنسب محددة من السقف الائتماني (25% لبنوك القطاع العام و5% لبنوك القطاع الخاص).
4- تحديد حدود قصوى لمنح التمويل لا تتجاوزها البنوك إلا بعد الرجوع لبنك السودان.
5- العمل بنظام القطاعات ذات الأولوية في الحصول على التمويل.
وكانت أهم أداة اتخذها بنك السودان في تلك الفترة هي سياسة العائد التعويضي على الحسابات الدائنة و المدينة. وقد أعتمد بنك السودان على رأي شرعي يجوّز التعويض للانخفاض الحاصل في القوة الشرائية للنقود بفعل التضخم. وجاءت هذه السياسة انعكاساً لمشكلة التضخم المتسارع الذي عانى منه الاقتصاد السوداني في تلك الفترة. وقد أصدر بنك السودان منشور ضوابط العائد التعويضي بتاريخ 31/10/1987م حيث حدد نسبة تعويضية للحسابات الدائنة و المدينة. ولكن لم يستمر الالتزام بالعمل بهذا المنشور لأن هيئات الرقابة الشرعية أصدرت فتاوى بعدم جواز العمل به ولهذا ترك بنك السودان للبنوك حرية العمل به, أو العمل وفق صيغ التمويل الإسلامي الأخرى.



المرحلة الرابعة: مرحلة تعميق إسلام النظام المصرفي:
بدأت هذه المرحلة في عام 1990م بعد قيام ثورة الإنقاذ الوطني وتبنيها للمنهج الإسلامي في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتمت في هذه المرحلة مراجعات كاملة للقوانيين واللوائح والنظم بما يضمن الالتزام الإسلامي في المصارف التجارية, وصدر في هذه المرحلة قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 1991م وأنشئت الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية في 1992م بموجب قرار وزير المالية والاقتصاد الوطني رقم 184 وجاءت اختصاصات الهيئة على النحو الآتي:
1- المساهمة في وضع العقود والاتفاقات لجميع المعاملات المصرفية.
2- مراقبة عمليات بنك السودان والمؤسسات المالية.
3- إصدار الفتاوى ومراجعة القوانيين واللوائح.
4- المساهمة في التدريب في المجال المصرفي.
5- إعداد البحوث.
هذا وقد تم تقنيين وضع الهيئة العليا للرقابة الشرعية على الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية في قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 2003م في الفصل الثالث في المادة 15/16/17 وحددت أغراضها في المادة 18 تحت ذات الاختصاصات السابقة. وتمثل هذه المرحلة مرحلة تعميق إسلام الجهاز المصرفي ونشر ثقافة المصرفية الإسلامية وتدريب وتأهيل العاملين في الجهاز المصرفي. وكانت أهم مظاهر الإصلاح في هذه المرحلة التأكد من الالتزام الشرعي في التعامل المصرفي يإلزام كل البنوك بتكوين هيئهات رقابة شرعية بموافقة الجمعيات العمومية لتتولى تطوير الالتزام الشرعي في التعامل البنكي لتتكامل رقابة البنك المركزي مع رقابة الجمعيات العمومية عبر هيئات الرقابة الشرعية.
السياسة النقدية و التمويلية في مرحلة تعميق إسلام الجهاز المصرفي
تقتضي موجهات هذه المرحلة والمتمثلة في تعميق إسلام الجهاز المصرفي أن تلتزم وترتكز السياسة النقدية و التمويلية في تحقيق أهدافها على مبدأ إلزام والتزام النظام المصرفي ومؤسسات التمويل الإسلامي بصيغ التمويل الإسلامية في تعاقداتها المالية وأن تكون هذه الصيغ هي الحاكم لإجراءاتها وأدواتها والمؤثر في تحقيق أهدافها. وهكذا فإن تأثير صيغ التمويل الإسلامي على السياسى النقدية و التمويلية يرتبط بكيفية تحقيق السياسة النقدية لأهدافها فالسياسة النقدية في الغالب تعمل على تحقيق أهدافها وفق إطارين هما:
أ‌- الإطار الكمي: وهنا تستهدف السياسة النقدية تحديد الحجم الكلي للسيولة اللازمة للنشاط الاقتصادي. وبالتالي تكون صيغ التمويل والعلاقات المالية المرتبطة بالإطار الكمي هي محل الإجراءات و الأدوات التي تستخدمها السياسة النقدية ويمكن أن تسمي الأدوات النقدية المستخدمة وفقاً لهذا الإطار بأدوات السياسة النقدية الكمية.
ب‌- الإطار النوعي: وتستهدف السياسة النقدية وفقاً لهذا الإطار توزيع حجم الموارد المصرفية بين الاستخدامات المتعددة داخل الحجم الكلي للسيولة المقررة للنشاط الاقتصادي وبالتالي يكون التأثير على صيغ التمويل والعلاقات التي تحكمها بين العميل و المصرف هو محور الاجراءات والأدوات التي ترتكز عليها السياسة النقدية والتمويلية وكذلك يمكن أن نسمي الأدوات النقدية المستخدمة وفقاً لهذا الإطار بأدوات السياسة النقدية النوعية.
أولاً: أدوات السياسة النقدية الكمية: تستهدف هذه الأدوات تحديد الحجم الكلي للسيولة اللازمة للنشاط الاقتصادي وبالتالي فهي تستهدف التأثير على كمية النقود بمعناها الواسع وهذا يعنى التأثير على الصيغ التمويلية للبنوك بما يحد من قدرتها على التوسع في منح التمويل لمختلف المجالات و القطاعات ويعتمد الحجم الكلي المقرر للسيولة بناء على النموذج الاقتصادي الذي يتم الاتفاق عليه بين وزارة المالية وبنك السودان والذي تحدد بموجبه المؤشرات الآتية:
1- معدل النمو في الناتج القومي الإجمالي.
2- معدل التضخم المسموح به.
3- معدل الزيادة في كمية النقود وتوزيعها بين الحكومة والقطاع الخاص.
4- نسبة الفائض في الميزان التجاري وميزان المدفوعات كمؤشر للتوازن الخارجي.
5- القدر المقرر من احتياطات النقد الأجنبي التي يحتفظ بها بنك السودان.
وبالتالي تصبح هذه المؤشرات هي الهادي لبنك السودان في مراقبة وضبط الحجم الكلي للسيولة في النشاط الاقتصادي والأدوات التي يستخدمها البنك في ذلك هي:
1) نسبة الاحتياطي القانوني:
تمثل هذه الأداة أحد أدوات السياسة النقدية المباشرة ويتعين بموجب هذه السياسة أن تحتفظ البنوك بنسبة من ودائعها لدى البنك المركزي 10% مثلاً أو 15% وتعتمد هذه النسبة من إجمالي الودائع الجارية بالعملة المحلية بالإضافة إلى نسبة من إجمالي الودائع بالعملات الأجنبية وليس الودائع الاستثمارية وتتم مراجعة حجم الودائع شهرياً ويتم التأكد من التزام البنك بالاحتفاظ بهذه النسبة وتتخذ الإجراءات العقابية على المخالفين. وتعتمد هذه الأداة في تحقيق هدف ضبط السيولة على مضاعف الائتمان والذي يحدد قدرة البنوك على توليد النقود. هذا ونجد أن هذه النسبة كانت في عام 1994م 20% للودائع بالعملة المحلية وارتفعت إلى 30% حتى منتصف 1995 ثم تراوحت بين 25و26% في أعوام 97/1998 ثم انخفضت إلى 8% عام 1999 وارتفعت إلى 12% في عامي 2000و2001. بينما لم تقرر أي نسبة للعملات الأجنبية في سنوات 94/95/96 والتزمت البنوك للاحتفاظ بنسبة 4% في عامي 97/98 ارتفعت إلى 6% في عام 99و10% في عام2000 و12% في عام2001(راجع الجدول رقم 2).
2) نسبة السيولة الداخلية في البنوك (الاحتياطي النقدي/احتياطي السيولة):
وهذه النسبة شبيهة بنسبة الاحتياطي القانوني إلا أن البنك يحتفظ بها داخلياً لمقابلة حركة السحب من الودائع ومقابلة التواماته تجاه عملائه وهي أيضاً تحدد كنسب من الودائع الجارية بالعملة المحلية ونسبة أخرى من الودائع بالعملات الأجنبية. وتؤدي وظيفتها في تحديد الحجم الكلي للسيولة عبر مضاعف الائتمان الذي يحدد قدرة المصارف على توليد النقود.
جدول رقم (2) التطور في نسبة الاحتياطي القانوني الواردة في السياسات النقدية خلال الفترة 1994حتى 2001م
العام النسبة بالعملة المحلية النسبة بالعملة الأجنبية نسبة السيولة الداخلية
1994 20 % لاتوجد
1995 30% حتى منتصف العام لاتوجد
ثم 25% حتى نهاية
العام.
1996 25% لا توجد 10%
1997 26% 4% 10%
1998 26% 4% 10%
1999 28% 6% 10%
2000 12% 10% 10%
2001 12% 12% تم إلغاء نسبة السيولة
الداخلية وتركت كمؤشر
للبنوك مع الحد الأدنى 10%
2002 14% 14%
2003 14% 14%
3) عمليات السوق المفتوحة:
استطاع بنك السودان أن يحدّث بعض الأدوات المالية ويطورها بما يجعلها صالحة للاستخدام في إطار السياسة المعروفة بسياسة السوق المفتوحة وترتكز هذه الأوراق على أسس شرعية وهي خالية تماما من الربا. حيث اعتمدت هذه الأدوات على صيغ المشاركة, المضاربة, المرابحة والسلم . وأنشئت هذه الأدوات بموجب تسييل (أو توريق) بعض الأصول المملوكة لبنك السودان أو للحكومة وأصبحت أوراقاً مالية (شهادات) قابلة للتداول في أسواق المال. وهذه الأوراق أو الشهادات هي
1) شهادة مشاركة البنك المركزي وهي تعرف اختصاراً بشهادة (شمم):
أصدرت هذه الشهادة في عام 1998م بموجب إنشاء صندوق مالي يتكون من أنصبة بنك السودان والحكومة في القطاع المصرفي وقسمت جملة هذا الصندوق إلى شهادات مالية تتمتع بالخصائص التالية:
أ‌- لها قيمة اسمية مثبتة في الشهادة.
ب‌- لها قيمة محاسبية تعبر عن القيمة الاسمية للشهادة ونصيبها الفعلي في الارباح المحققة والزيادة في القيمة الرأسمالية لها.
ج‌- لها سعر للتبادل يتحدد تفاوضيا بين البائع والمشتري.
د- ليست لها فترة سريان وقابلة للتداول.
هـ تتم عمليات البيع و الشراء بين بنك السودان و البنوك التجارية في مزادات.
و- تتمتع بقدر عال من السيولة.
وهذه الشهادة تقوم على صيغة المشاركة فالصندوق الذي ينشأ يعبر عن رأسمال المشاركة والشهادات تمثل حصة كل شريك في هذه المشاركة.
ويستخدم بنك السودان هذه الشهادات في إدارة السيولة وتحقيق أهداف السياسة النقدية فيدخل مشترياً لهذه الشهادات عندما تكون السياسة توسعية ويدخل بائعاً لها عندما تكون السياسة انكماشية.
3) شهادة مشاركة الحكومة(شهامة): صدرت هذه الشهادة في عام 1999م وهي ترتكز على تجميع بعض أو كل حصص الحكومة في عدد من المؤسسات والشركات والهيئات. بحيث تكوّن هذه الحصص رأسمال الصندوق. وجاءت هذه الفكرة لتحقيق هدفين هما تمويل الإنفاق الحكومي بتسييل بعض الأصول الجامدة عن طريق هذا الصندوق, حيث يتم بيع هذه الشهادات للجمهور وفقاً للقيمة الأسمية لكل شهادة ويصبح مشتري الشهادة شريكاً في الأصول الحكومية, وتحصل الحكومة على قيمة هذه الشهادات لتمويل عجزها في الإيرادات, كما استهدفت هذه الشهادة أيضاً إيجاد أداة مالية تمكن بنك السودان من إدارة السيولة في الاقتصاد. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الشهادة تمثل وسيلة لتجميع المدخرات من المواطنين. يتم تداولها في مزادات بواسطة شركة السودان للخدمات المالية. وتتمتع هذه الشهادة بالخصائص الآتية:
أ/ لها فترة سريان محددة بعام واحد.
ب/ لها أرباح عالية تتكون من الأرباح الرأسمالية التي تمثل التغير في قيمة الأصول.
ج/تسجل الشهادة باسم حاملها ويصبح شريكاً بقيمة شهادته في حصص الصندوق في الشركات والمؤسسات المكونة له.
د/ قابلة للتحويل ولها سوق ثانوي وذات سيولة عالية.
فيدخل بنك السودان مشترياً لها عندما تكون السياسة النقدية توسعية وبائعاً عندما تكون السياسة انكماشية.وتؤدي دورها الأساسي كأداة من أدوات السياسة المالية في تمويل عجز الميزانية. وتواجه هذه الأداة مشكلتان أساسيتان هما : اتجاه الدولة في خصخصة القطاع العام مما يعني انتهاء الوعاء الذي تنشأ منه الصناديق المكونة لشهامة. والمشكلة الثانية هي ارتفاع هامش الأرباح مما يعني ارتفاع العبء على الخزينة العامة في تمويل الإنفاق الحكومي.
4) صكوك التمويل الحكومي (صرح):وهذه الصكوك بدأ إصدارها في عام 2003 وهي تقوم على حصر المشتريات التي تديرها الحكومة في العام المالي أو المشروعات التي تخطط لإنشائها وتحدد قيمتها الكلية. ويتكون صندوق تصدر عنه صكوك ذات قيمة اسمية تطرح على الجمهور لشرائها وتمثل قيمة الصك حصة للمشتري في هذا الصندوق ويدير هذا الصندوق شركة الخدمات المالية ويحكم عقد المضاربة علاقتها بحاملي الصكوك. وتتعامل إدارة الصندوق مع الحكومة في توفير المستلزمات بحسب العقد الملائم لتنفيذ احتياجات الحكومة فيكون مثلاً عقد المرابحة في حالة المشتريات من الأجهزة والمعدات وعقد المقاولة (الاستصناع) في حالة تنفيذ المشروعات المتنوعة. ويمكن تطبيق عقد الإجارة في بعض مشروعات البنى التحتية كمشروعات الطرق والمنشآت وبعض المعدات. ويتم تداول الصكوك الحكومية في السوق الثانوي وبالتالي تصبح واحدة من الأوراق المالية التي يستخدمها بنك السودان في سياساته.(هذه صكوك تم اصدارها لأول مرة خلال العام المالي المنصرم, وقد ادرجت في السوق الثانوي للتداول).
5) سياسة نوافذ الاستثمار:
يستخدم بنك السودان هذه السياسة وفق مقتضيات ومتطلبات السياسة النقدية المتصلة بحجم السيولة اللازمة للنشاط الاقتصادي ومتابعة تدفقها بصورة تلائم التوسع النقدي المقرر حسب النموذج الاقتصادي و النسبة المقررة فيه لزيادة النقود. كما أن بنك السودان يستخدم هذه السياسة لمعالجة مشاكل موسمية التمويل بحيث يعمل البنك على سد الفجوة في التمويل المصرفي. وينفذ بنك السودان هذه بموجب عقد المضاربة المطلقة فيكون رباً للمال ويكون البنك المستفيد من هذه النافذة رب العمل. ويتم وفق تنافس بين البنوك بحيث يستفيد من هذه الفرصة البنك الذي يقدم أعلى نصيب في قسمة الربح لبنك السودان. أما السياسة التي تستهدف سد العجز في التمويل الموسمي للمصارف فيحكمها عقدا المضاربة المقيدة و المشاركة وعادة ما يخصص التمويل للنشاط الزراعي. ويكون التنافس بين البنوك في الحصول على فرصة التمويل هذه بموجب مزادات يكون المستفيد منها هو البنك الذي يقدم أعلى نصيب من جملة الربح لبنك السودان في المضاربة المقيدة أو البنك الذي يقدم أكبر حصة في المشاركة في عقد المشاركة.
6) سياسة سد العجز السيولي: تستهدف هذه السياسة مساعدة البنوك التي تقابل مشكلات في إدارة سيولتها الداخلية بما يمكنها من مقابلة التزاماتها في الأجل القصير. ويحكم العلاقة بين بنك السودان والبنك المستفيد من هذه السياسة عقد المضاربة المطلقة بحيث يودع بنك السودان مبلغ العجز السيولي في حساب البنك المعني كوديعة إستثمارية لأجل. وهي في المعتاد لاتتجاوز أسبوعين يوزع فيها الربح بنسبة 90% لبنك السودان و10% للبنك المعين. وإذا استطاع البنك معالجة مشكلة السيولة خلال أسبوع وتمكن من رد الوديعة الاستثمارية فإن بنك السودان يتنازل عن الربح المقرر أما إذا لم يستطع فإن بنك السودان ويأخذ نصيبه المقرر في الأرباح عن الأسبوعين.
ثانياً: أدوات السياسة النقدية النوعية:
1)سياسة توزيع السقوف التمويلية بين القطاعات الاقتصادية: تعتبر هذه السياسة من السياسات النقدية النوعية المباشرة التي تستهدف تحديد نصيب كل قطاع من القطاعات الاقتصادية في جملة السقف التمويلي المتاح لكل بنك من البنوك ووفقاً لهذه السياسة تصنف القطاعات إلى قطاعات ذات أولوية ويدخل فيها القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني والقطاع الصناعي بالإضافة إلى التعدين وإنتاج الطاقة والنقل والتخزين وتمويل التنمية الاجتماعية الموجهة لصغار المنتجين والأسر المنتجة والإسكان المخصص لذوي الدخل المحدود (إسكان شعبي). أما القطاعات غير ذات الأولوية فتدخل فيها التجارة المحلية والخدمات غير المرتبطة بالقطاعات غير ذات الأولوية والقطاعات والأنشطة التي يحظر تمويلها هي الحكومة المركزية وحكومات الولايات والشركات المملوكة للدولة بنسبة لاتقل عن 50% ويرجع ذلك إلى حرص الدولة على التأكيد على تمويل الإنفاق الحكومي من الإيرادات الحقيقية ومن الأنشطة المحظور تمويلها أيضاً العملات الأجنبية وتمويل شراء الأسهم من سوق الأوراق المالية وتمويل إنشاء وشراء العقارات. والأجانب أفراداً وشركات. ويبين الجدول رقم (3) توزيع الموارد المتاحة للبنوك بين كل القطاعات حيث يتضح أن القطاع الزراعي ظل يحظى بأعلى نسبة في السقوف الائتمانية ولم يكن هناك تميز داخل القطاع الزراعي ولكن في عامي 95و1996م تم تقسيم السقف التمويلي إلى زراعي وحيواني تأكيدا على توجه السياسة النقدية للاهتمام بقطاع الثروة الحيوانية. كما بدأ الاهتمام بقطاع الأسر المنتجة و المشروعات الصغيرةفي إطار سياسة الدولة المهتمة بتنمية الريف وتحقيق مستوى معيشي أحسن للمواطنين, فبدأت بتخصيص 5% من جملة السقوف التمويلية بهذا النشاط وبدأت في التزايد حتى وصلت إلى 10% في عام 2001م واستمرت هكذا حتى عام 2003م. كما نجد أن السياسة النقدية الصادرة في 1997م نصت على ألا يقل التمويل المخصص للمناطق الريفية عن 50% من جملة الودائع المستقطبة من ذات المنطقة. وظهر القطاع الصناعي كواحد من القطاعات التي حدد لها سقف في عام 1998م حيث تم تخصيص 30% بالإضافة إلى 25% من جملة السقوف التمويلية لقطاع الصادرات لتشجيع المصدرين في توسيع نشاطهم وكسب أسواق جديدة للمنتجات السودانية.
جدول رقم (3)
توزيع سقوف التمويل بين القطاعات ذات الأولوية والقطاعات الأخرى
البيان القطاعات ذات الأولوية القطاعات غير ذات
الأولوية
العام الزراعة الصناعة الإجتماعي أخرى الجملة
1991 40% (أسر منتجة و 40% 80% 20% 93/1994 50% صغار منتجين) 40% 90% 10%
94/95 40% 50% 90% 10%
يوليو/ديسمبر 25%نباتي 50% 90% 10%
1995 15%حيواني
1996 25%نباتي 50% 90% 10%
15%حيوني
1997 30% 25% 10% 95% 5%
1998 25%زراعي 30% صناعي 10% 95% 5%
5%حيواني 25% صادر
1999 5% 95% 5%
2000 7% 90% 5%
2001 غير محدد غير محدد غيرمحدد غير محدد غير محدد
2002 غير محدد غير محدد 10% 0 غير محدد
2003 غير محدد 10% 0 غير محدد
مثل عام 2001م بداية السياسة النقدية التأشيرية التي اكتفت بالمؤشرات العامة دون إلزام للقطاع المصرفي.
2) سياسة تحديد نصيب كل صيغة من صيغ التمويل في الموارد المتاحة للبنك:
اعتمد بنك السودان على تحديد موجهات عامة في السياسة النقدية تحدد أنواع صيغ التمويل التي يستخدمها البنك في تشغيل موارده. وترجع هذه السياسة إلى توسع البنك في استخدام صيغة المرابحة وذلك لسهولة التعامل بها, ولقدرة المصرف على تحديد الربح في كل عملية من عمليات المرابحة حيث تبين لنا ذلك من خلال رقم (1) فكان نصيبها من التمويل 54% في عام 98 و49% في عام 99 ونقص إلى 33,7% في عام 2000و39,5% في عام 2001و35,9% في عام 2002م. وحتى الانخفاض الذي حدث فيها كان بسبب ما جاء من توجيه مباشر في السياسة النقدية والتمويلية منذ عام 2000 حتى عام 2002م بحيث نصّت السياسة النقدية ألا يتجاوز التمويل لصيغة المرابحة نسبة 30%. وهذا وقد تضمنت السياسية النقدية توجيهات مباشرة في بعض الأحيان بمنع استخدام بعض صيغ التمويل كما حدث لصيغة المضاربة المطلقة في السياسة النقدية عام 2002م.
سياسة تحديد القسط المدفوع مقدما في صيغة المرابحة:
وفي إطار السياسة النقدية التي تستهدف التأثير على صيغ التمويل انتهج بنك السودان سياسة أخرى تجاه صيغة تمويل المرابحة تتعلق بالمبلغ الذي يشترط على العميل دفعه مقدماً فترفع السياسة النقدية هذا المبلغ في القطاعات التي لا تريد التوسع فيها وتخفضه في القطاعات والأنشطة المرغوب فيها.
سياسة التأثير على الأرباح المتولدة عن صيغ التمويل:
اعتمد بنك السودان سياسة التأثير على الأرباح المتولدة عن صيغ التمويل وتوزيعها بين العميل والبنك كواحدة من السياسات النوعية التي يستهدف بها تقييد صيغة من الصيغ أو نشاط من الأنشطة. وبهذا نجد أن السياسة النقدية تضمنت مؤشرات إلزامية واختيارية في بعض الأعوام عن هوامش أرباح المرابحة. وبالتالي يلجأ البنك عادة إلى رفع هامش المرابحة في الأنشطة التي لا يرغب في زيادة التمويل المصرفي لها. ويخفضها في القطاعات التي يرغب في زيادة تمويلها. والجدول رقم (5) يوضح هوامش المرابحة المحددة حسب السياسة النقدية لكل قطاع أو نشاط. هذا وقد أصبح هامش المرابحة في عام 2001حتى 2003م هامشاً تأشيرياً لا تلزم به البنوك وفقا لسياسة تحرير التمويل التي التزم بها بنك السودان. ونلاحظ ارتفاع أرباح المرابحة في الفترة من 1994 حتى1998م وذلك انعكاس لارتفاع معدلات التضخم مما يقضي أن تتناسب الأرباح المحققة بما يعوض الانخفاض في القوة الشرائية للنقود. كما يعكس الانخفاض في هذه الأرباح مستوى التحسن في الأداء الاقتصادي وما تحقق من استقرار حتى وصل المعدل التأشيري للأرباح في المرابحة في عام2003م 12%.
3) سياسة تغيير نسب المشاركة بين العميل والبنك:
من بين الإجراءات النقدية ذات الأثر النوعي تلك الإجراءات المتصلة بتغير نسبة مشاركة البنك مع عملائه في التمويل الذي يتم عبر صيغة المشاركة فعندما تكون السياسة ذات هدف توسعي فإنها ترفع من حصة البنك في الشراكة وتخفض من حصة الشريك ويحدث العكس عندما تكون السياسة انكماشية حيث تخفض حصة البنك إلى أدنى حد ممكن وترفع حصة العميل. ووفقاً لذلك يمكن التمييز بين القطاعات والأنشطة ذات الأولوية وغير ذات الأولوية فتخفض حصة البنك في القطاعات ذات الأولوية وترفع في غير ذات الأولوية. فنجد فعلاً أن السياسة النقدية في عام 1996م نصت على ألا تقل نسبة مشاركة العميل في التجارة المحلية عن 60% من إجمالي قيمة السلع موضوع التمويل أما القطاعات ذات الأولوية فقد خفضت هذه السياسة إلى 25%. أما الصادرات حيث استهدفت السياسة تشجيعها فقد انخفضت حصة العميل إلى 20%. وارتفعت حصة العميل في المشاركة في التجارة المحلية بموجب السياسة النقدية لعام 1997م إلى 75% من إجمالي قيمة السلعة محل التمويل. وعدلت مساهمة العمل في القطاعات ذات الأولوية بحيث لا تقل عن 40%.
خاتمة:
ظلت التجربة الاقتصادية الإسلامية وخاصة التجربة المصرفية في السودان هي التجربة الوحيدة التي ولدت في مناخ ملائم وبين منظومة اقتصادية متكاملة تعمل كلها وفق الشريعة الإسلامية. كما تضافر على رعايتها والاهتمام بها التزام واضح من القيادة السياسية والتنفيذية واهتمام شرعي عبر مؤسسات متعددة على رأسها وزارة المالية والاقتصاد الوطني ممثلة في اللجنة العليا للتأصيل الاقتصادي وبنك السودان الذي ظل يرعى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية وتعاون وثيق مع مستشارية التأصيل و التخطيط الاستراتيجي برئاسة الجمهورية وعمل مشترك مع مجمع الفقه الإسلامي السوداني خاصة عبر دائرة الشئون الاقتصادية. ويزيّن هذا الجهد مجموعة من الباحثين المعنيين بقضايا الاقتصاد الإسلامي في الجامعات والمعاهد العليا بالسودان. وظلت الندوات والملتقيات والدوريات الاقتصادية الميدان الخصب لصقل التجربة وتطويرها بذهن مفتوح واستعداد واسع للحوار ولهذا ستظل(إن شاء الله) هذه التجربة متجددة وفق المنهج الشرعي وتتضمن آليات التصحيح الذاتي وفق التناسق و التكامل الذي أشرنا إليه بين مختلف المؤسسات. ونرجو وندعو الله أن تكون هذه التجربة خير معين لكل الدول في تطوير فكرها الاقتصادي وتحريره من الهيمنة والاستلاب الحضاري. كما ندعو الله سبحانه وتعالى أن يسدد الخطى على طريق الحق ويهدي إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
نقلا عن شبكة المشكاة الإسلامية
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية الحركة الإسلامية الحديثة في السودان ومسألة التغيير الاجتماعي التيار السلفي في السودان المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim