القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
مجلة التنوير > العدد الرابع مجلة التنوير > السيــاســة الـتـنـمــويــة فـــي تـونـس والـحــوار الاجـتـمــاعي

السيــاســة الـتـنـمــويــة فـــي تـونـس والـحــوار الاجـتـمــاعي

السيــاســة الـتـنـمــويــة فـــي تـونـس والـحــوار الاجـتـمــاعي:
بحث في المنوال التعاقدي ومساهمة الفاعلين الجماعيين
د. الـمــولــدي قســـومــي
بــاحث فــي عـلـم الاجتمـــاع – تــونس
:
قد لا يسعفنا أحد بتعريف بليغ للتنمية ووثيق الصّلة بالمقاربة السّوسيولوجيّة أهمّ ممّا فعل توران حين ذهب إلى أنّ«التغيّر التاريخي الشامل الذي نسميه تنمية لا يمكن فهمه على أنّه نتيجة النّمو. إنّ المصطلحين متداخلين دوما وينتميان إلى نظام مختلف من التحليل. التغير التاريخي لا يحصل دون قطيعة. فهو مرور من نسق إلى آخر وليس الصّعود على سلـّم الحداثة أو الإنتاجيّة»( ) وهو يرى أيضا أنّ التنمية «ليست صعود مجتمع إلى مستوى أعلى من الإنتاج أو العقلانية ولكن المرور إلى مستوى أرفع من التاريخانية وإلى نسق من الفعل التاريخي المختلف، لذلك فإنّ نظرية التنمية ليست هي نظرية النّمو، كما أنّها لا تفسّر آليات التطوّر ولكن آليات المرور من مجتمع إلى آخر»( ). وفي إطار تعميق فهمه للتنمية وجد توران أنّه في بداية هذا القرن «تبدو التنمية غريبة على مشاغل الجميع. فإذا كنا نفهم من هذه الكلمة فكرة تحوّل اجتماعي واقتصادي لمجموعة يمكن أن نسميها المجتمع فإنّه في الجزء الأكبر من العالم لا تمثل المجتمعات الشخصيات الرّئيسيّة وحتى في الأماكن الأكثر إنارة في الحياة العامّة فإنّ السلطة كلّها للدّولة. الدّولة التي تعرف من ناحية بمقاومتها للأعداء والتهديدات الخارجيّة ومن ناحية أخرى تمارس المهمّة الصّعبة من أجل تأمين الاندماج الاقتصادي والاثني. ويضاف إلى ذلك أنّ الفرد والإغراءات الاستهلاكية هي التي تحرّكها. وفي الحالتين فإنّ الضحيّة الكبرى هي الحركات الاجتماعيّة. إنّ نهاية قرننا(يقصد القرن20) لا تبدو قادرة على إنتاج فاعلين جماعيين، وإن حصل فيكونون مراقبين مباشرة من طرف السلطة المركزيّة أو يتم تحجيمهم إلى تيار فكري أو موجة فكريّة»( ). يرى توران ذلك رغم انّه يعلم أنّ النقابات، كفاعلين جماعيين، قد لعبت في عديد البلدان نوعين من الأدوار: من ناحية أولى لعبت دورا في اتخاذ القرار السياسي للتنمية وتحديد منوال التنمية، ومن ناحية ثانية لعبت دورا في إعادة تأسيس المجتمع المدني باستقلالية عن الدّولة على مدى تاريخ هذه النقابات. أمّا اقتصاديا فكان دورها أقل تأثيرا وأكثر اقتضابا نظرا لوجود خصائص أربع تميّز اقتصاديّات بلدان الجنوب بالأساس وهذه الخصائص هي التفكك واللاتمفصل والتبعيّة واللاثبات( ). لذلك شكل ظهور دول العالم الثالث على حساب الحركات الاجتماعية والفاعلين الجماعيين طلبا قويّا للتنمية الاقتصادية المسرّعة، وضع الدّولة أمام مهمّة إجرائيّة تحرّكها النظرية الاقتصادية للتنمية التي تعيد قراءتها المقاربة السّوسيولوجيّة للدّول في طريق النّمو، وذلك بمحاولة المطابقة بين أنماط تلك الدّول وأنماط التنمية التي تسعى إلى تحقيقها( ). ففي منعطف الستينات والسبعينات وأمام تجارب الفشل الأولى للتنمية إنشغل حقل التحليل الاقتصادي بشكل تصاعدي بأطروحات نقدية ترفض فرضيات التنمية الممكنة بالنسبة إلى بلدان العالم الثالث دون إعادة تهيئة معمّقة لعلاقاتها الاقتصاديّة مع البلدان المصنّعة. إنّها الأطروحات الشهيرة لمدرسة التبعية التي تتخذ مسلك تجذير براديغم المركز التي صيغت خلال الخمسينات تحت تأثير Raul Prebisch. هذا الأخير الذي توغّل في تحليل الاقتصاد العالمي القائم على قطبين: المركز الرأسمالي المتمثل في الأمم الغربية الصناعية ومحيطها المكوّن من بلدان العالم الثالث المسلّطة عليها عقوبة تراجع قيم التبادل مع المركز. Prebisch اتجه حينئذ بالنسبة إلى بلدان المحيط إلى ضرورة تكوين قطاع صناعي محمي باستراتيجية تعويض الواردات( ). وهذه الأطروحة تفضي إلى أنّ دول العالم الثالث كان لا بدّ لها أن تفضّل استثمارا عموميّا ارادويّا وانتقائيا لمصلحة القطاعات الصّناعيّة التي تعتبر أكثر استراتيجيّة. أمّا بالنسبة إلى البعد الذي ينبغي تبنيه بالنسبة إلى السّوق العالميّة فإنّ التنمية الصّناعية الموجّهة اُعْتُبرَت في أغلب الأوقات غزوا ذا أولويّة للسّوق الدّاخليّة من طرف سياسات تعويض الواردات وهو ما يتيح للدّولة التدخّل عبر التخطيط والسيطرة على حركة المراكمة وامتلاك مردودية فائض الإنتاج بفعل سياسة احتكارها للقطاعات الإنتاجية الإستراتيجيّة، حتى وإن ظهرت ملامح الاقتصاد اللّيبرالي لأن حضور الدّولة لا يزال أساسيّا في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعيّة. «فخلال الستينات والسبعينات مرّت تونس من اشتراكية تسلطيّة إلى ليبراليّة تفتح أبوابها الكبرى إلى المبادرة الخاصّة المحليّة والرأسمال الأجنبي. إنّ سياسة "اغتنوا بسرعة" هذه سجّلت نسبة نموّ مرتفعة خاصّة في القطاعات الصّناعية التصديرية والسياحة. ولكن تكلفتها الاجتماعية والسياسية كانت ثقيلة وتمثلت في قلب البنية الاجتماعية وتشتيت الطبقات. «إن الظاهرة البارزة آنذاك تمثلت في المراكمة السّريعة للثروة المرتبطة بأولوية الحصول على قروض والاحتكار والمضاربة والقدرة على البعث والمقاولة، في حين أن زيادات الأجور كانت بطيئة ولا تقارن بمداخيل أصحاب المؤسّسات»( ). وهذا كفيل بأن يبيّن فشل منوال التنمية لأنّ السّياسة الاقتصادية أدت إلى تصاعد سلـّم الإنتاجيّة والنّمو ولم تفض إلى مرور المجتمع من نسق إلى آخر ولا إلى مستوى أرفع من التاريخانيّة حسب مقاييس توران. والأسباب مرتبطة جذريّا بطبيعة النخبة المسيّرة. فإذا كانت قريبة جدّا من البرجوازية الوطنيّة كما كان الحال في بريطانيا وفرنسا فإن مسار بناء التنمية يكون ذاتيا ومحليّا، بحيث يكون الفعل البرجوازي الوطني مرتكزا على جملة التحوّلات السّابقة. أمّا إذا كانت الإرادويّة تدير التنمية فإنّ العلاقات بين المواطنين والدّولة وبينها وبين النسق العالمي يلعب دورا مركزيا في اِشتغال المسار التنموي( ). وفي قراءة نسقيّة يقدّم بارسونز أربعة وظائف لا بدّ لكل نسق أن يلتزم بها وهي أنّ يحتكم على بنياته الخاصّة ويتأقلم مع محيطه وأن يحقق أهدافـًا معيّنة وأخيرا أن يدمج مختلف وظائفه فيما بينها. إلى هذه الوظائف الأربعة يقترح كارل دوتش إضافة: أوّلا تغيّر الأهداف الخاصّة بالنسبة إلى الدّول والأنساق السّياسيّة. وثانيا القدرة على التبدّل الذاتي. فالنسق يمكن أن يتحوّل ذاتيا تحت أبعاد متعدّدة مع المحافظة على إمكانيات التواصل بالشكل الذي لا يفقده هويّته( ). ولكن هذا لا يمكن أن يكون صالحا بالنسبة إلى كل الأنساق خاصّة تلك التي تدخّلت في إنجازها عوامل خارجيّة. فإنّ مثل هذه الأنساق تكون سريعة الخلل والتفكك. فأمام حركة الاندماج في الاقتصاد العالمي فإن الأنساق المحلية المترابطة تبعيا مع الأنساق الخارجيّة محكوم عليها بتغيير أنماط اشتغالها، وأكثر الظواهر تبليغا يتمثل في كون المؤسّسات العموميّة في سياق برنامج تنموي يحتكم فاعلوه إلى النسق العالمي، «سواء انحصر هؤلاء الفاعلون في الدّولة أو في المنظمات أو في الأحزاب، محكوم عليها بتغير أنماط إدارتها. الأزمة المالية والمحيط التنافسي للإنتاج الذي يؤثر على أغلب البلدان في طور النّمو هي من العوامل المؤثرة في المؤسّسات أكثر ممّا تلزمها به الدّولة»( ). لقد استحضر ميشال كامو عن Jean Poncet منذ 1974«أن الغرب أراد أن يجعل من تونس واجهة لمّاعة وانطباعيّة للتنمية ممكنة التحقيق بفضل رؤوس الأموال والفنّيين القادمين من العالم الحرّ دون ثورة عمّاليّة ولا ثورة الفلاّحين ولا شيوعيين في السّلطة»( ). فمن غير شكّ أنّ منطق الاقتصاد الليبرالي- اقتصاد يعلن أنّه أصبح لا سياسيا- لم يعد فقط يمثل مسارا من اجل فك الرّباط السّياسي والانخراط في منظومة الكفاءة والنجاعة والإمكانيّة، ولكنه في حالة بلدان الجنوب يخفي بالضرورة سياسة عموميّة بالمعنى الذي تكون فيه مدفوعة من طرف الدّولة في إطار استنفاذ دورها الخاص. إنّها حالة تونس حيث أن دور القطاع الخاص في التنمية هو هدف وليس أداة الليبراليّة. « لأن إمكانية تبنّي منوالٍ تونسيّ بالرّجوع إلى محاور الاستقرار والنمّو لا يمثل بالمعنى الحقيقي تجديدا. نتذكر جيّدا النّمو السّريع وميثاق الرّقي والمفاوضات الاجتماعية والحوار الاجتماعي... هذه المعطيات التي اقترنت باسم الهادي نويرة خلال السبعينات. نذكر أيضا الحملة الإنتاجيّة الرئاسيّة والتشريعيّة في مارس 1994 وشعارها:"البلد الأمين" كُتب بنفس الحبر الذي كُتب به شعار السبعينات. إن الاستقرار والنمو خلال التسعينات كان شعارا أساسيّا متجدّدا على قاعدة الانتقال من الاقتصاد الرّيعي إلى الاقتصاد الإنتاجي وصولا إلى استئصال الإسلام السّياسي... إن السياسة في تونس دائمة الحضور إذا اعتبرنا تواصل أهميّة دور الدّولة في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعيّة رغم الليبراليّة الاقتصاديّة »( ).
هذه الإشارات التي توحي بتواصلية دور الدّولة عبر مختلف التجارب هي التي تمثل دافعية قويّة للبحث عن أصول التشكل التعاقدي للعلاقة بين السلطة والمجتمع والأطر التنظيمية للفاعلين الجماعيين. وذلك بالعودة إلى التجارب الأولى التي برزت فيها هذه البنية التعاقديّة من أجل صياغة نهج تنموي وسياسة اجتماعيّة واقتصادية. هذه البنية التي تكوّنت وظيفيا من أجل إثبات مكانة الدّولة ودورها رغم تبدّل أنماطها إلى حدّ التغاير. وهي بنية مكتملة البعد المعرفي إذ تمثل حقلا خصبا لإشغال العلوم الاجتماعية.
أولا: الخيارات التنموية الأولى لدولة الاستقلال
-Iمن الاستقلال إلى تعطّل الاشتراكية الدستورية
إن الاستقلال يعني القطع نهائيا مع كل أشكال التبعية. ولكنه إذا ما عبّر عن نهاية الأشكال القديمة للتبعية مع فرنسا بين 1956 و 1961 فإنّ هذا الاستقلال الجديد بالنسبة إلى الميتروبول يصاحبه رباط تبعي جديد تجاه رأس المال الأمريكي الجاري التطبيق لحظة استقلال تونس، بتمكين كل بلد مستقل يوجد خارج العالم الشيوعي من مساعدة اقتصادية، خاصة بلدان الأطراف بالنسبة إلى العالم الحر، التي تمثل مصلحة استراتيجية هامّة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. «فلقد كانت المساعدة الأمريكية التي تدفقت إلى تونس بين 1957 و 1961، لحظة القطيعة مع فرنسا، في مستوى الإعانة المالية ذات اعتبار. فقد بلغت 239.2 مليون دولار، واحد على خمسة فقط منها في شكل قروض والبقية في شكل إعانات. وحتى نعطي فكرة عن أهمية هذا التدخل الأمريكي وحجمه، فقد مثلت تلك الدفوعات 47% من الاستثمار الخام الجملي خلال خماسية 1957- 1961. وإن كان النصيب الأكبر من هذه المساعدات الأمريكية قد وجّه إلى تمويل حضائر مقاومة التخلّف، وميزانية الدولة ومشاريع حكومية فمن المهم التأكيد على أن هذه المساعدات لم ترصد إلاّ لتمويل مشاريع خاصّة تحت مراقبة بعثة أمريكيّة. وخلال سنة 1961 أعطيت التمويلات الأمريكية لبنوك التنمية وبلغت 13.5 مليون دولار أي 70% من موارد التمويل القار للبنوك»( ). يعني كلّ ما تقدّم أن تدخل رأس المال الأمريكي كان له هدفان:
مساعدة النظام الجديد على مجابهة مشاكله الأكثر إلحاحا من خلال نموذج تونس ليعمّم على بقية بلدان العالم الثالث.
تدعيم تطوّر البرجوازية المحليّة بوضع الوسائل المالية الضرورية على ذمّتها. وقد كانت هذه الأهداف في تطابق تام مع استراتيجية الدّولة الجديدة التي سعت سياستها الاقتصادية إلى وضع الوسائل المادية الضرورية من أجل تنمية البرجوازية المحليّة.
نتيجة لذلك، اتجهت الإدارة السّياسية لدولة الاستقلال من أجل مزيد التحكم في جهاز الدّولة إلى تحقيق ثلاث غايات كانت ضرورية:
تحقيق استقلالية نسبيّة بالنسبة إلى رأس المال الفرنسي والبحث عن تدعيم حضورها الوطني باسترجاع مقومات البنية التحتيّة والتحكم فيها.
استرجاع الإرث الاستعماري جزئيا وتقوية الدّعائم الاقتصادية للبرجوازية الصّغرى المهيمنة على حزب الدستور الجديد.
إقصاء الشق التقليدي ( اليوسفي) من الحزب والدّولة لتمكين الايدولوجيا الليبرالية التحديثية من تدعيم البرجوازية الصغرى( داخليا) في إطار التقسيم العالمي للعمل ومن إعطاء بعض الضمانات الخارجيّة لرأس المال العالمي سواء في علاقة بالولايات المتحدة أو في علاقة بمؤسّسات بريتن وودز Bretton Woods التي التحقت بها تونس منذ 14 أفريل 1958.
ونظرا إلى أنّ الاقتصاد التونسي غداة إعلان الاستقلال يوم 20 مارس 1956 كان يسجّل هيمنة قطاع رأسمالي زراعي و منجمي بإدارة مباشرة من رأس المال الفرنسي، إلى جانب قطاع ما قبل رأسمالي مرتبط بالقطاع الأوّل عن طريق تزويده بالمواد الأوّلية واليد العاملة والمواد الحيويّة الضرورية لإعادة إنتاج قوّة العمل، ونظرا إلى هيمنة البرجوازية الصغيرة على كل
التنظيمات المهنيّة وعلى أجهزة الدّولة، فإنّ هيمنة هذه البرجوازية قد لا تكون سوى ظرفية إذا لم تحقق دعائمها الاقتصادية. ولهذا السّبب كان لا بدّ من إتباع سبيلين اثنين( ):
السّبيل الأوّلى تفترض الحفاظ على نفس إمكانيات اندماجها في التقسيم العالمي للعمل الجديد و هو أمر غير ممكن بالنسبة إلى البرجوازية الصغيرة التي أمّنت استمرارية الامتياز بالنسبة إلى رأس المال التجاري الناشئ في إطار التقسيم العالمي للعمل السابق.
السّبيل الثانية تتمثل في رسم مسار للتصنيع من أجل تحقيق نمو ومراكمة القيمة المضافة ومراقبتها، و هذه السّبيل مطابقة بالتالي للإيديولوجيا التحديثية والإصلاحيّة من ناحية وتمكّن من ناحية أخرى من خلق إمكانيات إعادة سيطرة البرجوازية الصغيرة على المراكز الاستراتيجية للمراقبة والتسيير وإحكام السّيطرة على مراكمة القيمة المضافة.
وهذا المنوال من الخيارات تم تطبيقه على بعض التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية بتدخل رأس المال العالمي وخاصّة مع بداية الهيمنة الأمريكية التي تبحث عن موطئ قدم ضمن الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة لتحقيق التطلعات التصنيعية للبرجوازية الصغيرة.
تونس، هذا البلد الصغير الذي أحرز استقلاله دون عنف، والمنخرط في مؤسسات Bretton Woods منذ بداية الاستقلال ( 14 أفريل 1958) والحائز على انطباعات جيّدة من طرف الغرب و المتميز بقيادة سياسيّة مجسّدة في الكاريزما البورﻗيبيّة التي تعكس مواصفات الرّجل المعتدل المناهض للشيوعيّة وللأصوليّة وللقوميّة، والباحث في آن عن تحقيق الإجماع الدّاخلي على خياراته الهادفة إلى تمتين مؤسسات الدّولة على المنوال الغربي وعلى هدي من توجيهاته من أجل تكريس الوفاق الوطني وكسب ثقة الدّول الكبرى القادرة على الحماية. انتهجت ككلّ الدّول المستقلّة حديثا نهج الاقتصاد المسيّر من أجل إرساء رأسماليّة الدّولة. هذه الرأسمالية«المتوافقة مع اتجاهات عميقة: إنّها ترمي جذورها داخل المنطقة العربيّة في مستوى التنمية الاجتماعية الدّاخلية وترمي جذورها خارجها في نسق من التوازن العالمي والسيطرة على العالم الثالث. وإذا كنا بيّنا خلال سنوات، التناقض بين رأسمالية الدولة والرأسمالية اللّيبراليّة دون أن نخلط بين رأسمالية الدّولة ( لأنها تابعة) والاشتراكية، ودون أن نعتبرها مرحلة للانتقال نحو الاشتراكية، فإنّ السنوات الأخيرة تؤكّد أنّ هذا التناقض هو خاصيّة ثانويّة»( ).
إنّ صفة التبعيّة التي تتصف بها رأسماليّة الدّولة في تونس تحول دون اعتبار وجود مشروع برجوازي وطني. فعلى مستوى العلاقات المالية تمثلت المبادرة الأولى في تأسيس البنك
المركزي بتاريخ 19 سبتمبر 1958 ليعوّض البنك الجزائري التونسي الذي كان حجر الزاوية بالنسبة إلى الهيمنة الاستعمارية، ثم بعث وحدة نقديّة (الدّينار) عوضا عن الفرنك الفرنسي وفصله عنه ومراقبة التحويل المالي خلال ديسمبر 1958 وجانفي 1959( ). وعلى مستوى مظاهر النشاط الاقتصادي اتجه إلى التركيز على القطاعات التقليدية ( النسيج والملابس، الصناعة الفلاحية الغذائية، البناء والأشغال العامّة...) ولكن أيضا تجاه قطاع جديد في تونس هو قطاع السّياحة الذي تطوّر بوتيرة بارزة. والدّولة من جهتها ركزت اهتمامها على البنية الأساسية(ماء، نقل، كهرباء... ) إضافة إلى الصناعات التي مثلت حتى المرحلة خللا وتطلبت استثمارا قويا وخاصة الأقطاب الصناعيّة فكلفها هذا القطاع الأخير بين 1962 و1969 ما يزيد عن 90 مليون دينار. إلاّ أنّ هذه الوحدات الصّناعية لا يمكن أن تتحمل منافسة أجنبيّة. فالمنطق الذي دعا إلى تأسيسها ليس المردود الفوري بل منطق رأسمالية الدولة وإرادة البحث عن طرق تمكّن الدّولة من تحقيق المراكمة وتعويض الواردات بإنتاج محلّي. «الاقتصاد التونسي عرف منذئذ منعرجا نسبيّا ولكن يظلّ تابعا ماليا لرأس المال العالمي والأمريكي بالأساس، فهذه السّياسة المتمحورة على ذاتها نسبيّا في الظاهر، هي محاطة بالولايات المتحدة: فعندما زار بورﻗيبة واشنطن سنة 1961 وقدّم للرئيس كندي Kennedy مشروع "آفاق العشرية" (الذي يستعرض المحاور الكبرى للسياسة الاقتصادية الجديدة)، حظي باستقبال هام لأنّّ الحكومة التونسية استجابت للنداء الأمريكي الذي وعد بمساعدة البلدان التي تثبت إرادتها التنموية خارج المدار السوفييتي. منذ تلك السنة، وافقت الولايات المتحدة على تقديم مبلغ 180 مليون دولار من أجل تمويل المخطط الثلاثي الأوّل»( ). إنّ الإحاطة الأمريكية لتلك السّياسة الاقتصادية جعلت من الممكن أن تمثل تونس مصلحة أمريكية استراتيجيّة وليست اقتصادية، ومن ناحية أخرى لا تهدف بأي شكل من الأشكال أن تحطّم الملكية الخاصّة ولا دعائم البرجوازية المحليّة ولكن إلى توجيه تلك الأخيرة تجاه الأنشطة الإنتاجية الكفيلة بضمان هيمنتها على أسس صلبة.
في إطار قراءة أكثر شمولا لواقع العالم الثالث يرى سمير أمين أنّ البرجوازية الوطنية في هذه البلدان كان يمكن أن تحقق وجودها وتتطوّر منذ مؤتمر باندونغ( أفريل 1955) لأنه المؤتمر الذي خُلق أساسا للدفاع عن المسائل الاقتصادية في مواجهة بلدان الشمال و رأس المال العالمي، خاصّة وأن الرّؤية السياسية لقيادات المؤتمر الراديكالية(عبد الناصر، سوكارنو، نكروماه، موديبوكايتا... ) كانت تزعج رأس المال الإمبريالي. ولا يتردّد سمير أمين في أن يسمّي مؤتمر باندونغ بالمشروع البرجوازي الوطني للعالم الثالث لأنّه كان يعبّر عن جملة من المواقف أهمّها( ):
- إرادة تنمية القوى الإنتاجية وتوزيع الإنتاج( خاصة التصنيع).
- إرادة تأمين الدّولة الوطنية لإدارة ومراقبة هذا المسار.
- الاعتقاد بأنّ هذا المسار لا يقحم في المقام الأوّل المبادرة الشعبيّة ولكن فقط الاحاطة الشعبية بإنجازات الدّولة.
- الاعتقاد بأنّ هذا المسار ليس متعارضا أساسا مع التقسيم العالمي للعمل حتى وإن أدّى إلى نزاعات آنية مع الدّولة الرأسماليّة المتطوّرة.
على أنّ المشروع يتطلّب من البرجوازية الوطنيّة عبر دولتها:
- التحكم في إعادة إنتاج قوّة العمل.
- التحكم في الموارد الوطنية.
- التحكم في السّوق الدّاخلية والقدرة على الدخول في السّوق العالمية بالشروط التنافسيّة.
- التحكم في الدّورة الماليّة التي تمكن من تركيز فائض القيمة.
- التحكم في التكنولوجيا واستعمالها من أجل تطوير قوى الإنتاج.
ولكن أمام هذه الشروط الملزمة لإنجاز المشروع البرجوازي الوطني فضّلت السياسة الاقتصادية في تونس رعاية رأس المال العالمي لها وتجنبت مواجهته، وحققت لها هذه الاحاطة الرأسماليّة العالميّة بين 1962 و1970 ما يقدّر ﺒ 620 مليون دينار أي ما يزيد عن نصف التشكل الخام لرأس المال القار(FBCF) ( ) الإجمالي. وبالتأكيد هذه الرّساميل لا تكون في شكل استثمارات ولكن في شكل قروض. وهذا ما فرض على تونس انفتاحا كبيرا على الأسواق الخارجية تطابقا مع الاستراتيجية الجديدة التي رسمها البنك الدولي للإنشاء و التعمير(BIRD). لذلك كان التصريح الحكومي ليوم 17 نوفمبر 1970 يؤكد على ضرورة البحث عن النمو الصّناعي من خلال تحسين الإنتاجية وتوسيع الأسس التصنيعيّة والاندماج في السوق الخارجيّة وهو الأمر الأسهل بفعل التجاور مع أوروبا خاصّة، وكذلك بفعل اختيار الانخراط في اقتصاد استبدال الواردات بالدخول في رهان الصّناعات التصديرية المرتبط حتميا بالسوق الخارجيّة. ولكن هذا الخيار الاقتصادي المتبع لا يمكن تحقيقه إلاّ إذا التزم به الشركاء الاجتماعيون من أعراف و أجراء بشكل تعاقدي.« وقد فقدت المنظمات النقابية ( في صفوف الشغالين والأعراف) المبادرة على المستوى الاجتماعي ثمّ بشكل خاص خلال ست(06) سنوات (1964-1970) تمكّن خلالها حزب السلطة من تعزيز مكانته في البلاد وتدجين المنظمات الوطنية وخاصّة اتحاد الشغل واتحاد الأعراف واتحاد الطلبة»( ). ولعلّ هذا الأمر ليس جديدا بالنسبة إلى منظمة الأعراف التي نشأت و تطورت في ركاب حزب الدّستور، ويكفي أن نعود إلى إحدى أهم وثائقها الرّسميّة لنقف على التقارب الكبير بين نقابة الأعراف وحزب الدّستور. فالاتحاد التونسي للصّناعة والتجارة«بوصفه منظمة قومية مختصّة تعمل في الميدان الاقتصادي كان في طليعة الهيئات القومية العاملة تحت راية الحزب لتحقيق الأهداف التي ارتضاها قادته ورأوا فيها المنهج القويم المؤدّي إلى الاستقلال والحرية. ولذلك كان الاتحاد التونسي للصّناعة والتجارة أوّل المتحمّسين لبرنامج المجاهد الأكبر ولموقفه إزاء سياسة المراحل والتفاوض مع فرنسا ومن المؤيدين لاتفاقيات سنة 1955 و لحكومة المفاوضات الأولى التي أيّدها الحزب وشارك فيها ليستعملها كمرحلة أولى لاسترجاع السّيادة القوميّة. ونتيجة لهذا التقدير البالغ الذي تلقاه منظمتنا وقيادتها المخلصون شرّكها فخامة الرئيس الجليل في مسؤوليّة الحكم وأوكل لأمينها العام وزارة الاقتصاد القومي في الوزارة الشعبية الأولى التي ترأسها فخامته إثر إعلان الاستقلال سنة 1956 كما وقع تمثيل الاتحاد في الهيئات النيابيّة سواء في المجلس القومي التأسيسي أو في المجالس البلدية أو في مجلس الأمّة»( ).
لا يمكن أن نضيف شيئا مهمّا إذا ذكرنا بأنّ اتحاد الأعراف إلى حدود الفترة المشار إليها آنفا من عمر الاستقلال لم يخرج عن قاعدة كونه هيئة تمثيلية و تنفيذية لجهاز الدّولة. وحتى حينما اختارت الدّولة غداة الاستقلال طريق التنمية وفق النهج الرأسمالي المرتبط بالنظام الرأسمالي العالمي لم يقدم الأعراف على القيام بما كانت تنتظره منهم الدّولة، رغم أنّ الدّولة عملت على توفير الإطار الملائم لنمو رأس المال الخاص حيث وفرت لهم جملة من الإمتيازات الجبائيّة(أمر 31 مارس 1956 و قرار 12 جوان 1956 وأمر 4 جوان 1957 وقانون 10 فيفري 1958) والجمركيّة(29 ديسمبر 1955). و إذا كان قصور أصحاب الثروات يعود بنسبة معيّنة إلى ضيق السّوق الدّاخليّة الناتج عن المكانة الكبيرة التي لا تزال تحتلّها علاقات الإنتاج ما قبل الرأسماليّة وإلى مواصلة فرنسا الحفاظ على مواقع اقتصادية هامّة في القطاع المنجمي والصّناعي والبنكي، فإنّه ناتج كذلك وبنسبة كبيرة عن أسباب هيكليّة متأصّلة في كيان هذه البرجوازية المحليّة التي لم تولد ولادة طبيعيّة وإنّما ولدت في ركاب الغزو الاستعماري للبلاد ولم تكن بالتالي تتحلّى بما كانت تتحلّى بها البرجوازية الغربية من صفات مثل روح المبادرة والعقلانية والتخطيط، فهي لم تستغل كما ينبغي الفراغ الذي خلفه الأوروبيون واليهود الذين غادروا البلاد ولم تستفد من السلم الاجتماعيّة والمزايا والتسهيلات الكثيرة التي وفرتها الدّولة( ).
إنّ هذا الغياب البارز للبرجوازية التونسيّة في مجال الاستثمار وتفعيل التنمية دفع الحكومة إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي ورصد جملة من الضمانات لرأس المال الأجنبي أكدها أحمد بن صالح في محاورة له مع إحدى الدوريات الفرنسيّة( ): «إن المستثمرين الأجانب يتلقون ضمانات وتشجيعات متعدّدة. أوّلا نحن نعتمد مبدأ عدم التفرقة بين المستثمرين الأجانب والمستثمرين الوطنيين. يعني أن الامتيازات التي نخصّصها للقطاع الخاص لتحفيز مساهمته في
التنمية تمتدّ لتشمل المؤسّسات الأجنبيّة و أهمّها الإعفاءات الجبائية لمدّة تتراوح بين خمس سنوات وخمس عشرة سنة، واستقرار النظام الجبائي لمدّة عشرين عاما بالنسبة إلى المرابيح التي يعاد استثمارها... إن الاشتراكية الدستوريّة لا تعني أبدا الدّولتية ولا تعني أيضا البيروقراطيّة، إنّها تسعى إلى الرّقي بالإنسان عن طريق الفعل المنسّق بين القطاع العام، والقطاع الخاص والقطاع التعاضدي. وهذا يتحقق عن طريق التخطيط».
رغم هيمنة الدولة على أهم القطاعات الاقتصادية باسم الاشتراكية الدستورية الرامية إلى بناء رأسمالية الدّولة، فإنّها بفضل عديد الإنجازات لصالح المبادرة الخاصّة في القطاعات غير التجارية، وبفضل سياستها الاقتصادية نجحت في عمليّة رسكلة البرجوازية المحلية وبعث دعائم اقتصادية على أسس أكثر متانة. فخلال ثماني سنوات، كانت البرجوازية قد تغيرت بشكل ملحوظ وغيرت دعائمها الاقتصادية بفعل وجود الاستثمارات الخاصّة. ولكن رغم المردود الذي سجلته استراتيجية المراكمة تلك فقد فسحت المجال لظهور تناقضات اجتماعية حادّة بفعل انقلاب مكانة عديد الطبقات والشرائح. أمّا بالنسبة إلى برجوازية الدّولة فإنّ هذا الطريق الأوّل يعني تحطيم أهم دعائمها و العمل على تفعيل دور البرجوازية الخاصّة. أمّا الطريق الثاني فيمثل حلاّ ظرفيا لأزمة النّسق التعاضدي. ولا يخفى أنّ ارتباط البرجوازية الخاصّة ببرجوازية الدّولة من العوامل التي تجعلها مهدّدة، باعتبار أنّ هذا الارتباط الخفي هو التزام بتوجيه أنشطتها نحو القطاعات المنتجة من أجل التصدير بغية الدّخول في مرحلة اقتصاد استبدال الواردات. وفي النهاية يمكن التوصّل إلى أنّه وقع تقسيم مهام الإنتاج بين القطاع العام والقطاع الخاص( ): الأوّل يأخذ على عاتقه قطاعات المناجم والصناعات المعملية الثقيلة(البتر وكيمياء – الأسمنت... ) والنقل، والثاني يتولى أمر الصّناعات المعمليّة الخفيفة. من هنا يظهر أنّ القطاع الخاص بدأ يظهر من داخل نسق الاشتراكية الدستورية وفي إطار أزمة هذا النسق ونظرا لعجز برجوازية الدّولة عن مواصلة الاضطلاع بمهامها الاقتصادية.
II- الخيار الليبرالي للتنمية
لقد بدأ الإعداد منذ 1969 لسنّ تشريعات اقتصادية تدفع الاستثمار الخاص وتعطي أولويّات وأفضليّات للبرجوازية الخاصّة من أجل تدعيم الصناعات التصديرية القادرة على تعديل الميزان التجاري. وقد صدر القانون عــ37ــدد المؤرّخ في 27 أفريل 1972 لهذا الغرض. وقد لعبت مؤسسات الدّولة دورا مهمّا في هذا البرنامج، فحكومة الهادي نويرة الليبرالية المنتصرة إلى مبادئ اقتصاد السّوق جعلت الأعراف شريكا اقتصاديا فعليا للدّولة. وقد تعزّزت مكانتهم بظهور الاتفاقية الإطارية منذ 19 مارس 1973 التي رسمت الملامح الأولى للتعاقد الاجتماعي الذي أسس الشراكة بين الدّولة و الأطراف الاجتماعية(اتحاد الشغل واتحاد الأعراف). وهذا يعني أن بداية السبعينات أعادت منظمة الأعراف إلى وضعها الطبيعي ووفّرت لها الأسس التشريعية والسياسيّة للمراهنة على أهم محاور الفعل الاجتماعي، خاصّة بعد الدّور الذي أوكل إلى تونس في ظل التقسيم العالمي للعمل في صورته الخاضعة إلى هندسة البنك الدّولي. إضافة إلى أنّ خضوع تونس إلى المنافسة الفرنكو-أمريكيّة في ظل غياب الدّور السوفياتي جعلها تلتزم بقرارات مجلس إدارة المؤسسات المالية العالمية وفي مقدّمتها ماكنمارا Robert McNamara بالتوجه نحو اقتصاد السّوق شأنها شأن بقية دول العالم الثالث التي أوكل إليها البنك الدّولي مهمّة إنتاج بعض الصناعات الأقلّ تطوّر أو غير المعقّدة التي تحتاجها مراكز رأس المال العالمي( ). فخلال السبعينات تمّت إقالة برجوازية الدّولة وتحويل السّلطة إلى البرجوازية الخاصّة. هذا الإجراء نعت رمزيّا بالحكم على ممثل السياسة الاقتصادية الجديدة والمنسقين معه بأنّهم حطّموا جزءا مهمّا من الدّعائم الاقتصادية لبرجوازية الدّولة- القطاع التعاضدي في التجارة- وإعادة تحديد مهام الدّولة، وإعادة صياغة الاشتراكية الدّستوريّة( ): إلغاء شبه كلّي للنسق التعاضدي، وإقالة الطبقات من مكاناتها السّابقة، وتحرير الاقتصاد والاندماج في الأسواق الخارجية، هي المحاور الأساسيّة لسياسة السبعينات. هذه السّياسة التي تركز على أقلمة الحركة العمالية عبر سياسة تعاقدية بين العمال و الأعراف والدّولة.
الاشتراكية كما تمّ تعريفها خلال المؤتمر الثامن للحزب الاشتراكي الدّستوري تعتمد على تحقيق التأليف بين الرأسماليّة في مستوى الإنتاج والاشتراكية في مستوى تقسيم المداخيل. الرأسمالية على مستوى الإنتاج تفرض نفسها لأنها الوحيدة القادرة على خلق النجاعة الاقتصادية. «عوض الاقتصاد المسيّر والموجّه من الممكن بناء اقتصاد يخضع لقواعد النجاعة والمردوديّة. قانون السوق هو قانون صارم ولكنه قانون الحقيقة وقانون التقدّم». هكذا فسّر الأمر الهادي نويرة في خطابه ليوم 17 نوفمبر 1970. لذلك اتجه منوال التنمية إلى الاعتماد على القطاع الخاص حيث كان يجب أن يتجاوز دوره في الاستثمار40 بالمائة خلال المخطّط الرابع(1973-1976). وهذا البحث عن المردودية الاقتصادية فرض من جانبه انفتاحا كبيرا لتونس على الأسواق الخارجية تطابقا مع استراتيجية مؤسسات Bretton Woods.
وهذا ما أكده الهادي نويرة رئيس الحكومة آنذاك:«إنّ الظروف والمعطيات التاريخية والاجتماعيّة تفسّر إلى حدّ كبير الاتجاهات العامّة التي تسير بمقتضاها سياستنا الاقتصادية، فإنّ لتونس واقعها وتجربتها ومكتسباتها الناتجة عن موقف واضح وقفه الحزب في مختلف مؤتمراته من القضايا السّياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما جئنا به في هذا الميدان من تحديد للسّياسة الاقتصادية ومن تأمّل في أبعاد التطوّرات الاجتماعية ليس بدعة بل هو موقف منبثق من صلب فلسفة حزبنا وطرق عمله في معالجة مختلف المشاكل... والقصد من تشجيع رؤوس الأموال في مجالي الصناعة والسّياحة وأوّلا وبالذات خلق أكبر عدد ممكن من مواطن الشغل، وفتح المجال أمام هذين القطاعين لإدخال طرق تصرّف جديدة مع ضمان سوق خارجيّة لبضاعتنا... »( ). يبدو من خلال ذلك أن دور الدولة قد انحصر نهائيا في تدعيم النسيج الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن أن يعبّئ رأس المال الخاص. فمع بداية المخطط الرابع رسمت الدّولة هدفا يتمثّل في مضاعفة نسبة النّمو مقارنة بالعشرية السّابقة انطلاقا من حجم الاستثمارات ومن تقسيم جديد لهذه الاستثمارات. فعملت على توجيه ثلثي(3/2) الاستثمارات تجاه القطاعات الإنتاجية المباشرة القادرة على خلق مواطن الشغل. وبشكل ترابطي فإنّ الاستثمارات يجب أن تترك مجالا لمشاركة رأس المال الخاص وهنا كانت ضرورة المراهنة على دور منظمة الأعراف.
إنّ النتائج المسجّلة( ) وإن كانت لا تحقق الأهداف المرسومة فإنّ نسبة نمو الناتج الداخلي الخام مرّ من 4.6 بالمائة إلى 7.3 بالمائة و تضاعف حجم الاستثمارات أربع مرّات. كما أنّ نصيب الاستثمارات الإنتاجية قد تطوّر من 51 بالمائة إلى 62 بالمائة في حين أنّ مشاركة رأس المال الخاص المحلّي والأجنبي قد تطوّر فعلا من 32 بالمائة إلى 41 بالمائة بفعل إجراء تشريعي دافعي وتشجيعي(الامتيازات الجبائيّة والإعفاءات من التغطية الاجتماعية...) تمثل في قانون أفريل 1972 الذي خلق نظاما استثنائيا بالنسبة إلى المؤسسات المنتجة من أجل التصدير، وقانون 3 أوت 1974 المتعلق بالاستثمارات في الصّناعات المعمليّة.
إنّ الاختيار الذي كرّسه الهادي نويرة- الدّاعية الأوّل للاقتصاد الحرّ- يتناقض تماما مع التجربة الغربية، ذلك أنّه سعى إلى تحقيق تنمية رأسماليّة تقوم على إطلاق يد القطاع الخاص. محليا وأجنبيّا باعتبار أنّ مصالحه ستدفعه إلى التنمية والتصنيع وإقامة مشروعات توفّر حاجة البلاد من مواطن الشغل. لكن التجربة أثبتت أنّ المستفيدين الوحيدين كانوا الأعراف. فهذا التمشّي، وإن كان لا يخدم مصلحة عموم الشغالين، فهو برنامج حيوي مشحون بدافعيّة قويّة لأصحاب رؤوس الأموال-تشريعا وممارسة- ممّا يمكن أن يمثّل النهضة الحقيقيّة لمنظمة الأعراف حيث أصبحت عنصرا فعّالا في كل محاور النشاط الاقتصادي والفعل التنموي. فإذا كانت الاشتراكية الدستورية خلال الستينات قد همّشت المنظمة واستبدلتها بجهاز الدّولة-العرف L’Etat patron فإنّ السياسة اللّيبراليّة ومنوال التنمية الجديدة قلبا المسار وعوّضا الدولة-العرف بالعرف-المقاول.
خلال هذه المرحلة التي أبرزت فيها الدولة قدرة فائقة على تقويل entrepreneurisation الشأن الاجتماعي والسّياسي والاقتصادي كان عليها أن تتحسّب من التناقضات التي تشق ذلك المسار وتستعد لمواجهة أيّ مأزق قد يجمع الأعراف بالشغالين، ففرضت إجراءً مقاوليّا جديدا عرف بالسّياسة التعاقدية.
إنّ السّياسة التعاقديّة هي الوصفة التي تمخّضت عن المؤتمر التاسع للحزب الاشتراكي الدستوري المنعقد في سبتمبر 1974. وإذا كان هذا المؤتمر قد تضمّن العديد من الأهداف. السّياسيّة مثل إلغاء مقرّرات المؤتمر الثامن المتعلقة بانتخاب المكتب السّياسي و شروط انتخاب رئيس الدّولة في حالة شغور المنصب. إلاّ أنّ الهدف الذي يهمّنا من هذا المؤتمر هو قرار السّياسة الاقتصادية والاجتماعيّة التي كرّسها الهادي نويرة والتي تتلخّص في فتح الباب على مصراعيه أمام رأس المال الخاص المحلي والأجنبي وتصفية كل المنجزات ذات الطابع الجماعي التي تحققت في فترات سابقة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف بكلّ نجاعة وبموافقة كل الأطراف الاجتماعيّة مهّد المؤتمر التاسع للميثاق الاجتماعي الذي سمّي بميثاق الرّقي، إذ أنّ الرّؤية كانت تتجه إلى ربط قوّة العمل ورأس المال بعقد اجتماعي غايته تحقيق السّلم الاجتماعيّة وأحيانا تسمّى عند بعض الخطباء السّياسيين بالتكافل الاجتماعي بين منظومتين على طرفي نقيض. وطبعا لا يمكن أن يكون في أحشاء هذا المفهوم من مدلول سوى أن ترضى قوّة العمل بشروط رأس المال، لأنّ التكافل هنا لا يمكن أن يعني العدالة إذا كان الهدف الرئيسي من خطاب بورﻗيبة أثناء المؤتمر هو تشجيع رأس المال الخاص وإعطاؤه الأولويّة في تحقيق التنمية، دون أن يدرك أنّ التنمية هي برنامج الدّولة في حالة غياب البرجوازية الوطنيّة، وليس برنامج الأعراف الذين تهيمن عليهم الرأسمالية الأجنبيّة التي تتناقض مصالحها تناقضا مباشرا أو غير مباشر مع تطوّر السّوق الدّاخلية المندمجة والمستقلّة والمرتكزة على قوى المراقبة الاجتماعية والسّياسيّة والاقتصادية المحليّة. ولكن مفهوم بورﻗيبة للدّولة أصبح مفهوما ليبراليا واضحا حين قال في المؤتمر التاسع للحزب:«أمّا الحكومة فدورها هو دور الحكم الذي يسهّل الاتصال والتفاهم بين الأطراف المعنيّة» وهو نفس المضمون الذي ورد في خطابه الافتتاحي حين ترأس المؤتمر الثامن للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة( ). ويستمد هذا المؤتمر مشروعية برنامجه الاقتصادي أيضا من التجربة السابقة على وجهين: الوجه الأوّل تمثـــّل في فشل تجربة التعاضد التي انتهت بمحاكمة أحمد بن صالح. والوجه الثاني تجلّى من خلال تعريف الهادي نويرة الاشتراكية الدستورية في حدّ ذاتها. إذ هي«ليست امتلاك وسائل الإنتاج، كما لا يمكن تعريفها كذلك بأنّها اشتراكية الإكراه والاستبداد، وإنّما هي وسط بين الملكية الخاصة والملكية العامّة أو الجماعية لوسائل الإنتاج. والاشتراكية الدستورية تعطي لروح المبادرة والخلق وبعث المؤسّسات مكانتها كما تعطي مكانة للتنافس وحق التزاحم... إنّ هذه الاشتراكية يمكن تحقيقها عن طريق توازن في أساليب امتلاك وسائل الإنتاج العام والاجتماعي والخاص... وتقتضي الاشتراكية الدستورية تدخّل الدّولة بقصد التوجيه و التشجيع وتوفير الإطار وتنظيم القطاع الخاص. وتبقى الملكية الخاصة في نظر الاشتراكية الدستورية وظيفة اجتماعية يجب أن تخدم المصلحة العامّة على أكمل وجه ويتمثل دور الدّولة في تنظيم هذه الوظيفة ومراقبتها ومباشرتها تفاديا لكلّ سوء تصرّف وحيف حتى يمكن للأمة جمعاء الاستفادة من تلك الوظيفة».
إنّ المؤتمر التاسع لحزب الدستور هو آخر مراحل اكتمال الخيار اللّيبرالي. وقد بدأت مرحلة الاكتمال هذه بإبرام الاتفاقية الإطارية بين الأطراف الاجتماعيّة، وهي الاتفاقية التي مهّدت لظهور الميثاق الاجتماعي. إضافة إلى دور حزب الدستور في جعل نقابة الأعراف فاعلا اجتماعيّا واقتصاديا وسياسيّا فإنّ هذا الدّور مكّنه منه أيضا الاتحاد العام التونسي للشغل من داخل منطق التعاقد الاجتماعي إذ أولاه الشراكة في تصريف الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لقطاع مهم من المجتمع التونسي.«ففي مرحلة الليبرالية الجامحة التي قادتها حكومة الهادي نويرة تكالب رأس المال على تنمية القيمة الزائدة و الأرباح ولم يكن هذا ليتحقق إلاّ بزيادة استغلال العمّال والكادحين عموما، فبدأت الدّعاية الرّسميّة تروّج لمقولة الشراكة الاجتماعية التي تعني التخلّي عن، مبدأ الصّراع الطبقي والتنكّر له واستئصاله من وعي الكادحين واستبداله بالتعاقد بين العمّال والرأسماليين. وخدمة لمصالحها الذاتية وأنانيتها الضّيقة وقّعت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل في مطلع 1977 مع الحكومة والأطراف الأخرى عقد التعاون بين العمل ورأس المال أو ما يسمّى بالميثاق الاجتماعي»( ). ومن الثابت أن نضج منظمة الأعراف لم يتحقق إلاّ عبر السياسة التعاقدية لتوكل إليها في نطاق هذه الصيغة التشريعية والوفاقية مهمّة تمثيل أصحاب رؤوس الأموال و الدفاع عن مصالحهم المادية والمعنويّة، خاصّة وأنّ هذه المنظمة قبل هذه المرحلة لم تكن تملك أدوات إثبات وجودها وتحقيق دورها لسببين: الأوّل، كونها منذ أن انبعثت تمثل خليّة حزبيّة ثمّ تحوّلت إلى إدارة فرعيّة من فروع الإدارة السياسية لحزب الدستور. و الثاني كونها لا تحتكم على أدنى مقوّمات الحركة الاجتماعيّة(خاصّة منذ الاستقلال) التي تمكنها من الاشتغال بشكل مستقل عن دور السلطة السياسيّة. لذلك فإنّ أدوار منظمة الأعراف في تونس ارتبطت منذ فترة السبعينات بالدّخول في برنامج التضحية بقوّة العمل لفائدة رأس المال ثمّ التمتع بتشريعات قائمة على المرونة والامتيازات لفائدة رأس المال المحلّي والأجنبي. ومن هنا اضطلعت بدور الإشراف على جلب رؤوس الأموال الأجنبية في نطاق ما يسمّى بالمناولة وكذلك الاستثمار الخارجي المباشر) IDE .(
عبر هذا الدّور الذي أصبحت تؤدّيه منظمة الأعراف في نطاق مهّمتها كعون تنفيذ للسياسة الاقتصادية للدّولة تظهر أن للبرجوازية التونسية كمثيلاتها في العالم الثالث سمات خاصّة تميزها عن البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتطوّرة، وأهم هذه السّمات تتمثل في كونها تتطوّر في إطار علاقات الإنتاج الرأسمالي التبعي ممّا جعلها تقبل بشكل نهائي انخراط تنميتها في نطاق الأدوار الكومبرادورية( )التي يفرضها توسع الرأسمالية العالميّة. لأنّ رأس المال الذي يقدم القروض ويبيع التقنية وبدون أن يصبح المالك القانوني والمراقب المباشر للعملية الإنتاجية يستولي في الواقع على كل أوجلّ فائض القيمة المنتجة. وهذه العملية تجعل من إعادة إنتاج رأس المال في البلدان التابعة مستحيلة وإن وقعت فلا يتمّ ذلك إلاّ بتمكين رأس المال الخارجي من الملكية المباشرة لقطاعات الإنتاج. فالرّوافع الاقتصادية و السّياسية ومراكز السّيطرة في المجتمع التونسي موجودة أساسا في أيدي:
1- الرأسماليّة العالمية والشركات متعددة الجنسيات التي تسيطر على المراكز الأساسيّة خاصة بالإعتماد على سلسلة من القوانين التي أصدرها الهادي نويرة ابتداء من عام 1970 والتي وفّرت امتيازات ضريبية ومالية هائلة للمشروعات الأجنبية القائمة على أساس التجميع و المقاولة
من الباطن( ) وكذلك القوانين التي أعادت المصارف الأجنبية و التي كانت قد انتهت بالخروج من منطقة الفرنك وإنشاء البنك المركزي و العملة المحليّةمنذ1958.
2- البرجوازية البيروقراطيّة أو برجوازية الدّولة وتضم كبار موظّفي الدّولة الذين يستغلّون مواقعهم ليتحوّلوا إلى كبار رجال الأعمال.
3- البرجوازية الصناعية والتجارية الخاصّة التي تعمل كوكيل وشريك صغير للرأسمال الأجنبي وترتبط مصالحها بمصالحه. ولا شك أن التعبيرة الجماعيّة والهيكلة التنظيمية لهؤلاء تتمثل في الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة.
4- كبار ملاّك الأراضي الذين استفادوا من محاولات تصفية المشكلة الزراعية وحلّ التعاضد ونجحوا في الاستئثار بخيرة أراضي البلاد وفرضوا على الفلاحين أشد علاقات الاستغلال.
تلك هي الفئات القابضة على الرّوافع الاقتصادية لتونس منذ بداية السبعينات و التي تتحكم في البناء الفوقي من مؤسسات سياسيّة وتشريعيّة وقانونية وفكرية تدعم سيطرتها الاقتصادية. ولم يمثل الأعراف التونسيون الجدد إلاّ فئة ضمن تلك الفئات تيسّر لهم أداءهم نقابتهم المتحالفة مع بيروقراطية الدّولة من ناحية ومع رأس المال الأجنبي بالحصول على توكيلاته في مجال الاستثمار من ناحية ثانية.
إنّ رأسمالية السبعينات في تونس باعتبارها رأسمالية في العالم الثالث جاءت في عصر انقضاء فرص النّمو الرأسمالي بالأسلوب الذي جرى به في الغرب.هي في الأساس وبالضرورة رأسمالية غير منتجة وهي أيضا رأسمالية غير مستقلّة. وكونها رأسمالية غير منتجة نابع من عدّة عوامل موضوعية وذاتية. وتتلخص العوامل الموضوعية في انتقاء الفرص التي أتاحت للرأسمالية الغربيّة فرصة الازدهار والتقدّم المتمثلة في نهب المستعمرات واعتصار العمّال في الدّاخل ووجود تراكم لديها مكنها من ارتياد جميع مجالات الإنتاج و العمل الاقتصادي بما أتاح لها تراكما جديدا مكنها من دخول مجالات جديدة وهكذا دواليك. وتتلخص العوامل الذاتية في أنّ الاستعمار الفرنسي نهب مقدرات تونس ولم يترك الكثير ليتراكم لدى الرأسمالية المحليّة بما يسمح لها بالتحوّل إلى قوّة اقتصادية حقيقيّة. وهذه العوامل الذاتية والموضوعية معا تلخّص مغزى التمييز بين المجتمعات الرأسمالية المتقدمة والمجتمعات الرأسمالية المتخلفة. وفي هذا الشأن إذا كانت البرجوازية التونسيّة-ككل برجوازيات العالم الثالث- محكوما عليها بالكومبرادورية فلأنّ الدّراسات أثبتت القدرة المحدودة لبرجوازية الأطراف في القيام بالدّور التاريخي الذي لعبته البرجوازية في المركز( )« فكانت النتيجة التي توصّلنا إليها هي أنّ تبلور البرجوازية في قوّة اجتماعية وطنية بالمعنى الحقيقي الكامل(ونقصد هنا قوّة تتمتع بدرجة معقولة من الاستقلال الذاتي في إطار النظام العالمي)، يتطلب إنجاز هيمنة البرجوازية المحليّة على عدد من الآليات الاجتماعية الآتية:
أوّلا: الهيمنة على شروط إعادة تكوين قوّة العمل، الأمر الذي يفترض بدوره الهيمنة على العلاقة بين التنمية الصّناعية والتنمية الزراعية.
ثانيا: الهيمنة على الفائض والقدرة على توجيه استخدامه، الأمر الذي يتطلب السيطرة على شؤون النقد والمال.
ثالثا: الهيمنة على السوق.
رابعا: الهيمنة على الموارد الطبيعيّة.
خامسا: الهيمنة على التكنولوجيا.».


ويذهب سمير أمين في هذا الشأن إلى أنّ البرجوازية التي لا تهيمن على هذه العناصر الأساسيّة في عملية التراكم لا تعتبر برجوازية وطنيّة، وإن كانت هي الطبقة الحاكمة محليا إنّما هي في هذه الظروف تكون برجوازية كومبرادورية الطابع. ولكن ما أهمية النّمو الذي تحقق خلال السبعينات في تونس وما دوره في عملية التنمية والحال أنّ البرجوازية التونسية لم تهيمن على تلك العناصر الأساسيّة في عملية التراكم؟ كثيرا ما نجد الأجوبة جاهزة حول عديد الأسئلة الكبرى نظرا لأنّ البحث فيها وصل إلى شوط متقدّم.« فالنمو الرأسمالي الذي يتحدث عنه بعض المهتمين باقتصاديات العالم الثالث ويلوّح به في تونس كواجهة تحديث وتقدّم(خلال السبعينات وبعد ذلك) ليس التنمية ولا يعنيها مطلقا. فالأوّل مفهوم اقتصادي ضيّق يغطّي حركية التوسّع في مكوّنات إنتاج الفائض الاقتصادي، فيما تعني التنمية ببنية توزيع الفائض الاقتصادي ما بين أجور واستثمارات جديدة وموسّعة... وحتّى هذا النمّو الاقتصادي المتحقق في تونس وخاصة خلال السبعينات على أهميّته كأحد عناصر التنمية الاقتصادية يظلّ نموّا محدودا ومحكوما بسقف لا يمكن تجاوزه من حيث أنّه يحدث في بلد متخلّف هو كغيره من البلدان المتخلّفة يعيش وضعا مختلفا أشدّ ما يكون الاختلاف مع ذلك الذي عاشته بلدان أوروبا حين انتقالها إلى الرأسمالية ونجاح الأسلوب الرأسمالي فيها»( ). فالظروف الواقعية للتنمية في تونس أظهرت الحدود الضيقة للنمو الاقتصادي الذي تم التوصّل إليه في تلك البلدان مع بقاء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية التقليدية والاستعماريّة الموروثة ووضعها غير المتكافئ في التبادل العالمي. والسّبب في هذا أنّ مقتضيات الاستقلال الاقتصادي تتناقض وطبيعة السياسة الاقتصادية القائمة على مبادرة رأس المال الخاص والملكية الخاصة كمحور وقاعدة تقوم عليها كل الأبنية السّياسية والاجتماعية والفكريّة. ولذلك فإنّ تحقيق تنمية رأسمالية مستقلة في تونس لم يكن ممكنا للأسباب التالية:
عدم توفّر التراكم الرأسمالي اللاّزم للاستثمار في المجالات الإنتاجية، وقد برز ذلك بوضوح عند مغادرة الفرنسيين و اليهود للبلاد صحبة أموالهم وما نجم عنه من نزيف مالي بلغ سنة 1957 حوالي 36 مليار من الفرنكات( ).
عدم توافر الخبرات الفنيّة و التكنولوجية والإدارية اللازمة باعتبار أنّه عند خروج الإدارة الاستعمارية سحبت معها كل الكفاءات.
عدم توافر تكنولوجيا محليّة: ذلك أن المشاريع الاستثمارية المقامة في تونس كانت تستخدم أساليب تكنولوجية مشابهة لما كانت أوروبا تستخدمه في بداية ثورتها الصناعية نظرا لتعويلها على استخدام العمل الوفير والرخيص في تونس. لذلك كانت هذه المشاريع تتميز بكثافة استهلاكها للعمل.
بقاء تونس في إطار السوق الرأسماليّة ذات النظام الهرمي، على حد عبارة بول باران P.Baran الذي يعتبر أن الرأسمالية هي على الدّوام ومنذ بدايتها المبكرة في العصور الوسطى نظام دولي وهي على الدّوام نظام هرمي يقف على قمته بلد واحد أو قائد واحد أو أكثر وتوجد عند قاعدته المستعمرات التابعة بصورة كاملة.
أمام كل هذه الأسباب الحائلة دون تحقيق تنمية رأسمالية كان«على الدّولة أن تسهر على تسديد الحاجيات الأساسية للبلاد ولها أن تقوم في سبيل ذلك بمختلف الوسائل فتكون منتجا مباشرا في القطاعات المسيطرة على غيرها مثل الطاقة والنّقل... وتكون طرفا مع غيرها في الصّناعة والفلاحة والخدمات أو تعهد إلى الخواص بإنتاج وتوزيع الأرزاق و الخدمات»( ). ونظرا إلى كل المعطيات التي سبق ذكرها لم تكن منظمة الأعراف رافدا من روافد التنمية بل اكتفت بوظيفة الهيكل التنظيمي للبرجوازية التي تنشط في مدار رأس المال التبعي و في أعلى مراحل نشاطها تتحوّل إلى كومبرادور يوغل في تنمية التبعيّة.
ثانيا: السياسة التعاقدية والسلم الاجتماعيّة
المقدّمات الأولى لسياسة التعاقد الاجتماعي
في مرحلة الليبرالية التي قادتها حكومة الهادي نويرة تحوّلت تونس إلى قطب لجلب رأس المال من أجل تنمية القيمة الزائدة والأرباح، ولم يكن هذا ليتحقّق إلاّ بزيادة استغلال العمّال والكادحين عموما. فحكومة نويرة أعلنت القطيعة مع الاشتراكية التسلطيّة التي بادر بها سابقه أحمد بن صالح. ولكن هذه السّياسة الاقتصادية الليبراليّة ستكون لها نفس نتائج مسار تخلّي أي دولة عن الإدارة الاقتصادية الليبراليّة لصالح أقليّة من أصحاب الأعمال. وهذا ما من شانه أن يؤجج الشعور بالإنكسار لدى الأغلبيّة من الشعب وخاصّة البرجوازية الصّغيرة التي سيقصيها النسق شيئا فشيئا من مكاسب المجتمع الاستهلاكي. لذلك بدأت الدّعاية الرّسمية تروّج لمقولة الشراكة الاجتماعية التي تعني إذابة التناقضات وإخماد الصّراع الاجتماعي واستئصاله من الوعي العمّالي واستبداله بعقد سلمي بين قوّة العمل ورأس المال، وهو ما سميّ في مرحلة لاحقة بالميثاق الاجتماعي. فما هي الدّواعي الأساسيّة لهذه الشراكة التي تؤسّس لمرحلة تعاون العمل ورأس المال؟
«إنّ البرجوازية المحلية كانت تسعى إلى تقديم سياسة السلم الاجتماعيّة القائمة في تونس كملصقات دعائية لجلب اهتمام المموّلين الأجانب وتأهيل قوّة العمل الرخيصة لاستقبال رؤوس أموالهم. ومن ناحية أخرى فإنّ السّلطة في تلك الفترة كانت مضطرّة إلى توسيع قاعدة النظام باستمالة فئة البيروقراطيين النقابيين قصد توظيف القيمة العددية والتنظيمية للاتحاد العام التونسي
للشغل في مواجهة البيروقراطيّة الحزبيّة، التي لا تزال تحتلّ مواقع هامّة، وعزلها عن الحياة الاقتصاديّة التي أصبحت من مشمولات أرباب العمل. وباختصار فإنّ الأمر لا يعني أكثر من الاعتراف بسلطة الرأسمال على الإنتاج والمجتمع إذ أنّ الشراكة الاجتماعيّة أو التعاون الطبقي ليس سوى أحد أشكال إخضاع الكادحين لهذه السّلطة. ويجدر بنا هنا أن نؤكد أنّ البرجوازية المحليّة لم تكن في مشروعها هذا تنشد صداقة الطّبقة العاملة أو ترغب في التخلّي عن صراعها الطّبقي بل أنّها كانت تحاول الحصول على تنازلات من الكادحين وإرغامهم على التراجع عن حماية مصالحهم»( ). فإذا علمنا أنّ أغلب المنتسبين إلى الحزب الدّستوري منذ البداية ينحدرون من عائلات تجارية وفلاحيّة وموظفين وأن جمهور هذا الحزب تشكّل منذ الثلاثينات من تحالف لشريحة التجار والصّناعيين التقليديين والملاّك الصّغار والمتوسّطين ولم يكن هناك حضور للعمّال. وإذا علمنا أنّ التركيب الطبقي لحزب الدّستور لم يشهد تبدّلات جذريّة في المراحل اللاّحقة فهذا يعني أنّه لم يكن نموذجا اجماعيّا، ويعني أيضا أنّ موقفه من الطبقة العاملة هو موقفه نفسه من الحركة العمّاليّة ومنظمتها النقابية، ويتمثل هذا الموقف في محاولة ترويض الاتحاد العام التونسي للشغل ومحاولة السّيطرة عليه واستغلاله في تمرير سياسات السّلطة.«وإذا كان هذا الموقف قد برز بشكل عملي منذ وقت مبكر قبل الاستقلال فإنّه قد اتخذ بعد الاستقلال أبعادا أكثر حدّة حيث تحوّل أسلوب الضّغط القديم إلى أسلوب القمع المباشر الذي وصل إلى حدّ استخدام قوى الجيش والبوليس لتقتيل العمّال وتفكيك الهياكل النقابيّة والزج بالعديد من الكوادر القيادية في جحور القمع والتعذيب سنة 1978. وقد كانت هذه الممارسات التي قام بها النظام البورقيبي نتيجة منطقية وتطبيقا لأفكار حزبه المعادية للطبقة العاملة ومنظمتها النقابية وهي أفكار تنفي وجود الصّراع الطبقي وتدعو إلى المصالحة الاجتماعيّة والطبقيّة وتضع للدّولة مكانــا فوق الطبقات»( ) ويؤسّس لأجل السياسة الاجتماعية مجموعة من القواعد تهدف إلى التطبيع بين أطراف النزاع داخل المؤسّسة والتعريف بمبادئ المشروع "الوطني" المتماسك، وتلك السياسة معلّلة من طرف واحد معني بالصّراعات الجماعيّة.«وبدلا من براد يغم الصّراع الطبقي يفرض براد يغم الميثاق الاجتماعي والسلم الاجتماعيّة حيث أنّ أولئك الذين كانوا يتواجهون بالأمس مباشرة، يجتمعون اليوم على الاعتراف المتبادل بمثابة جماعة مصلحة داخل المؤسّسة أو داخل المجتمع. هذا التغيّر في الآفاق يتوافق مع صعود الهياكل التمثيلية للأعراف عبر الخطاب السّياسي الذي يطوّر فكرة التضامن المهني الجماعي بشكل مناقض لفكرة التضامن الطبقي للنقابات العمّاليّة»( ).
إذا كانت العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحزب الاشتراكي الدستوري قد عرفت في بعض الفترات انسجاما ملحوظا وصل إلى حدّ تقديم خدمات من طرف الاتحاد للحزب الحاكم فإنّ أكثر فترات تلك العلاقة قد شهدت غلبة الطابع الخلافي والتناحري عليها. وحتى فترات الانسجام لم تكن تعني في أحسن الأحوال أكثر من تأجيل التناقضات بين الخصمين لوقت قصير ما دام الأمر يتعلّق بطرفين تتناقض أهدافهما السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة بشكل جذري. «فمنذ السبعينات ساهم النمو الاقتصادي في تمايز المصالح وإبراز تعميق الاختلاف وبالتالي تطوير الشكل المستقل سياسيّا وإيديولوجيا للطوائف الممثلة للمصالح، ولا يحدّ من ديمومة هذا التناقض ما يحدث في بعض الأحيان من تقارب في الأهداف المرحلية. إننا نواجه هنا تناقضا جوهريّا بالضرورة بين طرف حزبي حكومي تقع على عاتقه مهمّة حماية مصالح الطبقات الموسرة وبين طرف آخر يمثل الطبقات الكادحة وتقع على عاتقه مهمّة حمايتها من استغلال رأس المال ومن الإجراءات الحكوميّة التي تتخذ عادة لمعالجة تدهور الأوضاع الاقتصاديّة في البلاد»( ).
بعد سقوط تجربة بناء رأسمالية الدّولة في صائفة 9691 كانت العناصر البرجوازية التي تمكنت من السيطرة على السلطة في حاجة إلى تطبيع العلاقة مع الاتحاد العام التونسي للشغل. فحتى يكون النظام قادرا على تركيز سياسته الاقتصادية الجديدة المبنية على مواصلة تطوّر الرأسماليّة المحليّة وإدماجها أكثر بالسّوق الرأسماليّة العالميّة وفتح السوق التونسيّة للرأسمال الأجنبي، تبقى المهمّة الأساسيّة والملحّة هي تحقيق السلم الاجتماعيّة وإزالة الاحتقان وتوفير أهم شروط الاستقرار السّياسي والاجتماعي ومحاولة إدماج الطبقة العاملة واحتوائها من طرف النظام حتى يتمكن جهاز الدّولة من تكسير التحرّكات العمّاليّة أو على الأقل احتواء النضالات عن طريق أطر وهياكل قانونية وشرعيّة. «وهكذا عرفت السّياسة الرّسميّة تحوّلا جديدا في علاقتها مع الاتحاد العام التونسي للشغل فعيّن الحبيب عاشور بقرار من المكتب السّياسي للحزب الحاكم أمينا عاما للمنظمة النقابيّة ( ) وبدأت سياسة الوفاق الاجتماعي مع بداية التطبيع بين المنظمة والحزب وظهرت أوّل نتائجها مع سنة 7391 حيث تمّ إمضاء العقود المشتركة بين نقابة الشغيلة ونقابة الأعراف تحت إشراف رئيس الحكومة آنذاك الهادي نويرة، وهي أوّل خطوة تمهيدية نحو إرساء سياسة تعاقديّة اكتملت بميثاق الرّقي سنة1977. «إن التحويرات التي أدخلتها العقود المشتركة على العلاقات بين الأعراف والعمّال كانت ترمي إلى تجنب النضالات العمّاليّة الحادّة التي ليس من السّهل إحباطها، وقد تمكّنت قيادة اتحاد الشغل من تحقيق بعض المكاسب للعمّال والأجراء منها: الزيادة في الأجور عام1973 والرّفع في الأجر الأدنى القانوني عام1974 ثمّ الرّفع في مقدار المنحة العائليّة سنة1975 إضافة إلى ما حققته العقود المشتركة التي شملت أغلب مؤسسات القطاع الخاص من زيادة في الأجور. هذه الإنجازات بدت لعدد كبير من العمّال والموظفين إيجابيّة وذلك بعد أن بقيت الأجور مجمّدة سنين متتالية(1961-1970). ومع بداية الأزمة الاقتصادية التي دخلت فيها البلاد سنة1975 والارتفاع الفاحش في الأسعار اتسعت نضالات الجماهير الكادحة وتعدّدت الإضرابات وتطوّر الوضع داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وتغيرت فيه موازين القوى بصفة جذرية فتزايدت معارضة العمّال لما سمّي بميثاق الرّقي الاجتماعي الذي وقعته القيادة النقابيّة في جانفي1977 مع الحكومة ونقابة الأعراف والذي يقضي، مقابل زيادة محدودة في الأجور، بتجميدها طوال فترة المخطط الخامس»( ). وفي هذا المستوى تعتبر تونس قد حققت سبقا على المستوى العربي (مقارنة مع مصر والمغرب مثلا). وقد ظهرت الرهانات الحكومية حول تاطير الفعل النقابي منذ الاتفاقية الإطارية لسنة1973 التي كانت عبارة عن مقدّمة لنشوء نسق جديد من العلاقات بين الأطراف الاجتماعيّة. إنّ الدّولة لم تكن في هذا السياق محايدة بل كانت طرفا مفعّلا لعملية إخماد الصّراع الطبقي وتأبيد الوفاق الاجتماعي المبني على الشرعية والمردوديّة كما يصوّرهما التوجّه الليبرالي للدّولة.
II-العقود المشتركة
أرادت البرجوازية عن طريق المنظمات النقابية(الأعراف- العمّال) حشر الطبقة العاملة في سياسة التوفيق الطبقي بهدف إدماجها في نظامها الاجتماعي تحت تسميات جديدة تحاول إقناع العمّال بأنّ علاقتهم بأرباب العمل هي علاقة بين أطراف متعاقدة لا بين مستغلين ومستغلين. في يوم 20 مارس 1973 وقّع الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصّناعة والتجارة أوّل عقد إطاري مشترك( ) يشمل كل القطاعات الصّناعية. وقد أبرم في الجملة 39 عقدا مشتركا بين سنة 1973 وسنة 1976 تهمّ 8000 مؤسسة من القطاع الخاص تشغل حوالي 200.000 عامل. ولم يبدأ العمل بالعقود المشتركة إلاّ بداية من 16 جانفي 1975 حين شملت المجموعة الأولى من هذه العقود جملة من مؤسسات القطاع الخاص(البناء- العجين الغذائي- النسيج- البنوك- صناعة الجلود والدباغة- النفط- المشروبات غير الكحوليّة...) وقّعها الحبيب عاشور عن اتحاد الشغل والفرجاني بلحاج عمّار عن اتحاد الصناعة والتجارة. ورغم اقتناع الحكومة وممثلي أرباب العمل بضرورة العقود المشتركة فإنّ تطبيقها اعترضته عديد العراقيل والمصاعب من طرف الأعراف والشركات، فحتى نهاية عام 1976 أي حتى نهاية المخطط الرّابع لم تشمل العقود المشتركة العديد من المؤسّسات الصّناعيّة، أما القطاع الزراعي الذي يشغل 35 بالمائة من السكان العاملين فقد بقي خارج العقود المشتركة. أمّا الأهمية التاريخية لهذه العقود المشتركة فتعود إلى أربعة عقود خلت، فقد برز مفهوم العقود المشتركة لأوّل مرّة في تونس سنة 1936 اثر ارتقاء الجبهة الشعبيّة إلى الحكم في فرنسا( ). فقد سمح الأمر المؤرّخ في 4 أوت 1936 للاطراف الاجتماعيّة بإبرام عقود في قطاعي الصّناعة والتجارة. على أنّ النص قد ظلّ بصورة عمليّة حبرا على ورق، إذ لم تبرم سوى اتفاقيتين كان لهما مدى محدود جدّا. بل لم يلبث أن صدر في 5 نوفمبر 1949 أمر تضمنته أوّل مجلّة شغل في تونس(الفصول 44 إلى 51) تحجرّ إبرام عقود مشتركة ما لم تصدر اتفاقيات إطاريّة. وقد أفرغ هذا التشريع العقود المشتركة من كلّ محتوى، إذ لا ينصّ على تدابير تتعلّق بالأجور والتعويضات الاجتماعيّة. وبالتالي فإنّ الاتفاقية الإطارية الممضاة يوم 20 مارس 1973 جاءت لإزالة تلك العقبة التي كان يمثّلها الفصل 51 من مجلة الشغل( ). ومنذ البداية فإنّ العقد الإطاري المشترك قد أدخل على القانون العام للشغل الجاري به العمل تحسينات جوهرية منها( ):
-ارتفاع عدد أيام العطل الخالصة الأجر من 4 أيام إلى 7 أيام.
-مدّة الاختبار المتعين على الأجير قضاؤها عند انتدابه أصبحت محدودة بطريقة أكثر ضمانا لاطمئنانه ومزيد تأمينه.
-تخويل عطل خاصّة خالصة الأجر لأسباب عائلية أو لأداء واجب قانوني أو مباشرة مهمّة نقابية.
- إمكانية الحصول على أجازات خالصة الأجر.
-خضوع العقوبات التأديبيّة لنظر مجلس التأديب.
- إقرار مبادئ الحصول على منحة إنتاج ووضع نظام للحيطة الاجتماعية مكمّل للضمانات القانونية وإنشاء نظام لجراية التقاعد.
- وأخيرا التزام الأطراف الاجتماعية في هذا العقد بالتفاوض لضبط الأجور والامتيازات الإضافية وتصنيف العمّال من الناحية المهنيّة.
نشير هنا إلى أنّ الاتفاقية الإطارية المشتركة التي تأسست على 39 اتفاقية قطاعية منذ بداية السبعينات أصبحت الآن تشمل 50 اتفاقية قطاعيّة. حيث انه منذ 1990 أصبحت المفاوضات كل ثلاث سنوات تتولى مراجعة الاتفاقيات المشتركة القطاعيّة ويكون التفاوض بين المركزيتين النقابيتين (نقابة الأعراف ونقابة الشغيلة) تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعيّة( ). وكانت هذه القوانين والعقود ذات تأثير في القضاء على تفتت العمال حسب المهن والمناطق وعلى تخلّف العلاقات الاجتماعيّة السّابقة على الرأسماليّة، قامت بها البرجوازية لتعميم العلاقات السّلعيّة ولتوسيع سوق الاستهلاك. وكان من نتيجتها الحتمية تحرير القوى المنتجة حبيسة العلاقات والقوانين والعادات البالية فأصبحت الطبقة العاملة– وقد توسّعت عدديّا وارتفع مستواها الفكري وتحصيلها العلمي- قوّة اجتماعية حديثة زادتها التشريعات والإجراءات، حتى التي لا تتماشى مع مصلحتها، تماسكا ووعيا.
III-الدوافع السّياسيّة
لفهم هذه الدوافع يمكن أن ننطلق من خطاب الهادي نويرة الذي ركز فيه على الدّور القيادي للحزب في تنفيذ ميثاق الرّقي( ). لقد ضمّن الهادي نويرة خطابه استشهادا مهمّا لرجل الفكر والسّياسة Roger Gérard Schwartzenberg ومضمونه أنّ رجال الدّولة في الغرب توفّر لهم ما شاؤوا من الوقت ليحدثوا على التعاقب أسس الأمّة ومقوّماتها ويركزوا سلطة الحكومة ويجعلوا من الرّعايا مواطنين ويستجيبوا إلى مطامح توفير الرّفاه. أمّا في الدّول الناشئة فإنّ رجال السّياسة يواجهون كل المشاكل في آن واحد. فهم يجابهون ثورات متعددة في الآن نفسه وعليهم أن يقرّروا اختيارات لم يعرض مثيلها أبدا لرجال الدّولة الغربيين ولهم أنْ يجابهوا في الوقت ثورة سلطة وثورة مساهمة في التصرف وثورة ازدهار. ولا حاجة إلى القول بأنّه لا سبيل إلى التقدم في الاتجاهات الأربعة فورا، أو إلى اختيار الأولويّات بحرّية. وهكذا تكون الاختيارات عصيبة باعتبار الصبغة الفوريّة للقضايا الجوهريّة وضرورة حلّها معا. وكان الهادي نويرة يريد بذلك أن يؤكدّ مجدّدا ضرورة الإيمان بالدّولة القصوى بحيث تكون هي وأجهزتها وحزبها الواحد المسؤولة عن السّياسة والمجتمع والاقتصاد مسؤولية التأطير والتوجيه وتحديد المصير، وحتى المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني يجب أن تشتغل على ضوء ما تسطره الحكومة. وقد أضاف نويرة في نفس الخطاب أنّ «الدّولة ليست لها أبعاد تأسيسيّة فقط بل إن لها مدلولها على الصعيد الاجتماعـي. إذ هي ترمز في نظر المواطن إلى النخبة السّياسيّة التي تتولّى إنجاز البرامج المتماشية مع متطلبات العصر وتضطلع بالتالي بمهمّة تطوير المجتمع في جملته.فالدّولة هي مجموع الدّواليب التأسيسيّة من حكوميّة وإداريّة، التي يتعيّن عليها حتما الاضطلاع بدور المحرّك. وبالفعل فإنّ سياسة النهوض الاقتصادي والاجتماعي بأكملها حقّقتها الدّولة أو تحققت بدفع من الدّولة. كما أنّ الحزب من جانبه ختم بطابعه كلّ مظاهر تونس العصريّة وهو يعتمد على هيكل وإمكانيات هامّة». إنّ الهادي نويرة قد برع في تقديم الخطب التعبويّة وهو ممثل البرجوازية الجديدة في الحزب. فلا ننسى أنّه مؤسس البنك المركزي التونسي والمؤطر لعديد البنوك الخاصّة. ومحافظ البنك المركزي لمدّة 12 سنة ومهندس الاقتصاد الانفتاحي طيلة السّبعينات ومشيّد الجنّة الضرائبيّة بالنسبة إلى المستثمرين في تونس وبالنسبة إلى البرجوازية الصّناعية أساسا. هذه البرجوازية التي يعبّر عنها وعن مصالحها داخل الحزب ومختلف أجهزة الدّولة، وقد خرجت بفضله منتصرة بين البيروقراطية الحزبيّة التي انتعشت خلال الستينات وبين البرجوازية الصّغيرة. وأصبحت بالتالي القوّة السائدة بالفعل وصاحبة القرار الحاسم في جميع الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية ولكنّها مازالت تطمح إلى مزيد استكمال نفوذها السّياسي والإداري على كامل أجهزة الدّولة. فهي تطمح إلى فرض هيمنتها على المجتمع ولم يعد أمامها من عقبة إلاّ إزاحة البيروقراطية الحزبية من مواقعها لا سيّما وأنّ هذه الأخيرة فقدت مبرّر وجودها بعد سقوط تجربة التعاضد، الأمر الذي جعل الهادي نويرة يتهكّم بكل جرأة على أحمد بن صالح بقوله:«إن الذين يدّعون التقدمية ويتهموننا بالرّجعيّة أقاموا الدّليل على تقدميتهم بطريقتهم الخاصّة. إذ تجمّدت الأجور طيلة عشر سنوات وبقي النّمو الاقتصادي ضعيفا وكان التطوّر في الاستهلاك صفرا وتقهقر الإنتاج الفلاحي واختفت الحريات النقابية فلا اضرابات ولا مطالبات، وتأخّر تطوّر مؤسساتنا وتعصيرها وسجّل عجز مالي يقدر بالعشرات من ملايين الدّنانير. ولقد تداركنا في ظرف خمس سنوات كلّ هذا التأخّر ورفعنا من مستوى عيش الشغالين وحققنا وثبة إلى الأمام في مسيرتنا نحو التقدم الاقتصادي والاجتماعي وهو ما لم يحلم به أكثر الناس تفاؤلا ولا تصوّره دعاة اشتراكية الخصاصة»( ). ومن هذا المنطلق لم تتردّد البرجوازية لحظة في اختيار الاتجاه الاقتصادي المناسب لها فقرّرت العودة إلى الليبراليّة الاقتصادية وتشجيع المبادرة الخاصّة على حساب القطاع العام الذي أصبح محاصرا وبدأ يفقد دوره المهيمن فقد تراجعت نسبته في الاستثمارات الجمليّة من 75 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين 1962 و 1969 إلى 54 بالمائة في الفترة 1973-1976 وأصبح تابعا في توجّهه إلى المصالح الاحتكارية الأجنبيّة والبرجوازية المحليّة التي تصرفه حسب الأغراض الملائمة لها والمكمّلة لنشاطها وخاصّة في تحمل أعباء النفقات الباهضة في خلق التجهيزات العامّة ذات الكلفة العاليّة. أمّا بخصوص العلاقات مع السّوق الرأسماليّة فقد سارت السياسة الجديدة على نفس الطريق التي كانت متّبعة إبان الاشتراكية الدّستوريّة أي سياسة الارتباط بالرأسمال الأجنبي، والفرق بينهما في الدّرجة لا في النّوع. فقد كانت العلاقات زمن الاشتراكية الدّستوريّة قائمة بين الدّولة التونسيّة ودول ومؤسّسات مالية غربيّة أمّا في مرحلة الانفتاح فكانت العلاقة ينشطها رأس المال الخاص. وقد نجحت هذه السّياسة في جلب الاستثمارات اللاّزمة نتيجة الإمتيازات التي تضمنها قانون أفريل 1972 وأوت 1974فتزايد عدد المشاريع المستفيدة من هذين القانونين من 479 مشروعا سنة 1973 إلى 707 سنة 1974 حتى بلغت 963 مشروعا سنة 1975( ).
كان الإعفاء من الضرائب وحرية التصرّف في رؤوس الأموال من الدّوافع الرئيسية التي شجّعت الشركات الأجنبيّة على الاستثمار. وقد اقتفى الرّأسمال التونسي أثرها في التوظيف في الصّناعات التصديريّة فأعطته الدّولة إمتيازات مهمّة تضمنها قانون أوت 1974. كما نشأت عدّة مشاريع مختلطة بين الرأسمال الأجنبي والتونسي. وكان حجر الزاوية في السّياسة الاقتصادية الجديدة هو رخص اليد العاملة التونسيّة. فإذا تأمّلنا المشاريع التي أنجزها الرأسمال الأجنبي في تونس خلال تلك الفترة نجد أنّها تشترك في صفة أساسيّة وهي أنّها لا تستدعي إلاّ حدّا أدنى ضروريّا من التجهيزات التحتية ومن التقنية، بالمقابل تتطلّب يدا عاملة وافرة. يضاف إلى ذلك أنّ استراتيجية الاندماج في السّوق الرأسمالية تستوجب رفع الحواجز البيروقراطيّة وتنظيم قوّة العمل وترشيدها فنيّا ومهنيّا، كما تستدعي إعطاء تطمينات عن وجود حالة استقرار سياسي. ولهذا الصّدد كانت مبايعة بورقيبة رئيسا مدى الحياة ردّا ايجابيا لتطمين المصارف والشركات الأجنبيّة على حالة الاستقرار وخاصة مع القانون الدّستوري ليوم 19 مارس 1975 الذي رأى في بورقيبة الشخص الاستثنائي الذي قدّم للبلاد خدمات جليلة تجعله في مرتبة أعلى من النظام الجمهوري.«وبطبيعة الحال لم يجد هذا النص الدستوري أدنى معارضة من أي منظمة عماليّة أو مهنيّة باعتبارها شاركت بدورها في هذا التعديل حيث كانت كل المنظمات ممثلة في البرلمان وفي الدّيوان السّياسي»( ). إن التضحية بالنظام الجمهوري في تونس لم تثر ثائرة الصّحف وأجهزة الدّعاية المرتبطة بمثل تلك الشركات المالية والتجارية والتي لا تهتم بالحريات وحقوق الإنسان الضائعة إلاّ عندما تكون هذه المبادئ ذريعة لخدمة أغراضها. أمّا السّلم الاجتماعية فهي من أهم مستلزمات العمل بالنسبة إلى الحكومة من أجل نيل رضا الأوساط الرأسماليّة العالميّة لذلك فقد وصلت حكومة الهادي نويرة إلى بلورة علاقاتها بالنقابات في صيغة جديدة أسمتها بسياسة التعاقد الاجتماعي، وهي لا تتضمن أي تعاقد حقيقي بين العمال والرأسماليين حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعيّة بل هي سياسة برجوازية خالصة تشارك قيادة النقابة العمّالية ونقابة الأعراف في تنفيذها، وهذه الشراكة تساعد بالخصوص على تطوير ومراعاة مصالح الأعراف.
أوكلت الدّولة للقيادة النقابية بعض الصّلاحيات في مفاوضة الأعراف تخصّ تحديد الأجور وضبط القوانين الأساسيّة للمهن المختلفة من أجل إنهاء حالة الفوضى السائدة في الأجور التي كانت تختلف اختلافا بيّنا من مهنة إلى مهنة ومن قطاع إلى قطاع ومن منطقة إلى منطقة. ومن أجل وضع عقود إطاريّة ومهنيّة تجمع بين العمّال والأجراء عموما على أسس واضحة، كانت هذه العقود متنوّعة، فمنها الإطارية وهي تخصّ قطاعات اقتصاديّة بكاملها ومنها العقود المشتركة تربط بين النقابات وأرباب العمل، ومنها القوانين الأساسيّة المبرمة مع الدّولة تخصّ عمّال وموظفي القطاع العام والإدارة.
كانت هذه القوانين والاتفاقيات والإجراءات ملائمة لوضع العمّال ودافعا لبلورة انتمائهم الطبقي. كما أنّ سن قوانين الأجر الأدنى المضمون في الصّناعة والتجارة( جانفي 1974) وفي الفلاحة( ماي 1974) هو من أهم مكاسب العمل المطلبي التي تمّ إنجازها.
حتى نضع سياسة التعاقد الاجتماعي في إطارها يكفي أن نعود إلى خطاب الهادي نويرة: «أمّا المنظمات القوميّة فدورها مزدوج. إذ هي تضطلع في نفس الوقت بدور الممثل لمصالح منخرطيها المشروعة. وهي الإطار الذي تمارس ضمنه هذه المصالح بالإضافة إلى كونها الطّرف المخاطب في صياغة وإقرار سياستنا التعاقدية. ومن أجل ذلك فإنّ هذا الدّور يقتضي أن تتوفر في المسّيرين لهاته المنظمات صفة التمثيل الحقيقي. إن المنظمات القومية بصفتها الطرف الاجتماعي المقابل عن حق تستطيع بتوليها انتقاء المطالبات وتبويبها حسب الأولويّات أن تمدّ أصحاب الحل والعقد في المجال السياسي بالمعلومات المستفيضة المفصّلة وأن تتكفل بعد ذلك بان ترشح لمنخرطيها المعطيات الحقيقية للمشاكل وان تظفر بمصادقتهم على التطبيق الدّقيق للتدابير المتوقف عليها. إنّ عملنا يتجه دوما إلى إرساء وتدعيم السياسة التعاقديّة التي شرعنا في سلوكها منذ ما يزيد عن الخمسة أعوام وهي التي تمخّضت عن إبرام العقد الإطاري المشترك سنة 1973 الذي فتح عهدا جديدا في العلاقات الاجتماعية المهنيّة. كما أنّها أقرّت مبدأ التفاوض والتشاور على
أساس التناصف باعتبار ذلك مسلكا لتحسين العلاقات بصورة مطّردة»( ).
علاوة على ما يوفّره التعاقد الاجتماعي للأعراف من مكاسب اقتصادية كتنظيم سوق العمل وتأهيل قوّة العمل الصالحة لاستقبال رؤوس الأموال الأجنبيّة، فهو نموذج جديد لعلاقة التبعيّة بين تونس وبين السّوق الرأسماليّة. إنّه مرحلة متطوّرة من التقسيم العالمي للعمل عكس الاستحواذ المباشر للرأسمالية العالمية على الأسواق التونسيّة، استحواذ على سوق البضائع والسّوق المالية وعلى السوق الفنية وكذلك على سوق قوّة العمل.
إن المركزية السّياسيّة هي التي سطرت سياسة الحوار والمفاوضات الاجتماعية. ولم تكن هذه الأخيرة خيارا اجتماعيّا أنتجه مسار تطوّر العلاقات بين العمّال والأعراف. وقد برزت أوّل محاور تدخل المركزية السّياسيّة في تقنين هذه العلاقة منذ الاتفاقية الإطارية الجماعية لسنة 1973. كما أنّ المؤتمر التاسع للحزب الاشتراكي الدّستوري(سبتمبر 1974) الذي اقترح بورقيبة رئيسا مدى الحياة هو الذي سطّر ميثاق الرّقي من أجل مشروع اجتماعي جديد بقيادة مدير الحزب ورئيس الحكومة الهادي نويرة، الذي أعطى تعبيرا نظريا لأهداف ومنوال السّياسة الاقتصادية والاجتماعية خلال المخطّط الخامس بالاعتماد على سياسة الوفاق الاجتماعي وبذلك فإن الحوار بين الأطراف الاجتماعيّة وجد في الحزب سندا وضمانا، رغم أنّ هذا الحوار قد ظهر في البداية مرتبكا نظرا لتغاير وتفارق المصالح، إضافة إلى كون التوجّهات والبرامج والبنيات لا تتطوّر بنفس الوتيرة بالنسبة إلى كل الأطراف، وإضافة كذلك إلى كون الأنماط القديمة من المراقبة التي يمارسها الحزب كانت تبدو أقوى من التحوّلات الاجتماعيّة وفي بعض الأحيان تحجبها تماما كما تحجب معها أدوار الهياكل والمنظمات والأطراف الاجتماعيّة. هكذا كانت السّياسة التعاقدية برنامجا حزبيا.
IV-الأزمة الاقتصاديّة
إنّ النمو الظاهري للاقتصاد التونسي في النصف الأوّل من السبعينات والذي أشاد به الهادي نويرة في خطابه ليوم 3 جويلية 1976 ( ) حيث خصّص له الحيّز الأكبر من الخطاب وأعدّ لتأكيده ترسانة من الأرقام، ساهمت فيه ظروف متنوّعة من إقبال رأس المال الأجنبي وارتفاع أسعار المواد الأوليّة وحصول مواسم زراعيّة طيّبة. كما كان تراجع الدّولة عن إسداء الخدمات الضروريّة في التعليم والصّحة والثقافة يتم لفائدة تشجيع الرأسماليين الخواص على الاستثمار وذلك بتخصيص اعتمادات هامّة لفائدتهم. ولكن هشاشة هذه البنية الاقتصادية انكشفت واتّضح عدم جدواها في تحقيق التنمية وإنجاز مهام التطوّر الاقتصادي وخطورتها على الطبقات الوسطى والشعبيّة بمجرّد استفحال الأزمة الرأسماليّة العالميّة. فإذا كانت الأزمات الاقتصادية مرافقة لنمط الإنتاج الرأسمالي ومرتبطة به، فهي في تونس كذلك نتيجة حتمية للسّياسة الاقتصادية وانعكاس مباشر لارتباط الاقتصاد بالاحتكارات الرأسماليّة التي تحمّل تبعات أزمتها على الطبقة العاملة والشعوب الواقعة في فلك الرأسمالية العالميّة( ). إنّ هذا المسار هو الذي أوقع الاقتصاد التبعي في تونس في أزمة حادّة تشمل كل جوانبه: تفاقم العجز في الميزان التجاري وارتفاع الأسعار وإفلاس سياسة التصنيع وانتكاس في الإنتاج واستفحال البطالة والهجرة المضادّة وتردّي ظروف عيش الطبقات الشعبيّة. الأمر الذي جعل الهادي نويرة يقرّ في خطابه المذكور بأنّ «المحيط الدولي للمخطّط الخامس يتصف بانقلاب الظرف العالمي وهو ما لاحت بوادره منذ 1975 واخذ يتأكّد بالنسبة إلى المستقبل ولا بدّ من أن يتسبّب لتونس في عدد من المتاعب الكبيرة. فتواصل الأزمة العالمية بالرّغم من بوادر الانفراج من شأنه أن يؤثر تأثيرا سيئا في إمكانياتنا في التمويل. من ذلك أن انخرام شروط المبادلات سوف يمتدّ على الأرجح إلى كلّ المنتوجات التي نصدّرها. وبالإضافة إلى انخفاض الأثمان الذي لحق بمنتوجاتنا من الفسفاط وزيت الزيتون والبترول فإنّ الأزمة العالميّة أدّت إلى تناقص في الطلب ممّا تسبّب في عرقلة تصدير بعض المنتوجات. وهذا الوضع الذي ينال من صادراتنا يتضافر مع الزيادة الباهضة في أثمان مواد التجهيز التي نستورد منها الكثير، باعتبار مستوى الاستثمارات الذي استقرّ عليه رأينا وأهميّة المشاريع التي أدرجناها. وفي هذا المجال فإنّ أهدافنا الجمليّة تفرض علينا بحكم أهميّتها عددا من الاختيارات الجديدة العويصة». ففي مجال التجارة الخارجية المحصورة مع الدّول الرأسماليّة ارتفعت أسعار الواردات وانخفضت أسعار الصّادرات وكميتها، فاستفحل عجز الميزان التجاري بانخفاض نسبة تغطية الصادرات للواردات من 81 بالمائة سنة 1974 أي سنة ارتفاع أسعار المواد الأوليّة إلى 60 بالمائة سنة 1975 وإلى 51.5 بالمائة سنة 1976 ( ) وانخفضت أسعار الصّادرات الأساسيّة من سنة 1974 إلى سنة 1976 كالتالي( ):
السنة الفسفاط 1 طن الفسفاط الرفيع 1 طن الزيت 1طن نسيج القطن 1 طن
1974 18 دينار 75 دينار 770 دينار 1410 دينار
1976 13 دينار 39 دينار 500 دينار 1290 دينار
لقد أدّى تدهور التجارة الخارجية التونسيّة بميزان المدفوعات إلى عجز كبير لم تستطع القروض ولا رؤوس الأموال الأجنبيّة تغطيته ممّا دفع بالحكومة إلى الاستعانة بمدخرات الخزينة العامّة بعد ما عدلت عن فكرة تخفيض الدّينار وذلك في صائفة 1977 ثمّ طلبت الحكومة فيما بعد قرضا من صندوق النقد الدّولي.لقد أدّى انكماش السوق الرأسمالية أمام الصادرات التونسيّة إلى تعطيل في الإنتاج وخصوصا في قطاع النسيج الذي كان يحتلّ مكانة هامّة في سياسة التصنيع ويعتبر نموذجا في علاقته بالسوق الرأسماليّة. وفي ظل هذه الظروف لم يتورّع بعض الأعراف الأجانب عن الهروب من تونس تاركين العمّال بدون أجرة وأغلق آخرون مصانعهم. وقد جاءت أزمة النسيج بعد قرار السّوق الأوروبية المشتركة إعطاء الأولويّة لصادرات الزيوت الإيطالية على الزيوت التونسيّة موجّهة بذلك ضربة إلى أهمّ ركن من أركان الإنتاج الفلاحي في تونس. إنّ مثالي النسيج وزيت الزيتون يدلاّن على هشاشة البنية الاقتصادية التونسية وتحكم السّوق الرأسماليّة فيها، خاصة أثناء توسّع السوق الأوروبية المشتركة لتشمل أسبانيا واليونان والبرتغال على حساب تونس التي حاولت الارتباط نهائيا بهذه السّوق خاصّة بإمضاء اتفقاية التعاون التونسي الأوروبي المعروفة باتفاقية 25 أفريل 1976. وكما يتوقع الهادي نويرة فإنّ« إجراءات الحماية الجمركية التي تلجأ وستلجأ إليها البلدان الرأسمالية قد تؤدّي إلى تعطيل بقية الصّناعات التركيبية في تونس»( )
والواقع أنّ تونس بنظامها الدّاخلي القائم على سيطرة القطاع الخاص وبارتباطاتها الخارجية التي تجعل منها ملحقا للعالم الرأسمالي تتيح فرصة الاحتكارات الرأسماليّة التي تفرض عليها، عن طريق سيطرتها على ميكانيزم تحديد الأسعار، شروطا غير متكافئة في التبادل. فقد زادت أسعار السّلع التي تستوردها تونس عدّة مرّات في حين لم تتحسّن أسعار بيع صادراتها بطريقة تذكر. وفي هذا الصّدد تلعب الاتفاقيات التي تعقدها تونس مع البلدان الرأسماليّة دورا كبيرا في إحكام قبضة هذه الأخيرة على الاقتصاد التونسي. فاتفاقية 25 أفريل 1976 التي أبرمتها تونس مع السوق الأوروبيّة المشتركة تتضمن:
- غلق الطريق تماما أمام المنتوجات الفلاحية التونسيّة خاصة بانضمام دول أوروبيّة جديدة إلى الاتحاد وهو الأمر الذي يهم تونس أكثر من غيرها وذلك لحماية مصالح الدول الأوروبية المنتجة لنفس السلع إذ كان التخفيض الجمركي ضئيلا بالنسبة إلى هذه السّلع كما حدّدت كمياتها.
- إجراء تخفيض كبير على المنتوجات الصّناعية إيمانا بأنّ الإنتاج التونسي لن يكون تنافسيّا في هذه السّوق ماعدا الصّناعة التي أقامها الأوروبيّون في تونس استغلالا لليد العاملة الرّخيصة فيها، الأمر الذي يعني أن الأوروبيين أجروا تخفيضا جمركيا لحسابهم لا لحساب تونس.
- تقديم القروض لتونس مع اشتراط شراء سلع من دول السوق وفضلا عن أنّ هذا يمكن هذه الدّول من تصريف منتجات تعاني في تسويقها مع فرض أسعار مرتفعة لها على المشتري التونسي، إضافة إلى أنّ هذه القروض نفسها تقدّم بفوائض مرتفعة.
والواقع أنّ هذا الاتفاق وغيره يهدف إلى ربط مصير تونس بمصير المجموعة الأوروبيّة تصديرا واستيراد أو تنميّة اقتصادية. إذ تهدف هذه المجموعة إلى جانب تصريف منتجاتها وتشغيل رؤوس أموالها والحصول على مستلزماتها إلى تشجيع رأسمالية تونسية مرتبطة بها في مجال الوكالة التجاريّة أو في مجال إقامة المشاريع التكميلية ولعلّ الهادي نويرة نفسه يعوّل على الاستثمار الأجنبي بالقدر الزائد لحل مشكلة البطالة. حيث جاء على لسانه ما يلي:«فقد أثبت تحقيق أجري في أوائل هذا العام أنّ من بين 222 وحدة صادقت عليها وكالة النهوض بالاستثمارات فيما بين 1972 والستة أشهر الأولى من سنة 1975 بدأت 98 وحدة منها في ممارسة نشاطها بينما تواصل 40 وحدة أخرى الاستعداد للدّخول في طور الإنتاج وذلك عند موفى شهر جانفي 1976. ومن بين الثمانية وتسعين مؤسسة المستحدثة توجد عشرين تعتمد رأسمال تونسي. وهذه المؤسسات موزّعة توزيعا متفاوتا بين مختلف مناطق البلاد ومنها 39 بالمائة متجمعة بالعاصمة. وقد بلغ مجموع الاستثمارات لهذه المؤسّسات 6.4 مليون دينار وتبلغ جملة الأجور التي تسدّدها هذه المؤسسات للعمّال نحو 400.000 دينار. ومن الملاحظ أنّ الأجور التي تسدّدها هذه المؤسّسات لا تختلف في مجموعها عن المبالغ التي أقرتّها العقود المشتركة السّارية المفعول على هذه المؤسّسات».
V- ميثاق الرّقي وحدود الشراكة الاجتماعية
إن الميثاق الاجتماعي الذي تم توقيعه يوم 19 جانفي 1977 من طرف مختلف الشركاء الاجتماعيين: حكومة وحزب الدستور ونقابات مهنية وعمّاليّة. لم يأت لإخماد مظاهر الأزمة وإن كان ذلك من ضمن أهدافه( ) إلاّ أنّه لم يتمكّن من إلغاء الأسباب التي أدّت إلى يوم 26 جانفي 1978 المعروف بيوم الخميس الأسود. وفي المقام الأوّل يمكن أن نعتبر أنّ الإضرابات العمّالية هي الظاهرة التي ميّزت الفترة التي أحاطت بالميثاق الاجتماعي قبلا وبعدا. فقد بلغت الإضرابات العمّالية سنة 1976 درجة عالية لم تشهدها السّنوات السابقة حيث بلغ عددها 372 إضرابا قطاعيّا وقد بلغت عدد أيّام تلك الاضرابات 80.601 يوما وهو ما يقابل 3.5 بالمائة من مجموع أيام العمل لسنة 1976. وفي قطاعات الصناعة والتجارة والقطاع العمومي بلغت نسبة أيام الإضراب 5 بالمائة من مجموع أيام العمل السنوية( ). غير أن المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل وقف ضدّ أهم الإضرابات وهو يعلم أنّ الأجور لم ترتفع منذ شهر جوان 1975 حينما وقعت الزيادة في الأجر الأدنى المضمون ﺒ 12 بالمائة. كما تصلّب موقف الأعراف والحكومة مصرّين على رفض مطالب العمّال. ولم يتحصّل العمّال الّذين اضربوا إلاّ على القليل النادر من مطالبهم وفي أقصى الحالات لم يرضخ الأعراف والحكومة إلاّ لتطبيق بعض بنود القوانين الأساسيّة والإيفاء بالتزاماتهم السابقة وكان مجمل حصيلة إضرابات سنة 1976 على وجه التقريب ما يلي( ):
- قانون أساسي لشركة نقل البضائع.
- ترسيم 400 عامل تابعين لوزارة الفلاحة.
- صدور قانون أساسي لعمّال قطاع النقل.
- صدور العقود المشتركة في السياحة وقطاعات المخابز والتجارة والملاحة.
- الاتفاق على تطبيق القانون الأساسي الصادر سنة 1974 والخاص بعمال دواوين الأراضي الدّولية.
- صدور اتفاقية مشتركة لأعوان البنوك والمؤسّسات المالية.
أمّا عن الأعراف فقد انعكس تخوّفهم من الأزمة الاقتصادية ومن نضالات الطبقة العاملة في تدخلات نواب مجلس الأمّة عند مناقشة ميزانية سنة 1977 وخصوصا عند مناقشة ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية. وخاصة عند ما صرّح الوزير محمد الناصر بقرار الحكومة والديوان السّياسي حول إمكانية الزيادة في الأجور وقرار إعادة النظر في العقود المشتركة وبحث موضوع مقاييس الإنتاج، وكذلك حلّ قضايا المنخرطين في صندوق الحيطة الاجتماعية وإقرار التقاعد التكميلي للإطارات في القطاع الخاص( ). وقد صبّ النواب جام غضبهم على الإضرابات والمطالبة بزيادة الأجور إذ تحوّل منبر التدخلات بمجلس الأمّة إلى مكان للتهجّم على الإضرابات والطّعن في حق الإضراب ومنهم من اعتبر المطالبة بترفيع الأجور مروقا وكفرا(النائب الحبيب ماجول مالك مصانع الأحذية وممثل هيئات أرباب العمل). ومنهم من أهاب بضرورة تجنب ربط الأجور بالأسعار واقترح آخرون ربطها بالإنتاج والإنتاجيّة. وأكدوا على ذلك بالإجماع بما في ذلك أعضاء قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل التي شكرها النواب على وقوفها ضدّ الإضرابات وعلى ضرورة الحفاظ على السلم الاجتماعيّة. وبهذه النهاية البرلمانية استقبل الأعراف التونسيّون سنة 1977 -السنة الأولى من المخطط الخامس الذي ترى فيه الحكومة أنّه سيحقق الإقلاع الاقتصادي- في جوّ من التوتّر الاجتماعي بلغت فيه الأزمة الاقتصادية درجة شملت كل المجالات رغم إقرار البرجوازية على لسان الهادي نويرة بالتمايزات الحاصلة والتي تحصل في المجتمع وضرورة سلك سياسة حوار بين الأطراف الاجتماعيّة للحدّ من التوتّر الاجتماعي الذي تولّده السياسة الاقتصادية السّائدة( ). رغم هذا الإقرار بالتمايز الطبقي فإن البرجوازيّة من مصلحتها فرض سياسة تقشف على الشغيلة وكبت مطالبها وذلك على الأقل لمدّة خمس سنوات، مدّة المخطط الخامس. هذا هو هدف الميثاق الاجتماعي وفق رؤيّة عمّاليّة ومن منطلق نظرة الطبقة العاملة للواقع الذي بدأ يتحكم في تفاصيله الأعراف بمساعدة الحكومة. في حين يلعب العمّال دور الطرف الرافض لهذا النمط من الإشراف وهذا ما يحدّد نمط المجتمع التونسي في تلك الفترة.«فالمجتمع الذي يكون فيه النزاع بين الطبقة المسيّرة والطبقة الرّافضة نشيط جدّا أكثر من مجتمع يكون فيه النزاع بين طبقة مسيطرة وطبقة مسيطر عليها وذلك الذي تكون فيه الدّولة أقلّ استقلالية مقارنة بالطبقة المسيّرة»( ).
إن التعاقد الذي ظهر منذ البداية في صيغة الاتفاقية الإطارية(1973) قد مكن العمّال من
تنظيم علاقتهم بمهنهم وتنظيم العلاقة بينهم وبين أعرافهم. واستطاعت الطبقة العاملة من خلال ذلك أن تحقّق بعض المكاسب. لقد أصبح ذلك التعاقد محلّ مراجعة من طرف نقابة الأعراف، فهي كما ظهرت في 1976 غير مستعدّة لإعطاء تنازلات وتطلب من الطبقة العاملة أن تلتزم بالسلم الاجتماعيّة أي أن تدفع ثمن الأزمة الاقتصادية المستفحلة، فقد أخذ الأعراف يماطلون في تطبيق القوانين الأساسيّة ولا يتركون فجوة في العقود المشتركة إلاّ ويستغلونها للتنصّل من التزاماتهم.
مع بداية عام 1977 عبّر الأعراف عن نواياهم الحقيقيّة في تقويّة قبضة الاستغلال بالالتفاف حول مكاسب العمّال ممّا اقتلعوه في السنوات السابقة من حقوق. كان التوقيت مناسبا خاصّة وأنّ العقود المشتركة التي تهمّ 90 بالمائة من الأجراء قد اقترب أجل تجديدها باعتبار أنّ مراجعتها تتمّ كل ثلاث سنوات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ ضغط العمّال واضراباتهم جعل قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل في موقع حرج وبدأت تضغط على الحكومة لتدبّر الأمر لأنّها تستطيع دائما إدانة العمّال عند اضراباتهم و إلاّ فقدت إمكانياتها في توجيههم ومراقبتهم. ذلك ما أدّى إلى اتفاقية 19 جانفي 1977 المسمّاة بالميثاق الاجتماعي. وقد ورد الميثاق في توطئه وثلاثة عشر فصلا أهم ما جاء فيه أن«الحكومة والديوان السياسي والمكاتب التنفيذية للاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد القومي الفلاحي المجتمعين في قصر الحكومة بالقصبة يوم 19 جانفي 1977 برئاسة السيد الهادي نويرة الوزير الأوّل والأمين العام للحزب... إدراكا منهم لضرورة توفير سلم اجتماعية دائمة باعتبارها شرطا ضروريّا لمواصلة بذل مجهود الإنماء الاقتصادي والرّقي الاجتماعي وتحقيق أهداف المخطط الخامس. وإقرارا بوجوب توفير الطمأنينة للشغالين الأجراء على طاقتهم الشرائية والمؤجرين على ازدهار مؤسّساتهم وعلى نتائج ما يرصدونه من استثمارات. ورغبة منهم في ضمان ظروف ملائمة للانطلاق في تنفيذ المخطط الخامس ولتعبئة كلّ الطاقات من أجل تحقيق أهدافه. اتفقوا على التدابير التالية:
1- يتعاقد الأطراف الاجتماعيون على ميثاق اجتماعي طوال فترة لمخطط الخامس ويلتزمون أثناء هذه المدّة بصيانة السلم الاجتماعيّة وبالزيادة في الإنتاج وبتحسين المقدرة الشرائية وظروف العيش والعمل للشغالين الأجراء.
2- من أجل صيانة المقدرة الشرائية للشغالين الأجراء، تراجع الأجور في كلّ مرّة ترتفع فيها الأسعار بنسبة 5 بالمائة في هذا المستوى طيلة ستة أشهر متتالية».
ويتلخص الميثاق الاجتماعي في زيادة الأجور لذوي الدّخل الأدنى بنسبة 33 بالمائة مع تحسين مرتبات موظفي ومستخدمي الدّولة استجابة لغلاء المعيشة. بالمقابل وردت في الميثاق وعود صريحة بتكثيف استغلال العمّال بالإلحاح على تحسين الإنتاج والإنتاجيّة وجعله معيارا لرفع الأجور:«يعاد النظر في أجور القطاع الخاص سنويا وابتداء من أفريل 1978 على ضوء تطوّر تكلفة العيش وتحسين الإنتاج والإنتاجيّة». فهذه الصيغة التي وردت في الفصل 12 من الميثاق جاءت تحت معايير غامضة وغير قابلة للقياس بدقة وفي وقت الانكماش الاقتصادي، الأمر الذي جعل الأعراف يتهرّبون من ربط الأجور بالأسعار التي ترتفع حسب مشيئتهم لا حسب مشيئة العمّال. ويعترف الميثاق بالارتفاع الكبير في تكلفة العيش وضرورة حماية المقدرة الشرائية للشغالين الأجراء وتحسين مستوى عيش مجموع السّكان. لكنه يحرص على أن يؤكدّ أنّ هذا سيتم بصورة تدريجيّة، ذلك أن النظام اكتسب تقاليد التدرّج في كلّ شيء يتعلق بالتعامل مع الطبقة العاملة ولكنه لم يعتمد سياسة التدرّج في تعامله مع البرجوازية التي سخّر لها كلّ إمكانياته السياسية والاقتصادية وكذلك التشريعية منذ بداية السبعينات. على أنّ الميثاق يجعل متوسّط الأجر المستهدف 40 دينارا شهريا. وقد كان الرّقم المستهدف خلال العشرية التي سبقت هو 45 دينارا. والخطير في هذا الأمر هو التزام الحكومة بتعويض الزيادة في تكلفة الإنتاج من جرّاء زيادة الأجور، وهذا بطبيعة الحال امتياز وفّرته الحكومة لفائدة الأعراف بقرار حاسم لم تسلك فيه سياسة التدرّج. وهو إجراء يعني أن الخزينة العامّة هي التي ستتحمّل الزيادة وهو أمر يضمن للأعراف وأصحاب المؤسّسات فائض القيمة بغير نقصان، ويعطيهم مهلة لتتراجع فيها الأجور التي يدفعونها بحيث لا يبدأ هذا إلاّ في أفريل 1978 ولا يتمّ إلاّ مرّة كل سنة وهذا يعني حرمان الشغالين في القطاع الخاص من حق المطالبة برفع أجورهم طوال عام بأكمله. كما يمنع هذا الميثاق أن تتضمن العقود المشتركة التي تنتهي مدّة صلاحيتها تغييرات تترتب عنها أعباء للمؤسّسات المعنيّة طوال خطّة الخماسيّة وهذا يعني تجميد لمدّة 5 سنوات.وقد بدأت معارضة العمّال لميثاق الرقي الاجتماعي ابتداء من شهر جويلية 1977«بعد أن اتضح للعيان أن الأسعار عوض أن تتجمّد ارتفعت بصفة مهولة لم يسبق لها مثيل»( ). ومن هذا المنطلق يبدو أنّه من الصّعب بناء مفهوم جديد للعلاقات الاجتماعيّة بمجرّد تبني سياسة الوفاق الطّبقي، لأنّ سياسة الوفاق هذه لم تكن ممكنة طالما أنّها تستوجب الاعتراف بسلطة راس المال على الإنتاج والمجتمع. إذ أنّ الشراكة الاجتماعيّة أو التعاون الطبقي ليس سوى أحد أشكال إخضاع العمّال لهذه السلطة التي يملكها الأعراف. وبالتالي فإنّ الوفاق الطبقي«لا يمكن أن يحقق السلم الاجتماعيّة إلاّ إذا حقق توازنا فعليا ودقيقا بين مصالح مختلف الأطراف الاجتماعيّة»( ). وفي ظل غياب هذا التوازن الفعلي سجلت سنة 1977، وهي السنة التي بدأت بإمضاء الميثاق الاجتماعي، أكبر عدد من الإضرابات في تاريخ النقابة العماليّة حيث بلغت 452 إضرابا قطاعيا تسببت في إهدار1.207.482ساعة عمل ( ). وقد انتهت هذه السلسلة من الإضرابات بيوم 26 جانفي 1978 الذي كان تعبيرا داميا عن الصراع الطبقي الذي أجّجه استفحال الفروق الطبقية بين أقليّة من مالكي وسائل الإنتاج وأغلبيّة مسحوقة تعيش حالة البؤس والحرمان. وهنا يبدو أنّ تعبير الصّراع الطبقي أكثر مشروعيّة في الاستعمال لأنّ الوعي الطبقي الذي يؤجّجه يفترض أن يكون«الصراع بين قوّة العمل ورأس المال هو صراع اجتماعي بالشكل الذي يجعل كل فاعل قادر على تبني المجتمع الكلّي ويدافع عن المصالح العامّة عوض الدفاع عن الحقوق الفرديّة»( ) ولكنه مرتبط بوضعيّة مأزومة تتعلّق بالنسق الكلّي دون أن تكون تعبيرا عن ضغط حادّ بين الأنساق الاجتماعية الفرعيّة التي تعبّر عن عدم التوافق بين العمل ورأس المال. لأنّ هذه الوضعيّة تنخرط في صلب الوعي العمّالي في حين أن الوعي الطبقي ينخرط في حركة المرور من مرحلة الوعي العمّالي إلى مرحلة الوعي بالتناقضات داخل المجتمع. ويتأكد البعد الطبقي ليوم 26 جانفي 1978 بالاعتماد على تفسيرين اثنين( ):
- الأوّل يعتبر أنّ الحدث لا يمكن تفاديه في ظل سياق تميّز بتصاعد البطالة واستفحال اللاّمساواة وغياب التمثيل السّياسي.
- والثاني يرى أنّه أداة شرعيّة للاحتجاج على التوجّه السياسي والاقتصادي وعلى العناصر القياديّة والطبقة الحاكمة.
إذا كان من الضروري أن نعتبر الإضراب العام ليوم 26 جانفي 1978 تعبيرا عن حدود الشراكة الاجتماعيّة وعن ضعف السياسة التعاقدية فإنّه أمر غير كاف طالما أنّ المسألة مرتبطة بالسّياق العام الذي تتخلّله جملة من الهنات البائنة التي يمكن أن تجهض أي إمكانيّة للسياسة التعاقدية والوفاق الطبقي. واهم الهنات تتمثل في:
عدم استقلالية المنظمات والأطراف الاجتماعيّة في قراراتها وأهدافها إلى الحدّ الذي ألحقت فيه بالحزب الدّستوري وأصبحت في عديد المناسبات خلايا تابعة له. ولا أدّل على ذلك من أنّ القواعد النقابيّة رفضت قرارات قيادتها في الاتحاد العام التونسي للشغل حينما انصاعت إلى برنامج الهادي نويرة الذي يخدم مصلحة البرجوازية. وكل من القواعد النقابية وقيادتها تعبّر عن ذلك. ففي حين أثبتت القيادة امتثالها للحكومة عبّرت القواعد عن رفضها لهذا الامتثال.
- فئويّة الدّولة وعدم قدرتها على الالتزام بالحياد الفعلي وعجزها عن أن تلعب دور الحكم بين الأطراف الاجتماعيّة وأن تتحاشى التحوّل إلى مدافع أو معبّر عن مصلحة طبقة اجتماعية على حساب طبقة أخرى تحت غطاء توفير الأمن السياسي والاجتماعي.
- عجز الدّولة عن تطوير النظام السّياسي واحترام الحريات الفردية والعامّة وإقرار التعدّدية حتى تتمكن القوى الاجتماعية الصّاعدة من التعبير عن هويتها السّياسيّة. غير أنّ السلطة توظف بعض أوجه الدّيمقراطيّة أحيانا لفك العزلة عن النظام وإنقاذه من الخطر والانهيار كلما تعرّضت للاهتزاز.
بقطع النظر عن نجاح أو فشل سياسة التعاقد الاجتماعي فإن براديغم سوسيو- سياسي جديد بدأ يرتسم وفق التأسيس على منوال ثلاثي الأطراف لصياغة نظام العمل والأجر والإنتاج، وبالتالي لصياغة العلاقة بين العمل ورأس المال. هذا المنوال الثلاثي التمثيلي يجمع الدّولة ونقابة الأعراف ونقابة العمّال. والاعتراف المتبادل لهذه الأطراف الثلاثة هو اعتراف بالمصالح الجزئية لكل منها. إنّ مشاركة الأطراف الثلاثة في صياغة خريطة السياسة العموميّة -مهما كانت طبيعة المشاركة- غير متكافئة. يعني أنّ نقابتي العمال والأعراف قد اندمجتا معا في بنية القرار السّياسي. أمّا إذا أردنا تفسير المسألة من منطلق علاقتها بالتوجّهات السّياسيّة في تلك المرحلة فيظهر أنّ الهادي نويرة جعل من قضية العدالة الاجتماعية قضيّة مؤجّلة إلى ما بعد تحقيق التنمية الاقتصادية وكأنه هنا يعيد خطأ سابقه الذي أجّل المشروع (العدالة الاجتماعيّة) إلى ما بعد تحقيق التراكم الرأسمالي وتطوير البنية الاقتصاديّة. وأسلوب التأجيل هذا كان سببا كافيا لانهيار مشروع احمد بن صالح وتعميق الأزمة في ظل حكومة الهادي نويرة. رغم أنّ الأخير نظرا لكفاءته وتمرّسه بمعطيات واقع الاقتصاد التونسي«كان واعيا بضرورة استنباط شكل جديد للتعامل بين الدّولة والقوى الاجتماعيّة بهدف السيطرة على متغيرات الواقع الاقتصادي والاجتماعي، من ذلك سياسة التعاقد وتطوير القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية وأخيرا ميثاق الرقي الاجتماعي. إلاّ أنّ هذه الأشكال من تنظيم الحياة الاجتماعية لا ترتقي لمتطلبات الوضع ولا تملأ الفراغ السّياسي ولا تلبي تطلعات القوى الاجتماعية الجديدة التي لا تكافح فحسب من أجل العدالة الاجتماعيّة وإنّما من أجل تطوير الحياة السّياسيّة لارتباط هذه بتلك كما أثبتت التجربة»( ).
خــــــــاتــــمـــــة
ظهرت استراتيجية الانفتاح الاقتصادي في تونس منذ إقالة أحمد بن صالح ولكنها تجلت في محاولة باهتة لإعادة هيكلة الاقتصاد. أمّا ملامحها الحقيقية فقد ظهرت في الثمانينات وارتبطت بحكومة محمد نزالي. «وتنبع أهمية هذا الانفتاح من كونه جسد التعبير عن انسداد كامل للآفاق السياسية في وجه نظام الحزب الواحد ودشن بداية اتجاه سياسي مرشح للاستمرار مدّة طويلة نسبيّا»( ). ولكن الأزمة كانت أعمق وأقوى لأنها تنحدر «من وضعيّة تتسم بتعايش مجتمعين في فضاء واحد، أوّلهما فقير والآخر غني، أوّلهما مندمج في نظام الدّولة، في الاستهلاك، في نظام التواصل والآخر خارج كل ذلك. دون أمل في أن يوجد يوما في الدّاخل»( ). وإذا أراد أن يفرض منظومة تواصل له فتكون عن طريق التظاهر والانتفاض باعتباره الأكثر تأثرا بكل ما يجري من جرّاء الخيارات الاقتصادية والسياسيّة. فكما هو معلوم أن تونس المستقلة عرفت انتفاضتين مهمتين: إضراب 26 جانفي 1978 المعروف بيوم الخميس الأسود، ثم انتفاضـة الخبز خلال الأيـام الأولــى من سنة 1984 (المعروفــة بأحداث 3 جــانفـــي 1984). وقد استمدّت الانتفاضتان زخفهما من اللامساواة الاجتماعية ومن ضيق قاعدة التنمية. وهذه الوضعيّة الأخيرة حتّمت الانقياد لصندوق النقد الدّولي بما يعنيه من إتباع منطق نقدي بحت لتجاوز أزمة المراكمة دون الأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية لهذه الإجراءات.
وحيث أنّ الدّولة لم تعد تجابه الأزمة بمفردها فإن المسألة الاقتصادية والاجتماعية أصبحت محلّ تفاوض بين الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يتفاوض على قاعدة ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة ويطالب بترفيع الأجور، والاتحاد التونسي للصّناعة والتجارة الذي يربط الأجور بالإنتاج، حيث لا يمكن في اعتقاده الترفيع في الأجور إلاّ بمقتضى الترفيع في الإنتاج.
أمّا عن المسألة السياسية، فمهما كانت الليبرالية الاقتصادية قادرة على تحقيق بعض اللامركزية للسلطة الاقتصادية فلا يمكن أن تخلق بالتدقيق فاعلين اجتماعيين مهمّتهم تأمين أسس الدّيمقراطية وهذا أمر متكرّر خاصة في صفوف الأعراف الذين تبنّوا كل مشاريع الحزب الحاكم حتى برنامج الاشتراكية الدستورية التي كادت تعصف بمنظمتهم. فقد يصل بهم الأمر إلى معارضة الدّيمقراطية إذا كانت ستعطي السلطة إلى مجموعات قد تعطّل امتيازاتهم، لان الليبراليّة الاقتصاديّـة في تونس تعبّر عن التحــالــف بين نخبـة المــال ونخبـة السّيـاســـة وهــو أمر شبيه بالحديث عن المزاوجـــة بين أطــروحــة سميث(Adam Smith) حــول الإثــراء وأطروحـة هــوبــس (Thomas Hobbes) حول السلطة السياسية والعقد الاجتماعي( ).
بـيـبـلـيــوغــرافــيـــا
I – مــراجـع بـالـلـغـة الـعـربـيــة
- التليلي، عبد الرحمان: كيف نرى المستقبل من خلال تأمّلات في التجربة السياسية والنقابية لتونس المعاصرة؟ مطبعة علامات. تونس (بلا تاريخ).
- الهادي التيمومي: الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية. دار محمد علي الحامي للنشر. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة. تونس 1999.
- الهرماسي، عبد الباقي: المجتمع والدولة في المغرب العربي. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1996.
- الهرماسي، محمد الصالح: تونس.. الحركة العمالية في نظام التبعية والحزب الواحد. دار الفارابي. بيروت 1990.
- أمين، سمير: قضايا استراتيجية في المتوسّط. دار الفارابي. بيروت 1992.
- أمين، سمير: ما بعد الرأسماليّة. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1988.
II- مـراجـع بـالـغــة الـفـرنـسـيــة
Amin, Samir : La Nation arabe : Nationalisme et lutte de classes. Minuit, Paris 1976.
Amin, Samir : le grand tumelte ? Les mouvements sociaux dans l’économie -monde. La découverte. Paris 1991.
Bedoui, A et Mannoubi, K : « Agriculture, reproduction de travail et mode de consommation en Tunisie ». CEAP. Faculté de droit de Tunis N°80. 1980.
Bedoui, Abdeljelil et Mannoubi, Khaled : Economie Tunisienne et capital mondial. CERES. Tunis 1987.
Ben Romdhan, Mahmoud : « mutations économiques et sociales et mouvement ouvrier en Tunisie de 1956 à 1980». In Annuaire de l’Afrique du nord. CNRS. Paris 1982.
Ben Salah, Ahmed : « Déclarations » in Revue : Entreprise : le 07 Mai 1966.
Bessis, Sophie : « Banque mondiale et FMI en Tunisie : une évolution sur trente ans » in Annuaire de l’Afrique du nord. CNRS. Paris 1987.
Camau, Michel : « d’une république à l’autre, refondation politique et aléas de la transition libérale ». In monde arabe Maghreb- Machrek N°157 juillet/ septembre 1997.
Camau, Michel : «l’Etat Tunisien de la tutelle au désengagement : portée et limite d’une trajectoire». In Revue : Maghreb- Machrek. N° 103. Janvier- Mars 1984.
Camau, Michel : Pouvoir et institutions au Maghreb. CERES. Tunis 1978.
Camau, Michel : « ou va la Tunisie ? » in Maghreb- Machrek N°103 Janvier/ Mars 1984.
Catusse, Myriam : « Actions privées et actions publiques » In les cahier de l’orient N°55- 3ème trimestre 1999.
Deutsch, Karl. W. : « la théorie des systèmes et la recherche comparative ». In Revue Internationale des Sciences Sociales 1985. N°1. P06.
Dimassi, Hassine : « la crise économique en Tunisie : une crise de régulation ». In Revue : Maghreb Machrek. N°103. Janvier- Mars 1984.
Doucy, Arthur et Bouvier, Paule : introduction à l'économie sociale du tiers monde. Editions de l'institut de sociologie de l'université libre de Bruxelles 1970.
Eric, Gobe : « les entrepreneurs arabes au miroir des sciences sociales» In Annuaire de l’Afrique du nord. CNRS. Paris 1996.
Guelmami, Abdelmajid : la politique sociale en Tunisie de 1881 à nos jours. Edition, l’Harmattan. Paris 1996.
Hermassi, Elbaki : « la société Tunisienne au miroir islamiste ». In Revue Maghreb- Machrek N°103 Janvier/ Mars 1984.
Karoui, Hachemi et Massaoudi, Mahdi : « le discours syndical en Tunisie à la veille du 26 janvier 1978». In : Annuaire de l’Afrique du Nord. CNRS. Paris 1982.
Petiteville, Frank : « Trois figures mythiques de l’Etat dans la théorie du développement ». In Revue Internationale des Sciences Sociales. N°155 Mars 1998.
Plane, Patrick : « Entreprises publiques et développement économique, évolution de la performance revisitée ». In Economie appliquée N°1 CERDI- CNRS. 1996.
Saout, Didier et Rollinde, Marguerite : Emeutes et mouvements sociaux, perspective comparée. Edition Karthala. Paris 1999.
Touraine, Alain : « modernité et spécificité culturelle ». In Revue Internationale des Sciences Sociales. N°118 Novembre 1988.
Touraine, Alain : la conscience ouvrière. Seuil. Paris 1966.
Touraine, Alain : La voix et le regard. Seuil. Paris 1980.
Touraine, Alain : La parole et le sang. Edition Odite Jacob. Paris Mars 1988.
III- الصّـحـــف :
العمل عــ5082ــدد: 16 جانفي 1972.
الصّباح: الأحد 26 ديسمبر 1976.
La Presse : 13 Mai 1975.
Conjoncture : juin – juillet 1977.
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية العدد الرابع لمجلة التنوير كاملاً السودان ومجتمع المعلومات: التحديات والرهانات المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim