القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > مفهوم الدولة بين النظريات الإسلامية والوضعية

مفهوم الدولة بين النظريات الإسلامية والوضعية


بسم الله الرحمن الرحيم
مركز التنوير المعرفي
الدائرة الفلسفية
ورشة العقد الاجتماعي والمجتمع المدني
بحث بعنوان:
فهوم الدولة بين النظريات الإسلامية والوضعية
إعداد:
د. هاجر أبو القاسم محمد الهادي
ذو الحجة 1428 هـ - ديسمبر 2007م
مقدمة
تناقش هذه الورقة مفهوم الدولة بين الإسلام والنظريات الوضعية نستعرض فيها مفهوم الدولة وتطوره في أوربا منذ العصر القديم مرواً بالعصور الوسطى وانتهاءً بالعصر الحديث والمعاصر.
ونستعرض بمدخل البحث أهمية الاجتماع الإنساني وحاجة الفرد إلي الآخر ثم ضرورة التنظيم أو السلطة علي رأس هذا المجتمع.
ويتتبع البحث مفهوم الدولة المعبد والدولة المدينة لبداية تطور مفهوم الدولة ثم النظريات الفلسفية السياسية في محاولة لوضع قواعد وأسس لنظام الحكم في الدول المختلفة وعبر العصور المختلفة.
ثم ناقشت الورقة مفهوم الدولة عند المسلمين واثبات أن المفكرين المسلمين قد سبقوا الفلاسفة الغربيين بقرون عديدة، وأن هذه النظريات الإسلامية قد أخذها الغرب ضمن انتقال التراث الإسلامي إلي أوربا بما فيه العلوم والأفكار والحضارات.
ويستخلص البحث أن الإسلام هو نظام حياة متكامل يشمل الحياة الخاصة والعامة ويشمل المعاملات والعبادات ونظم الحكم وكلها ترتبط بعقائده وإيمانه، وأكد البحث ضرورة رفض نظرية فصل الدين عن الدولة باعتبار أنها تخالف المنطق والحقيقة وتخالف كذلك آراء الأئمة والعلماء والمفكرين الإسلاميين الذين استعرض البحث نظرياتهم وآرائهم.
وشرح البحث في مفهوم الشورى وقيمتها في التاريخ الإسلامي ومقارنتها بالديمقراطية الحديثة التي تقوم علي إرادة الشعب وتفويض السلطة الحاكم.
والله من وراء القصد.
الدولة بين الإسلام والنظريات الوضعية
قبل الدخول في ماهية الدولة ومفهومها وشروطها لابد من دراسة ظاهرة الاجتماع البشري، فقد أدرك الإنسان منذ بدء الخليفة حاجته إلي الآخر، وقد فطره الله علي الاجتماع، فلا يستطيع أن يعيش في عزلة عن بني جنسه من البشر، وقد ميز الله الإنسان علي بقية الحيوانات فقد وهبة الله العقل والكلام والقدرة علي التمييز وكل فرد يحتاج الرفقة وإلي مجتمعه لنيل المزيد من المطالب والرغبات الحياتية.
يقول ابن خلدون في مقدمته إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع.. وبيانه أن الله تعالي خلق الإنسان وركبه علي صورة لا يصح حياته وبقاؤه إلا بالغذاء، وهداه إلي التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة علي تحصيله إلا أن قدرة الواحدة من البشر قاصرة علي تحصيل حاجته من الغذاء وكذلك يحتاج كل واحد في الدفاع عن نفسه الي الإستعانة بأبناء جنسه فلابد في ذلك كله من التعاون عليه، وإذا كان التعاون مع تمام حكمه الله في بقاء الإنسان وحفظ نوعه فإذن يضحى الاجتماع ضرورياً للنوع الإنساني.(1)
وحين أمر الله تعالي آدم أن يهبط إلي الأرض خاطبه قائلاً (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعري وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي)(2) وهكذا وجد الإنسان علي الأرض وحدث معه صعاب حياته، وقابل أول ما قابل صعاب الطبيعة وأخطارها فشعر بغريزته بحاجته إلي الأمن العام فاعتمد علي ذكائه وحيلته في الدفاع عن نفسه، وأحس بأنه مخلوق له القدرة علي التمييز بين الخطأ و الصواب وهو بذلك فطر علي الاجتماع ومن ثم كان لزاماً عليه أن ينشد مع الآخرين العون والمبادلة فللناس حاجات كثيرة لا يمكن إشباعها إلا حين يكمل بعضهم بعضاً(3). ويقول الفارابي إن كل واحد من الناس مفطور علي أنه محتاج في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلي أشيا كثيرة لا يمكن أن ينهض بها كلها وحده، ولذلك لا يكون الإنسان قادر في علي نيل الكمال إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونة.(4)
والإنسان مدنى بالطبع لا يمكن أن يعيش منفرداً لافتقاره إلي مأكل وملبس ومسكن ولا يمكن أن يفعلها بنفسه بل يفتقر إلي مساعدة غيره. (5)
والله سبحانه وتعالي يقرر حقيقة الاجتماع الإنساني ووجوبه في محكم تنزيله (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(6)
وقد تدرجت الحياة الإنسانية في مراحل مختلفة واتخذت أنماط مختلفة، منها شكل تجمعات قبلية رعوية كانت أو زراعية، هذا النوع من الاستقرار اتخذ اتجاهاً جديداً وتطلب قدراً كبيراً من التكيف نتج عنه التنظيمات السياسية التي تطورت فيما بعد إلي ممالك وأمبراطوريات واتسمت هذه الممالك والامبراطوريات بأنماط معينة للحكم فتارة عسكرية وأخرى مدنية، فأصبح من الضروري إيجاد صيغة أو نظام أو سلطة لإدارة هذه المدن والشعوب، واجتهد المفكرين والفلاسفة في وضع صورة وقواعد لإدارة هذه الدولة أو تلك المدينة.
ضرورة السلطة أو الدولة:
السلطة أو الدولة هي ضرورة من ضروريات المجتمع الإنساني السياسية والتاريخية والاجتماعية و القانونية ضرورة تنشأ مع كل مجتمع سياسي تلازمه وتواكبه.(7)
ولما كان الاجتماع البشري ضروري وهو معنى العمران كان لابد لهذا الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه.(8)
ولما كان الاجتماع فيه مظنة التغالب والتناوش فإن كل واحد من يحتاج إلي ما بيد غيره فتدعوه قوته الشهوية إلي أخذه وقهره عليه وظلمه فيه فيؤدي ذلك إلي إثارة الفتن فلابد من نصب إمام لصدهم عن الظلم والتعدي وينتصف للمظلوم من الظالم ويوصل الحق إلي مستحقيه.(9)
وقد نشأت السلطة كشئ ضروري في هذه التجمعات البشرية الأولى نتيجة تعود الصغار والطاعة لأوامر الكبار والتماسهم النصيحة لديهم والاستفادة من خبراتهم وبذلك أصبح للكبار سلطة علي من هم أصغر منهم بين أفراد الجماعة.(10)
ونتيجة للاستقرار للجماعات الزراعية وما صحبها من تطور في استقرار الجماعات البشرية المختلفة نشأت الدولة وقد مرت بعدة صور تطورت منذ العصور القديمة واتخذت أشكالاً مختلفة بناءاً علي أفكار ونظريات متباينة حتى وصلت إلينا حديثاً فكرة الدولة الحديثة.
الدولة في الغرب:
استفادت أوربا من التراث السياسي في الشرق الأوسط الذي سبقها بعدة قرون لتقي تنظيماً سياسياً جديداً عرف باسم دولة المدينة City State.
لقد ظهرت التنظيمات السياسية في العصرو القديمة في الشرق الأوسط كالمدينة المعبد والممالك و الأمبراطوريات فصارت السلطة في المعبد وما حوله من أرض في يد كهنة المعبد لما يحتلونه من مركز متميز علي كسان المنطقة المحيطة بالمعبد بوضعهم الوساطة بين الناس والآلهة وبذلك تقوم السلطة علي أساسي ديني بحت وهو التوسط لدى الآلهة لإبعاد الخطر وتوفير الأمن والرفاهية بالمصطلحات السياسية الحديثة.(11)
ثم ظهرت بعد ذلك الممالك والأمبراطوريات وانتزعت السلطة من الكهنة وتصارعت فيما بينها فظهرت امبراطوريات الهكسوس والآشوريين والحيثيين والفرس.
وتطور التنظيم السياسي وأصبح الحكم يرتبط بمصالح الجماعة وأصبح الفرد هو أحد العناصر التي يتحدد بها هدف التنظيم السياسي.(12)
ولمعرفة تطور مفهوم الدولة عبر القرون لابد من الارتكاز علي مقدم الفكر السياسي عند الإغريق وقد اقترنت بوجهات نظر فكرية متعددة هي:
1- الدولة عند السوفسطائيين (سيادة الفرد الأقوى)
وتتلخص هذه الفلسفة في التعارض بين الطبيعة والعرف وبين الفرد والدولة ويجب أن تتغلب القوانين الطبيعية علي القوانين الوضعية التي وضعتها الدولة، ويقوم مبدأ سيادة الدولة علي الحق الطبيعي للقوة.(13)
2- الدولة عند سقراط:
هو أول فيلسوف تصدى لآراء السوفسطائيين وبمكره في النهاية من أن يعيد للقوانين الوضعية قدسيتها ويقول: (إن القوانين المكتوبة ما هي إلا صورة من القوانين الآلهية غير المكتوبة).(14)
والدولة عند سقراط تتمثل في احترام القوانين وقدسيتها وإن مصلحة الفرد تتفق مع مصلحة الجماعة، وإن الخير الفردي لا ينفصل عن الخير العام، وأن الذي يحكم الناس لابد أن يكون أحكم الناس، وبذلك أعاد سقراط للأخلاق والقوانين قيمتها وضروريتها للمجتمع.
3- الدولة عن افلاطون:
يرى افلاطون بافتقار الفرد للآخرين وعدم استقلال الفرد بسد حاجاته بنفسه هما سبب نشأة الدولة أو المدينة.(15) ونظام الحكم عند افلاطون علي رأسه فرد أو أفراد وظيفتهم العمل علي مصلحة المجتمع ككل، ويجعل سيادة الحاكم سيادة مطلقة قائمة علي المعرفة ومتجهة نحو تحقيق الصالح العام من خلال العدالة المطلقة وتعين الحكومات إلي خمس أنواع هي:
1.الحكومة الارستقراطية يكون فيها الحاكم فيلسوفاً تسود فيه الحكمة والعدالة.
2.الحكومة الثيوقراطية طبقة عسكرية تسيطر عليهم الرغبة في البطولة والانتصارات.
3.الحكومة الأولتجارية وهي اقطاعية من طبقة غنية وأخرى فقيرة تكيد كل منهما للآخر.
4.الحكومة الديمقراطية تأتي نتيجة ثورة الفقراء علي الأغنياء وينادي فيها بالحرية.
5.حكومة الطغيان وتأتي نتيجة للحرية والفوضى وفيها تقوم أحد أقطاب المجتمع بالاستيلاء علي الحكم ثم يستبد بقبضة من حديد.(16)
ولكن افلاطون تراجع بعد ذلك ونادى بحكم القانون وخضوع الجميع له حيث يرى أهمية القانون للدولة لحفظ التنظيم والحقوق وصالح الفرد في صالح الدولة التي ينتمي لها، ونادي بالسيادة المطلقة للدولة.
الدولة عند أرسطو:
كان واقعياً في معالجته لنظام الدولة السياسي فقد جعل سيادة الدولة في سيادة الدستور وربط بين الأخلاق والسياسة وجعل الدولة تستند علي الطبقة الوسطى، وللمواطن الحق في المشاركة في العمليات السياسية والحكومة عنده تتمثل في ثلاث أنواع:
1-الملكية وهي حكومة الفرد العادل الفاضل.
2-الارستقراطية وهي حكومة الأقلية الفاضلة العادلة.
3-الديمقراطية وهي الحكومة التي تخرج من الطبقة الوسطى وتمثل غالبية المواطنين وتحقق مبدأ الأخلاق الأساسي وتتميز بالسلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية.(17)
الدولة عن الرومان:
فالدولة عندهم هي دولة المدينة وهي مجموعة من القبائل يحكمها ملك منتخب يعاونه مجلس استشاري ثم تحولت بعد ذلك إلي جمهورية مما يؤكد مفهوم أن الشعب هو مصدر السلطة، ثم توسعت الدولة الرومانية عن طريق الغزو وأصبحت امبراطورية وأصبح الحكم الفردي عسكري، وصار الامبراطور حاكماً مطلقاً، وقد فوض إليه الشعب السلطة وهذا نوع من عقد الحكم.(18)
كانت الدولة عند الرومان إطاراً ضرورياً وطبيعياً للحياة الاجتماعية ولكن الفرد لا الدولة كان محور التفكير والهدف الرئيسي للتنظيمات السياسية لحماية حقوقه ومن ذلك نستطيع أن نتبين أن فكر العقد الاجتماعي هو تفويض السلطة من الشعب للحاكم.
أما في العصور الوسطى فقد كانت الدولة ثيوقراطية بمعنى أن الحكم مستمد من التفويض الإلهي المباشر أما في عصر النهضة فقد ظهر الدولة الإقليمية، وهي وحدة سياسية تقوم داخل حدود الإقليم وتطورت العوامل والأفكار في اتجاه مواجهة مبدأ الحق الإلهي للملوك وأصبحت الدولة هي صاحبة السلطة السياسية.(19) وكانت هذه إحدى المقومات الأساسية في ظهور الدولة الحديثة.
الدولة في الغرب في العصر الحديث:
امتاز العصر الحديث بنظرية العقد الاجتماعي في تفسير أصل الدولة ونشأة السلطة السياسية وتقوم هذه النظرية علي قضيتين:
1-عقد المجتمع: الذي يوضح لنا أن المجتمع البشري المنظم إنما ينشأ بمقتضى عقد أبرمته جماعة من الناس فيما بينهم بهدف التخلص من حالة الفوضى التي كانت سائدة قبل ذلك ووضع قواعد تضمن لهم الأمن والاستقرار.
2-عقد الحكم: ويذهب إلي أن الحاكم يمارس سلطته بمقتضى عقد أبرم بينه وبين المحكومين وأنه مسئول قبلهم عن تنفيذ ما يتضمنه هذا العقد والالتزام بحدوده.
وعلي ضوء نظرية العقد الاجتماعي نرى مفهوم الدولة عند توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو.
فقد جعل هوبز العقد الاجتماعي أساساً لقيام التنظيم السياسي (الدولة) وتفسيراً للسلطة المطلقة فيها، والحاكم ملزم لحماية رعاياه، بموجب هذا العقد كما جعل سيادة الحكم في الدولة مطلقة من كل القيود والحدود.
أما الدولة عند جون لوك منوط بها توفير الحرية والملكية الخاصة مهمة الحاكم هي التشريع والقضاء والتنفيذ وحماية الحريات وبذلك أصبح الفرد هو محور كل تنظيم سياسي ورضى المحكومين هو أساس مشروعية الحكم.
أما الدولة عند جان جاك روسو تقوم علي الأساسي التصرف الإرادي الواعي من جانب الأفراد الذين تضمهم الدولة وهو يؤكد أن العقد الاجتماعي هو الذي يمنح المجتمع السياسي سلطة مطلقة علي جميع أعضائه وحق كل فرد خاضع لحق المجتمع علي الجميع، كما أكد جان جاك روسو علي أهمية العلاقة بين المواطنين وبين المجتمع الذي أقاموه بتعاقداتهم وهو بذلك أول من وضع الحجر الأساسي في مفهوم القومية الحديثة وهو من أنشأ الأفكار السياسية التي انبثقت عنها معظم الاتجاهات الديمقراطية الاجتماعية الحديثة.(20)
الدولة المعاصرة:
وتتمثل في الدولة القومية رغم التيارات الفكرية السياسية المختلفة ويرى هيجل أن الدولة تكون سليمة الكيان قوية البنيان إذا اتفقت المصلحة الخاصة لمواطنيها مع الصالح العام المشترك للدولة، ومن ثم يجب أن تنصهر الإرادات الفردية في ثنايا الدولة أو تعمل في إطارها.(21) ويمجد هيجل الدولة حيث تتكون من أسرة تقوم علي التعاون والمسئولية ثم إلي مجتمع ثم إلي دولة تجمع شمل أمة من الأمم تعرف بالدولة القومية.(22)
أما الدولة عنده لا تقوم علي الإكراه الطبقي تمثله دكتاتورية البروليتاريا فهي أداة في أيدى الطبقة الاقتصادية السائدة وهي طبقة العمال، أما الجهاز التنفيذي عندهم ليس سوى لجنة لإدارة الشئون العامة للبرجوازية ككل، وتختفي الحاجة إلي دولة مع ظهور المجتمع الطبقي.
أما الدولة عند هارولد لاسكي هي محاولة لتفسير نظرية السيادة تفسيراً مخالفاً لمن سبقوه، حيث يرى أن الدولة هي نظام أخلاقي تبني علي رضاء المحكومين، وأن القوة في الالتزام الأخلاقي وللمحكومين حق صلاحية الحكم من عدمه، والدولة عند لاسكي ليست غاية وإنما وسيلة لغاية لا تتحقق إلا بإنتهاء الحياة الإنسانية.(23)
أما الدولة الفدرالية هي عبارة عن وحدة أو اتفاق بين مجموعة من الدول تكون اتحاداً فيدرالياً كالولايات المتحدة الأمريكية.
ويختلف الاتحاد الفيدرالي عن الكونفدرالي في أن الاتحاد الكونفدرالي هو اتحاد دول ذات سيادة ويكون من أجل تنمية أو تحقيق أغراض معينة وهي تشتمل علي مؤتمر من مندوبين يمثلون حكومات الدولة الأعضاء ترتبط بمعاهدة دولية تستطيع من خلالها ممارسة سلطة سياسية علي مواطن هذه الدولة.
من هذا العرض لنشأة وتطور الدولة ومفهومها في مختلف العصور وجدنا دولة في العصور القديمة تتمثل في المدينة المعبد وتقوم السلطة فيها علي أساس ديني.
كما ظهرت الممالك والامبراطوريات نتيجة الغزو العسكري وما لبثت أن تصارعت وتنافست وتحول الملك فيها من الكاهن إلي الحاكم وكانت دولة المعبد قد ظهرت في الشرق الأوسط وانتقل هذا التراث السياسي إلي أوربا وظهر معها مفهوم سيطرة الشعب علي الحكم.
واستعرضنا مفهوم الدولة عند الفلاسفة الإغريق والرومان واختلفت نظرياتهم فمنهم من رأى أن السيادة للفرد الأقوى ومنهم من رأى سيادة القانون في الدولة.
ثم انتقلنا إلي مفهوم الدولة في العصور الوسطى فوجدنا الدولة الثيوقراطية التي تجمع بين سلطتين الروحية والزمنية أي الدولة التي تستمد وجودها من حق التفويض الإلهي المباشر وغير المباشر ومحاولة التوفيق بين السلطتين لمنع الصراع بينهما.
وفي عصر النهضة ظهرت الدولة الإقليمية التي لها حدود معينة ولذلك أصبحت للدولة الإقليمية قوتها في مواجهة مبدأ الحق الإلهي للملوك ثم أصبحت صاحبة السلطة السياسية.
أما الدولة في العصر الحديث فقد تميزت بالنزعة القومية ومن ثم عرفت بالدولة القومية، وأصبحت الجنسية والوطنية هي المقومات الأساسية للتنظيم السياسي في الدولة وامتاز العصر الحديث بنظرية العقد الاجتماعي في تفسير الدولة والتي تقوم علي عقد المجتمع وعقد الحكم.
وعلي ضوء نظرية العقد الاجتماعي استعرضت نظريات فلاسفة العصر الحديث وهذه النظريات تارة تعطي السلطة علي إطلاقها للدولة وتارة تعول علي سلطة الشعوب وتجعل الفرد هو محور التفكير السياسي ومصدر الحكم في المجتمع.
أما الدولة المعاصرة فنجدها تتمثل في الدولة القومية ذات التيارات الفكرية السياسية المختلفة وهي نظريات تعرض محاولات الفكر الإنساني لوضع علاقة بين الحاكم والمحكوم لتنظيم سياسي يضمن الأمن والاستقرار وتبعد الفوضى.
مفهوم الدولة عند المسلمين:



عند بزوغ فجر الإسلام وظهور الدعوة الإسلامية تكون أول مجتمع جديد له ذاتية مستقلة تميزه عن غيره يعترف بقانون وتسير حياته وفقاً لنظام واحد ويهدف إلي غايات مشتركة وبين أفراده وشائج قوية من الجنس واللغة والدين والشعور العام بالتضامن ومثل هذا المجتمع الذي تتوفر فيه هذه الخصائص يطلق عليه اسم الدولة فهي تتكون من جميع العناصر التي ذكرناها.
وقد انقسمت فترة النبوة إلي مدتين أولها الفترة الملكية والتي تعتبر نواة المجتمع الإسلامي وفيها قررت قواعد الإسلام الأساسية بصفة عامة، إما في فترة المدينة فقد تم تكوين المجتمع، وفصل ما أجمل من قواعد، واكتمل التشريع حتى ظهر الإسلام في هيئته الاجتماعية والسياسية واكتملت العوامل الأساسية لإثارة التفكير النظري أهمها طبيعة النظام الاجتماعي وإقرار مبدأ حرية التفكير وتفويض الأمر للأمة فيما يتعلق بتفاصيل نظام الحكم الإسلامي. إن الإسلام لم يضع قواعد جاهزة لا تقبل التغيير بل أن الإسلام وضع الأطر العامة القابلة للتطور والاجتهاد وهذه إحدى فضائله التي تميزه عن غيره.
وبوفاة الرسول (ص) ظهر في الأفق الخلاف حول مسألة الخلافة أو الأمانة وأصبحت هذه المسألة من أهم المسائل التي شغلت كل مفكري الإسلام السياسيين فيما بعد، وكانت بداياتها اجتماع السقيفة الذي حضره المهاجرون والأنصار لبحث موضوع أحقيتهم في استخلاف الرسول صلي الله عليه وسلم.
وكانت حجة الأنصار تقوم علي أساس دفاعهم عن الإسلام وحمايتهم لهم وهم الذين آووا ونصروا ، أما المهاجرين فحجتهم في استحقاق الخلافة بأنهم أول من عبد الله في الأرض والذين صبروا معه ولم يستوحشوا لقلة عددهم وإجماع قومهم عليهم.(24) واعتبر اجتماع السقيفة بمثابة جمعية وطنية تبحث في مصير أمة لأجيال عديدة لاحقة وتضع دستوراً ليكون أساساً لها في المستقبل،(25) كما يعتبر مؤتمراً سياسياً دارت فيه المناقشات وفق الأساليب الحديثة.
وخلاصة القول أن الخلافة في عهد الرسول (ص) وفي عهد الخلفاء الراشدين كانت في شكلها ومضمونها إسلامية تتفق مع الكتاب والسنة والالتزام بالشورى وأسلوبها التطبيقي هي البيعة.(26)
أما في عصر بني أمية وعصر بني العباس فقد انتهجوا نظام تولية العهد وأخذ البيعة لهم فانتقلت الخلافة في عهدهم إلي النظام الملكي، وبذلك انهار ركن أساسي من أركان قيام الخلافة وهو البيعة الظاهرية التي أفرغت من مضمونها الحقيقي وأصبحت الخلافة اسمية وصورية لا تمت إلي الدين بصلة.
وسنتجاوز مفهوم الدولة وتعريفاتها كمصطلح لغوي وسياسي وقانوني وندلف إلي مفهوم الدولة عند المسلمين وبمثل ما استعرضنا أفكار وآراء الفلاسفة الغربيين في الدولة والحكم نستعرض كذلك آراء وأفكار الفلاسفة والعلماء المسلمين في تطور نظرية الدولة لا سيما وأن أوربا نفسها قد استفادت من التراث السياسي الإسلامي سواء في العصر الوسيط أو الحديث أو المعاصر.
ويختلف مفهوم الدولة عند المسلمين اختلافاً جذرياً عن مفهوم الدولة في أوربا، وذلك لسبب أساسي واضح هو أن الإسلام لا يعرف الكهانة ولا الطبقة المتميزة المتمثلة في رجال الدين والتي تختص بأسرار الدين وطقوسه، ومن ثم يكون لها الحق في التمسك بالسلطة السياسية في يدها، وهذا ما يرفضه الإسلام تماماً، حيث أن الفكرة الإسلامية للنظام الاجتماعي المتميز الخاص بها، ويختلف تماماً عن الأنظمة السائدة في تلك الفترة مما يعطي مفهوماً جديداً للدولة عند مفكري وفلاسفة الإسلام.
وهذا يؤكد لنا أن شكل الدولة ومدلولها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشكل المجتمع القائم ونظام الحياة الذي يعيشه ذلك المجتمع.
مفهوم الدولة عند أبي الربيع(27): [218 – 227هـ]
وهو الذي وضع كتاب (سلوك المالك في تدبير الممالك) في أيام حكم المعتصم الخليفة العباسي في القرن الثالث الهجري وترتكز نظريته في أن الإنسان يفتقر إلي غيره إلي سد حاجاته مما استدعى الاجتماع بالآخرين وتكوين الدولة التي لا بد لها من حاكم واحد، فكثرة الرؤساء تفسد السياسة لهذا احتاجت المدينة أو المدن أن يكون رئيسها واحد.
ويعاون هذا الحاكم جهاز يتولي التنفيذ لأن مهمة الحاكم إقامة العدل بين الرعية ودفع الظلم، وعلي الحاكم أن يرجع إلي العلماء في أمور التحريم والتحليل والتفسير والتأويل، وكما جعل للرعية حقوقاً وواجبات كذلك جعل للحاكم حقوقاً وواجبات.(28)
فالدولة إذن عند ابن أبي الربيع تقوم طبقاً لشريعة الله بين الحاكم والمحكوم، وتقوم علي أربع دعائم وهي الحكم الذي يحفظ سنن وفرائض الله وتدبير شئون الدولة لتحقيق الأهداف العليا والمصالح العامة.
الدولة عند الفارابي [257 – 339هـ]:
يشترط الفارابي أن يكون الحاكم فيلسوفاً، ولتأثره بالنزعة المثالية دعته إلي تصور إنشاء المدينة الفاضلة، مما دعى الكثير من المفكرين إلي أن يقرروا أن فلسفة الفارابي ظلت فكرة نظرية دون تطبيق وفي رأي الفارابي أن الحاكم في المدينة الفاضلة ينبغي أن يكون فيلسوفاً حكيماً من جهة أو نبياً منذراً يوحي إليه من جهة أخرى.(29)
وقد ساوى الفارابي بين الحكيم الفيلسوف والنبي المنذر من ناحية رئاسة كل منهما للدولة إذ يقول : (معنى الفيلسوف والرئيس والملك وواضع النواميس والإمام معنى كله واحد وأي لفظة من هذه الألفاظ تجتمع في آخر الأمر في معنى واحد بعينه) (30) فهو يقسم المدن إلي فاضلة وغير فاضلة جاعلاً العامل الديني هو الفيصل بينهما(31) وبذلك تكون الدول المثلى عند الفارابي هي بمثابة مجتمع صغير يتعاون أفراده لتحقيق السعادة الحقيقية ويحكمها فيلسوف.
الدولة عند الماوردي [214 – 450هـ]
وهي تقوم علي ست قواعد هي:
-دين متبع: وهو الذي يصرف النفوس عن شهواتها ويراقبها في سرائرها وهو أقوى قاعدة في صلاح الدولة واستقامتها.
-سلطان قاهر: تتألف برهبته الأهواء المختلفة ويسوس الدولة نحو تحقيق أهدافها العليا ويحفظ الدين ويحرس الناس ويحقق لهم الأمن والرزق والسلطان هو الإمام أو الخليفة.
-أمن عام: تطمئن إليه النفوس فيعيش الناس في أمان وطمأنينة.
-خصب دائم: أي الوفرة في الأرض والممتلكات والأموال، وفيه يقل في الناس الحسد وتتمتع النفوس في التوسع، وتكثر المواساة والتراحم وذلك من أقوى الدواعي لصلاح الدولة وانتظام أحوالها.
-أمل فسيح: يربط الجيل الحالي بجيل المستقبل، فالجيل الحالي يرث الجيل الماضي ويعد لجيل المستقبل آمالاً عراضاً ولو قصرت الآمال ما تجاوز الواحد حاجة يومه.
هذه هي القواعد الست التي تصلح بها الدولة والإمام في دولة الماوردي يجب أن يكون قرشياً ليحد من نفوذ غير العرب، فالماوردي يضع نظاماً سياسياً للحكم يتصدره الإمام فوزير التفويض ثم وزير التنفيذ فأمراء الأقاليم فأمير الجيوش فالقاضي فالمحتسب فوالي المظالم.
ويكون الاختيار للخليفة عن طريقين هما:
1-أهل الاختيار وهم الذين يختارون إماماً للأمة واشترط فيهم العدل والحكمة والعلم.
2-أهل الإمامة واشترط أن ينتصب أحدهم لابد له من سبع شروط أهمها العدالة والاجتهاد وسلامة الحواس والأعضاء والشجاعة وأن يكون من قريش، وعرف الخلافة والإمامة.
ويقرر الماوردي أن الإمامة هي موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وتنعقد من وجهين أحدهما باختيار أهل الحل والعقد، والثاني بعهد الإمام من قبل، ومن ثم فإن للتعاقد بين أهل الحل والعقد وبين الإمام يتم بواسطة رضا الطرفين لأن العقد مراضاة واختيار لا يدخله إجبار. (32)
ويقابل الماوردي نظام الملك الطوسي (408هـ - 485هـ) وهو تيار ساد المشرق العربي وبلاد فارس وكذلك في المغرب العربي والذي ينادي بأن يكون الخليفة غير عربي في حيث أن المارودي يشترط أن يكون غريباً ومن قريش وهؤلاء يمثلون الفكر السياسي الإسلامي في ذلك العصر.
الدولة عند أبي حامد الغزالي [450 – 505هـ]:
تقوم الخلافة عنده علي الشرع الإسلامي كغيره من المفكرين الإسلاميين ويتفق مع الماردوي في شرط القرشية العربية، ولقد جعل الغزالي الدنيا شرطاً أساسياً للدين، وجعل الدولة بدورها أساساً للدنيا، وربط بين وجوه النشاط الروحية والثقافية والاقتصادية والصحية والسياسية ربطاً يجعل من حياة الفرد في جانبها الشخصي وجانبها العام كلاً عضوياً متكاملاً لا يمكن تحقيقه إلا في نطاق الدولة، ومن ثم هو ينكر وجود النظم المختلفة مثل الدين والملكية والأخلاق والعادات والعلاقات المدنية قبل قيام الدولة. وليس هناك اجتماع قبل قيام الدولة وتصبح الدولة بذلك ذات أهمية جوهرياً قصوي في تنظميه، فحقوق الفرد ونظم المجتمع لا تتم إلا بها وبسلطانها، فالقهر الذي يكفل الطاعة هو خاصية الدولة عند الغزالي، وتقوم فلسفته علي افتراضه الرئيس من أن النظام الدين لا بنظام الدنيا ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع. (33)
ونلاحظ التشابه بين نظرية الغزالي وهوبز رغم أن الغزالي قد سبقه بستة قرون ولقد انبثقت السيادة في نظريته من الواقع المعاش فقد كان عهده عهد فتن وحروب أحس الناس فيها بأهمية الأمن في ذاته وضرورة حفظ النظام بواسطة سلطان قاهر لوضع حد لعوامل الاضطراب والفتنة وقد أدرك الغزالي أن السيادة هي الصفة المميزة للدولة ولكنه صاغها في قالب ديمقراطي شعبي وقالب روحي إلهي وقد صبغها بتجربته العامة والخاصة في عصره. (34)
ويؤكد الغزالي المفكر الإسلامي ورجل القانون الإسلامي قد سبق جان بودان رجل القانون الفرنسي الذي دفعته الفتن الدينية إلي إعلان نظرية السيادة في الدولة الحديثة، وخلاصة القول أن دولة الغزالي يكون فيها الإمام بالاختيار الرباني القهري أوجب الطاعة الجميع له.
وأكد أن عامل السياسة فوق غيرها من عوامل السعادة في الدنيا والآخرة.
الدولة عند ابن تيمية [661 – 728هـ]:
عالج ابن تيمية الدولة في كتابه الشهير السياسة الشرعية وقدم نظريته في الدولة التي تقوم علي القرآن الكريم والسنة النبوية، والولاية هي الكلمة التي أطلقها المسلمون علي سلطة الحكم وتشمل جميع مراتب الحكم من الإمامة حتى أصغر الوظائف، فهو يؤكد وجوب نظام الحكم شرعاً وعقلاً. (35)
ويرى ابن تيمية ضرورة العدل والإصلاح وفي مقاصد الولاية يقول: إن جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن يكون كلمة الله هي العليا، وجميع الولايات مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويرى أن تعيين الإمام يكون بالاختيار لا بالنص ولا بالعهد ممن قبله، ومعنى هذا أن مصدر سلطة الإمام هو مبايعة الجمهور له ورضاهم به ، وأن حب الرعية له هو دليل صلاحه وقد أوجب ابن تيمية علي أولى الأمر عامة المشاورة، كما أوجب علي الرعية مناصحتهم. (36)
الدولة عند ابن خلدون [732 – 808]:
نجد الدولة عند ابن خلدون تمثل قوة وعلي قدر احتفاظها بهذه القوة والسهر علي صيانتها من الانهيار يكون بقاؤها وبذلك يكون بن خلدون قد سبق بودان وهوبز وهيجل وماركس في تأكيدهم أن الدولة قوة.
ويقرر ابن خلدون أن الخاصية التي تتميز بها الدولة دون سائر النظم الاجتماعية هي القهر والغلب والإكراه، وبذلك تحقق السيادة في وجهيها الداخلي والخارجي، ويؤكد الصفة الاجتماعية للدولة، ونفي ربطها بالنبوة معارضاً فكر الفارابي وغيره من اسناد السلطة إلي مبدأ إلهي.
والدولة عند ابن خلدون تقوم علي العصبية والشوكة، وذهب إلي أن وظيفة الدولة تكره الناس علي أن يكونوا متعاونين، ويتفق إلي حد كبير مع نظرية هيجل ومن قبله روسو في أن الدولة وحدها التي تدرك الصالح الحقيقي للشعب، والإكراه في الدولة من أجل المصلحة العامة، ورغم الاختلاف في التفاصيل والشروط لدى الخلافة والإمامة إلا أن معظم المفكرين الإسلاميين متفقين علي أن الإمامة هي سياسة الدنيا بالدين وبذلك تكون نظرياتهم قد تشابهت في المقاصد والأهداف واختلفت في الوسائل والشروط للوصول إلي تلك الغاية الواحدة هي سياسة الدنيا بالدين.
الدولة عند الشيخ علي عبد الرازق:
اختلف الشيخ علي عبد الرازق عن المفكرين الإسلاميين بنظريته عن الدولة في كتابة الإسلام وأصول الحكم إذ رأى أن الدولة تقوم علي فصل الدين عن الدنيا أي فصل الدولة عن الدين وجاء في كتابه (إن ما جاء به الإسلام إنما هو شرع ديني خالص لله تعالي) ويقول إذا كان صلي الله عليه وسلم قد لجأ إلي القوة والرهبة وذلك لا يكون إلا في سبيل الدعوة إلي الدين وإبلاغ رسالته إلي العالمين.
وقرر أن الإسلام ليس إلا عقيدة فردية روحية ولا صلة لها بالحكم والسياسة أو الاجتماع وأن رسالة الرسول (ص) قد انتهت بموته ليصل غلي أن الخلافة لا أساس لها من الدين بل هي ضد الدين ومخالفة لمبادئه. (37)
لقد انفرد الشيخ علي عبد الرازق بهذا الرأي دون سائر المسلمين، وقد رد عليه الكثير من العلماء والدعاة والمفكرين ودحضوا نظريته ويكفي رداً عليه أن الدين أو الإسلام لم يترك قضية تخص الناس في معاشهم وحياتهم وحكمهم إلا وشملها ولما اعتنى الإسلام بشئون الآخرة اعتنى كذلك بشئون الدنيا وفي الإسلام نجد قواعد فقهية لكل المعاملات والتشريعات والقوانين التي تشمل الحكم والمال والاقتصاد وغيرها. كما أن الإسلام لا يقصر الشريعة علي مسائل العبادة فقط بل اهتم بكل حوائج الإنسان المادية والروحية بما في ذلك تسيير نظام الحكم في الدولة وتسيير نظام حياتهم في الدولة وفي المسجد وفي كل الأحوال. ولكن الشيخ علي عبد الرازق قد تأثر بالمستشرقين الذين يريدون للإسلام أن يكون عبادة فقط فينصرف إليها المسلمون، فتهدم الخلافة التي هي سر قوة المسلمين وتفوقهم علي الغرب.
ورغم أن الخلافة هي التي كانت في صدر الإسلام في عهد النبوة والخلافة الراشدة وفيما عدا ذلك ظلت الخلافة أسماً وهيكلاً فارغاً دون مضمون، ولكن عندما نتحدث عن الإمامة إنما نقصد ما ينبغي أن تكون عليه الخلافة أو ضرورة الرجوع إلي الدين والنأي بها عن المصالح والمفاسد التي ترتكب باسمها ظلماً وجوراً.
يتضح مما سبق أن عقد الإمامة كما عرضه علماء المسلمين هو عقد حقيقي، وأن مفكري الإسلام أدركوا أن الحاكم أو رئيس الدولة يتولى سلطاته في الأمة نائباً عنها نتيجة لتعاقد حر بينهما. وأنهم عرفوا نظرية السيادة قبل جان جاك روسو، كما أن عقد الإمامة عقد مستوفي للشروط من وجهة النظر القانونية لأنه مبني علي الرضا، وأن الغاية منه أن يكون هو المصدر الذي يستمد منه الإمام سلطته، وهو تعاقد بين الأخير وبين الأمة. (38)
وبمثلما أن روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي يعتبر أبو الديمقراطية في أوربا، فإن الفكر الإسلامي وصل في تفكيره السياسي والقانوني إلي هذه النظريات قبل مجئ روسو بقرون مع فارق أن عقد روسو كان مجرد افتراض لأنه بني علي الخيال، بينما نظريات العقد الإسلامية تستند إلي ماضٍ تاريخي ثابت هو تجربة الأمة الإسلامية طوال العصر الذهبي للإسلام وهو عصر الخلفاء الراشدين.
ولما كان اختيار الإمام أو الحاكم مبني علي إرادة عامة الناس وقد تسلط عليهم برضاهم، فإن من الضرورة بمكان وجود أهل الحل والعقد بجانبه لتقديم المشورة والنصح له لذلك تعتبر الشورى من أعظم دعائم الحكم في الإسلام الذي سبق أيضاً نظريات الديمقراطية الحديثة بقرون.
فقد رأينا أن نفرد مبحثاً منفصلاً للشورى لارتباطها بالحكم ونظم الحكم ومقارنتها مع نظرية الديمقراطية الحديثة وذلك يدل علي مرونة الإسلام وصلاحيته لمختلف الظروف والمجتمعات وما استجد من تطور عبر الزمان والمكان.
نظام الشوري:
نجد أن نظام الحكم في الإسلام مؤسس علي الشورى بدءاً من مؤسساته الأولى وهياكله الأخرى حتى قمة هرمه في السلطة الحاكمة.. حيث أن الشوري هي أساس الحكم الصالح وخاصة في أمور السياسة والحرب وقديماً قال الشاعر:
تهدي الأمور بأهل الرأي إن صلحت *** وإن تولوا فبالأشرار تنقاد
فالشورى لأهل الرأي تصلح المجتمع وتجعله مترابطاً بنشر أحسن الأعمال من خلال الشورى والتي هي أخير الآراء وأفيدها.
ونجد أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يستشير في كل صغيرة وكبيرة من الأمر العام برغم أنه نبي يمده وحي من الله. فكان صلي الله عليه وسلم يلتمس الآراء فإن أشير إليه بما فيه المصلحة المرجوة نزل عن رأيه إلي الرأي الصواب. فكان مثلاً يستشير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا يقتصر عليهما بل يشاور حتى عامة المسلمين وخاصتهم. فالرسول الكريم كان يشاور أصحابه ويقول لهم (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشئ من أمر دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشئ من رأي فإنما أنا بشر) (39) والشورى في الإسلام من لزم حرية الإنسان وتقديره وتكريمه فهي لا تسمح لشخص من دون الناس أن يدعى لنفسه العبقرية والذكاء ليتاح له الانفراد بالرأي والقرار ذلك أن الحكمة تقول إن جلاء الأمور لا يكون إلا باجتماع العقول فالعقول كالمصابيح كلما اجتمعت واتسعت دائرتها زاد نورها وسطع بريقها ووضح السبيل. وكانت شورى السقيفة هي التي عصمت المسلمين من التفرق باختبار أبي بكر الصديق. فقد كان أبوبكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالي فإن وجد فيه ما يقضي به قضي به وإذا لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم فإن وجد ما يقضي به قضي به فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول الله (ص) قضي فيه بقضاء فربما قام إليه القوم فيقولون قضى فيه بكذا وكذا فإن لم يجد سنة سنها النبي جمع رؤساء القوم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم علي شئ قضي به. (40) وكان عمر بن الخطاب يفعل مثل ذلك دلالة علي سيادة الشورى أو الإجماع الذي هو أقوى صور السياسة وأقربها إلي تحقيق معنى الاشتراك في الخلافة.. وأهل الشورى في الأصل عامة المسلمين ينوب عنهم أهل الاختيار وهم العلماء والأمراء والرؤساء موضع الثقة من فئات الأمة ويشترط فيهم الرأي والحكمة والعدالة والعلم بشريعة الأمة ومصالحها السياسية والإدارية والمالية والثقافية والاجتماعية.
والفرق بين الشورى والديمقراطية في الغرب هي أن الديمقراطية في المفهوم الغربي تمارس غالباً في سياق حكم لا ديني لأنهم يظنون أن الحكم الديني يضفي علي الحاكم قداسة ويمنحه حق إلهي مطلق لذلك قامت الديمقراطية جلها علي انقاض الدين. (41)
أما في الإسلام فالحكم بالضرورة مرتبط بالإيمان والعقيدة فالشورى هي من صميم أسس الحكم في الإسلام الذي يرتبط بحياة الناس العامة والخاصة، والشورى في الإسلام هي نظام حياة في الشعائر والأسرة والجوار والمجتمع والمعاملات وفي العلم والسياسة. ولكن بتقادم الزمن اعتورت الشورى وشوهت عن شكلها الأساسي الأصلي كالخلافة ولكن بقيت الديمقراطية علي علاتها تخطو في اتجاه أن تعمم في كل بلدان العالم تأثراً بالعولمة والغزو الفكري الذي ساد في الآونة الأخيرة، فأصبح المسلمون لا ملتزمين بقيمهم وتراثهم ولا يستطيعون تطبيق ما يأتيهم من الغرب بأكمله مذبذبين بين ذلك لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء ، فالأولى الرجوع إلي أصول الدين، والأخذ من الغير لا غبار عليه إذا لم يخالف الأصول والمبادئ الإسلامية.
وعلي ضوء ما سبق نستخلص مفهوم الدولة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة حيث أن الإسلام عقيدة ونظام وأن الغرب استفاد من نظرية الدولة الإسلامية وقد عرف المسلمون نظرية أهل الحل والعقد قبل روسو كما عرفوا نظرية السيادة قبل بودان وهيجل كما سبقهم الغزالي فيما عرضوه من أفكار سياسية.
المراجع
1-ابن خلدون، المقدمة ، تحقيق علي عبد الواحد وافي، المطبعة الأزهرية، 1966م.
2-طه الابان 118 – 119
3-د. صبحي عبده سعيد، السلطة والحرية في النظام الإسلامي، دار الفكر ، ص 9.
4-د. محمد طه بدوي، أصول علم السياسة، أبو نصر الفارابي : آراء أهل المدينة الفاضلة ، الإسكندرية ، ص 55.
5-جمال الدين أبو منصور بن علي المطهر الحلي: منهاج الكرامة في معرفة الإمامة منشور مع منهاج السنة المحمدية تحقيق محمود رشاد سالم القاهرة 1962م ، ص 145.
6-الحجرات ، آية 13.
7-صبحي عبد سعيد، مرجع سابق، ص 12.
8-بن خلدون ، مصدر سابق، ص
9-جمال الدين الحلي، منهاج الكرامة ، مصدر سابق، ص 146.
10-عبد الكريم أحمد ، أسس النظم السياسية، مطبعة جامعة القاهرة، 1971م، ص 98.
11-نفس المصدر ، ص 20.
12-محمد ممدوح العربي، دولة الرسول صلي الله وسلم، الهيئة المصرية، 1988م، ص 25.
13-محمد علي أبوريان، تاريخ الفكر الفلسفي ، ج1 ، الفلسفة اليونانية، ص 101.
14-علي عبد المعطي محمد، الفكر السياسي العربي، ص 43
15-محمد علي أبوريان ، مرجع سابق، ص 35.
16-عبد الكريم أحمد ، مصدر سابق، ص 27.
17-محمد ممدوح العربي، مرجع سابق، ص 31.
18-ثروت بدوي ، النظم السياسية، القاهرة، ص 23 – 24.
19-محمد ممدوح العربي، مرجع سابق، ص 40.
20-محمد عبد المعز نصر، فلسفة السياسة عند الألمان ، القاهرة، ص 65.
21-Hegel: The Philosophy of History, Translated by: J. Sibree, Introduction : p 24.
22-محمد عبد المعز نصر، الدولة والمواطن في نظرية السيادة، ص 94.
23-محمد ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية الإسلامية، ص 22
24-الطبري ، تاريخ الرسل والملوك، ج 3 ، ص 208.
25-يوليوس فلهوزن، تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلي نهاية الدولة الأموية، ترجمة: محمد عبد الهادي أبوريدة ، مشروع الألف كتاب، 1968م، ص48.
26-أنظر الشورى في المبحث الأخير من هذا البحث.
27-هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الربيع.
28-ابن أبي الربيع ، سلوك المالك في تدبير المسالك، ص 100 – 109
29-محمد جلال شرف، علي عبد المعطي محمد ، الفكر السياسي في الإسلام، شخصيات ومذاهب، ص 282.
30-الفارابي ، تحصيل السعادة، ص 43 – 44
31-محمد علي أبوريان – مصدر سابق، ص 270.
32-أنظر الماوردي، الأحكام السلطانية ، ط3 ، 1973م، ص 7.
33-الغزالي الاقتصاد في الاعتقاد ، القاهرة، 1320هـ، ص 107.
34-محمد عبد المعز نصر ، مرجع سابق، ص 82.
35-ابن تيمية السياسة الشرعية ، دار الشعب ، القاهرة، ص 4 – 5
36-نفس المصدر، ص 75 – 76.
37-علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، القاهرة، 1925م، ص 90
38-محمد ضياء الدين الريس ، مرجع سابق، ص 212
39-محمد صادق عفيفي، المجتمع الإسلامي وأصول الحكم ، الاعتصام للنشر، القاهرة، ط1، 1990م، ص 74.
40-ابن القيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، ج1 ، ص 20
41-حسن عبد الله الترابي، الديمقراطية والشورى ، شركة مطابع العملة، ص18.
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية الهوية، والاندماج القومي النزعة العالمية للتعددية السياسية المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim