القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > الإنقلابات العسكرية في السودان

الإنقلابات العسكرية في السودان

الإنقلابات العسكرية في السودان
الأسباب والدوافع
د.حسن الحاج على أحمد
جامعة الخرطوم
ظل التدخل العسكري في السياسة السودانية ومنذ الإنقلاب الأول في نوفمبر 1958 سمة ملازمة للعلاقة ين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي. وقد عد ذلك الإنقلاب الذي كان الأول في إفريقيا جنوب الصحراء، في حينه،مجافيا للتقاليد البريطانية التي أسس عليها الجيش السوداني ومنها استقى مهنيته وإدراكه للعلاقة مع المدنيين الذين يتربعون على سدة الحكم. وقد أرسى ذلك التدخل، لعلاقة ظل فيها حكم العسكريين أمرا غالبا طوال فترة ما بعد الاستعمار. وقد فشى التدخل العسكري، كما هو معروف، في إفريقيا والعالم النامي، حتى غدا وقوع إنقلاب في بلد مثل السودان ينظر إليه بحسبانه جزءا طبيعيا من العملية السياسية. وأصبح تعاقب المدنيين والعسكريين على السلطة، فيما غدا يعرف بالباب الدوّار،النمط السائد في العمل السياسي في بلدان مثل السودان ونيجيريا وغانا.
ستقوم هذه الورقة بتناول أسباب الانقلابات العسكرية في السودان وانماط التدخل العسكري. وتبدأ بتقديم اطار نظري قد يسهم في تفسير الانقلابات العسكرية في السودان. وفرضية الورقة الرئيسة هي أن تدخل العسكريين في السلطة في السودان ما هو إلا امتداد للعملية السياسية بوسائل الإكراه. أي أن الإنقلاب العسكري خطط ودبّر له مدنيون بالاشتراك مع عسكريين موالين سياسيا، أو جاء بدعوة من مدنيين وبذلك يكون الانقلاب جزءا من العملية السياسية. لذا فإن هذه الفرضية لا تشترك في الرأي مع الباحثين في شأن الانقلابات العسكرية الذين يرون أن الدافع الأكبر للانقلاب يعود إما إلى طبيعة السمات التظيمية للمؤسسية العسكرية، وتشمل التسلسل الهرمي وطبيعة التدريب والانضباط التنظيمي . أو إلى حماية مصالح الجيش المؤسسية عندما يتهددها خطر تقليص الميزانية أو الإهمال أو وجود مليشيات منافسة، أو التدخل السياسي في شئونه المهنية.
وكان هنتجنغتون قد أرسي نموذجا تقوم على أساسه العلاقات العسكرية المدنية وهو درجة المهنية. فكلما كانت المؤسسة العسكرية مهنية في مهمتها، ابتعدت عن التدخل المباشر في السياسة. وكلما قلت مهنيتها، ازدادت تدخلا في السلطة. وتكمن مهنية القوات المسلحة في تجويد مهمتها الأساسية وهي حماية البلاد من التهديد الخارجي، وهي ليست معنية بقضايا الأمن والسياسة الداخلية. وتتطلب الحروب الحديثة مهارات عسكرية عالية . هذه الرؤية التي قدّمها هنتجنغتون لم تعد تفسر العلاقات العسكرية المدنية في عدد من الدول وبخاصة أمريكا اللاتينية. وقد طرح استيبان مدخلا آخر لتفسير حالات البرازيل والأرجنتين وبيرو من خلال مفهوم "المهنية الجديدة". ويقوم مفهوم استيبان على أن مهمة القوات المسلحة في تلك البلدان هي الأمن الداخلي وأن المهارات العسكرية المطلوبة في الضابط مرتبطة بالهارات السياسية ولا تناقضها كما تفترض المهنية التقليدية. كما أن مدى عمل المهنية العسكرية واسع ومتمدد. ويتركز أثر المهنية الجديدة في تسييس المؤسسة العسكرية .
أما بيلكن وسشاوفر فقد قدما نموذجا يمكنه أن يرجّح وقوع انقلاب فيما أسمياه خطر الإنقلاب . ويشير الخطر إلى الأبعاد الهيكلية طويلة المدى التي ترجح وقوع انقلاب وتشمل سمات حكومية ومجتمعية وعناصر من الثقافة السياسية والعلاقة التي تربط المجتمع بالحكومة. وتختلف الأبعاد الهيكلية عن المحفزات التي تسبق الإنقلاب مثل الأزمات الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية والمهنية للعسكريين. ففي غياب الجوانب الهيكلية، لا يمكن للمحفزات وحدها أن تحدث انقلابا. وقد ركّز بيلكن وسشاوفر لأسباب منهجية ونظرية على ثلاثة أبعاد هيكلية هي: قوة المجتمع المدني وشرعية الحكومة وتأثير الانقلابات السابقة. وفرّقا بين دوافع الانقلاب والفرص التي تدفع الانقلابيين لاستلام السلطة. والفرص وخطر الانقلاب ليسا بالضرورة متطابقين. فبينما يشير انعدام الفرص من جهة إلى احتمال ضعيف لحدوث انقلاب نتيجة لقوة المؤسسات المدنية ورسوخ حكم القانون وانتشار الحريات، نجد أن الفرص قد تنعدم، من جهة ثانية، بسبب قدرة النظام الحاكم التكتيكية على درء خطر الانقلاب بهيمنته على القوات المسلحة، وليس نتيجة عوامل هيكيلية.
من العرض النظري السابق تقوم فرضيات هذه الورقة وهي: أولا، أن الانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية بوسائل أخري بسبب عوامل هيكلية. وكان كلاوتزفيتز يرى أن الحرب استمرار للعمل السياسي بوسائل أخرى. وهذا يعني أن الدافع الرئيس للانقلاب ليس السمات التنظيمية للقوات المسلحة أو المظالم الشخصية للضباط، فهذه تشكّل فقط حافزا مهيئا للانقلاب.
ثانيا، أن توسّع المهام المهنية للقوات المسلحة- المهنية الجديدة-وحكم العسكريين المتطاول بجانب تجييش الشعب في فترة الانقاذ قد قلل الهوة بين المدنيين والعسكريين، وجعل حالة تداول المدنيين والعسكريين على السلطة ينظر إليه بحسبانها جزءا "طبيعيا" من العملية السياسية في السودان.
ثالثا، عندما تزداد حالة الصراع والاستقطاب السياسي تتزايد فرص الانقلاب، كما تزداد للسبب ذاته فرص انهيار النظام العسكري عندما يكون العسكريون في السلطة. أي أن تزايد الاستقطاب والصراع السياسي يسهم في انهيار الأنظمة المدنية والعسكرية في السودان.
رابعا، أن قدرة النظام الحاكم التكتيكية في منع الانقلاب تجعل الاستقرار مرهونا بتلك القدرة وليس بسبب السمات الهيكلية للدولة.
المتتبع للانقلابات العسكرية في السودان يلاحظ ارتباطها الوثيق بالسياسيين المدنيين. وترى هذه الورقة أن التسييس المتنامي للحياة العامة في السودان مقرونا بسيطرة الحكومات المختلفة على مفاصل الاقتصاد والاعلام والثقافة يجعل السيطرة على الحكومة مهما. ويعني الخروج من الحكومة الخروج من درجة التأثير الأكبر الوحيدعلى الدولة. ففي أول انقلاب عسكري ناحج في إفريقيا جنوب الصحراء، تشير عد من الدراسات إلى أن حزب الأمة كان منهمكا في الإعداد وسط الجيش لإنقلاب. وأن عبدالله خليل أقنع السيد عبدالرحمن المهدي بأن نجاح الإنقلاب يؤدي إلي تنصيبه رئيسا لجمهورية السودان . لذا فقد طلب رئيس الوزراء عبدالله خليل من الفريق عبود استلام السلطة.
كما أن الفريق إبراهيم عبود ذكر للجنة التحقيق التي شكلت للتقصي في وقوع انفلاب 17 نوفمبر قائلا: " قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء عبد الله خليل، وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سئ إلى أسوأ، وأن أحداثا خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة ." كانت الأوضاع السياسية تشير إلى أن مساعي التقريب بين الحزب الوطني الإتحادي وحزب الشعب الديموقراطي على وشك أن تنجح في تشكيل حكومة جديدة تقصي حزب الأمة بقيادة عبدالله خليل من الحكومة. لذا قرر عبدالله خليل التضحية بالنظام الديموقراطي قبل أن تعتلي السلطة الحكومة الجديدة.
جاء الإنقلاب العسكري ليعصف بالآمال المعقودة على الديموقراطية الوليدة، ويشكل سابقة جديدة في العلاقات العسكرية المدنية في إفريقيا جنوب الصحراء. وكما أشار فيرست فإبراهيم عبود أحد أعمدة تقاليد المؤسسة البريطانية في السودان والعضو الرائد في المجلس الاستشاري والمجلس التشريعي والبرلمان، والذي تبوأ أرفع المناصب في فترتي الحكم الذاتي والاستقلال، قد استخدم جيشا نشأ وترعرع على التقاليد البريطانية ليهدم كل النظام ومعه تقاليد الجيش البريطاني التي تؤكد على عدم تدخل الجيش في السياسة . جاء انقلاب نوفمبر 1958 ليشكّل الحلقة الأولى في ظاهرة "الباب الدوّار" أو تعاقب المدنيين والعسكريين في السلطة في السودان.
أيّد السيّدان علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي الإنقلاب، الأمر الذي يشير إلى التوجه السياسي المحافظ لمنفذي الإنقلاب . ووجد الإنقلاب معارضة من الحزب الشيوعي. ففي 18 نوفمبر 1958 أصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي بيانا بعنوان ً 17 نوفمبر انقلاب رجعي ً ، جاء في ذلك البيان ما يلي: إن الانقلاب الذي جري صباح 17 نوفمبر لم يكن متجاوبا مع مطالب شعبنا ومصالحه، ولم تكن ثورة الجيش هي جزء من التحولات الوطنية الديمقراطية ضد تحكم الإقطاعيين والاستعماريين بل كان تسليما سلميا للسلطة من يد عبد الله خليل لقيادة الجيش تماما كما فعل اسكندر ميرزا في الباكستان .ً

وكما ذكر تاج السر عثمان، فإن معارضة الحزب الشيوعي لانقلاب 17 نوفمبر جاءت لكونه انقلابا رجعيا، ولم تنبع المعارضة من موقف مبدئي من أي انقلاب أو ديكتاتورية عسكرية تصادر الديمقراطية سواء كانت رجعية أو تقدمية . كما أن الحزب لم يطرح موضوع استعادة الديمقراطية والحريات الأساسية، بعد وقوع الانقلاب مباشرة، ولكنه طرح برنامجا يشجع أي انقلاب تقدمي يطيح بالمجموعة الرجعية التي نفّذت انقلاب 17 نوفمبر . لذا فإن "طبيعة الانقلاب هي التي تحدد الموقف منه : المعارضة إذا كان رجعيا ، والتأييد ( المشروط وغير المشروط ) إذا كان وطنيا أو يساريا . أي أن الحزب وقتها لم يبلور موقفا نظريا ومبدئيا متماسكا للدفاع عن الديمقراطية ومعارضا للتفكير الانقلابي من حيث المبدأ سواء كان رجعيا أو تقدميا ."
معارضة الحزب الشيوعي لنظام عبود دفع الشيوعيين للتحالف مع كل من يعادي ذلك النظام، ومن بين أولئك الضباط الأحرار. ومن ناحية أخرى يبدو أن الحزب خطط ليكون له وجود داخل الجيش، وذلك بهدف منع استخدام سلطات الجيش ضد الحزب. .وقد أفلح في بناء علاقات، تتفاوت درجة قوتها، مع عددمقدر من الضباط والجنود، وقد كان هؤلاء الضباط هم المحور الذي تطوّر حوله تنظيم الضباط الأحرار والذي ضم كثيرا من الضباط الذين لم يكونوا على علم بعلاقة زملائهم بالحزب الشيوعي .
أما ما يلي الأخوان المسلمون، فقد اتجه الرشيد الطاهر بكر إلى العمل وسط الجيش لتغيير نظام عبود، بعد أن رفض مكتب الأخوان مقترحه بإنشاء مليشيا شعبية. وما عضّد الاهتمام بالعمل وسط الجيش، عند المراقب العام، أن أبا المكارم عبدالحي، حينما جاء إلى السودان في عام 1955، كان متأثرا بتجربة الأخوان المسلمين في مصر، واقترح الاهتمام بالمؤسسة العسكرية، والاستفادة من تجربة النظام الخاص في مصر. ونتيجة لذلك التحق بعض شباب الأخوان بالكلية الحربية. مضى الرشيد الطاهر في مشروع الإنقلاب الذي كان مخططا له 9 نوفمبر 1959. لكن كشفت الخطة، وجرى اعتقال المخططين صباح يوم التنفيذ . يتضح من موقف الأخوان، وتخطيط المراقب العام لمحاولة إنقلاب 1959، أن معارضتهم لنظام عبود لم تتأسس على اطاحته نظاما ديموقراطيا، أو أنه موقف مبدئي ضد الإنقلاب.
واجه نظام نوفمبر معارضة متنامية من القوى السياسية، فقد طالبت هذه القوى في مذكرتين للمجلس العسكري في نوفمبر 1959 ونوفمبر 1960 بإقامة انتخابات. قامت الحكومة على إثر ذلك باعتقال عدد من زعماء الأحزاب . وأصدرت الحكومة العسكرية في يونيو 1961 قانونا حد بموجبه نشاط النقابات. وفي الجنوب تطوت الأوضاع باتجاه حرب عصابات تقودها حركة الأنانيا في عام 1963. وأدي نقاش أوضاع الجنوب في جامعة الخرطوم إلى مظاهرات طلابية قتل فيها القرشي الذي كان شرارة ثورة أكتوبر التي أنهت الحكم العسكري.
عاد المدنيون للسلطة بعد انتخابات عام 1965، لكن نتائج الانتخابات غير الحاسمة دفعت الأحزاب إلى اللجؤ إلى التحالفات الأمر الذي أدي إلى قيام حكومات غير مستقرة (انظر جدول رقم (1) ). كما شهدت فترة الديموقراطية الثانية انشقاقات وتحالفات جديدة واقصاء لقوى سياسية مثل الحزب الشيوعي.

جدول رقم (1) يوضح الحكومات المتعاقبة في السودان من ثورة أكتوبر 1964 وحتى إنقلاب مايو 1969
التاريخ الحكومة
أكتوبر 1964 الحكومة الانتقالية
فبراير 1965 حكومة انتقالية جديدة
يوليو 1965 حكومة ائتلافية جديدة الأمة والوطني الاتحادي
(المحجوب رئيسا للوزراء)
يوليو 1966 حكومة ائتلافية جديدة الأمة (الصادق) والوطني الاتحادي (الصادق رئيسا للوزراء)
مايو 1967 حكومة ائتلافية جديدة الأمة (الهادي) والوطني الاتحادي (المحجوب رئيسا للوزراء)
فبراير 1968 هزيمة حكومة المحجوب في البرلمان وحله
مايو 1968 حكومة ائتلافية جديدة الأمة (الهادي) والاتحادي الديموقراطي (المحجوب رئيسا للوزراء)
أبريل 1969 استقالة حكومة المحجوب وطلب منها الاستمرار
مايو 1969 انقلاب مايو
المصدر: جمع الجدول بواسطة المؤلف من Beshir مصدر سابق، ص 217-226.

انقلاب مايو 1969
كانت الشهور التي سبقت انقلاب مايو 1969 مليئة بالمناورات والمكايدات السياسية المختلفة: تحركات من وراء الكواليس لفض تحالفات وبناء تحالفات جديدة من أجل الوصول للسلطة مع تجاهل لمشاكل البلاد. ولم يهتم السياسيون بمشاكل البلاد الاقتصادية وتنامي البطالة ونقص السلع الاستهلاكية والتمرد في جنوب البلاد . وجد مخططو الانقلاب أن محفزات الانقلاب السياسية والاجتماعية متوفرة، وأن الوقت ملائم لاستلام السلطة. ووضح بعد إعلان الحكومة أن توجه الإنقلابيين السياسي يساري، فالغالبية العظمى من الوزراء الاثنين والعشرين الذين أعلنت أسماؤهم في صبيحة يوم الإنقلاب إما شيوعيون أو رفقاؤهم، أو قوميون عرب، أو اشتراكيون .
تأسست العلاقة بين نظام مايو والحزب الشيوعي السوداني،في بداية عهد مايو،على تأمين مصالح للطرفين. فمن جانب الحزب فإن برنامج مايو يمكن أن يحد من نفوذ الأحزاب الطائفية والدينية التي سعت من قبل لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. ومن جهة الضباط الأحرار، فقد كانوا في حاجة لتأييد الحزب الشيوعي لمجابهة القوى التقليدية المحافظة. وقد كان الحزب مفيدا بما لديه من شبكة فعّالة وسط الطلاب والعمّال والمهنيين في توفير الدعم للانقلاب في أيامه الأولى.
أما موقف الحزب فقد جاء في تقويم لإنقلاب 25 مايو 1969 في أول خطاب داخلي أصدره الحزب بعد الانقلاب، وورد فيه ما يلي : ما جري صباح هذا اليوم انقلاب عسكري وليس عملا شعبيا مسلحا قامت به قوي الجبهة الوطنية عن طريق قسمها المسلح . وأصبحت السلطة تتشكل من فئة البورجوازية الصغيرة . ويضيف: إذا استطاعت الطبقة الجديدة أن تقبض على زمام الأمور في القوات المسلحة وتبقي السلطة بين يديها ، فإن ظروفا جديدة تتهيأ بالنسبة لتطور الثورة الديمقراطية في إنجاز مهام التطور الوطني الديمقراطي وفتح أفاق الاشتراكية ، ذلك التطور لن يتم إلا بمبادرة الجماهير وقيادة الجماهير العاملة . ولكيما ترتبط السلطة ارتباطا عميقا في الأهداف وفي النهج بالقوي الديمقراطية ، لابد للحزب الشيوعي أن يلعب دورا بارزا في:
أولا، دعم وحماية هذه السلطة أمام خطر الثورة المضادة .
ثانيا، أن يحتفظ بقدراته الإيجابية في نقد وكشف مناهج البورجوازية الصغيرة وتطلعاتها غير المؤسسة لنقل القيادة من يد الطبقة العاملة إلى يدها – فالبرجوازية الصغيرة ليس في استطاعتها السير بحركة الثورة الديمقراطية بطريقة متصلة .
وجد النظام الجديد دعما من قوى اليسار حيث خرجت مظاهرة تأييد للإنقلاب في 2 يونيو في ميدان عبدالمنعم ضمت قوى سياسية واتحادات ونقابات يسارية. باشر النظام مهامه بالسعي لإحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية رئيسة، فأعلن تأميم عدد من المصارف والمؤسسات الخاصة، واعترف بألمانيا الشرقية،وأصدر بيانا حول مشكلة الجنوب في 6 يونيو مؤيدا حق الجنوبيين في الحكم الذاتي. وعيّن جوزيف قرنق وزيرا لشئون الجنوب. كما صدر قانون الأراضي غير المسجلة الذي جعل كل الأراضي غير المسجلة ملكا لحكومة السودان.
بدأ الخلاف يدب بين نظام مايو والحزب الشيوعي، فخارجيا عارض الحزب رغبة نميري في الإلتحاق بإتحاد الجموريات العربية مع مصر وليبيا الذي أعلن في طرابلس في 27 ديسمبر 1969، وداخليا رفض الحزب حل نفسه والإندماج في الإتحاد الإشتراكي المكون حديثا. احتدم الخلاف بين الطرفين الأمر الذي دفع نميري في 16 نوفمبر 1970 لإعفاء ثلاثة من أعضاء مجلس الثورة: اثنان من الشيوعيين هما بابكر النور عثمان وهاشم العطا وحلبفهم فاروق عثمان حمدالله. أقصي الشيوعيون من المؤسسات الحكومية في الفترة بين فبراير ويوليو 1971، واعتقل عدد من قادتهم. في 19 يوليو نفّذ العسكريون المرتبطون بالحزب الشيوعي إنقلابا استولوا فيه على السلطة لمدة ثلاثة أيام. أعلن الإنقلابيون عن تكوين الجبهة الديمقراطية الوطنية لتحل مكان الاتحاد الاشتراكي، والاعتماد على منظمات التحالف الديمقراطي التي تضم نقابات العمال الموالية للشيوعيين. لكن الإنقلاب فشل بعودة نميري للسلطة في 21 يوليو، ونفّذ حكم الإعدام في الضباط الثلاثة المطرودين من مجلس الثورة مع عدد من قادة الحزب الشيوعي من بينهم السكرتير العام للحزب عبدالخالق محجوب.
بدأت المؤسسة العسكرية في توسيع نفوذها عبر إقامة مؤسسات اقتصادية فأنشأت المؤسسة الاقتصادية العسكرية التي أدارة أعمالا اقتصادية متنوعة للقوات المسلحة امتد أثرها للمدنيين. استمرت أوضاع الحكومة المايوية متأرجحة في تحالفاتها مع القوى السياسية، لكن ظلت شخصية الرئيس نميري هي المحورية. وبدأ أداء النظام في التدني، مع ازدياد انعزاله تدريجيا. وتعرض لعدد من المحاولات الإنقلابية الفاشلة أهمها حركة حسن حسين في 1975 وحركة محمد نور سعد في 1977. وفي عام 1983 اندلعت مرة أخري الحرب في الجنوب الأمر الذي جعل القوات المسلحة تنخرط في قتال المتمردين، وقد كان لهذه الحرب تأثيرات سياسية كبيرة على النظام. انتهت عزلة النظام السياسية المتنامية بسقوطه في ذروة انتفاضة الرابع من أبريل عام 1985 واستلام الجيش للسلطة. وقال سوار الذهب إن قرار استلام السلطة اتخذ بإجماع قيادات الجيش، إثر زيارات قام بها لوحداتهم المختلفة. وقال إن الجميع تأكد لهم بأن نميري «بات لا يملك شعبية»، بعد الانتفاضة التي نظمت ضده، واستمرت من أواخر مارس وحتى أوائل أبريل. وذكر أن قرار إقصاء نميري، الذي كان في رحلة علاجية في الولايات المتحدة، كان من أجل «حقن دماء السودانيين ولمنع حدوث انقلاب عسكري من ضابط صغير في الجيش، كما يحدث في بلدان أفريقية »
التزم المجلس العسكري الذي نفّذ استلام السلطة برئاسة عبدالرحمن سوار الذهب بفترة زمنية استمرت سنة واحدة، وسلّمت السلطة لحكومة منتخبة. لم تسفر الانتخابات التي جرت في 1986 عن حزب أحرز أغلبية تمكّنه من تشكيل الحكومة بمفرده. لذا اتسمت الحكومات في فترة الديموقراطية الثالثة بعدم الاستقرار نسبة لطبيعتها التحالفية. (انظر الجدول رقم (2)). وشهدت تلك الفترة تسيسا واستقطابا حادا كان أوضح مظاهره التطور الذي طرأ على العلاقة العسكرية المدنية في فترة حكم مدني، وهو استخدام الجيش للفيتو في مذكرته المشهورة في فبراير 1989.

جدول رقم (2) يوضح الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد في الفترة بين 1986 و1989
التاريخ الحكومة
مايو 1986 حكومة ائتلافية ( الأمة والاتحادي الديموقراطي )
3 يونيو 1987 حكومة ائتلافية ( الأمة والاتحادي الديموقراطي )
21 أغسطس 1987 الاتحادي الديموقراطي ينسحب من الحكومة
4 أكتوبر 1987 قرار الأمة والاتحادي الديموقراطي الاستمرار في الائتلاف الحكومي
16 مايو 1988 حكومة ائتلافية جديدة (الأمة والاتحادي والجبهة الإسلامية والحزب القومي وأحزاب جنوبية)
28 ديسمبر 1988 الاتحادي الديموقراطي ينسحب من الحكومة
1 فبراير 1989 تشكيل وزاري جديد (الأمة والجبهة الإسلامية والحزب القومي وأحزاب جنوبية)
22 مارس 1989 حكومة ائتلافية جديدة (الأمة والاتحادي والحزب القومي والشيوعي وأحزاب جنوبية)
30 يونيو 1989 انقلاب عسكري
المصدر: جمعت بواسطة المؤلف



مذكرة الجيش فبراير 1989
أصدر مائة وخمسون من ضباط الجيش بقيادة رئيس هيئة الأركان الفريق فتحي أحمد مذكرة طلبت من الحكومة التركيز على الموضوعات التالية :
أولا، السياسة الخارجية وأثرها على القضايا الوطنية
ثانيا، التدهور الاقتصادي والتضخم وارتفاع الأسعار.
ثالثا، المليشيات والإنفلات الأمني.
رابعا، تفكك المجتمع السوداني وانتشار الفساد.
خامسا، تأثير الصراع المسلح في دارفور.
سادسا، توسيع الحكومة.
وقد أمهلت المذكرة الحكومة أسبوعا لتنفيذ المطالب. وفي 28 فبراير أصدرت هيئة الأركان بيانا أكّدت فيه ما ورد في المذكرة. بناء على ورد في هذا البيان، اجتمع معظم زعماء الأحزاب وعدد من قادة النقابات ووقعوا في 10 مارس على برنامج من سبعة نقاط لحكومة جديدة. اشتمل البرنامج على إعلان سلام. أرسلت هذه المنظمات مذكرة إلى رأس مجلس الدولة تطلب فيه استقالة الحكومة خلال 24 ساعة. في اليوم التالي وضعت هيئة الأركان مزيدا من الضغط إذ أرسلت خطابا لمجلس رأس الدولة تتساءل فيه عن الوضع السياسي. وفي 12 مارس قدم الوزراء استقالتهم.
تعد مذكرة الجيش نقطة تحوّل في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية. فلأول مرة في تاريخ تلك العلاقة منذ الاستقلال، تقوم المؤسسة العسكرية باستخدام فيتو عبر خطاب رسمي تطالب فيه بمطالب سياسية محددة. ونتيجة لمذكرة الجيش خرجت الجبهة الإسلامية القومية من الحكومة. درجت مؤسسات عسكرية في العالم الثالث في استخدام الفيتو في علاقتها بالسياسيين المدنيين، وخير مثال في هذا الصدد الجيش التركي. أما في السودان فقد اتخذت العلاقة، قبل المذكرة شكلين أساسيين: استلام السلطة أو العودة للثكنات.


انقلاب 30 يونيو 1989
جاء انقلاب 30 يونيو 1989 يحمل توجها ايديولوجيا اسلاميا بعد فترة من التمويه. وشكّل نجاح الانقلاب أول سابقة تتمكّن فيها حركة إسلامية معاصرة من استلام السلطة في بلدها عبر انقلاب عسكري.
كانت قيادة الحركة الإسلامية تخطط منذ فترة لمرحلة استلام السلطة والتمكين. ورأت القيادة أن الشهور القليلة التي سبقت ساعة الصفر في 30 يونيو شهدت من محفّزات الانقلاب ما يكفي لتهيئة الرأي العام لاستلام السلطة. ومن أمثلة المحفّزات التي سيقت مذكرة الجيش، والجو السياسي العام وما صاحبه من خطط بعض القوى السياسية لاستلام السلطة عبر انقلابات عسكرية . ورغم سكوت الإسلاميين ونفيهم لأي صلة بالانقلاب في سنواته الأولى، إلا أن انشقاق الإسلاميين قد دفع بعض القادة للحديث بوضوح عن ترتيبات الانقلاب وخططه. فقد كشف على الحاج أن قرار الاستيلاء على السلطة "تم اتخاذه في مجلس الشورى وهي تضم 60 عضوا تقريبا وكل عضويتها من المدنيين. هيئة الشورى هي التي اعطت الامين العام حق تنفيذ القرار واختيار من يشاء في التنفيذ وليس بالضرورة اخطار هيئة الشورى بكل التفاصيل، نحن كنا جزء من القرار، وأنا اتحدث عن اصحاب القرار. العساكر كلهم لم يكونوا في دائرة اتخاذ القرار بل كان عليهم تنفيذ القرار فقط. وأود أن أنبه الى أن دائرة اتخاذ القرار كانت محدودة جدا . " وقد عد حسن الترابي مخطط الانقلاب الرئيس أن ما حدث في ثلاثين يونيو هوخطيئة الإسلاميين .
كان أمر الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري مسكوت عنه في أدبيات الحركة الإسلامية. وجاء الحديث عن منهج الإصلاح منصبا بصورة أساسية على المفاضلة بين السياسة والثورة. وقد أشار الترابي لهذا النقاش على النحو التالي:
لئن برزت في هذه المرحلة قضية منهج الإصلاح بالسياسة أم بالثورة، فذلك أن ممارسة البناء والعمل
الحزبي دعت إلى التساؤل عمّا إذا كانت الحركة تعوّل عليه في إصلاح المجتمع مسايسة وتدرّجا. ولا
يعني ذلك أن قيادة الحركة قد تحيّزت إلى ذلك المذهب السياسي. ولكن عناصرها أصبحت مشغولة
بتلك القضية، ومن ثم بتقديرات جدوى العمل السياسي التنافسي في بسط قاعدة الإسلام، أو في تمكين
نظامه .
كما أن المتتبع لمناهج العمل السياسي الواردة في كتاب الحركة الإسلامية في السودان المذكور أعلاه، يلاحظ أن ما ورد من مناهج ركّز على ما استخدمته الحركة في السابق، وبخاصة ما ورد عن المقاتلة عند الحديث عن منهج المجاهدة السياسية، وفيه إشارة إلى أعمال القتال التي شاركت فيها الحركة، وعلى وجه الخصوص أحداث 1976 بقيادة العميدمحمد نور سعد وتبريرها . ولم ترد أي إشارة إلى الموقف من الانقلاب العسكري كوسيلة من وسائل التغيير السياسي.
كان من أهداف نظام الإنقاذ، وهو يجابه الحرب في الجنوب أن، أن يكسر الحاجز بين العسكريين والمدنيين. وقد تجلى ذلك في مؤسسة الدفاع الشعبي التي انتشرت في الأحياء والمؤسسات. وتمكنت بذلك المليشيا الشعبية من المشاركة في القتال جنبا إلى جنب مع القوات المسلحة. ونتيجة لذلك قلت الفجوة بين المدنيين والعسكريين. وما زاد في تضييق الفجوة تقديم الخدمات الصحية والتعليمية العسكرية للمدنيين.

الطبيعة السياسية لتنظيمات الضباط
يتضح الدور السياسي للضباط في طبيعة التنظيم الذي يجمع الضباط وأهدافة. والمتتبع لنشأة وتطور تنظيمات الضباط التي رتبت للانقلابات العسكرية في السودان يلاحظ أن الهم الوظيفي والمهني لم يكن الطاغي في أولويات القضايا التي تناقش، أو في البرامج التي طرحت مباشرة بعد استلام السلطة. وتظهر الأهمية السياسية لتنظيمات الضباط في انقلابي مايو 1969 ويونيو 1989، وهما الانقلابان اللذان حاولا إحداث تغييرات كبيرة في البنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البلاد. فتنظيم الضباط الأحرار بدأ نشاطه في بداية الخمسينات عندما قام ضباط من قوة دفاع السودان، بعد أشهر من انقلاب 1952 في مصر،بتكوين تنظيم أسموه الضباط الأحرار استلهم من التجربة المصرية. خططت الحركة للقيام بانقلاب في 14 يونيو 1957 لكن الخطة كشفت واعتقل المتآمرون في 11 يونيو 1957. وعلى الرغم من فشل الانقلاب، إلا أن التنظيم حافظ على وجوده، ولم تتمكن السلطات من كشف جميع أعضاء التنظيم . كان فشل الانقلاب الذي صاحب محاولة انقلاب العقيد علي حامد في نوفمبر 1959 وتنفيذ حكم الاعدام في خمسة من قادتها هو شهادة الوفاة لتنظيم الضباط الأحرار. عاد التنظيم بترتيب جديد وعضوية جديدة عدا جعفر نميري وفاروق حمدالله في بداية الستينات. ورمى التنظيم، هذه المرة، لإحداث تغيير أعمق في البنيات الاقتصادية والاجتماعية وفي 1961 أصدرت نشرة سرية تحت اسم "صوت القوات المسلحة" كانت تطبع في مطابع الحزب الشيوعي السرية وكانت تتداول قضايا الجيش التنظيمية والفنية إلى جانب القضايا الوطنية. كانت عملية التجنيد لتنظيم الضباط الأحرار تبدأ بطرح السؤال التالي للضابط المرشح: " هل تعتقد أن استقلال البلاد يتطلب التحرر الاقتصادي والتحرر السياسي ؟" وكان الذين يردون بالايجاب هم الأقرب للتنظيم . وكما هو واضح من طريقة التجنيد فإن المعيار الأهم في الاستقطاب هو الموقف السياسي للضابط من الأوضاع العامة في البلاد. كما أن التسهيلات التي قدهما الحزب الشيوعي للتنظيم تؤكد أهمية البعد السياسي لتنظيم الضباط الأحرار.

الخاتمة
يتضح من التحليل السابق أن سمة العلاقة بين العسكريين والمدنيين في السودان تدرّجت على مدى ممتد من التهديد بالفيتو إلى محاولة الإنقلاب الفاشلة إلى استلام السلطة ثم العودة إلى الثكنات. وفي كلا النمطين من الحكم: المدني والعسكري كانت الأزمات الحادة هي الحافز الرئيس في الإطاحة بالسلطة الحاكمة. وبرز دور السياسيين بحسبانه الأكبر في دفع العسكريين نحو استلام السلطة،وأدت المحفزات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمهنية دورا مهما في إنجاح الاستلام. لكن يظل الخلل الهيكلي هو السبب الرئيس وراء الإنقلاب العسكري حيث ما يزال دور المجتمع المدني ضعيفا، وما تزال الحكومة تهيمن، بجانب هيمنتها السياسية، على مفاصل المجتمع الرئيسة الاقتصادية والاعلامية والثقافية، وأصبح استلام السلطة مباراة صفرية، بمعنى آخر نجد أن الطرف الخاسر يخرج صفر اليدين بخروجه من السلطة،أو فدانه الأمل في الوصول إليها بصورة مشروعة. في هذه الحالة إذا لم يسع لاستلام السلطة، في ظل ضعف الجانب المدني، فإن انتظاره سيطول على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
أدي توسّع الدور الأمني للقوات المسلحة بمشاركتها في حرب الجنوب وإنشاء وتمدد مؤسسة الدفاع الشعبي وتوسع الخدمات الصحية والتعليمية التي تقدمها مؤسسات أمنية إلى تقليل الفجوة بين المدنيين والعسكريين الأمر الذي أثّر على إدراك المدنيين للدور السياسي لللعسكريين ونظر لهذا الدور باعتباره جزءا من العملية السياسية. ولا يشير البقاء في السلطة لفترة طويلة، كما حدث في نظامي مايو والإنقاذ، إلى تغير في البعد الهيكلي، بل إلى قدرة النظامين التكتيكية في منع خطر الإنقلاب من التحقق.
:
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية الانقلابات العسكرية التجربة التركية مفهوم السياسة والقوة المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim