القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > العسكر والحكم المدني: تجارب تاريخية

العسكر والحكم المدني: تجارب تاريخية

العسكر والحكم المدني: تجارب تاريخية
أ.د. حسن علي الساعوري


أصبحت ظاهرة العسكريين في السياسة أمرا مألوفا في أمريكا اللاتينية وقد بدا ذلك بعد السنوات الأولي للاستقلال. إما في الدول النامية الاخري مثل الشرق الأوسط، وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، فقد بدا هذا التدخل بعد نهاية الحرب العالمية الثأنية، (ويصادف أيضا فترة قبل الاستقلال). وقد كأن أكثر من ثلث أعضاء الأمم المتحدة تحت حكم عسكري حتي عام 1976م كما تقول دراسة ولش. (1) وكانت استمرارية هذه الأنظمة العسكرية أطول في العالم النامي بطبيعة الحال. يأخذ تدخل العسكر صوراً مختلفة ويمكن أن تمثل هذه الصور مقياساً، كما يري س.ي.فاينر، يشمل خمس من النظم العسكرية، يتم تصنيفها حسب قوة سيطرة العسكر علي صنع القرار السياسي ومدي العلنيه التي تمارس بها السيطرة. ففي حالة الحكم العسكري غير المباشر والمحدود، يتم التدخل لتحقيق أهداف محدودة.
ويتصف الحكم العسكري غير المباشر بأنه الحكم الكامل السيطرة العسكرية بينما تكون القيادة المدنية الرسميه صوريه، وهذا مثل ما كأن في كوبا أيام باتستا ما قبل 1940م. وفي النظام المزدوج يلاحظ وجود تحالف بين العناصر المدنية والعسكرية لضمأن الاستقرار في الحكم. وقد كأن نظام بيرون في الأرجنتين معتمداً في بقائه علي دعم الجيش، والنقابات وجماعات أخري.
النوعان الآخران هما النظام العسكري المباشر والنظام العسكري شبه المدني. وفي الحالتين يضع العسكر القرارات الهامه. ولكن في النظام شبه المدني هناك محاوله لإضفاء مشروعية أكثر علي نظام الحكم.(2) (إضافة لهذا التصنيف) فأن كثيراً من أدبيات علاقة العسكريين بالسياسة تعتمد علي مقدرة العسكريين علي الحكم ودورهم في عملية التحديث. وتناول عدد قليل من الباحثين قضايا التحول الذاتي للحكم المدني. الصفحات التالية تستعرض الأدبيات التي تناولت هذه القضايا.
مقدرة العسكر علي الحكم:
اتفق الباحثون علي عدم وجود قوة سياسية مدنية في المجتمع يمكنها منافسة القوات المسلحة في انتزاع السلطة. وتأتي مقدرتهم في انتزاع السلطة من امتلاكهم للسلاح، واحتكارهم لوسائل استعمال القوة. وفي مقابل هذا نجد الضعف البنيوي للمؤسسات في العالم النامي. ومن ثم فحينما تتخذ القوات المسلحة قراراً فليس هناك ما يمنع تنفيذ ما قررته.(3) وهناك اختلاف حول مدي تأثير كل واحد من هذه العوامل عند محاولة تفسير التدخلات العسكرية. س.ب هتنقثون، Huntington مثلاً، يقول أن تدخل العسكر لا يحدث لأن المؤسسة العسكريه بطبيعتها تميل إلي هذا التدخل، ولكن لغياب أو ضعف، المؤسسات ذات الفاعليه في المجتمع. ويختلف الدارسون كذلك حول مقدرة العسكريين علي الحكم. فجا نوثيز يؤيد وجهة النظر التي تقول أن القوات المسلحة لها صفات ايجابية تجعل العسكريين حكاماً فاعلين. ويقول أن القوات المسلحة يمكنها تقديم النظرة المهنية والالتزام، والمنحي العملي.
بالإضافة لهذا فهو يلحظ أن التدريب الذي يتلقاه الضباط، يمنحهم أيدلوجية مهنية تجمع الحس الوطني القوي بالطهارة السياسية، وقبول مؤسسات اقتصادية جماعية وعداء تجاه السياسيين الفاسدين. وتعتبر هذه المواصفات ضرورية لوجود فعالية في الحكم. ويؤكد ما تقدم، بقدرة العسكر علي الحكم في حالة الحديث عن الجيوش في أفريقيا. فارنست ليفيقر يشير إلي أن: الجيوش الأفريقية تقل فيها الروح القبلية، وهي أكثر حداثة وتوجهاً نحو الغرب، وأكثر تجانسا. وهي مؤسسات مترابطة في الدول الأفريقية. والجيوش عادة هي المؤسسة الأكثر تنظيماً في الدولة. وغالباً ما تملك حساً بالهوية الوطنية أكثر من غيرها من المؤسسات. وهي أكثر تميزاً في المقدرات الفنية علي الاتصال. والجيوش هي أكثر المؤسسات فاعلية في الدوله، وبالتالي فهي رمز حي للسيادة الوطنيه أكثر من العلم ومن الدستور والبرلمأن. والجيش غالباً ما يتمتع بتأييد شعبي أكثر من القادة السياسيين.(6) إما بالنسبة إلي (م.ج.ف.بيل) فأنه يري أن الخطر علي أفريقيا ليس الشيوعية بل الفوضى. فالاعتماد علي التأييد القبلي أو التعبئة الجماهيرية يجعل الفوضى أمرا محتوماً لذلك فالقوات المسلحة تعتبر، علي اقل تقدير، ضمأنه ضد الفوضى التي تعوق أي نوع من أنواع التنمية.(7) وقد أثير جدلا كثيرا تضمن شكوك حول مقدرة القوات المسلحة علي الحكم أهمها هو افتقاد العساكر للمهارات السياسية اللازمة للقيادة. فهم لا يثقون في الحوار السياسي، ويريدون نقل انضباطهم العسكري إلي المجتمع. ويرجع هذا إلي انعزالهم وارتباطها الشديد بشئون العسكريه مما يجعلها لا تهتم كثيراً بما يدور في الرأي العام. لذلك يميل القادة العسكريون لاستعمال السلطة والحسم، ويتعاملون بجمود وعدم مرونة مع التداخلات والارتباطات بين اركأن السلطة في المجتمع.(8) وتدور بعض الشكوك، كذلك، حول مسائل في تركيبة القوات المسلحة. فمثلاً جأنووثز يؤكد أن الجيوش التي لم تصل بعد إلي مرحلة من التقدم التقني والإداري الذي يسمح لها بتطوير الرابطة بين القطاع المدني والعسكري، اقل مقدرة علي التعامل مع الأمور المدنية، وعلي الأخص في المجال السياسي.(9).
ويضيف ادواردفيت بعداً آخر حول ضعف قدرة الجيش، في دراسة له عن غانا واسبأنيا. فغياب المشروعية يجعل الجيش يسعى لربط المجتمع بالسيطرة علي السلطة، ولكن لغياب الشرعية يجنحون لخلق تحالف بدون إجماع شعبي. ويستند هذا التحالف إلي قوي اجتماعية متنافرة. وذلك ما يقلل من احتمالات أي فرصة لإعادة بناء المجتمع، لأن أي محاولة في هذا الاتجاه تنهي التحالف القائم.
ومن ثم فأن مثل هذا التحالف يزيد من عدم التجانس في المجتمع لاستناده علي تجانس زائف ولا يجري شيئاً لمعالجة الصراع بين القوي التي يريد أن يقيم توازناً بينها. والسبب في ذلك أن القوي المتصارعة لا يمكن أن تستمر دون غليان ومن ثم فأن مثل هذا التحالف سينهار، ومع انهياره ينهار النظام العسكري.(10) وقد اتهم الجيش في أفريقيا بتشجيع عدم حفظ النظام في المجتمع. وهم احيأناً يصنعون الفوضى أو يسقطون ضحايا لها، لأن فوضي المجتمع تنعكس في أوساطهم.
ويستعين هنري بنين بدول مثل الكونغو ونيجريا، ودول شرق أفريقيا الثلاث وتوغو، ليدلل علي أن الجيش يمكن أن يكون قوة مساعدة علي عدم الاستقرار بدلاً من أن يساعد علي وجود الأداء الحكومي الفعال.(11) وأخيرا، فأن س.ي.فاينر يستعمل مثال الأرجنتين مباشراً أو غير مباشر والبرازيل وغانا ليوضح الدوامة التي يجد الساسة العسكريون أنفسهم فيها (فهم، سواء كأن حكمهم مباشراً أو غير مباشر، لا يستطيعون التخلي عن الحكم، او جعل سلطتهم شرعية، ولا يمكنهم البقاء أو الذهاب).(12).
الجيش والتحديث:
توسع الجدل حول مقدرة العسكر علي الحكم إلي مناقشة مدي مقدرتهم علي دعم عملية التحديث. وظهرت ثلاث وجهات نظر حول هذه القضية. النظرة الأولي تري أن الجيش قوة تحديثية فعالة وايجابية. الرأي الثاني فيعتبر الجيش قوة تقف حجر عثرة إمام التغيير بينما نجد الرأي الثالث يشير إلي أن دور العسكريين يعتمد علي مستوي التنمية الاقتصادية في البلد المعني. وقد حاولت عدة دراسات منذ بداية الستينيات أن تثبت مقولة أن الحكم العسكري غالباً ما ينجح في خلق تحول اقتصادي، وتحديث التركيبه الاجتماعية والاقتصادية، وتقسيم الثروة والموارد الاقتصادية المحدودة بصورة أكثر عدلا. فصور الساسه العسكريين كقوة تقدمية يجب اعتبار تدخلها مرغوبا أن لم يكن مطلوبا، بدلا من رفضها وادانتها بحجة استلابها لسلطة المدنيين. أصحاب هذه النظرية يعتمدون في حججهم علي الذهنية التقنية عند الضباط العسكريين، هذا بالإضافة إلي خلفياتهم الاجتماعية.
لوسيأن بأي(13) يري أن الجيش في الدول النامية من أكثر التنظيمات البشرية قربا من النموذج المثالي للمجتمعات الصناعية العلمانية. وذلك لأن معظم جيوش (المستعمرات سابقا) تقوم علي تقنيه عسكرية غربية. إذ نجد الحاجة إلي النظام داخل المؤسسة العسكرية، واضطرارها لربط الوسائل بالغابات، وحاجتها لتنسيق المهارات التقنية، كل هذه العوامل مجتمعه، تجعل المؤسسة ألعسكريه تنظيما حديثا، وتحل روح الإنجاز مكان غيرها من العوامل. ونتيجة لهذه التوجيهات في وسط القوات المسلحة ينشأ هناك عازل بينها وبين الوحدات ألعائليه والمجموعات الاخري التي تتأثر بالانتماء الجزئي التقليدي لا الانتماء القومي.
يجعل هذا الانعزال عن المجتمع العسكريين اقل تأثرا بضغوط القوي التقليدية. وكان من نتيجة ذلك ميل الضباط العسكريين إلي الابتداع، والايمأن بضرورة تحديث المجتمع. ولم يكن نمو النزعة إلي التحديث نتيجة لنوع مختلف من التعليم المهني فحسب، ولكنها تعزي، كذلك، إلي كون الضباط من الأجيال الجديدة الصاعدة، لذلك يسهل عليهم العزف علي وتر الشباب والتأثير عليهم نسبة لعدم صبرهم علي الأوضاع القائمة. وبالمثل يلحظ ما نفرد هيلبرن، أن جيوش الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كلما صارت أكثر تحديثا كلما أصبح تكوينها وتنظيمها وتوجهاتها وقدراتها، وأهدافها في تناقض جذري مع النظام السياسي القائم.(14) وفي هذا الخصوص يشير (جون جونسون) إلي نتيجة مرتبطة بتحديث الجيش في أمريكا اللاتينية فيقول أن المنحي الإداري والتقني للضباط، جعلهم يقبلون بسهولة، تحول السلطة السياسية من ألنخبه الاقطاعيه إلي التحالفات الحضرية الجديدة. لذلك فهم، كقوة ثورية، ساهموا في تفكك وأضعاف النظام السياسي التقليدي. إما دورهم كقوة تحفظ النظام والاستقرار، فقد تمثل في منع بعض الدول من الوقوع في قبضة حكام متطرفين.(15) ويعتقد أن الدور التحديثي للجيش يرتبط بالخلفية الاجتماعية للضباط. ويري ما نفريد هيلبيرن(16) أن الجيش في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد أصبح عنصرا سياسيا أساسيا، وأداة لخلق، طبقة وسطي جديدة، لا تربطها روابط كثيرة مع النخب ألتقليديه. وبالتالي لها القدرة علي التحول من وسيلة قمع تسعي لتحقيق مصالحها أو مصالح الملوك، إلي أن تكون راس الرمح في الحركة الوطنية والتغير الاجتماعي الذي يميز هذه الطبقة الوسطي من الأغنياء والإقطاعيين. وتتكون من مدرسيين، وإداريين، وعلماء ومحاسبين، ومهندسين، وأمثالهم. ويزعم البعض أن هذه الطبقة ستعمل علي إحداث التغير الاجتماعي لأنه هو الذي يتيح لها الفرص لمستقبل أفضل. خاصة لأنها طبقة جديدة في التكوين، وطبقة لم تتمتع باعتراف المجتمع بعد. ويصف هيل بيرن الجيش بأن له، مميزات خاصة علي غيره كأداة سياسية، وأن قيادته تتميز، بقدرات خاصة، مما يمكن القوات المسلحة من التحول من حرس، أمين للنظام، إلي حرس مقدام، في حركة النظام لتحقيق إصلاحات أساسية. وحسن الختام في هذا الإنجاز، يقول هيل بيون، هو نجاح النظام في جعل استمرار وجوده غير لازم(17). ويلحظ بيبر فأن دين بيرغ وجود نفس الظاهرة في أفريقيا مع بعض التحفظات.
فالضباط العسكريون في أفريقيا، ليسوا ممثلين لطبقة استقراطية من ملاك الأراضي ، فهذه الطبقة ضعيفة، بل لا وجود لها احيأنا، في معظم الدول الأفريقية. وفي الواقع يتم تجنيد الضباط بعد تخريجهم من دراسة علي منهج غربي محليا. ومن بعد ذلك يتلقوا تدريبا في أوربا. لذلك أصبحوا، كالسياسيين ، نخبه متعلمة علي نمط أجنبي.
وهذا ما يجعل نظرتهم واقعية، بالإضافة إلي أنهم يشبهون المدنيين، الذين يحلون محلهم في الحكم، في توجهاتهم التحديثية لا التقليدية.(18) وقد يكون التميز العرقي في استيعاب الضباط، سببا في بروز مشاكل عرقيه في المجتمع الجديد، ولكن عددا كبيرا من الدول التي تواجه هذه المشكلة استطاع معالجتها بإتباع اجرئيين. خلط التدريب العسكري بتعليم أساسي مع إقحام صياغة سياسية في الفكر من جانب، واستعمال الجيش في مهام تنموية مثل عمليات حملات الإنقاذ، والنقل، والعمل العام، من جانب آخر. ويصبح الجيش، بذلك، قوة مؤثرة في تعليم وتحديث الدول الأفريقية. ويدعم هذا القول حقيقة أن هذه الجيوش قد أصبحت احد العوامل ألهامه في إحداث التغيير السياسي والاجتماعي في القارة الأفريقية. ولكن هذا الحماس بدور العسكر كقوة تحديثية، ترفضه عدة دراسات تري أن العسكر ماهم إلا قوة محافظة. وقدمت عدة أسباب لتدعيم هذا الحكم. أولا هنالك في اغلب الاحيأن، تعاطف وسط أفراد القوات المسلحة، للعرف وأسلوب الحياة التقليدية. وهنا يلحظ ادوارد شيلد(19). أن هذا الشعور قد وجد دعامة له في تركيبة الجيش ووظيفته المهنية. فالاعتزاز بالتكوين الهرمي، واحترام الرؤساء، ودونية المرؤسيين، والتضامن والروح الجماعية كل ذلك يصبغ أفراد الجيش بذات الظواهر التقليدية في المجتمع. وتكون النتيجة هي عدم الثقة في من يعمل بجدية لتغيير نمط الحياة التقليدي. ويتطرق اير فنج ل. هورووتيز إلي نفس القضية، ويقول أن الجيش اقرب مايكون إلي النخبة الحاكمة، وبالتالي يكون مؤيدا للوضع القائم(20). ويري فاينر أن من بين العوامل الكثيرة التي تغري الجيش للتدخل في السياسة، المصالح الخاصة بالضباط العسكريين. الجيش يريد المحافظة علي وضعه الخاص وامتيازا ته وقد تقود إلي المطالبة بالإشراف الكامل علي كل المشاكل التي تمس القوات المسلحة، بما فيها السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية الداخلية(21). إما ايربك أ. نورد لينجر(22) فتؤدي مناقشته في هذا الأمر إلي القول بأن الجيش ليس بقوة تحديثية. إذ يصنف الجيش بأنه ليس نقابة مهنية فحسب وإنما أكثرها قوة ونفوذا في الدولة. ففي الدول التي تعاني من شح الموارد الاقتصادية، ولا تواجه تهديدات داخلية أو خارجية، تكون الأموال مخصصة للصرف العسكري علي حساب النمو الاقتصادي وعلي حجم الخدمات الاجتماعية الحديثة. وقد اعتبرت أمريكا اللاتينية مثالا لذلك. لأنه متي ما وصل الجيش إلي السلطة، زاد من الصرف علي المؤسسة العسكرية، علي الرغم من أن قسطا كبيرا من الصرف الحكومي قد خصص أصلا للقوات المسلحة. هذه المصلحة الذاتية للقوات المسلحة، جعلت من المستحيل، في رأي ثورد، استطاعة الجيش إعادة توزيع الثروة علي الطبقات الدنيا. وذلك لأن العسكريين يعتبرون الفقراء تهديدا لمصالحهم. ومن ثم لن يسمحوا لهم أن يكونوا ناشطين سياسيا لدرجة تجعلهم يهددون سلطة الجيش. والادعاء هنا هو أن الجيش تعرف وتكسب شرعية بسبب ارتباطها الوثيق بمصالح ألامه. والاستثناء الوحيد لعملية المصالح الجماعية للجيش، هو عندما تكون المؤسسة العسكرية صغيره، مثلما هو الحال في معظم جيوش أفريقيا. فالخلفية الاجتماعية للساسة العسكريين ليس لها كبير اثر. فالضباط يتمسكون بقيم مؤسسيه بدلا عن القيم الطبقية. ولا يخيرون أن كأن الساسة العسكريون متهمين أو غير ذلك بالتغير السياسي والاقتصادي وبالتغيرات التقدمية. هذا بالإضافة إلي أن معارضة ألطبقه العليا لا يعني بالضرورة دعم الطبقات الدنيا(23). وبعد إحصاء دقيق يجد مارتن نيدلر أن الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية، وعلي مدي ثلاثين عاما، صارت تقل فيها ألنزعه الاصلاحيه وتنمو فيها النزوعات غير ألدستوريه. ويستعمل فيها عنف أكثر، وتساعد علي بقاء الأمر الواقع(24). وهناك دراستان لهما أهمية خاصة لتوضيح أن الأنظمة العسكرية في أفريقيا محافظة وليست تقدمية. ادوارد فيت يقدم ملاحظة هامه في دراسته لغانا ونيجريا. فهو يؤكد أن الطبيعة القبلية لهذه المجتمعات، جعلت الحكم الاستعماري يقيم نظاما إداريا تقليديا، وهو نظام غير مهيأ لتوحيد الأفارقة خارج الإطار التقليدي للقبيلة. ولا يملك هذا النظام المرونة الكافية ليرضي عددا كبيرا من الأفارقة. فلا هو غربي بالدرجة التي يناسب القطاع الحديث من المؤسسات أو تقليدي للدرجة تناسب الآخري. فعندما يستولي الجيش علي السلطة يعيد تنظيم النظام الإداري التقليدي بحيث يقوم الضباط بدور الحكومة الاستعمارية. ويقوم كل من النظام التقليدي والإداري بإضفاء شرعيه كل منهما علي الآخر فالإداريون (الضباط) يقومون بحماية النظم التقليدية من التغيير، ويجعلون محتليها مقبولين للحكومة المركزية، ويساعد القادة التقليديون بدورهم في إضفاء الطابع المؤسس علي ممارسات الجيش في أوساط تابعيهم. وبالتالي يستحيل علي نظام كهذا أن يقوم علي تحديث المجتمع(25). ويفحص لكودي.ولش ثلاث أوجه أساسية لعملية التحديث في أفريقيا الاستوائية، وهي تحديدا، المركزية والتمايز والمشاركة الشعبيه. أولا يركز الجيش السلطة. ولكن أساس السلطة التقليدية لا يتاتي بالضرورة من المركزية. فهي تستلزم وقتا، وظروفا مؤاتيه ونموا لثقة متبادلة وأن لم يتم ذلك، فقد تنهار القوة التنظيمية بسبب مرحلة جديدة من الانقلابات العسكرية الداخلية التي يقوم بها ضباط صغار لاعتقادهم بأن كبار الضباط ، قد فقدوا القدرة علي القيادة، مثل ما هو الحال في نيجريا 1966م، وغانا 1964م، وداهومي 1976م. ثانيا، الجيوش الأفريقية ليست مؤسسات كبيرة، لذلك فأن التمايز وتنوع التخصصات لا يحدث إلا في نطاق ضيق. ولا يمكننا، كذلك، أن نفترض الانتماء لعضو في جيش مختلط عرقيا، يبلور بالضرورة نظرة قوميه، لأن التدريب لم يكن متكاملا وبدرجة واحدة للجميع. وختاما فأن جنرالات السياسة غالبا ما يلجاون للاستفتاءات* كوسيلة لتحويل المشاركة السياسية إلي قبول الاعتراف بالشرعية. وذلك يعني (Identification) أنها مجرد مشاركة صورية، بينما قد يكون التأييد المكتسب من هذا القبول محدودا جدا. ومن ثم تظهر المحلية، والإقليمية وأمثالها بدلا عنه. قوة سياسية محافظة.(26) كذلك من الدراسات الحديثة حول نظرية التبعية في الاقتصاد التي بدأت في أمريكا اللاتينية.
ويعتبر أنصار نظرية التبعية الجيش. قوة مضادة للثورة، وذلك لاعتماد الدول النامية هيكليا علي الدول الصناعية ألمتقدمه. إذ أثر العون العسكري، والتدريب في الخارج ينمو توجه فكري لدي الضباط تجاه الدول المتقدمة فيؤدي ذلك إلي نمو تصور بحماية الوضع الرأسمالي بالإضافة إلي شعور بالعداء للتوجهات الاشتراكية(27). ولكن هذا الرأي قد تعرض للنقد. وليام قاطرج أثار بعض الشكوك في دراسته حول تأثير العسكريين علي السياسة في أفريقيا. فيشير إلي أن العون العسكري الأجنبي، قد يكون له اثر علي السلوك السياسي للقوات المسلحة، ولكن يصعب التنبؤ في أي الاتجاهات يعمل هذا التأثير. وتتبلور أهداف الجيش من التدخل في السياسة بسبب عوامل محلية، وليس بتأثير مصدر الدعم وعلي كل حال، فأنه يمكننا القول إجمالا بأن نظرة من يتحمسون لدور الجيش قاصرة فهم أولا، يبنون نظرتهم علي افتراض أن المميزات التنظيمية للقوات المسلحة يمكن انتقالها إلي مجال آخر ولكن لا يمكن قبول فكرة أن الجيش سيحتفظ بصفاته الايجابية هذه في غير المجال العسكري. وتشير التقارير حول أداء العسكريين في السلطة إلي أن الجيش لا يحتفظ بهذه الصفات الممتازة التي تميزه كتنظيم عندما يتولى وظيفة الحاكم السياسي. إما الرأي الثالث حول دور الجيش في السياسة، فيحاول التوفيق بين النظريتين المتعارضتين، اللتين عرفناهما أنفا. (S.P.Hunyington) يشير إلي امكأنية دمج التوجهين، ويتبني الرأي القائل بأن اثر الجيش الفعلي علي السلطة يعتمد علي درجة تقديم أو تخلف المجتمع المعني . وبالتالي يتغير المجتمع بتغير دور الجيش كذلك. ففي عالم الملكية المطلقة يكون الجندي ثوريا، إما في عالم الطبقات المتوسطة فهو مشارك وفاعل، وعندما يلوح المجتمع ذو ألنزعه الجماعية في الأفق، يتحول إلي الحارس المحافظ الذي يحمي النظام القائم. وبالتالي فأنه يزداد تقدم دور الجيش بزيادة التخلف في المجتمع، إذ كلما تقدم المجتمع ازداد الجيش محافظة، وصار دوره رجعيا(29). وقد تم مؤخرا استعمال معلومات تجريبية لاختيار النظريتين المتعارضتين. ويبدو أن أيريل نور لينجر يؤكد نظرة هنتنجتون ولكن ببعض التعديلات، ويقول أن الساسة العسكريين ونوايا الجيش هي العامل الوحيد المؤثر في تخيلهم عن السلطة. وتعتمد العودة الطوعيه أساسا علي طريقة تفكير الجنرالات. وكل شئ اقل أهمية مما يقرره العسكريون ، سواء في ذلك الوعود بإعادة السلطة، أو ضغوط الساسة. لذلك إذا لم تقرر ألنخبه العسكرية التنحي، فلا ضمان لحدوث انتقال إلي سلطة مدنيه بصورة سلمية(34). ومن هنا يصبح السؤال المهم: ما الذي يكوَن تصور العسكريين للتدخل في السياسة؟ وهنا يجيب روبيرت برايس أن عملية التدريب التي خضع لها الضباط هي التي تحدد السلوك السياسي للجيش. فعملية التدريب تؤدي إلي مجموعة من المفاهيم التي تربط الضباط ببعضهم البعض، وكذلك الحال مع ضباط القوة الاستعمارية. ومن ثم الالتزام بتقاليدها، ورموزها، وقيمها. وفي هذا الإطار يمكن أن نفسر تسليم السلطة للمدنيين في غانا 1969م من قبل مجلس التحرير القومي. فالضباط الغانيين هولاء، تدربوا في بريطانيا حيث يسود الاعتقاد وسط الجيش بضرورة الفصل بين الجيش والسياسة(35). ومع ذلك فأنه لم يتصرف كثير من الضباط الذين تدربوا في بريطانيا بنفس الطريقة. يقسم Moshe Lissack العسكر إلي أربعة أصناف بناء علي خاصيتين، وهما: درجة الإبداع في برامجه وأفعاله، ودرجة الالتزام بفكر معين في تبرير كل سياساتهم، وتشمل مستوي عالي من التسييس للجيش. اثنان من هذه الأربعة أصناف عادة ما يحاولان تحويل الحكم العسكري إلي نظام مدني. النظام العسكري صاحب الابتداع أو الالتزام بالفكر سيحاول تحويل نفسه إلي نظام مدني، ويسهل عليه أن يجد المبررات لذلك. إما النظام العسكري التقليدي والنظام الغير ملتزم بفكر معين سيحاولأن تحويل نفسيهما إلي نظام مدني لمبررات شخصية، أي نظام مدني. إما النوعأن الآخران النموذج العقدي الغير مبتدع، والنموذج الغير فكري والغير مبتدع فيجنحان إلي نوع من التبادل عن السلطة للمدنيين. ومع ذلك، يعترف Lissack بعدم توفر الالدله التجريبية ولاختبار مدي صحة هذه الفرضيات(36). إما Finer فقد ركز علي العوامل المجتمعة التي تؤدي إلي تخلي العسكريين عن السلطة، فيشير إلي أن العامل الأساسي هو درجة تمسك الشعب بالمؤسسات السياسية المدنية. ففي الدول التي يكون فيها الارتباط قويا، يكون الحكم العسكري ضعيفا. ولذلك قد يتخلى عن السلطة بسهوله. إما في الدول الآخري التي يضعف فيها هذا الارتباط، أو ينعدم، تكون آثار الحكم العسكري متسعة لمدي ومن ثم يسعى الحكم العسكري(37) إلي تحويل نفسه إلي مدني. وأخيرا يقول بعض العلماء أن التأثيرات المجتمعية، وظيفة ألنخبه العسكرية، كلاهما مسئول عن نوع الانتقال إلي النظام المدني. ويلاحظ D.Morell, H.Bienen أن العوامل التي تفسر تدخل الجيش، توضح حدود ومقدرات نظام الحكم الذي سينشا. ومع ذلك فإنهما يعترفان بعجزهما عن تكوين فرضية، لصعوبة اكتشاف العلاقة بين دوافع قادة الجيش للقيام بانقلاب، وأهدافهم حول نظام الحكم. ولذلك فهما يشيران إلي أن المهم هو هل يمتلك الجيش برنامجا للحكم وهل كأن يتصرف كرد فعل للمحافظة علي امتيازا ته، أو هل جاء التدخل للمطالبة بامكأنات أكثر(38). وفي ذات الاتجاه يقول Perlmuter Amos أن هناك أربعة عوامل تؤثر علي السلوك السياسي للجيش: البنيأن الداخلي للجيش، ومستوي الوعي السياسي، والتفاعل بين الجيش والساسة المدنيين، ونوع النظام السياسي الذي يريد الجيش أزاحته، ونوع النظام الذي يريد إنشاءه. وبناء علي هذه العوامل يميز Perluter بين نوعين من الجيوش. الجيش المتحكم والجيش الحاكم. فالجيش المتحكم عادة ما يقبل النظام الاجتماعي السياسي القائم، وتنقصه الإرادة لزيادة سيطرة الجيش، ولذلك يميل إلي التخلي طوعا عن السلطة. ولكنه مع ذلك يميل إلي العمل من وراء الكواليس كجماعة ضغط. وخلافا للجيش المتحكم، فأن الجيش الحاكم يرفض النظام القائم ويتحدى شرعيته، وله تنظيم سياسي لزيادة سيطرة الجيش ويري أنه البديل الوحيد للفوضى السياسية. ولذلك فهو يتوقع البقاء في السلطة، وتكون النتيجة النهائية "التحديث" أي التحول إلي نظام مدني مع الاحتفاظ بالسلطة وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية(39). ويبدو أن تخلي الجيش عن السلطة، عبر اعتزالها، به بعض العيوب. فإذا تخلي الجيش عن السلطة طائعا، فمن الممكن أن يتحرك في المستقبل. مرة أخري لمنع جماعات سياسية معينة من استلام السلطة، أو لمنع ساسة يعتقد بأنهم فاسدين، كما حدث في تركيا عام 1960م. لذلك فهم يقفزون للسلطة لبعض الوقت، ويعودون إلي ثكناتهم مرة أخري بعد فرض شروط معينه علي المدنيين لحكم البلاد. إما عندما يجبر العسكريون للتخلي عن السلطة، فالمتوقع أن تستمر الانقلابات والانقلابات المضادة، وذلك لأن بعض العناصر ألمواليه للحكومة العسكرية المبعدة، قد تبقي وسط صفوف الجيش ، وتعيد ترتيب صفوفها لاستلام السلطة كما فعل مؤيدي عيدي أمين في يوغندا عام 1979م. لذلك فأن اعتزال العسكريين للسلطة لا يعني بالضرورة الاستقرار.
ما هي فرص عملية التحول الذاتي للحكم المدني في بناء الاستقرار السياسي؟:
تبدو الفرص اكبر من خيار الاعتزال لأنها أن نجحت، فهي تعني، علي الأقل، خلق مؤسسات سياسية تساعد علي الاستقرار كما حدث في المكسيك. ولكن كيف ومتي يحدث "التحول المدني الذاتي"؟. هذه الدراسة تحاول أن تقوم إجابة لهذا التساؤل.
التحول الذاتي للحكم المدني:
لكي يتمكن أي نظام عسكري من تحويل نفسه إلي نظام مدني، يجب أن تتوفر عدة شروط. وتشمل هذه الشروط عوامل أخري ترتبط بطبيعة النخبة العسكرية، وعوامل أخري ترتبط بالمجتمع المعني. فالساسة العسكريون الذين يميلون إلي الاحتفاظ بالسلطة والتحول المدني الذاتي هم الذين يرفضون النظام السياسي ونتيجة لذلك يسعون إلي السلطة ليطبقوا سياسات مبتكرة وجديدة. وهنا يمكن تطبيق برنامج العمل السياسي هذا في مجتمعات معينه. وهي تلك المجتمعات التي تتميز بمؤسسات سياسية ضعيفة أو غائبة، وبذلك تتميز بدرجة مشاركة سياسية ضعيفة. وهذا لزيادة سيطرتهم القائمة، ويتحدون شرعيته ولديهم توجه عقائدي ووعي سياسي. التفاعل بين العوامل الاجتماعية، وتلك المتعلقة بضباط الجيش، ما يدعوه الكاتب التحول الذاتي للحكم المدني والذي يحقق الشرعية للنظام السياسي الجديد.
العوامل الاجتماعية في التحول الذاتي للحكم المدني:

درجة المشاركة السياسية:
أن درجة المشاركة السياسية للمجتمع في عملية التحول الذاتي للحكم المدني ذات أهمية قصوي. فهي تفاعل القوي الاجتماعية النشطة والعلاقة بينهما. هذا التفاعل إما أن يهز العسكر في عملية التحول المدني الذاتي أو يحد من مقدرتهم علي ذلك. فكلما قل عدد القوي الاجتماعية التي تشارك في دعم النظام، كلما كأن تحريك الدعم الشعبي ميسورا فعندما تنخرط قوي اجتماعية قليلة في السياسة يسهل الأمر علي الجيش لتحريك وكسب دعم الأغلبية الصامتة في المجتمع. وفي هذا الإطار صنف S.P.Huntington ما يدعوه المجتمعات "البروتوريورية" بناء علي درجة مشاركتها في السياسة إلي ملكية، وثورية، وجماهيرية(40). "البريتوري" الملكي يسود في المجتمعات التي يقل فيها التميز بين القادة العسكريين والمدنيين، ويسيطر الجنرالات علي الساحة السياسية. وهذه هي الملكيات التقليدية، ومعظم دول أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر. إما البيرتوري الثوري فيكون عندما يبدأ النظام التقليدي في التغيير. وبمقياس المشاركة السياسية، فالبيرتورية الثورية تتميز بانفصال المدينة عن الريف، ويتمركز النشاط السياسي في المدينة، وتصبح ممارسة السياسة صراعا سياسيا وسط الطبقات الوسطي في المجتمعات الحضرية، ولا يملك أي منها المقدرة علي إحداث إجماع شعبي أو فرض النظام العام. في كلتا الحالتين أعلاه فأن Huntington يري أن النظام العسكري يمكن أن يحول نفسه إلي نظام مدني إذا استطاع تعبئة أهل الريف لدعم النظام بما يوازي حفظ الجماعات الحضرية. وتشمل الامثله نظام اتاتوراك في تركيا والمكسيك في النصف الأول من هذا القرن. النظام البروتوري الجماهيري يتميز بأن تكون قاعدة المشاركة السياسية فيه عريضة. فكلما زاد تعقيد المجتمع وتباينت أنواع المهن فيه، كلما تضاعف عدد القوي والجماعات السياسية. فتتعقد مشاكل التنسيق بين المصالح، وتنشا الحركات ألشعبيه الكبيرة. والأمثلة لذلك هي بعض دول أمريكا اللاتينية، كالبرازيل والأرجنتين وشيلي. في مثل هذا النظام يكون المجتمع معقدا لدرجة تجعله غير قابل للانصياع لقيادة عسكرية. ففي دولة مثل البرازيل يجب علي القائد العسكري أن يجد وسيله لخلق توازن بين مصالح الأقاليم والصناع والتجار والعاملين في زراعه البن وغيرهم ممن يشكلون جزءا من التركيبه السياسية، ولا يمكن الاستغناء عن تعاونهم. الأمر الذي يحتم وجود تحالفات هشة، وذلك مما يعوق من نشأة ثم ترقية السلوك السياسي المتكامل اللازم لعملية التحول الذاتي المدني. لذلك فأن الناس في المجتمعات التي تتميز بالجماهيرية معبئون سلفاً ولهم دور سياسي، ولكن تنقصهم المؤسسات السياسية الفعالة لحل الصراعات الاجتماعية ويكون الجيش فقط واحدا من القوي الاجتماعية الكثيرة هذه. وعكس المجتمعات البسيطة، فتركيبه معقدة كهذه لا يمكن توجيهها، أو السيطرة عليها، أو قيادتها نحو أي هدف من قبل جيش مسيس. فالدور المطلوب هنا هو دور المفاوضات والمساومات، وذلك فن يندر اتقأنه بواسطة قيادات الجيش. وبناء علي ذلك ففي مثل هذه المجتمعات المعقدة، يصعب علي النظام العسكري أن يحول نفسه إلي نظام مدني.
العوامل العسكرية في التحول الذاتي للحكم المدني:
سوابق الجيش في السياسة:
تعتبر سوابق الجيش في السياسة عامل ثاني من العوامل المؤثرة علي احتمالات نجاح عملية التحول الذاتي المدني. فالجيش في دول كثيرة مثل اندونيسيا والجزائر قد لعب دورا هاما في حركات التحرير القومي خلال الصراع من اجل الاستقلال. وفي دول أخري، وخاصة دول أمريكا اللاتينية، أصبح تدخل الجيش في السياسة من الوسائل المقبولة لإحداث تغيير سياسي داخل القوات المسلحة وبعض القادة المدنيين والمواطنين عامة. وفي الحالتين، يصف هـ.بينين الوضع بأنه التدخل المؤسس(41). وهو الذي تتناوب فيه الحكومات العسكرية والمدنية. ففي خلال الحكم العسكري، يزيد الضغط للعودة إلي الحكم المدني، وفي أنثاء ذلك يتطلع كل فرد لتدخل الجيش مرة أخري في السياسة. وفي الحالتين يبدو وكأنما التدخل العسكري أصبح مشروعا، وخاصة في نظر الجيش. ففي الحالة الأولي يعطي التدخل العسكري في الصراع من اجل الاستقلال القوات المسلحة وضعا خاصا في الدوله، وبذلك يجعل تدخلها شبه إلزامي أكثر منه مشروعا. فهم قد أصبحوا حرسا علي تطور ألدوله السياسي. أن التدخل العسكري المؤسس هذا يجعل الانقلابات العسكرية هي القاعدة وليس الشواذ. فدور الجيش في السياسة يصبح فكرة راسخة في عقول أفراد القوات المسلحة. لذلك يصعب علي الجيش أن يبقي محايدا في السياسة. ولذلك يبدو نجاح نظام عسكري مثل هذا في التحول الذاتي المدني صعبا. التحول الذاتي للحكم المدني قد يحدث لفترة قصيرة، ويحدث بعدها ما يسمي Huntington "انقلاب الفيتو" (42). أصبح ذلك ظاهرة سياسية في الأرجنتين سنة 1962م ، وبيرو سنة 1962م ، وتركيا سنة 1960م، والبرازيل سنة 1964م، وهندوارس سنة 1963م، فقد حدث فيها انقلابات عسكرية لأن سوابق تدخل العسكر في السياسة جعلت الجيش ينظر إلي نفسه كحارس له حق التدخل متي ما رأي انحرافا سواء كأن هذا الانحراف نتيجة انتخابات، مثل ما حدث في الأرجنتين وبيرو وهندوراس ، أو سياسات مرفوضة، مثل ما حدث في البرازيل 1964م، وتركيا 1960م. لكل ذلك فأن القبول السابق للانقلابات العسكرية، وتعدد تدخل الجيش في السياسة يشكلان خلفيه هامه في عملية التحول الذاتي للحكم المدني.
هناك عامل آخر هام في عملية التحول الذاتي للحكم المدني، وهو درجة الوحدة والتكامل وسط ضباط الجيش الحاكمين، وتحديدا وجود تنظيم وليس فقط تجمعا من الضباط، وبالتالي وجود وسائل محددة لحل النزاعات، ووجود توجه سياسي واحد، وأخيرا وجود اتفاق لعملية التحول الذاتي المدني. وعلي الرغم من أن تنفيذ انقلاب ناجح لا يحتاج إلي تنظيم سياسي في الجيش، لا يمكن الاستغناء عن هذا التنظيم للاحتفاظ بالسلطة وتوسيع المشاركة. وهذه واحدة من الخطوات الأولي للتحول الذاتي المدني. فالتنظيم السياسي وسط الجيش يضمن اتفاقا علي وسائل اتخاذ القرارات وحل النزاعات، إضافة إلي أشياء أخري، فأن لم يكن هناك تنظيم فيحتمل أن تسود الانشقاقات. فبدلا عن حل النزاعات بوسائل تنظيمية، تكون القاعدة هي اللجوء إلي "الإثم الأول" كما يسميها Finer (43). ويعني ذلك استعمال القوة المسلحة. إذ لأن الجيش وصل إلي السلطة عن طريق انقلاب، تشعر فصائل أخري داخل الجيش بحقها في استخدام الوسائل ضد مجموعات أخري داخل الجيش نفسه. وبذلك يفقد الجيش وحدته. والعراق نموذج واصح لهذا السلوك. ففي عام 1936-1937م أحدث موضوع الوحدة العربية انشقاقات وسط الضباط وقاد نفس الصراع علي السلطة إلي ثورة الموصل عام 1959م، وفي عام 1963م وقع انقلابان ناجحان (44). وقد تحدث مشاكل داخلية بسبب موضوع توسيع المشاركة والتحول المدني. ولذلك فالإجماع وسط قيادات الجيش ضروري لجعل الجيش بعيدا عن السياسة. ويمكن ضمان هذا إذا سادت القواعد التنظيمية. ولكن الوسائل التنظيمية لا تزيل الخلافات العقائدية علي الرغم من أن خلق تنظيم داخل الجيش يفترض وجود تشابه في الأهداف السياسية ولذلك يقال أن: "ألعقبه الأساسية في وجه. التحول الذاتي للحكم المدني هي المنافسة والتوتر داخل القوات المسلحة. فالانقلابات تخلق انقلابات مضادة إذ عند إسقاط الشرعية السياسية لا يمكن أعادتها بسهوله(45). وجود قواعد ثابتة للعمل المؤسس، يفرض علي الجيش التعرف علي السياسة ومشاكلها قبل تنفيذ الانقلاب. فيجب عليهم تعلم فن الحوار والمفاوضات والمساومات، بدلا عن الأوامر والطاعة التي تعودوا عليها. فيجدون أنفسهم في وضع يعتمد فيه كبار الضباط علي دعم الرتب الصغيرة بدلا عن إعطائهم أوامر لينفذوها. وعلي الرغم من صعوبة تحقيق هذا الشرط، يمكن أن نقول أن تعلم الضباط لفن السياسة من الممكن أن يكون له اثر ايجابي عندما يتسلم الجيش السلطة ، ويعمل بعدها علي تحويل نفسه إلي نظام مدني. وفي الحقيقة أن هذه العملية لا يمكن الاستغناء عنها لتكامل المجموعة الحاكمة وبالتالي لتحقيق أهداف التحول الذاتي للحكم المدني.
إضفاء الشرعية علي النظام:
يمكن تعريف شرعية النظام السياسي بأساسيات "السلطة الحكومية عندما تمارسها الحكومة بوعي منها بحقها في الحكم، وباعتراف الطرف المحكوم بهذا الحق"(46). وهي في الواقع المبرر لوجود سلطة سياسية أي وجود شبكة محدده من القواعد لتوزيع الأدوار والمناصب للحاكم والمحكوم. فمثلا سلطة الرئيس، الوزراء، يجب أن يعترف بها المواطنون والأشخاص المسيطرون علي المواقع القيادية ألهامه مثل وزرائه، وقادته العسكريين، والأداة الإدارية والسياسية. وكما يقول Max Weber ، فهناك ثلاث أنواع للهيمنة التي تميز علاقات السلطة. وهي مؤسسة علي نوع الشرعية التي يدعيها كل منهم. وأنواع الشرعية هذه هي الزعامة القدسية (Charisma)، التقليدية القانونية فتحت الزعامة القدسية فالسلطة تمارس بسبب صفات غير عادية يؤمن بها القائد والشعب وهي ما يرتبط بعرف قديم حول احترام السلطة. إما الهيمنة الشرعية القانونية فيوضح استعمال السلطة فيها إلي نظام من القانون والقواعد العامة(47). وتعتمد النظم الدستورية الحديثة علي اتفاق أساسي لإتباع قواعد معينه، أو علي الأقل، علي افتراض وجود اتفاق مبدئي لإتباع هذه القواعد المعينة. وتمنح الوظائف بناءا علي الثقة بدلا عن ممارستها بالهيمنة. وتمثل الانتخابات الدورية اليوم الوسيلة التي تعكس هذه الثقة. فالانتخابات العامة أصبحت صفه ملازمة للشرعية، وتشعر أي دولة تقريبا بالاضطرار إلي إتباعها ولو شكليا بغض النظر عن حكومتها. إذن فالشرعية السياسية ضرورة حيوية للاستقرار، وبالتالي فأن نمو نظام سياسي، ناهيك عن نظام عسكري يريد أن يحول نفسه إلي مدني. فبدونها لا تحقق عملية التحول المدني مطلقا. ففي البداية يستمد النظام العسكري شرعيته من الوعد الذي يعلنه للمستقبل. ولكن بمرور الوقت، تتلاشي هذه الشرعية، لأن الأداء السياسي في الدول النامية دوما يكون اقل من تطلعات الناس الكبيرة. ولذلك تنشا حاجة عاجله لتطوير بنية سياسية تؤسس لبعض مبادئ الشرعية لتحقيق هدفين في وقت واحد. وبالتحديد القضاء علي الفوضى السياسية التي تؤدي إلي الانقلابات المضادة، وإدخال القوي الاجتماعية الجديدة في السياسة. ويتطلب تطوير بنية سياسية كهذه وجود خمس عوامل: ترسيخ وتامين السلطة، وتعبئة الجماهير، والتحضير للانتقال إلي الحكم المدني الذي يقتضي كتابة دستور، لتحديد وظائف أجهزة الحكومة المختلفة، وأجراء الانتخابات، وخلق تنظيم أو حركة سياسية تقدر وتنظم مشاركة الجماهير. وأخيرا الأداء الحكومي الذي يحفظ الشرعية السياسية ألمكتسبه بالامتناع عن اتخاذ الإجراءات الاستثنائية.
تكريس السلطة:
يجب علي أي نظام عسكري يبحث عن تكريس السلطة، القوة وحدها أو التأييد الشعبي زائدا القوه. فالقوة التي تستخدم كبداية يمكن استعمالها لأقصي حد مع المعارضين. وهذه الوسيلة لتكريس السلطة خطيرة لعدم ضمأن الولاء الكامل للقوات المسلحه. ولذلك فهناك عامل آخر يجب توفره. وهو الدعم الشعبي المنظم. لذلك فاستعمال العاملين، القوة والدعم الشعبي، هو الخيار الثاني. ويكرس الاستيلاء علي السلطة عنوه بالدعم الشعبي المنظم، الذي يعمل كصمام امأن ضد أي عدم ولاء أو تمرد داخل القوات المسلحة. إما أن يكون الدعم الشعبي للانقلاب العسكري قبل الاستيلاء علي السلطة، كالحزب السياسي مثلا أو أن يعني قادة الانقلاب الجماهيري لدعم سياساتهم المعلنه. وتنشا دوامة في حاله وجود تأييد من حزب سياسي، إذ أن التعاون بين الاثنين ليس بالمهمة السهله، وأن حدث فهو يوحي بوجود مساومه علي حساب أهداف القيادة العسكرية السياسية. ويقضي خيار بناء تأييد شعبي تكوين حزب سياسي جديد. ويعني الفشل في هذا استمرار استخدام القوة. ويقتضي ذلك فقدان أي فرصه للتحول المدني الذاتي للنظام. لذلك فتكريس القيادة العسكرية لسلطتها يعد عاملا ثانيا يؤثر علي مدي مقدرة النظام العسكري لتحويل نفسه إلي نظام مدني. هل يتم تكريس السلطة باتخاذ إجراءات عنيفة وقمعيه، أو عن طريق الدعم الشعبي، أو بوسائل أخري، أو بمزيج من كل هذه الوسائل؟ يختلف تكريس السلطة عبر الإجراءات ألقمعيه منه عبر تعبئه الدعم الشعبي، أو خلال المصالحة والتسويات. بيت القصيد هنا هو مدي فعالية الوسائل المتبعة لخلق الثقة المتبادلة بين القيادة الحاكمة والجماهير. وهي العامل الضروري لنجاح التحول المدني الذاتي. تتحرك الإجراءات العنيفة ضد جماعات ألمعارضه غضبا وحقدا دائما، وعدم ثقة من جانب المدنيين. والنتيجة الحتمية، أن الجماعة العسكرية الحاكمة، أو علي الأقل جزء منها، سيكون مترددا بشأن التحول الذاتي المدني، فهم يخشون من انتقام المعارضة التي يمكن أن تسيطر علي السلطة. فعندما سئل عقيد في جمهورية الدومنكأن بعد انقلاب 1963م عن شعوره إذا عاد جوأن بوش الحاكم السابق، أجاب "أن عاد جوأن فسيلقي بي في سجن عميق لن اخرج منه أبدا"(48). ولذلك فحيثما استعمل الجيش قدرا كبيرا من العنف، يقوي هذا الشعور بالخوف من الانتقام. وبالتالي سيقاوم الذين علي القمه بشدة تسليم السلطة السياسية. ومهما يكن من أمر فأن أولئك الذين* يريدون التحول للحكم المدني الذاتي* عليهم أن يصطلحوا مع الجماعات السياسية التي أزاحوها. ويقتضي التعامل مع هذه الجماعات بثقة متبادلة وقد يعمل هاجس احتمالات الانتقام ضد هذه الثقة من جانب العسكريين. لذلك يمكننا أن نختم بملاحظات Morell and Bienen قائلين: " حيثما يحدث عنف خلال فترة الحكم العسكري أو داخل الجيش نفسه، فالعودة إلي الحكم المدني لا تكون عن طواعية من قبل العناصر التي علي قيادة الجيش" (49). إذن أن تكريس السلطة عبر وسائل عنيفة يعمل ضد عملية التحول الذاتي المدني والعكس صحيح. وبعبارة آخري فكلما قلت الوسائل القمعية التي يستعملها النظام العسكري، وكلما زادت فرصه في النجاح لتحويل نفسه إلي نظام مدني.
التعبئة الشعبية لمساندة النظام:
أولي خطوات اكتساب الشرعية للنظام العسكري هي العمل الجاد المحسوب لخلق قاعدة قوية من التأييد الشعبي. ولا يعني ذلك اجتذاب وتعيين النخب المهمة للنظام، ولكن ربط جماعات لها أهداف مختلفة في تحالف يساعد علي ضمان سلامة النظام. وهذا هو التحالف الذي يدعوه (E.Feit) "وحدة بدون إجماع" (50). ولكن يصعب التعامل مع تحالف قوي سياسية متنافسة، وبينهما خلافات جذرية. إذ عندما ينهار تحالف كهذا، فالنظام يكون في خطر. وتكمن الصعوبة في أن التوتر وسط إطراف التحالف، لا يمكن السيطرة عليه، إلا بمهارات سياسية عالية. وهذه الصفة قد تتوفر في السياسيين وليس الجنرالات. اقرب الأمثلة إلي ذلك تحالف الجيش والعمال الذي أقامه "بيرون" في الأرجنتين، وتحالف الكنيسة وغيرها من المنظمات الذي قام به "بريمو دي ريقيلا" في اسبأنيا. وبالتالي فأن استدعت الضرورة إقامة تحالف من نخب مختلفة في بداية النظام العسكري، فيجب أن يكون هذا مؤقتا، حتي يتم تعبئة الجماهير، وخاصة في الريف، وعندها يحل الدعم الشعبي محل التحالف. وتتم تعبئة الجماهير عادة باصطناع عقيدة سياسية، أو رسالة قومية، كما هو الحال في أقطار الشرق الأوسط كمصر وسوريا. فقد استطاع ناصر بعقيدة سياسية وبرسالة شعبيه أن يعبيء الجمهور بيسر لدعم النظام. وفي تركيا كسب كمال اتاتورك الدعم الشعبي بواسطة عاملين اولهما القومية التركية، والثاني تحديث البلاد علي النمط الغربي. وبالمثل نجح كاردناس في جعل أسطورة الثورة منتشرة في كل المكسيك.

بداية التحول الذاتي إلي النظام المدني:
عندما يضمن العساكر قاعدة تأييد مستقلة وقوية، يشعرون بالثقة في المضي قدما بالتحول المدني، وذلك بالاحتفاظ بالسلطة، وفي نفس الوقت يوسعون ويبسطون قاعدة المشاركة السياسية. وهنا يجب اتخاذ خطوتين متتاليتين. أولا وضع مسودة دستور لتحديد الفصل بين الوظائف والسلطات بين الجيش وأجهزة الحكومة الاخري. وما يلي ذلك بالضرورة هو الانتخابات البرلمانية والرئاسية، بمعني أن يتحول الحكم إلي حكم بالمؤسسات بدلا عن الأوامر. وحقيقة هو محل الاختبار لنوايا العسكر في السلطة. فكتابة الدستور وأجراء الانتخابات، تحتلان نقطة تحول في عملية التحول الذاتي المدني. وهي الخطوة التي يقوم فيها الجيش بإجراءين هامين. فهم أولا يحلون المجلس العسكري الذي كأن في البداية يباشر مسئولية اتخاذ القرارات السياسية ويمثل حل مجلس قيادة الثورة في مصر سنة 1956م نموذجا لذلك. ثانيا يغادر العسكريون صفوف الجيش لإنهاء الازدواجية في وضعهم كجنود وسياسيين في أن واحد. وبذلك يجعلون تدخل الجيش في السياسة غير مشروع. وتوجيه أتاتورك للضباط الذين يريدون الخوض في السياسة، بالاستقالة من الجيش، اقرب مثال لهذا(52). وأصبح تقليد أتاتورك هذا أنموذجا يشبه الآخرون أن أرادوا قيام سلطة متماسكة وغير سياسية، وألا فالاختلاف في السياسات يؤدي إلي سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة، ويوقف بذلك عملية التحول المدني الذاتي.
ممارسة السياسة:
يتزامن مع كسب التأييد الشعبي، ونقطة التحول من الحكم العسكري إلي المدني ، فعالية التدابير التي توجه كل هذه العملية. تلك هي تكوين حزب سياسي جماهيري نشط. فدور الحزب السياسي هنا دور حيوي لممارسة السياسة. وهذا ليس بالعمل السهل لضباط الجيش فقادة الأنظمة العسكرية عادة ما يلعنون الأحزاب السياسية ويرفضونها. وأكثر من هذا فهم لا يعترفون بتضارب المصالح، ولذلك فالتفاوض والتوافق والمساومة ليست وسائل معتمدة عندهم. وتمشيا مع هذا Huntington يلاحظ أن العقبة الأساسية في وجه تحول العساكر إلي سياسيين، هي تصوراتهم الشخصية تجاه السياسة، وتجاه أنفسهم(53). وهم عادة ما يتفادون الانخراط في العمل السياسي. ولهذا يحاولون الحكم بدون أحزاب، ولكنهم يؤسسون تجمعات غير سياسية، أو أحزاب شعبية تضم الجميع، لتحقيق التنمية القومية التي يفترضون أن الجميع يشتركون في العمل علي تحقيقها. وقد وصف جمال عبد الناصر الأحزاب بأنها عوامل مزروعة من الخارج وأداة للاستعمار(54).
وينظر Primoderivera للأحزاب فيصبح لزاما علي ضباط الجيش أن يعيدوا النظر في تصوراتهم وأنطباعاتهم تجاه فتنة السياسية قبل أن يكونوا حزبا سياسيا. ولأن هذا أمرا حيويا كأن لابد للقيادة أن تدرك حقائق وضرورات السياسة. وبالتالي يلزم أن تتعامل مهما فعل السياسيون أي استعمال الأحزاب السياسة. كأداة أساسية لتناول قضايا السياسة. هناك ثلاث خيارات إمام العسكر لتأسيس حزب سياسي. فيمكنهم ، استثمار التأييد الشعبي ولنشاء حزبهم السياسي كما هو الحال في حزب الثورة المكسيكية بعد 1929م، وحزب الشعبي في تركيا تحت قيادة مصطفي كمال أتاتورك. وثانيا يمكنهم الاندماج في حزب سياسي مؤسس أصلا ونسبته أليهم. فالقيادة العسكرية التي قامت بانقلاب 1958م في العراق اندمجت في حزب البعث العربي وتبنت برنامجه (56). وثالثا قد يحدث العكس، فقد يوجه حزب سياسي جناحه في الجيش ليتولى السلطة، وتنتفي بذلك الحاجة إلي قيام حزب جديد وفي هذا الشأن فقد رسم الجناح اليساري لحزب البعث السوري خطط انقلاب (1966م)(57). يفترض تميز الحزب السياسي الرسمي بمواصفات محددة تعينه علي أداء وظيفته. فأولا سيكون أكثر نجاحا لو لم يكن من نوع الحزب السياسي المفتوح، بل يكون حزبا له كادر فعال لدرجة تمكنه من تعبئة الدعم الشعبي للنظام. وتكون عضوية هذا الحزب من الأشخاص النشطين والملتزمين. فالحزب الشعبي، الذي يضم كل شخص ليس مناسبا للعمل المؤسس، إذ يصعب الحفاظ علي وحدته وأن كانت أقامته سهلة، وذلك لأنه من السهل أن يجتمع الناس، ولكن من الصعب وجود أعضاء ملتزمين. ولهذا السبب فشلت الأحزاب الجماهيرية في مصر ابأن حكم عبد الناصر، وبورما، فاستبدلا بهما أحزاب ذات كوادر(58).
وقد فشلت محاولة عبد الناصر لأنها كانت حزبا جماهيريا تحت أسماء مختلفة. التحالف الوطني "1953م" والاتحاد القومي بعد 3 سنوات من ذلك، والاتحاد الاشتراكي العربي في 1962م. وبعد عقد من التجارب السياسية أدرك عبد الناصر أن حزب الكادر هو ما يحتاج إليه. ولذلك أنشا سنة 1964م حزبا حكوميا داخل "الاتحاد الاشتراكي العربي" للقيام بالمهام المطلوبة. وكذلك نظم العسكر في بورما ابأن توليهم السلطة ما بين 1958-1960م "تجمع التضامن القومي" كمنظمة جماهيرية لترقية المشاركة السياسية. وادي فشلها إلي تكوين منظمات العمل كبديل لحزب جماهيري غير فعال(59).
والصفة الثانية الضرورية للحزب الحاكم هو سريأن القواعد والنظم والوسائل المؤسسية في عمل أجهزة الحزب المختلفة. ويعني هذا أن القيادات العسكرية قائدها ، ليس لها وضع خاص يطغي علي الآخرين. والقائد هنا لا يملك حق إصدار القرارات السياسية وحدة، بل يجب عليه التقييد برغبات مؤسسات الحزب. وبذلك تكون السلطة السياسية في يد الحزب السياسي لا الأفراد. ومن هنا فأنه لابد للحزب أن يكون أداة للحكم وليس مقياسا للرأي العام، أي أن يكون حزبا حاكما وليس حزب حكومة.
وثالثا يجب علي الحزب السياسي الحاكم أن يبني علاقات بينه وبين فروع الحكومة المختلفة. ولكن هذه الروابط يجب أن لا تكون علي حساب طرف من الإطراف في الحزب أو الحكومة. وفي ذلك ضمان حتي لا تهيمن أجهزة الحكومة علي الأجهزة الحزبية. وألا فلن ينجح الحزب في عمله كمراقب لتجاوزات الحكومة. وأخيرا، فأن الحزب السياسي لا يستطيع أن يؤطر، وأن يوسع المشاركة السياسية، أن لم يتوفر التواصل المتبادل والمعلومات، وبلورة الرأي العام بين قيادته العليا والدنيا. وبدون هذا فلا يمكن استيعاب القوي الاجتماعية الجديدة في النظام، مما يعني الفشل في تنظيم العمل السياسي. ويتضمن فشل كهذا، الحفاظ علي العمل السياسي البدائي بدلا عن القضاء عليه.
مشاكل الحكم بالسلطات الاستثنائية:
عندما يكسب نظام عسكري التأييد الشعبي مستقلا عن القوات المسلحة، وينشئ حزبا سياسيا حاكما، ثم ينجح في التحول من الحكم العسكري إلي المدني، عند ذلك فقط يمكن القول بأن النظام اكتسب الشرعية السياسية. ولان هذه الشرعية تظل هشة أن لجأت الحكومة للعمل بإجراءات الطوارئ. ويأخذ استعمال السلطات الاستثنائية هذه إشكالا عدة. حالة الحصار، أو القوانين ألعرفيه، أو حالة الطوارئ. في هذه الحالات، عندما تطغي الفوضى السياسية، أو العنف السياسي، يتحول الجيش إلي قوات امن داخلية، وتتحول سلطة المدنيين في الحكم إلي اعتمادهم علي القوات المسلحة. وفي ذات الوقت يقف الجيش في جانب من هم علي السلطة، ويجلب هذا عليه السخط من الشعب لدوره القمعي. ولهذا فاستعمال السلطات الاستثنائية يضعف السلطة المدنية ويغري الجيش بالاستيلاء علي المسئولية السياسية كلها. وقد كأن Aaron Klieman ، في دراسته لتدخل الجيش في السياسة في كل من تركيا واورغواي وباكستأن بعض الملاحظات التي يقول فيها. أن قيام حكومة ألازمات يمثل إغراءا حقيقيا للجيش للاستيلاء علي السلطة. وأنها تشكل أزمتين تتعارض مع طبيعة مهنة الجيش. فأولا هناك ارمه ضمير، إذ عند تلقي الأوامر بالتحرك يجب علي القادة أن يقرروا أن كانوا سيطيعون الأوامر أو لا يطيعونها. فبطاعة الدستور يدركون أيضا أنهم ينفذون اوامر قيادة سياسية معينة أو نظاما سياسيا ضعيفا. وينتج عن طاعة الأوامر، واستعادة النظام أزمة ثانية للجيش. وهي أزمة الهوية. وهنا علي الجيش أن يقرر أن كأن سيسمح بأن يستغل من قبل نظام يصر علي البقاء في السلطة (60). فالجيش إما أن يقبل بتوسيع دوره كادة سياسية أو يسقط الحكومة المدنية بانقلاب عسكري. ويحدث تدخل الجيش في الحكومة التي تعتمد علي الإجراءات الاستثنائية في ثلاث صور: الحكم العسكري المباشر والحكم العسكري غير المباشر، والتناوب بين حكم عسكري وحكم مدني(61). ويحدث الحكم العسكري المباشر عندما تتم دعوة الجيش لدعم جناح سياسي ضد جناح أخر، فيقرر الجيش تنفيذ المهمة إلي نتيجتها المنطقية. فيكون قراره التخلص من الجماعات الحزبية. ويعني هذا عزل السياسة من السياسيين. كأن هذا الحال في تركيا سنة 1960م ، إذ قد أثرت السياسة علي الجيش بشكل مباشر عندما استعملت حكومة "مندريس" القوات المسلحة لمجابهة نشاطات المعارضة. يواصل (Klieman) فيقول أن الحكم العسكري الغير مباشر يتمثل في الحالات التي لا يكون فيها تدخل الجيش مباشرا لا كاملا. هناك دوما عملية تدريجية تتم في خطوتين. فأولا يلتزم الجيش بدعم الحكم القائم علي الطوارئ فيؤدي إلي تحالف بين المدنين والجيش. ويواجه هذا التحالف بعض المصاعب عندما تسود الخلافات في وجهات النظر والسياسات بين الحلفين. وعندها تلوح الخطوة الثانية في الأفق. فلا يقتنع الجيش بالسيطرة غير المباشرة علي السلطة ثم يستولي بمفرده علي المسئولية السياسية. وهذه بالضبط حالة اورقوي تحت حكومة بوردابري المدنية، والتي أنهي تحالفها مع الجيش بانقلاب في 1976م. وأخيرا، فتعاقب الحكم المدني هي الحالة التي يتأرجح فيها الجيش بين القمع وفترات من الاسترخاء. وقد ترجع القوات المسلحة إلي ثكناتها خوفا من مسئوليات السياسة. ولكن عندما يشعر الضباط أن أللعنة السياسية لا تستطيع الاستغناء عن دورهم، يقصر عمر النظام المدني فتتم العودة إلي سياسة الجيش. ومثال لهذا باكستان. فمنذ استقلالها شهدت مشاكل حادة ومعقدة من العنف السياسي ، وثلاث حروب مع الهند، وانفصال بنغلادش وما إلي ذلك. أدي ذلك إلي استعمال السلطات الاستثنائية ، وأصبحت مألوفة للحكومات ألمدنيه والعسكرية علي السواء. لذلك فقد شهدت باكستان، منذ استقلالها، ثلاث انقلابات عسكرية في عام 1958-1969-1977م. وفي الانقلابين الأولين كأن الحكم العسكري قصيرا. وجاءت العودة إلي الحكم المدني عبر انسحاب طوعي للجيش من السلطة. والنظام العسكري الثالث ظل في السلطة رغم أنه يردد الوعد بالتخلي عنها نتيجة للضغط الشعبي. وخلاصة الأمر أن استخدام السلطة الاستثنائية يضعف الشرعية السياسية ألمكتسبه حديثا من قبل النظام العسكري الذي يسعى للتحول المدني.
وتتعرض عملية التحول المدني الذاتي هذه إلي نكسة، حتي وأن كانت في مراحلها النهائية. وفي الواقع أن تفادى الحكم بالسلطات الاستثنائية يصبح من أهم الاختبارات في الشرعية السياسية في المجتمع. ولكن تفادي الحكم بالسلطات الاستثنائية لا يتم إلا بوجود عملية سياسية فاعلة ابتداء من ربط المصالح المختلفة العامة، ثم وضع السياسات وتنفيذها.
الخلاصة:
من المناقشة أعلاه أدركنا بأن التحول المدني الذاتي للنظام العسكري عبارة عن عملية تقوم علي عدد من المتغيرات أو العوامل. العامل الأساسي هو استعداد ألدوله والمجتمع لهذا التحول. وهو تحول يعتمد علي هل سيؤيد المجتمع نظام عسكري متحول إلي نظام مدني أم لا.؟ وهل سيمتنع الجيش مستقبلا عن التدخل في السياسة أم لا. والعوامل المتبقية تتمثل في رغبة القيادة العسكرية في التحول المدني الذاتي، وفي وسائل تكريس وترسيخ السلطة ويمكن وضع هذه المتغيرات في ثلاث مجموعات تمثل قواعد سياسية هامة. وهذه القواعد هي الاستقرار السياسي ، وتعبئة الدعم الشعبي، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية. قاعدة التعبئة الشعبية تتأثر بنوع البواعث السياسية التي يستعملها الجيش للتأثير علي الجماهير، ومن ثم استجابتها لهذا المؤثر. والراجح أن هذه التعبئة السياسية لا يتيسر لها النجاح إلا في حالة انخفاض درجة المشاركة الشعبية في المجتمع. ويعني هذا أن يكون العمل السياسي الحزبي المنظم، والنشاط النقابي المنظم محصورا فقط علي أقلية من السكان، ويكون الوضع أفضل أن كانت هذه المشاركة في الدوائر الحضرية بينما يظل الريف بعيدا عن أي نوع من المشاركة السياسية. إما متغير الاستقرار السياسي فيبدو أنه يعتمد علي التماسك الداخلي للجيش ويقاس بغياب المحاولات الانقلابية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري يعتمد علي الاستقرار المدني الذي يتضح من غياب النشاطات المعارضة المنظمة مثل المظاهرات، الاضرابات، والانتفاضات. يمكن تفادي الانقلابات العسكرية بوجود: تماسك القيادة الحاكمة، والتميز بين دور الجيش ودور السياسيين وتفادي الاستعمال المتكرر للأحكام ألعرفيه. ويمكن إبقاء المعارضة المدنية بكل إجراءات تكريس السلطة كالقوة والاستقطاب. إما توسيع قاعدة المشاركة السياسية كمتغير ثالث فيرتكز علي ثلاثة عوامل هي:
1.نوايا القيادة العسكرية الحاكمة.
2.وسائل تكريس السلطة.
3.أداء المؤسسات السياسية والحكومية.
أي هل تنوي القيادة التحول المدني الذاتي للنظام أم لا، وهل تؤدي هذه الرغبة إلي بناء أعراف وتقاليد سياسية يتم فيها تنظيم وتقنين العمل السياسي أم لا.
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية المــؤثــرات العســـكــريـــــة علــى العمـــلــيــــة الســياســية فــي الســـــودان الانقلابات العسكرية التجربة التركية المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim