القائمة الرئيسية
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
بحث
جديد المحاضرات والندوات
اوراق بحثية > الآثار الإجتماعية المرتبة علي الأوضاع الإقتصادية في دارفور

الآثار الإجتماعية المرتبة علي الأوضاع الإقتصادية في دارفور

د. عبد المجيد أحمد عبد الرحمن

يقع أقليم دارفور في أقصي غرب السودان ، بمساحة قدرها 510.000 كلم مربع تعادل خمس مساحة السودان تقريباً ، وتتدرج الأقاليم المناخية في هذه المساحة من شبة الصحراء عند خط 16˚ شمال ذات الأمطار القليلة التي لا تتعدي 100 ملم في السنة ، إلي المنطقة الوسطي بين خطي 12˚- 16˚ شمال، هي مناطق السافنا ذات الأمطار المتوسطة إلي جنوب الإقليم في حزام السافنا الغنية التي تتراوح الأمطار فيها بين 500-900 ملم فـي السنة . وعلي هذا فإن الأراضي الرملية والكثبان تشكل خصائص تكوين السطح والطبوغرافيا في الشمال، بينما تغطي الرمال وبعض السهول الطينية الوديان ذات الأشجار المتنوعة والغابات والهضاب والجبال البركانية المنطقة الوسطي . ولعل من ابرز معالم هذه المنطقة جبل مرة الذي يتوسط الإقليم بارتفاع 3000 متر فوق سطح البحر . أما في جنوب الإقليم فهناك الأراضي الطينية والغابات والحشائش الطويلة .
تشكل هذه البيئات المناخية الثلاث أنماط وأساليب الحياة لدي سكان دارفور، فبينما يسود رعي الأبل والضان في الشمال مع قليل من الزراعة ، يزداد التركيز والاعتماد على الزراعة كلما اقترب من الوسط ، وتسود الزراعة المطرية في الوسط مع تربية قليل من الأبقار والضان والماعز، ويشكل رعي الأبقار نمط الحياة المعيشية في الجنوب مع قليل من الزراعة ، وعلى ممارسة هذه الأنماط الثقافية والمعيشية جاءت تسميات سكان المناطق الوصفية لها بأنهم (اباله) في الشمال ، زراع في الوسط ، و(بقارة) في الجنوب ، ويمكن أن توصف بأنها اقتصاديات معيشية . هذا إضافة إلى بعض المجتمعات الحضرية في عدد من المراكز والمدن مثل الفاشر ونيالا والجنينه وزالنجي والضعين وكتم وغيرها .
من الناحية الإدارية قسمت دارفور إلى ثلاث ولايات ، هي شمال وغرب وجنوب دارفور ، وتتمتع كل ولاية بخصائص نمطي الحياة السائدة في دارفور وهما الرعي والزراعة ،فبكل ولاية جماعات تغلب عليها طبيعة الحياة الرعوية وآخرين النمط الزراعي . ولاتشكل هذه الأقاليم حدوداً ثقافية مثلها ومثل الجوار في السودان والخارج . فدارفور تحدها ولايات شمال وغرب كردفان وغرب بحر الغزال من الشمال والشرق والجنوب والجنوب الغربي علي التوالي ، بينما تجاور دول أفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا من الجهات الاخري .
تحاول هذه الورقة الكشف عن الأوضاع الإقتصادية والمؤثرات الناجمة عن تلك الأوضاع سواء في علاقة الجماعات أو أساليب وأنماط حياتها وانعكاساتها أيضاً على الجوار الدارفوري . وعلى الرغم من أن العوامل الأقتصادية تلعب دوراً هاماً في التغير الاجتماعي والثقافي وتشكيل تلك المجتمعات ، إلا أنها في بعض الأحيان تصبح نتيجة للأوضاع الاجتماعية ، فتكون بذلك سبباً ونتيجة ، وتتداخل الأوضاع الأقتصادية والاجتماعية مع بعض كمؤثرات إلى درجة صعوبة الفصل القاطع في أيهما العامل والنتيجة . هذا يعني أن العلاقة بين أثر النمو والعمليات الاقتصادية على الواقع الاجتماعي على درجة من التعقيد، وهي علاقة غير خطية (non – linear ) ، وتعتمد على خصائص متعددة مثل السياسة والمتغيرات المؤسسية أو أخرى ذاتية نتيجة لتفاعل الظروف المختلفة في المجتمع .
1- اقتصاديات مجتمع دارفور :
خضع مجتمع دارفور إلى تغيرات وتحولات اجتماعية خلال تاريخه الطويل عبر عمليات اقتصادية مختلفة ومتواصلة وهي التي قادته إلى الوضع الحالي ، إن بعضاً من هذه العمليات الاقتصادية تمت عبر التغير التدريجي التلقائي من حاله إلى أخرى وهي عمليات النمـو (growth )، غير أن بعض جوانب الحياة الإقتصادية تعرضت للتدخل (intervension)الخارجي سواء كانت بالمراسيم السلطانية أو الخطط والبرامج الحكومية ، فوجهت التغير والتحول وهي عمليات التنمية ( Development ) . إن هذا الواقع يجعل من غير الممكن تناول اقتصاديات مجتمع دارفور وآثارها دون تناول النمطين من أنماط عمليات التغير الاقتصادي .
تؤثر عمليات النمو في الهياكل الإقتصادية ومن ثم ينعكس علي الابنية والعلاقات الإجتماعية خاصة في بناء القطاعات الاقتصادية ( sectoral economics) مثل القطاعات الزراعية والرعوية وأصحاب المهن والتجارة ، وهذه من دواعي تركيز هـذه الدراسة علي مثل هذه القطاعات في تحليل اثر الإقتصاد عليها ، كما تؤثر هذه العمليات أيضاً علي مستويات المعيشة وأنماط الاستهلاك وتتطلب مهارات ، ثم أحياناً تتطلب التدخل عندما تعجز الهياكل التقليدية عبر عمليات النمو مقابلة الطلب في السلع والمهارات ، وفي هذا الصدد ليس النظام الإقتصادي هو الأهم والمتأثر بالتحولات وإنما كل البناء الإجتماعي (2)، وعندها تختلط العمليات التي نتجت جراء النمو أو التنمية وكذا العوامل والمسببات والنتائج ، وعندها أيضاً تكون العوامل نتائجاً والأسباب عوامل . وهناك ميكانيزمات وآليات محددة في المجتمع لنشر النمو في بقية أجزاء المجتمع ، مثلاً من خلال المنافسة في سوق العمل والهجرة التي تكون إستجابة للنمو الحضري ، والتطور التكنولوجي الذي ينحاز إلي قطاعات العمالة الماهرة، والتأقلم السريع للتكنولوجيات الوافدة . ولم تزل هذه العمليات تشكل أساس التحول التدريجي الإجتماعي Social evolution) ) .
2-1 النمو الاقتصادي في دارفور :
أدي تنوع مجتمعات دارفور القبائلية والاثنية وكثرتها التي فاقت الثمانين وإختلاف البيئات الجغرافية إلى تنوع في الطلب والإستهلاك، ومن ثم تنوع في الأنشطة الإقتصادية، وزاد من ذلك النسبة العالية لتعدادهم . قاد هذا إلى العمل لزيادة الإنتاج لتلبية الحاجات المجتمعية المتزايدة والمتنوعة عبر عديد من الأنشطة المشتملة علي الزراعة والرعي والصناعات الحرفية التقليدية والإستفادة من الثروة الغابية،وظهور أسواق عديدة وطرق تجارية داخلية وخارجية،ووفود تجار من السودان النيلي ( البحر ) من عرفوا محلياً (بالجلابة ) منهم من استقر نهائياً وصار جزءً من ذلك المجتمع ، ومنهم عاد بعد فترة يسيرة ، وآخرون يطبقون مفهوم المسمي بالسفر المستديم جيئة وذهاباً لجلب البضائع من وإلى دارفور ، وكل هذا تم بصورة تلقائية عبر مؤسسات وانساق المجتمع المختلفة ، وكان نتاجاً لذلك العديد من الأنشطة الإقتصادية هي :
(أ) ملكية الأراضي (الحواكير ) :
الأرض مصدر الإنتاج الأول ، وأهم الأصول الإقتصادية ( asset) ، وهي الثروة الأساسية وعماد الإقتصاد للأفراد والجماعات في دارفور ، وهي بالتالي مصدر القوة الإقتصادية للزراعة والرعي ، ولتمكين أفراد من غير الملاك من زراعتها مؤقتاً شريطة أن يدفع إيجاراً عينياً من محصول الزراعة تسمي " عوايد " ، وهذه الأراضي لا تخضع للضرائب الحكومية ، وهي مصدر القوة الإدارية والسلطة ، ولذلك يقولون " من لا أرض له لا ملك له" أي أنه لا يملك حق التعيين في الإدارة الأهلية للمنطقة ، وقد نتج عن ذلك منذ ثمانيات القرن العشرين جدلاً وصراعاً لم تزل تداعياته متوفرة وطائلة في الصراع الآني في دارفور .
تعتمد القطاعات الإقتصادية علي الأرض وحقوق إستخدامها .وعلي الرغم من أن ملكية الأراضي في دارفور قد خضعت للتقنين بواسطة سلاطين دارفور عبر الصكوك والمراسيم الملكية السلطانية للجماعات القاطنة في حدود السلطنة (4) ، وهو تدخل من أجل التنظيم الإقتصادي والإجتماعي في آن واحد ، إلاّ أن واقع الحال يؤيد أن الجماعات الأساسية
التي تقطن دارفور قد استقرت في الأرض وقامت عليها مملكتي الداجو والتنجر ، وأن سلطنة الفور نشأت في ارض الفور بجبل مرة إبتداءً ،وهذا يعني أن تطور نظام ملكية الأراضي كنظام إقتصادي سابق للتخطيط والتدخل الرسمي .
ورغم تقنين الأراضي لسكانها بواسطة السلاطين ، إلا أنهم اقتطعوا في بعض المناطق أراضٍ خصصت كملكيات (حواكير ) لجماعات أخري مختلفة اثنياً وفد أغلبهم عبر بوابة دارفور الغربية من أفريقيا كانت عربية أو غير عربية أو السودان النيلي ، وأكثر هؤلاء من فئة الفقهاء والعلماء المسلمين ومعهم جماعاتهم في بعض الأحيان ، وذلك بغرض توفير أصول تمكنهم من الإعاشة وأداء رسالتهم الدينية بنشر تعاليم الإسلام وتحفيظ القرآن الكريم ،كما منحت بعض الجماعات من نفس الجهات أراضِ لمقابلة الحاجات المتزايدة للعمالة (5) ، ومن بعد صار التصرف في هذه الأراضي ملكية خاصة بهم يتوارثونها مثل غيرهم من ملاك الحواكير.
تقبل جماعات ملاك الحوا كير في دارفور الوافدين كأفراد للعيش معهم إذا ما إلتزاموا بأعرافهم وقيمهم بإعتبارهم جزءً من مجتمعهم ، لكنهم لا يقبلون استيطان الجماعات لأنهم سيفقدون أراضيهم كما يزعمون (6) ، وهو الأمر الذي أفضي إلي كثير من النزاعات جراء عدم إستيعاب مقاصد الملاك وتفسير ثقافات أصحاب الحواكير برفضهم لهم وفق منظورهم للملكية ( ethnocentrism) (7) ،أو الإشارة إلي أنها لا تتفق مع قانون 1971 الخاص بملكية الأراضي في السودان (8) والذي لا يعلمه الوافدون وإنما بإيعاز من ذويهم ممن يعلمون ويطلبون إليهم ذلك .
إن عرف ملاك الحواكير بصفة عامة يسمح بإستخدام الأراضي للحصول علي الماء والمرعي ولإقامة الأفراد ، ويمكن استخدامها للزراعة بعد السماح بإستغلال قطعة معينة من الأرض أو الإستفادة من الهشاب للحصول علي الصمغ العربي ، ومثل هذا النظام أدي إلى تشابه الجماعات القاطنة في الحاكورة الواحدة في ثقافاتها ، بل وإنتشار كثير من السمات الثقافيـة في دارفور بيـن الجماعات المختلفة وهـو نظام يقـود للتماثل والتثاقف بينهـم ( Assimilation and acculturation ) .
(ب) النشاط الزراعي الرعوي :
يمثل النشاط الزراعي والرعوي التقليدي النمطين الأساسين لإقتصاديات دارفور، وتمارس بواسطة أغلب الجماعات السكانية بدرجات متفاوتة من التركيز ، إما علي الرعي أو زراعة المحاصيل أو مع الإنتاج الغابي .
تعتمد الزراعة بصورة رئيسة علي هطول الأمطار ، ويميل المزارعون لإستخدام أراضي القوز الرملية لسهولة إعدادها وحرثها خاصة في المناطق الشمالية والوسطي والشرقية لدي جماعات البرتي والزيادية واليرقد والمسا ليت والمعاليا والزغاوة والمسيرية وغيرهم من الجماعات. وبالرغم من أن جماعات الفور تميل لنفس الإستخدام إلاَ أنهم أيضاً يستخدمون أيضاً الزراعة علي المدرجات وعند المنحدرات وسفوح الجبال في جبل مرة وجبل سي وعلي ضفاف الوديان بغرض الإنتاج الزراعي . أما في جنوب دارفور فتزرع جماعات البقارة مثل الرزيقات والبني هلبه والهبانية والفلاتة في الاحزمة الرملية ( العتمور ) (9) .
في كل هذه المناطق تتم زراعة الدخن والذرة كمحصول غذائي أساسي بجانب زراعة الفول السوداني والسمسم الكركدي والذرة الشامية والفول الصويا والبطيخ كمحاصيل نقدية، كما يزرع القمح المطري والفول المصري بكل من جبل مرة وجبل سي وكبكابية(10) . يستخدم المزراعون في مزارعهم أدوات إنتاج تقليدية بدائـية مثـل الحشاشة ( الجراية ) والطورية وغيرها من الأدوات التي ينتجها الحرفيون المحليون ، وقد بدأ إستخدام المحراث الذي يجره الحيوان .
إن هذا النمط من الزراعة يشكل الوحدة الاقتصادية الأساسية للأسرة وسط الجماعات في دارفور عدا الفور لأن المزرعة عندهم لا تشكل وحدة الحياة العائلية ، ذلك أن للمرأة حرية النشاط الاقتصادي فتزرع في مزرعتها لوحدها ولها صومعتها (دبنقة) لحفظ إنتاجها ، وتتمتع بعائدات إنتاجها ، ومع ذلك فهي تخدم الأسرة . وقد قدرت مساهمة المرأة الاقتصادية خاصة في مجال الإنتاج الغذاء لدى هذه الجماعة بنحو 60% (11)، وبذلك فإن الزراعة لا تعتبر وحدة اقتصادية للحياة العائلية .
تتميز المرأة في إقليم دارفور بقدرتها على العمل والكد والاجتهاد في الكسب ، فهي مزارعة وتاجرة تتجول في الأسواق المختلفة في القرى من حولها، وتشيد المباني ( الحيشان والرواكيب) ، وجزارة في بعض المناطق ، كما تعمل في تشييد المباني الثابتة فتنقل مواد البناء وتشارك بالأجر باليومية .(12) إن هذه الميزة جعلتها تتخذ من جوار منزلها مزرعة . فهناك مزرعة خاصة بالمرأة جوار كل منزل تعرف (بالجبراكه) خلاف المزرعة الكبيرة على أطراف القرية ، وقد انتشرت هذه السمة فأصبحت جزءاً من ثقافة كل مجتمع دارفور المستقر . تزرع المرأة في هذه المزرعة الصغيرة اللوبيا والويكة ( الضرابة) وعيش الريف والعجور (التبش) وفول الصويا والقرع وغيرها من المنتجات التي تستهلكك في المنزل ، وهي مزرعة مفضلة للأطفال إذ جُل الإنتاج فيها يخصص لاستهلاكهم وتغرس فيهم روح وحب العمل الزراعي مبكراً.
تفقد الأراضي المزروعة بالذرة وبالمحاصيل النقدية خصوبتها كل عدد من السنوات ، فيتحول المزارع من قطعة أرض لأخرى، ويكون بذلك نمط الإنتاج هو الزراعة المتنقلة (shifting Agriculture) ، ذلك أن المزارعين لا يعرفون التقنيات الحديثة لتجديد خصوبة الأراضي باستخدام السماد . وهذا يقود إلى أن يبتعد المزارع في كل مرة عن مسكنه في قريته بحثاً عن الأرض الخصبة قبل العودة إلى المزرعة الأولى بعد سنوات ، فيمضي ويضيع وقتاً طويلاً ويبذل جهداً في السير إلى المزرعة البعيدة بدلاً عن الإنتاج ، وكان من ذلك أن اتخذ قليل من المزارعين من مزارعهم البعيدة مقراً وسكناً طيلة أيام الخريف وبنوا عليها ، فانقطعوا عن التواصل الدائم مع مجتمعات قراهم .
تتطلب عمليات الحرث في الزراعة المطرية في دارفـور في كثير من الأحيان الأيدي العاملة ، وهي لا تتوفر لأن أفراد الجماعة مزارعون ومشغولون في مزارعهم ، ولأن العمل بالأجرة في نفس المنطقة يجد الاستهجان والاحتقار (13) لأنه قد يفقد الفرد قيم التعاون والمروءة في مجتمعه ، ولذلك لا يستطيع شخص العمل بالأجرة في قرينه في المزارع مما شجع للهجرة إلى خارج دارفور للعمل وخاصة في المناطق التي يتشابه نمط الإنتاج فيها الأساليب المتبعة لديهم ،ولذلك كانت منطقة القضارف (14) حيث زراعة الذرة والسمسم أكثر الجهات جذباً لهم كعمالة موسمية .
جاء حل مسألة توفير العمالة لإنجاز عمليات زراعية وحرث مزارع أفراد من القرية بقيام مؤسسه النفير للعب هذا الدور وسد تلك الفجوة ، حيث يحضر الأفراد في اليوم المعلن للعمل في مزرعة دعوا للحرث فيها ، ويوفر صاحب المزرعة الطعام للحضور بذبح الأغنام ، بينما توفر بعض النسوة أحياناً الطعام أيضاً. لقد جرت القاعدة أن يشارك جماعة القرية أو القرى المجاورة في النفير في مزرعة يكون غرض الإنتاج فيها للإعاشة ، أما إن كانت المزرعة كبيرة لأغراض استثمار تجاري فإن حرثها وحصادها يكون بالإيجار من وافدين من مناطق بعيدة .
هناك أنماط أخرى من الزراعة بجانب الزراعة المطرية . ففي فصل الشتاء تزرع بعض المحصولات على ضفاف الوديان أو باستخدام الري من الآبار الضحلة مثل زراعة البصل والطماطم والشطة والثوم والبامبي وقصب السكر والبطاطس والتمباك ، إضافة إلى المحاصيل البستانية مثل المانجو والبرتقال واليوسفي والجوافة والموز والليمون (15) .وهناك استفادة من الثروة الغابية ، ويشكل الصمغ العربي أهم موارد في هذا الجانب .
نشأت أسواق مختلفة في كل منطقة يجتمع فيها أهل القرى المجاورة لتسويق منتجاتهم وشراء مستلزماتهم . يفد إلى هذه الأسواق أيضاً تجاز من المراكز الحضرية القريبة . ففي كثير من المراكز قامت حركة تجارية تعرف في دارفور " بأم دورور"(16) أي التجوال والطواف على الأسواق في الاتجاهات المختلفة من حول المركز ، فتتحرك العربات محملة بالبضائع لهذه الأسواق الأسبوعية فتوفر المتطلبات وتحمل منتجات تلك القري .
يحاول المزارعون استثمار ما زاد عن حاجتهم من فوائض قيمة الإنتاج الزراعي،فيعمدون إلى شراء الأغنام والضأن والأبقار وبعض الحيوانات الأخرى كالخيول والتي يمـكن الحصول علي النقـود مـرة أخري بـبيعها واستخدام عائدها أحيانا تارة أخري في الزراعة ، وهذا ما أسماه فيرث ( Firth ) بحلقـه النمـو ( Spiral of gnwth ) (17) ، وقد يزيد عدد هذه الحيوانات ويصبح كبيراً مما ينتج عنه صعوبة في الحصول علي العشب في المنطقة لأنها أكبر من الطاقة لاستيعابه capacity) (carrying ، أو صعوبة في حيازتها دون إتلاف المزارع مما يضطر المزارع لإيجاد حل . في سبعينات القرن العشرين وما قبلها كانت العلاقات الحميمة بين الرعاة والزراع جعلت المزارعين يودعون عدداً من مواشيهم للرعاة لتكون ضمن قطعانهم ، ليأتوا إليهم في عامهم القادم في ترحالهم السنوي ويخطرونهم بزيادتها وقد توقف هذا النمط . أما في منطقة الفور فقد تحول بعض منهم وارتحلوا وساروا بجانب بعض جماعات البني هلبه الذين يرتحلون بأبقارهم صيفاً إلي ديار الفور ، بينما يفعل الفور الشئ نفسه في ديار البني هلبه في الخريف .
بجانب الزراعة هناك مجموعات في جنوب وشمال دارفور تتخذ من أسلوب الحياة الرعوية نمطاً للإعاشة . ففي مناطق جنوب دارفور هناك البقارة الذي يمتهنون رعي الماشية في منطقة السافنا الغنية في ديارهم ، غير أنهم وللظروف الطبيعية يرتحلون من الجنوب إلى الشمال في الفصل المطير من بحر العرب حتى بداية مناطق القوز بالقرب من الفاشر تجنباً للأوبئة ، أما في فصل الصيف فتكون عودتهم التدريجية إلي بحر العرب مع إنخفاض الأمطار ، هـذا عـدا (البني هلبه) الذين يسيرون بمواشيهم تجاه ديارهم في الخريف بينما يرتحلون إلي أراضي غرب دارفور في الصيف .
هناك مسارات معلومة يسير فيها البقارة بمواشيهم جيئـة وذهاباًًً ، وهي ما تعـرف ( بالمرحال ) ، وإن وحدة الحركة لدي البقارة هي الأسرة المركبة أو الأسرة النووية ، (18) لكنهم يعلمون مسار جماعاتهم والأسر الأخرى ويمكنهم الإتصال بهم .
يعتمد البقارة علي تربية الماشية كنظام للإعاشة، وإن الزيادة الطبيعية في أعداد المواشي تشكل إستثماراً جاذباً يكفي للإعاشة وتلبية الحاجات وتزيد قليلاً ، ولقد ساهمت المشروعات البيطرية ورعاية الحيوان خاصة في سبعينات القرن العشرين علي الزيادة المضطردة في عددها مما أوجد قناعات الاستمرارية في هذا النمط الإعاشي ، لكن إعتماد البقارة علي الدخن في غذائهم والصرف المـادي الكبير في الحصول عليه جعلهم يزرعونه في الجيوب الرملية (العتمور ) ، إضافة إلى تدهور البيئة بسبب الرعي الجائر للزيادة في عددية القطعان، وكان لابد من الإعتماد علي مصدر آخر وهو الزراعة ، وصارت أعداد الذين يتحولون إلى العمل الزراعي يتزايد حتى أن بعضهم صارت مزارعهم واسعة وإستخدموا العمالة الزراعية من بحر الغزال ، وإستخدم بعضهم الآلات الزراعية (19).
يسود في المناطق شبة الصحراوية في الشمال رعي الأبل والضأن والأغنام بواسطة جماعات مختلفة من الميدوب والزغاوة والرزيقات والزيادية ، ومن بينهم من يعمل بالرعي فحسب ، ومنهم من يدمج الرعي بالعمل في الزراعة خاصة بين الذين لا يملكون أعداداً كبيرة من القطعان ، وهؤلاء يقومون بتغطية نفقات إعاشتهم بدمج النشاط الزراعي بالرعوي وأحياناً يهاجرون إلي مناطق أخري مثلما يفعل الزراع . (20)
يرحل الابالة عادة في اتجاه من الشمال في ديارهم إلي الجنوب عبر المناطق غربي جبل مرة حتى مناطق كبم ورهيد البردي أو أحياناً حتى أفريقيا الوسطي . وهناك جماعة أخري منهم تسير في إتجاه من الشمال الغربي إلي الشمال الشرقي وكل ذلك في زمن الصيف . تأتي بعد ذلك رحلة العودة إلى ديارهم وهم يتبعون مساراتهم المحددة والمعلومة والتي اتفق عليها كل المجتمعات التي يمرون عليها عبر سنوات عديدة ، ويستمرون شمالاً حتى يصل بعضهم وادي هور وواحة الخارجة (21).
ج- النشاط التجاري والحرفي :
منذ سنوات طويلة قامت في دارفور مراكز تجارية يتوافد عليها أفراد القرى المجاورة والتجار من أماكن كثيرة وبعيدة . إن بعضاً من هذه الأسواق قامت في ملتقي طرق ولم تكن هنالك قرية أو مدينة وإنما مكان تجمع، وهي تشكل أكبر الأسواق مثل سوق السمين بمنطقة أم شنقه بشرق دارفور ، وسوق أبوشواكيل جوار شعيرية بجنوب دارفور وسوق دربات في شرق جبل مرة وسوق فوربرنقا في غرب دارفور ، ولكنها تأهلت وتوافد عليها السكان . وهناك أسواق أخري قامت في قري كبيرة مثل ( أبو مطارق ) وتجريبية وسوق كبم وبندس وكبكابية وسرف عمرة وكورما ومليط وسربا واللعيت وغيرها ، و أسواق مدن نيالا والفاشر والجنينة والضعين .
يجد السكان في هذه الأسواق متطلباتهم من المنتجات المحلية والمستوردة ، ويعرضون ويبيعون ما عندهم . إن قطعان الحيوانات عادة ما تباع إلي وسطاء ليتصرفوا في بيع جزء منها محلياً وإرسال الباقي إلي سوق المويلح بإمدرمان أو إلي ليبيا أو مصر . ربما يكون هناك أكثر من وسيطين في العملية الواحدة قبل تصديرها . هذا يعني أن سعر الحيوان يكون متدنياً ، وهو الحال نفسه بالنسبة للمحصولات والمنتجات الزراعية والغابية ، وينعكس علي مستوي دخل الفرد (22).
لدارفور علاقات تجارية خارجية منذ عهد السلاطين ، فقد نشطت التجارة مع مصر وليبيا ، كما كان هناك تبادل تجاري مع الكنغو وأفريقيا الوسطي (23). ومنذ عهود بعيدة قامت طرق عابرة للصحراء ( Trans- Saharan routes ) من وداي وتشاد وباقرمي ونيجيريا والتي تمر عبر دارفور كطريق الحج القاري ، وكذلك الطرق التجارية مثل درب الأربعين الذي يقود لمدينة أم درمان ومصر وطريق الفاشر عبر الواحات إلي كفرة بليبيا وجمعيها عضدت ازدهار التجارة الخارجية (24)، وقد شملت الصادرات الأبل والضأن والماشية والعسل وريش النعام والعاج وقرن الخرتيت والصمغ العربي والجلود وغيرها (25) .
أما النشاط الحرفي فهو واسع الإنتشار في دارفور ، وهو نشاط إقتصادي ثانوي بالنسبة للإفراد الذين يعملون أساساً بالزراعة أو الرعي ، وهو عمل إضافي في فصل الصيف . وقد ارتبطت الصناعات اليدوية بجماعات إجتماعية معينة . انعكست الإستخدامات الكثيرة المرتبطة بثقافات الجماعات علي كثرة وتنوع هذه المنتجات الحرفية . ولعل أشهر هذه الصناعات هي الصناعات الجلدية حتى عرفت بعض أنماط المنتجات الجلدية في السودان بمناطق وفرة وجودة إنتاجها، مثل مركوب الفاشر ومركوب الجنينة ، إضافة إلي صناعات الفخار وأعمال السعف والصناعات الحديدية التقليدية (26) والتي لا زالت فاعلة لإرتباطها بتوفير أدوات الإنتاج خاصة الإنتاج الزراعي . وقد كانت لصناعة النسيج التي اضمحلت ثم اندثرت الآن رواجاً في دارفور حتى أن سلاطين دارفور كانوا يكسون الكعبة المشرفة كل عـام فيما عـرف " بالمحمل ". يشكل النشاط الحرفي نشاطاً إقتصادياً يضيف لدخول الأفراد ، كما إنه يغطي القصور المادي الذي ينتج أحياناً جراء الجفاف أو الآفات الزراعية التي تضر بالإنتاج .


2- التنمية الإقتصادية :
حدثت تحولات إجتماعية في دارفور جراء تدخل منظم ومقصود من الحكومات المختلفة لاحداث تغير إجتماعي إيجابي ، وقد شملت هذه التدخلات مجالات إقتصادية متعددة، وهي ذات جذور بعيدة بدءً من التدخل في نظام الأرض الذي تمت الإشارة إليه في عهد سلاطين الفور وما بعد ،ولعل النماذج الآتية تلقي الضوء علي بعض العمليات الإقتصادية التنموية بحسب أن حصرها وإحصاءها أمر قد لا يتحقق ، ولكن التركيز سيكون علي بعض من تلك التي أحدثت آثاراً إجتماعية أوسع ، ومنها : (27)
أ‌- شجع السلاطين ودعموا حركة السكان والتجارة في الطرق القارية الرابطة بين دارفور وغرب أفريقيا ومملكة سنار والبحر الأحمر والسعودية ، وكان من ذلك أن ازدهرت التجارة، وكان من ضمن الواردات البهارات والصابون والمنسوجات الرفيعة والأسلحة والمجوهرات . ولعل كتابات الرحالة جيمس بروس بعد زيارته لدارفور في 1793-1796 تؤكد ازدهار التجارة إذ عاد في قافلة إلي مصر تضم خمسمائة من الأبل ، ولاشك أن هذا يمثل مدي قوة الحركة التجارية أيامئذٍ .
ب‌- كان للتوجه نحو جباية الضرائب والتحول لتركيز التجارة في بحر الغزال أبان الحكم التركي وإهمال خطوط وطرق التجارة ، ثم عدم الاستقرار والحركة السكانية والهجرة في أيام المهدية الأثر الواسع علي الاستقرار المجتمعي ونتج عنه ضعف الإنتاج وتدهور الأوضاع الإقتصادية بدارفور .
ج- اهتمت الحكومة الإنجليزية علي عهدها بتوفير حاجيات السوق البريطانية من المواد الخام للصناعة ، ولذلك دعمت مشروعات الزراعة الواسعة ذات الإدارة الممركزة مثل مشروع الجزيرة والزراعة الآلية في منطقة القضارف ، وبعض الصناعات ، وقد تمركزت في مثلث محور كوستي – كسلا – الخرطوم ( Kosti- Kasala-Khartoum) ، ما عرفت بالكافات الثلاثة (Three ks) ، ولم يجد صغار المزارعين في الزراعة المطرية التقليدية اهتماماً ولا الرعاة ، حتى أنه في عام 1955م كانت عدد المشروعات في السودان 1170 مشروعاً ليس منها مشروع واحد في دارفور ، واهتمت تلك الحكومة أيضاً باستقرار المجتمع بإعادة ترتيب إدارة القبائل والمحافظة علي زعمائهم وعدم إضعافهم حتى لا يتعثر النظام، وهي ما عرفت بالنقلة الناعمة ( Soft landing policy) التي تتنازل فيها النظم الإدارية والقواعد القديمة للجديدة المختلفة بيسر .
بدأ التعليم النظامي بعدد قليل من المدارس في المراكز وبعض القري الكبيرة مثل الطويشة والضعين ، ودخل النظام الطبي الحديث بقيام بعض المستشفيات والشفخانات البشرية والبيطرية ، وقامت بعض فرق التطعيم ضد بعض الأمراض مثل الجدري ، ودخل السوق منتجات كثيرة جديدة علي المجتمع ، وهذه نقلات علي قلتها وضعف أثرها إلا إنها كانت البداية ، ومع ذلك فإن سياسات التنمية علي هذا العهد أوجد درجة من الفروقات بين الأقاليم السودانية المختلفة .
د‌- بعد الاستقلال ورثت الحكومات الوطنية أوضاعاً إقتصادية تعكس فروقات في التنمية الإقليمية ، ولكنها لم تغير من ذلك النهج في إقامة المشروعات حتى أنه في منتصف الستينات من القرن العشرين نفذ 2280 مشروعاً لم يكن أي منها في دارفور . ويبدو أن الفكر التخطيطي التنموي قد عجز عن وضع نماذج تنموية تفي بمتطلبات التنمية خلافاً لنموذج الزراعة المروية في محور الجزيرة ، وحتي عند ما شرع في إنفاذ مشاريع الزراعة المطرية بالقضارف فشلت فيها وترك الأمر كله للقطاع الخاص .
كان من ابرز إنجازات العهد الوطني في دارفور الخط الحديدي الذي يربط دارفور ببقية إنحاء السودان ، وطريق نيالا- كاس- زالنجي ، وقيام المطارات وتطور الإتصالات ثم قيام مشروع تنمية غرب السافنا في جنوب دارفور ومشروع جبل مرة للتنمية الريفية، وقد توفق المشروعان الأخيران منذ العام 2003م وهناك أيضاً مشروعي تنمية المناطق الريفية المختارة في أم كدادة وعد الفرسان ، وكان لهما الأثر الكبير في التنمية الريفية .
ظهرت الصناعات التحويلية في مجال إنتاج الزيوت والصابون والصناعات الخفيفة الخشبية والحديدية علي يد القطاع الخاص ، في حين تعثرت صناعات أخري مثل المدبغة والنسيج بنيالا والمسالخ وتصدير اللحوم ، كما توقف عمل المناشير لقطع الغابات في تلس وغرب دارفور بغرض ترحليها للخرطوم دون مراعاة للتجديد مما أثر سلباً علي البيئة المحلية المتدهورة أصلاً بفعل الجفاف والتصحر .
لكن العهد الوطني شهد أيضاً إنشاء مدارس كثيرة في دارفور خاصة في بداية الستينات الذي أسس لها بوضع اللبنات الأساسية ، ثم في منتصف السبعينات وما بعد . وقد توقف تمويل الإنشاءات، فقامت علي مبان مؤقتة ، وتحتاج إلى جهود إضافية كبيرة لتؤدي وظيفتها بكفاءة، واقبل المجتمع الدارفوري علي التعليم بعد أن دبَ فيه الوعي الإجتماعي ، ولحق بركب التعليم عدد مقدر ومثلهم لم يجدوا الفرصة له ، وهكذا في مجال الخدمات الصحية .
3- الآثار الاجتماعية لأوضاع دارفور الاقتصادية:-
أثرت الأوضاع الاقتصادية في دارفور علي أنماط السلوك والعلاقات والعمليات الاجتماعية وحركة المجتمع بدرجات متفاوتة في مختلف الأزمنة والأمكنة.نتج عن هذه الآثار تحولات عميقة وعمليات كبيرة كمغادرة السكان بالهجرة والنزوح أحيانا،أوجدت درجة من الاستقرار وتحولات ايجابية أحياناً أخرى .
أحدث إستخدام الأرض،أهم الأصول الاقتصادية في دارفور،آثاراً اجتماعية واسعة النطاق وعميقة، وفيما أوجد إستقرار بعض الجماعات بواسطة السلاطين والأفراد وبواسطة الملاك إرتباطات وعلاقات اجتماعية متميزة قادت للتماثل الثقافي بينها،فقد تشابهت طرق الحياة وأساليب الإنتاج وأنماط ثقافية عديدة ميزت تلك المجتمعات حتى غدت اللهجة العربية لجماعات غير عربية هي اللهجة المستخدمة لجماعات عربية تقطن معها في الحاكورة مثل الجوامعة في جبل مرة،وماثلت لهجة البقارة العربية تلك التي يتحدث بها الفلاته في جنوب دارفور،وتشابهت كثير من الأدوار والوظائف المختلفة للنساء وتلك الخاصة بالرجال، وأنماط الغذاء والسكن وغيرها.وقامت علي أثرها مؤسسات كثيرة مثل (النفير) ومؤسسة الخلوة التي يتجاوز دورها التعليمي بتحفيظ القرآن وتعليم علوم الدين إلي الدور الإرشادي وتغيير أنماط السلوك وبعض العادات والتقاليد وهي بذلك أداة تماثل وتآخي وتوادد.
تشكل الزراعة والرعي أساس إستخدام الأرض وعليهما إنبنت كثير من العمليات والعلاقات الاجتماعية،فقد قامت نظم ايجارة الأراضي عبر تقليد (العوايد) ومنع التصرف فيها بالبيع أو الهبة،وتقييد حركة الحيوان في موسم الزراعة إلا بعد الحصاد عند السماح بممارسة الرعي الحر ما عرف (بالطلق)، والتراضي بقبول التعويض أو العقاب (الغرامة) بعدم التقيد بهذا العرف،والاستخدام المشاع لموارد المياه،وتحديد مسارات (مراحيل) لقطعان الحيوانات بالنسبة للرعاة،وهي مسارات متفق عليها بين جماعات المستقرين والرعاة لزمن طويل،وقامت عليها علاقات اجتماعية إذ كان يحتفي المستقرون بقدوم اسر الرعاة المرتبطين بالمسار علي حاكورتهم، ومثل ذلك يحتفي الرعاة بلقاء أخوانهم من القاطنين.
لقد أحدث مثل هذا التنظيم الاجتماعي درجة من استقرار المجتمع،غير أنه يتعرض للإخلال فتقوم النزاعات بين الرعاة والمزارعين التي تصل مرحلة الحروب بينهما، وتستخدم فيها الأسلحة الحديثة.ولقد تواترت مثل هذه النزاعات خاصة فيما بعد سبعينات القرن العشرين ، فقد شهدت الفترة من 1976م وحتى 1998م صراعات بين مختلف المجموعات بلغت ستاً وعشرين في مجملها.
إن إتجاه إستثمار المزارعين في الحيوانات وزيادة مساحتهم المزروعة قلل من الأماكن المتاحة لرعي حيوانات أهل الأرض (الحاكورة)من ناحية،وتمددت وتوسعت في المساحات المخصصة لمسارات الرعاة،إضافة إلي الزيادة في تلك الأنشطة نتيجة للزيادة السكانية، فأوجد الصراعات بين جماعات الحاكورة نفسها التي تتخذ في الغالب وسيلة اللجوء إلي المحاكم أسلوباً لحسم النزاع، وصراعاً بينهم وبين الرعاة الذي كثيراً ما يتطور بسرعة من مشكلة يسيرة إلي صراع قبلي كبير يروح ضحيته أفراد كثر وتفقد ممتلكات وتحرق قري ومراعِ وتنهب حيوانات،وتدمر وتلوث الآبار، وتقود إلي العصف بعلاقات الجماعتين التي نمت عبر قرون. إن التكرار السريع والتواتر لهذه النزاعات في الفترات الحديثة عمل علي طول فترة سوء العلاقات والمواقف العدوانية وانعكست علي أنشطة كل هذه الجماعات.
في مـثل هـذه الظروف ذات الصراعات المتـواترة ظهـر النهـب المسلـح (armed smuggling) في بداية ثمانينات القرن العشرين،ثم ما لبث أن اشتد وتم نهب المواشي والممتلكات والعربات وقتل كثير من الأبرياء، وقد بذلت جهود أهلية ورسمية لاحتواء الظاهرة، غير أنها لم تفلح، إذا الجاني لا يعرف إلا بعد فتره طويلة من عمليته ويختفي أثره ويصعب تقصيه أحياناً للمقاومة الشرسه التي يبديها بإستخدام أسلحه حديثه . لقد كان لهذه الظاهرة أعمق الأثر في إختلال الأمن حتى قيل " نهب ساعتين أخير (أفضل ) من إغتراب سنتين "، ذلك ان أغلب السكان في دارفور حاولوا الحصول على السلاح لحماية أنفسهم وممتلكاتهم حتى أن بعضهم تخلص من نصف ما لديه من الماشية للحصول على السلاح لحراسة النصف الآخر وأسرته ، وتلك مقدمة لحيازة السلاح الحديث وإنتشاره ، وتحت قناعة الجماعات بأنه ليس هناك من هو أفضل لحماية أسرهم وممتلكاتهم من أنفسهم وكل ذلك بعد فشل كثير من الجهود الرسمية والأهلية، لذا فقد غدا أمر جمع السلاح منهم والجهود المبذولة لذلك غير مجديه .
في هذا المناخ الأمني المضطرب ذو الصراعات القبلية المتواترة والنهب المسلح الواسع الانتشار وعدم قدرة الجماعات المختلفة على مواجهتها بانفراد إلا تحت التضامن ظهرت لأول مره في تاريخ دارفور تكوين المليشيات التي أسست بغرض الحماية أساساً ، ولكنها تجاوزت أحياناً للتعدى الهجوم على القرى، وساد عدم الأمان، والشواهد على الهجمات الشرسه وفقدان الولد والأهل والممتلكات وحرق المدارس والشفخانات والأسواق وبعض المؤسسات الأخري كثيرة ، فتوقف التعليم والعلاج الطبي والخدمات الأخرى والتنمية التى كانت أصلاً غير متوازنة ، وتداعت كل جماعه إلى جماعتها،وتقيدت حركة السكان، فتأثر النشاط الاقتصادي جميعه بسبب هذه الظروف، فصارت الزراعة محدودة في مساحاتها، وتوقف جمع الإنتاج الغابي والعمل في (جناين ) الصمغ العربي، وتم التخلص من كثير من الحيوانات، وتعذر الوصول للأسواق لعرض المتبقي من المحصول بعد الحرق والنهب والحصول علي المستلزمات، وكان ذلك سبباً لأكبر عملية هجرة ونزوح في مجتمعات دارفور، وظهرت المعسكرات التي تضم آلافاً من النازحين الذين ليس لديهم إلا فراش الأرض وغطاء السماء عند وصولهم ، فمعسكر الحميدية بزالنجي الذي قام في العام 2003 به حوالي 92132 نازحاً ، وقد عمل مجتمع المدنية كمضيف تم تدخلت الحكومة وديوان الزكاة ببعض المؤن ومن بعد تولتها المنظمات الطوعية (31) ، وهكذا في أغلب بقية المراكز الكبرى في دارفور، وهذا يعني أن المجتمع الذي كان منتجاً ويعتمد في كسبه علي حصوله من الإنتاج ويستثمر أحياناً من فوائض إنتاجه تعطلت كل طاقاته، وصار حبيساً في دائرة المعسكر إلا قله، وهاجر قليل منهم إلي منطقة القضارف وبدرجة أقل إلي ولاية الخرطوم، تم جاءت الحرب في 2003 بوزرها وتداعياتها فزادت الأمر تعقيداً.
لقد تأثرت جماعات الرحل في مساراتها بهذا الوضع المضطرب، فلم تعد مسارات البقارة تتجاوز خط السكة حديد بالقرب من مدينة نيالا كأبعد نقطة، وأصبح طريق (نيالا زالنجي كاس) نهاية مسار جماعات البني هلبه في ترحالهم شمالاً في الصيف، وتقيد وصول الأباله إلي المراعي الشمالية في الجزو ووادي هور والعطرون، وتحول كثير من جماعات البقارة إلي مزارعين واستقروا في ديارهم، وانه لم يتبق منهم من يمتهن الرعي فقط سوي 10-15% منهم (32).
أثرت الأوضاع الأمنية علي حركة البقارة بصفة عامة في مجتمع دارفور، فاضمحلت الأسواق بل أن اغلبها قد توقف، فالمنتجات لاتصل إلي الأسواق بيسر، وعائد المنتجات عرضة للنهب عند العودة للقرية، والعربات التي تنقل البضائع والسلع والمنتجات الأخري تتعرض للنهب وقتل الركاب ونهبهم ، وقطار نيالا الخرطوم هو الآخر غير آمن رغم انه أصلاً لم يجد التطوير منذ إنشاء الخط إلا بعد بدء عمليات نقل البترول من مناطق ابيي حيث تم تحديثه إلي بابنوسة . لهذه الأسباب ارتفعت أسعار السلع وهاجر كثير من التجار إلي اطراف المدن في دارفور والخرطوم وانهارت تجارة الماشية، حتي أن أسواق هامة مثل مليط التي تصدر مابين 20 ألف إلي 30 ألف رأس من الإبل سنوياً إلي ليبيا قد انهار وتركه التجار.
نتيجة لهذا الوضع الأمني تدنت الأسعار في دارفور رغم زيادة الطلب علي الاستهلاك المحلي وزيادة الطلب العالمي للحوم الحمراء (export-led demand ) . إن أسعار الحيوانات في الأسواق الكبيرة قبل التصدير مثلما في سوق المويلح بأم درمان (Terminal market prices) متضاعفة أكثر من أربع مرات السعر، وهذا يعني أن الأفضلية في السوق لصالح التاجر ولم يستفيد المنتج إلا القليل، وهناك عدد كبير من الوسطاء، وإن التجار المحليين ليس لهم القدرة المالية العالية لإنعاش السوق، ويزيد من خفض سعر الحيوانات لهذه الأسواق الكبيرة خلافاً للوضع الأمني المتدهور. إن المواشي تسلك طرقاً طويلة تستغرق مابين 80-90 يوماً وتقدر نسبة الخسارة بموت 1% للضان، و4% للأبقار و5% للإبل من جملة كل قطيع(34).
عند تدهور الحالة الأمنية تعطلت الطرق التجارية ،ومنها طريق الهجرة إلي ليبيا وقفلت. كانت هجرة المواطنين إلي ليبيا تحقق إستقراراً إجتماعياً عبر تحويلات العمال المهاجرين من دارفور والذين يقدر عددهم بين 150 ألف و250 ألف شخص يزيد عمر أكثر من نصفهم ثلاثين عاماً.إن تحويلات المهاجر الواحد النقدية يقدر في العام بين 40 دولار الي900 دولار إضافة إلي للتحويلات العينية المتمثلة في المعدات المنزلية والمواد الغذائية والحافظات البلاستيكية والمراتب وغيرها، وقد توقفت جميعها بل أصبح الإتصال بهم غير ممكن، ومن ناحية أخرى لا يعرف المهاجرون أيضاً في بعض الأحيان مكان نزوح أهليهم الذين صاروا أكثر إعتماداً علي المنظمات الطوعية في الحصول علي الإعانات وبعض الخدمات، ولم يعد لهم دور كبير يذكر في المدن التي استقروا حولها في المعسكرات أو هاجروا إليها، فهم يفتقدون المهارات المطلوبة في المجتمعات الجديدة والتي يكون اكتساب أغلبها بالتأهيل والتدريب، وإن ثقافاتهم الريفية لا يتناسب إنتاجها الحرفي ومتطلبات غالبية سكان الحضر، وأصبح الأمر يحتاج إلي التدخل التنموي لاكتساب تكيف علي نمط يناسب حياتهم الجديدة للكسب، خاصة وأن الأجيال من الصغار إفتقدت التدريب علي متطلبات الحياة في القرية، وسيبتعدون أكثر كلما طال بقاؤهم في هذه المعسكرات، وأن الباقين في القري سيظلون متأثرين بدرجة من الانعزال تقيد سرعة تغيرهم ومواكبتهم للحياة عند المحاولة لنقلهم إليها.
الخلاصة:
تعتبر ملكية الأراضي في دارفور أهم الأصول وعنصر الاقتصاد الأول الذي يقوم عليه كل الأنشطة الاقتصادية الأساسية المتمثلة في الرعي والزراعة، إضافة إلي أنشطة وفوائد أخري. إن الباحث في مشكلات العلاقات والعمليات الاجتماعية في دارفور لابد له من إيلاء الأمر غاية عنايته بالنظر إلي حقوق الجماعات دعماً للاستقرار الاجتماعي، خاصة وان النظام الموجود لا يحرم الاستفادة من الزراعة والرعي والماء. ولابد من الإشارة إلي أن اتجاه انتشار البستنة والحدائق علي الوديان بدأ بحيازة الأرض عن طريق الشراء، وهذا يعني إن تلك الحقوق صارت أحياناً فردية، وانه في المدي البعيد ومتي ما توفرت بناء قدرات أخري وتأهيل لمجالات مختلفة لإدرار الدخل والكفاية المعيشية سيكون الأمر واقعاً، وهذا يتم عبر برامج التنمية، وعندئذٍ فان نظام الحوا كير لن يكون له اثر علي نحو ما هو عليه اليوم.
إن تطوير الزراعة بإدخال أدوات فعالة وبذور محسنة وبأساليب تجديد خصوبة الأرض يحفز على استغلال مساحات تترك بوراً لسنوات حتى تتحول إلي مزارع هشاب لتقطع مرة أخري لإعادة زراعة المحاصيل، ولابد للفكر التنموي السوداني من أن يعمل علي استحداث أساليب لتطوير الزراعة المطرية طالما عجزت عنها لما يقارب القرن من الزمان. إن اتجاه الرعاة للاستقرار والزراعة لابد من أن يدعم بتحسين وتطوير الزراعة والعمل علي استقرار الرحل بتربية الحيوانات في مزارع بدلاً عن السفر الطويل الذي يصعب معة تقديم الخدمات وتنفيذ برامج تنموية.
نتج عن علاقات المزارعين والرعاة مع اعتبار عامل الأرض نزاعات، وتوسعت وقادت لحروبات، وأفرزت ظاهرة اكبر تحرك سكاني في دارفور بالنزوح إلي معسكرات بالقرب من المراكز الحضرية وبالهجرة. ولابد من العمل عي استقرار المجتمع وإيقاف الحروبات والنزاعات و إعادة ترتيب الأمور بعودة النازحين عندئذ.
إن بقاء جماعات بأعداد كبيرة في المعسكرات مع الاعتماد علي الإعانات يفقد الأجيال الجديدة الثقافة المرتبطة بالأرض والزراعة والرعي، ويتوقف نقل تلك الخبرات إليها عملياً، مما يستدعي سرعة إيقاف الحروب وإعادتها إلي قراها ، وأن طول بقائها يتطلب تأهيلاً جديداً لمجالات عمل وإعاشة تناسب الوضع الجديد، وتكون التكلفة الاجتماعية والاقتصادية كبيرة.
يقود الاهتمام بالتنمية والخدمات إلي توجيه المجتمع إلي ثقافات مرتبطة بالإنتاج وعلاقاته، وان الروابط الإجتماعية تكون في خدمة ورفاهية الجماعة ودعم الاستقرار والتعايش، ولعل من أهم عناصر بسط الأمن وإنفاذ برامج التنمية والخدمات هي قناعة الجماعات وتعاونها ، ولن توفر القوة وحدها الاستقرار.إن تشييد الطرق وتطوير السكة حديد، وتوازن برامج التنمية وقيام مشروعات تنموية تستوعب الطاقات وتوجه المجتمع للتعاون المثمر، وتنشيط التجارة الداخلية، وتقديم وتوسيع خدمات التعليم والصحة والإعلام وتشجيع الأنشطة الداعمة لتطور العلاقات الاجتماعية وقيم التعاضد والتعاون من رياضة وجمعيات وغيرها هي الطريق إلي الإستقرار الإجتماعي .


المراجع:
1- Collinson, S. E., power, Livelihood and Conflict, case Study in Political economy Analysis for Humanitarian Action, HPG report 13, Overseas Development Institute, 2003.
2- Bourguignon, François, The Effect of Economic Growth on Social Structures, The World bank, October 23, 2004, p. 4.
3- Bourguignon, François, ibid , pp. 25-49.
4- Young, Helen and others, Darfur- Livelihood under Siege, Feinstein International Famine Center, June 2005, p. 2.
5- Young, Helen and others, ibid, p. 3.
6- علي أحمد حقار، البعد السياسي للصراع القبلي في دارفور، مطابع السودان للعملة المحدودة، الخرطوم، 2003، ص ص 163- 164.
7- Simpson, L. G. , Land Tenure, in Graig, G. M.(ed.), The Agriculture of the Sudan, Oxford University Press, New York, 1991, p. 111.
8- آدم الزين، التغير في المجتمع وأثره على الصراع القبلي في دارفور: بإشارة خاصة إلى إقليم دارفور، في آدم الزين محمد والطيب إبراهيم أحمد وادي، رؤى حول النزاعات القبلية في السودان، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، 1998، ص 53.
9- Haaland, G, Systems of Agricultural Production in Western Sudan, in Graig, G. M.(ed.), The Agriculture of the Sudan, Oxford University Press, 1991, p. 242.
10- علي أحمد حقار، مرجع سابق، ص 149.
11- Magda Abdalla Ibrahim, Impact of Darfur Conflict on Western Traders, Partial Fulfilment Dissertation for the requirement of M.Sc. in Gender and Development, Ahfad University for Women, Omderman, April, 2006, p. 26.
12- Magda Abdalla Ibrahim, ibid, p. 22.
13- Barth, Fredrick, Economic Spheres in Darfur, in Raymond Firth,(ed.), Themes in Economic Anthropology, 3rd ed., Tavistack Publishers, London, New York, Sydney, Toronto, Wellington, 1975, p. 153.
14- هيلين يونج وآخرون، دارفور سبل المعيشة، ملخص تنفيذي وتوصيات ،جامعة الأحفاد للبنات، ام درمان،ب.ت،ص.9
15- Barth, Fredrick ,op .cit, p.150
16- التجاني مصطفي محمد صالح، مسببات الصراع القبلي في السودان، في آدم الزين محمد والطيب إبراهيم احمد وادي، رؤى حول النزاعات القبلية في السودان، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم،.1998
17- Barth, Fredrick ,op. cit, p.162.
18- Barth, Fredrick, ibid, pp.150-152
19- Haaland, K G., op. cit, pp.243-245.
20- Haaland, K G., op. cit, p.243-245.
21- Young, Helen and others, Darfur-Livelihoods under Siege, Feinstein International Famine Center, June 2005,pp.54.55
22- Young, Helen and others, ibid,65.
23- أحمد عبد القادر أرباب، تاريخ دارفور عبر العصور، دار جامعة الخرطوم للنشر،1988،ص29.
24- Young, Helen and others, op. cit, pp.58-60.
25- علي أحمد حقار، مرجع سابق، ص ص 134-135.
26- Magda Abdalla Ibrahim, op. cit, p.25
27- أحلام موسي آدم بشار، دور المنظمات الطوعية في التنمية الاجتماعية،دراسة حالة منظمة الإنقاذ الدولية بمعسكر الحميدية للنازحين بمحلية زالنجي بولاية غرب دارفور، بحث لنيل درجة الماجستير في علم الاجتماع، سبتمبر،2008، و Young, Helen and others, op. cit
28- يوسف تكنه، الآثار المترتبة علي ظاهرة الصراع القبلي بدارفور، في آدم الزين والطيب إبراهيم أحمد وادي، رؤى حول النزاعات القبلية في السودان، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم1998، ص ص196-199.
29- التجاني مصطفي محمد صالح، مسببات الصراع القبلي في السودان، في آدم الزين محمد والطيب إبراهيم احمد وادي، مرجع سابق،ص 104.
30- هيلين يونج، مرجع سابق، ص 42.
31- أحلام موسي آدم بشار، مرجع سابق، ص 114.
32- هيلين يونج وآخرون، مرجع سابق، ص 62-194.
33- هيلين يونج وآخرون، مرجع السابق نفسه، ص ص 57-75.
  أرسل المقالة

تنقل بين المقالات
المقالة التالية تداعيات الأوضاع السياسية على الأمن الاقتصادي تقويم المبادرات والمقترحات واستراتيجية الحل لمشكلة دارفور المقالة السابقة
Voters total: 0
Average: 0
جديد المكتبة الصوتية

جميع الحقوق محفوظة لمركز التنوير المعرفي ©

Powered By Gasim